داعش ونظرية المؤامرة.
__________________
حتى بعد الفيديو الصادم الأخير لداعش في سيناء؛ لا أخجل من الحديث عن استراتيجية التوتر ونظرية المؤامرة. ليس فقط لأن عملية كهذه يلزمها مدد لوجيستي واستخباري كبير، ولكن أيضا نظرا لأنني على قناعة أننا نعيش في مؤامرة كبيرة، ويراد لهذه المنطقة أن تكون دائما في توتر، حتى تستقر عواصم خليجية وغربية.
إذا لم تستطع هزيمتهم فالحق بهم If you can't beat them, join them. هذا المثل الغربي كثيرا ما يستخدمه الأمريكان، وأظن أنه يستخدم هذه المرة أيضا.
الاهتمام الأميركي الشديد سواء الأكاديمي أو الاستخباري بالحركات الإسلامية في المنطقة ومصر خصوصا تأكد صناع القرار في أميركا أن الرهان على علمنة مصر غير مجد، وأنه من الأفضل البحث عن إسلام لطيف منزوع الدسم يسمونه "معتدل" على حساب إسلام حقيقي يتمسك بالشريعة والخلافة وتحرير فلسطين. وهذا الإسلام يسمى متشدد أو إرهابيين.
وخلال ثلاث سنوات تيقن صناع القرار لأسباب كثيرة من مدى تغلغل جماعة الإخوان المسلمين في مصر؛ وعدم قدرة تيارات مثل أبو الفتوح الذي تخلى عن تاريخه في الجماعة واحترام الكثيرين له، أو حزب النور الذي دفع دفعا للإنخراط في السياسة والكفر بكل مبادئه السابقة، من سحب البساط من تحت قدم الجماعة.
كان ترك أميركا جماعة الإخوان المسلمين لفترة أطول في الحكم يعني استحالة خلعهم في المستقبل، فكان قرار الانقلاب العسكري بغطاء سياسي من مشاركين سابقين في الثورة وهجوم إعلامي كثيف وأزمة اقتصادية طاحنة.
لكن قرار الانقلاب العسكري كان حلا على المدى القريب، لتوجيه ضربة قوية للتنظيم الذي وصل لحكم مصر ونجح في خمس استحقاقات انتخابية رغم الضغوط. ولكن ماذا عن المدى البعيد؟؟
***
في الفصل الثاني من كتابه القيم "ثورة يوليو الأميركية" تحدث الأستاذ محمد جلال كشك عن حالة الغضب التي كانت في المجتمع المصري قبل ثورة 1952، والتي وصلت لدرجة الغليان بعد حرب 1948. فكان لابد من التحرك قبل خروج الأمور عن السيطرة.
كانت موجات التحرر في تجتاح العالم أجمع، والرغبة المصرية في الاستقلال شديدة، فلم يكن معقولا أن تخرج بريطانيا من الهند ولا تخرج من مصر التي علمت الهند أدبيات الثورة والمظاهرات منذ 1919.
وتطبيقا للمثل السابق ذكره أول المقال، فقد ركب الأمريكان الموجة، ورتبوا علاقات مع عدد من الضباط وصلوا للحكم، مقابل تنفيذ الأجندة الأميركية، على حساب أجندة وطنية تدعو الجيش للعودة لثكناته والتنكيل بكل من يطالب بذلك سواء محمد نجيب ومن يؤيده من الضباط أو الإخوان أو الشيوعيين ...إلخ.
أرى أن المنطقة تمر بحالمة مماثلة، إلا أن المشاعر التي تجتاح مصر - والمنطقة - ليست قومية بل إسلامية. وحيث أنه من المستحيل تغيير أو امتصاص هذه المشاعر، فمن الأفضل أن تسقط المنطقة بيد تنظيم "إسلامي" موال للغرب.
لا يمكنني أن أتخيل تنظيما ينمو ويترعرع بل ويتمدد ويسيطر على حقول نفط تحت الحرب، وأوباما يزعم أنه جند 40 دولة لقتاله! 40 دولة تدعي قتال داعش بينما الضربات الأقوى وجهت لجبهة النصرة. تدعي داعش قتالهم بينما حربها الأقوى كانت ضد جماعات معارضة إسلامية وغير إسلامية ضد بشار الأسد.
***
خطورة هذا التنظيم أنه من نسيج هذه المنطقة، سني ويرفع شعارات تجتذب الكثير من الشباب في ظل تراجع آمال التغيير السلمي بالانقلاب العسكري في مصر. كما أن التنظيم يعطي مبررا أميركيا قويا للعودة مجددا للمنطقة بعد أن ثبت لهم خطأ استراتيجية سحب القوات.
التنظيم فقط يحتاج مبررا لوجوده وربما لتلميعه وهذا وفرته لهم الأنظمة القمعية في سوريا والعراق والانقلاب العسكري في مصر.
ولا يعني هذا أنني أتهم تنظيم الدولة بأنه بالكامل صنيعة غربية أو مجموعة من العملاء، فهذا تسفيه من عقول الناس وتبسيط مخل بالقضية. وأنا على قناعة أن الكثيرين من جنود هذا التنظيم يقاتلون عن قضية، ومؤمنون حقا بما يقومون به.
لكن كثيرا من قياداتهم غير معروفين، وهناك الكثير من الكلام عن انخراط ضباط سابقين في الجيش العراقي المنحل للتنظيم، وسقوط الموصل في ساعات غير ممكن عسكريا لولا خيانات من قيادات عسكرية سلموا البلد للتنظيم.
وسقوط الموصل يذكرنا بسقوط بغداد ويذكرنا أيضا بسقوط صنعاء وكلها مدن سقطت في ساعات بتواطؤ من قيادات عسكرية، فلم لا يتكرر الأمر مجددا؟؟
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
هذا ما لدي.. فماذا ترون؟