عرفت البشرية قديما مصطلح الطابور الخامس، وهو مصطلح إسباني الأصل وقت أن كانت الجيوش أربعة طوابير، وهناك طابور سري داخل صفوف العدو يتحرك خلسة دون أن يشعر به أحد.
ثم عرفنا في القرن الماضي مصطلح استراتيجية التوتر؛ وهو مصطلح غاية في الأهمية تم استخدامه بكثرة في القرن الماضي. وهذه الاستراتيجية تعني أن يقوم النظام نفسه بافتعال أعمال عنف مروعة ثم يلصقها بالخصوم عبر أدوات إعلامية جبارة تتهمهم بها. والهدف طبعا واضح؛ تشوية المعارضة وتبرير ما يقوم به النظام من أعمال قمع واستبداد.
الآن نواجه ربما مصطلحا جديدا أسميه التنظيمات الهجينة. وهي التنظيمات التي تحوي جنودا في القواعد تعادي النظام حقا وتحمل قضية تدافع عنها، ولكنها مخترقة من قبل النظام أو أجهزة مخابرات دولة ما في طبقة من الطبقات القيادية في التنظيم، لتوجيه قراره بما يخدم النظام أو جهاز المخابرات الذي اخترقه.
***
لا أميل إلى أن تنظيمات مثل داعش أو فرعه في مصر ولاية سيناء هو وهم بالكامل وغير موجود أصلا أو صنيعة جهاز مخابرات. لأنه ببساطة لا يعقل أن تنشر مخابرات السيسي فيديو دعائيا لعميلة ضد جيش السيسي في سيناء "صولة الأنصار" تظهره بهذا العجز والضعف وتفضح على العالم هزيمته المذلة! كما لا يعقل أن تدرج أميركا تنظيما وهميا لا أساس له في لائحة التنظيمات الإرهابية!
ولا أميل أيضا أن داعش وولاية سيناء هي تنظيمات حقيقية بالكامل، وأنهم مجرد امتداد أكثر تطرفا لتنظيم القاعدة! فهناك العديد من المؤشرات التي تطرح علامات استفهام حول نشأة التنظيم وتمويله وتسليحه وانتصاراته المفاجئة!
الأكثر قبولا عندي هو فكرة التنظيمات الهجينة. بمعنى أن ولاية سيناء ضمت الكثيرين من أبناء سيناء المقهورين الذين يعيشون جحيما حقيقيا منذ الانقلاب، بعد أن كان عدد السلفية الجهادية في سيناء لا يتجاوز 200 فردا! إلا أنهم في مستويات تنظيمية معينة مخترقون اختراقات خطيرة توجه دفة القرار في التنظيم بشكل يخدم أهداف من يخترقه!
والتحليلات حول الجهة المخترقة كثيرة، أولها إيران التي استفادت كثيرا من وجود تنظيم داعش الذي حارب المعارضة السورية الإسلامية والعلمانية بما فيها جبهة النصرة (القاعدة) أكثر من محاربته للنظام. بينما لا نجد أي وجود للتنظيم في اليمن حيث يسيطر الحوثيون على العاصمة الآن ولا يقاومها من أهل السنة إلا الإخوان والقاعدة!
وهناك أميركا، وهناك أيضا دحلان في سيناء، ولا مانع من أن تتعدد الاختراقات في تنظيمات هرمية منعزلة يسهل فيها الاختراق.
***
وإذا انطلقنا من هذه النظرية إلى الواقع فيما حدث في سيناء من تفجيرات، فأعتقد أن السيسي أكثر من استفاد من هذه التفجيرات، سواء كان طرفا فيها أو وظف ذلك الحدث لنفسه!
فمنذ 25 يناير وهناك موجة ثورية شريفة مؤلمة أوجعت النظام وجعلته يتلفت حول نفسه، وجعلت المجلس العسكري في انعقاد دائم "حالة طوارئ في الجيش" وطالبهم السيسي بتقديم تقرير كل ست ساعات.
ولا شك أن التقرير لا يحوي فقط العمليات التي حدثت، وإنما تحليلات ومعلومات وتوصيات للخروج من الأزمة "تقدير موقف".
ما حدث بتفجيرات سيناء أنه تم كسر الموجة الثورية التي بدأت في 25 يناير مؤقتا ونقلتها من خانة الهجوم إلى خانة الدفاع ورد الفعل، ومن رفع شعارات مثل القصاص إلى التمترس خلف التنظير في وجهة نظر الثورة في هذه التفجيرات! والقاعدة الإعلامية الشهيرة تقول: المدافع في الإعلام خاسر مهما كانت حجته قوية! (قال أنا أحيي وأميت قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر) ( البقرة : 258 ) .
كما أن السيسي وإعلامه نجحوا في ربط الأعمال الثورية شرق القناة في الوادي والدلتا بالتفجيرات التي حدثت غرب القناة في سيناء، لذا فلا عجب أن هجوم السيسي وإعلامه كان على الخطر الأكبر على كرسيه "غرب القناة" وليس على التنظبم الذي تبنى فعلا التفجيرات شرق القناة!
ما حدث في سيناء تجسيد جديد لنظرية عصا موسى التي جسدها عاطف الطيب في فيلم الهروب. فلقد التقفت التفجيرات أعمال الثوار ولفتت عنها الأنظار مؤقتا، وسط تجاهل تام لأصل القضية وسبب الأزمة، وهو الانقلاب العسكري وما تلاه من مجازر وتهجير أهل رفح والجرائم ضد سيناء! وما تبع كل ذلك من تردي غير مسبوق في الوضع الاقتصادي والسلم الأهلي!
نصيحتي للثوار هوالتقاط الأنفاس والهجوم في موجة ثانية، فالمدافع خسران، ورد الفعل خسران. الهجوم يكون إعلامي بالأساس، ودور السوشيال ميديا ضروري وحيوي، ثم استكمال الموجات الثورية في المطرية والصعيد والإسكندر ية وباقي المحافظات. والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون!
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
هذا ما لدي.. فماذا ترون؟