قلت مرارا أن أحد أهم وأبسط تعريفات السياسة هو فن "معرفة العدو من الصديق".
اللوبي الإماراتي الحاكم في السعودية بقيادة أمين الديوان السابق خالد التويجري كان يرى أن الإخوان المسلمين في كل مكان هم الخطر وهم العدو! وبناء عليه دعموا انقلاب مصر، وأمروا بقتل المعتصمين رغم إمكانية الفض بدون هذه الكلفة العالية من البشر، وأعلنوا جماعة الإخوان المسلمين في السعودية منظمة إرهابية، وضغطوا على الحكومة البريطانية لاعتبار الجماعة هناك منظمة إرهابية وهو ما رفضته الحكومة البريطانية رغم الضغوط.
وصل الأمر ذروته الصيف الماضي حين اجتاحت ميليشيات شيعية مسلحة موالية لإيران العاصمة اليمنية صنعاء في سبتمبر. حينها لم تغلق سفارة خليجية أو أجنبية واحدة أبوابها وتحدث الجميع أن اجتياح الحوثي لصنعاء كان باتفاق سعودي خليجي إيراني غربي فلولي لإقصاء جماعة الإخوان المسلمين في اليمن الممثلة في حزب الإصلاح.
***
لكن السعودية وضعت نفسها طرفا في معركة ليست طرفا فيها بتخفيضها أسعار النفط لمستويات غير مسبوقة، بإيعاز من أميركا للرد على روسيا نتيجة دعمها الإنفصاليين في شرق أوكرانيا، وللضغط على إيران في الملف النووي الذي يرغب الديمقراطيون في تسويته بسرعة قبل الانتخابات الرئاسية العام القادم التي من المتوقع أن يهاجمهم فيها الجمهوريون بقوة عبر بوابة هذا الملف النووي.
وفي المقابل جاء الرد الروسي الإيراني جاء في اليمن؛ بنقض الاتفاق السابق مع الخليج وعدم الاكتفاء بإقصاء الإخوان هناك وإنما بتنفيذ انقلاب عسكري وإعلان ما سمي بالإعلان الدستوري لتكون إيران على حدود السعودية الجنوبية بعد أن أصبحت على حدودها الشرقية، وليسيطر الحوثيون على مضيق باب المندب الرئة الوحيدة للموانئ السعودية على البحر الأحمر ولا سيما ميناء جدة!
***
في وسط كل ذلك لم نسمع كلمة من القاهرة! وكأن المعركة تدور بين لاعبيين رئيسيين "أميركا - روسيا - إيران" ولاعبيين ثانويين "السعودية - الخليج - اليمن" ومنفذين فقط أو أدوات "السيسي"!!
التصريحات المصرية المتكررة بتجهيز قوة عسكرية للتدخل السريع في اليمن إذا تم تهديد مضيق باب المندب مثير للضحك! فهل مجرد اجتياح الحوثيين لصنعاء لا يهدد مضيق باب المندب؟؟ وهل إعلان انقلاب عسكري هناك لا يهدد مضيق باب المندب؟؟
وأيهما أخطر على الأمن القومي المصري؛ اجتياح الحوثيين لصنعاء أم بناء إثيوبيا للسد على مجرى النيل؟؟ هذا السد الذي يهدد حياة جميع المصريين! وإذا قال قائل أن كلاهما خطر على الأمن القومي المصري فكان من الأولى أن نرى هذه العنترية عندما أسرعت إثيوبيا في بناء السد الذي يهدد حياة 90 مليون مصري بالموت عطشا أو غرقا في حال انهار السد!
***
وأنا أرى أن التصريحات العسكرية العنترية بالتدخل في اليمن لها ثلاثة أسباب:
1- الرد المصري إنما هو في الحقيقة رد سعودي التي ترى السيسي وانقلابه أجيرا عندها، مولت انقلابه ودعمته بمليارات الدولارات.
2- تهديد مضيق باب المندب يضر بإسرائيل وهو أمر تعهد السيسي بألا يسمح به علنا في حواره مع قناة فرانس 24.
3- محاولة لاصطناع شعبية قومية للاستهلاك المحلي في إطار السعي الحثيث للتشبه بعبد الناصر.
***
وفي النهاية وبالعودة لما ذكرناه في بداية المقال عن أبسط تعريفات السياسة فن معرفة العدو من الصديق فالسيسي يرى كل ما يدعم انقلابه صديق حتى ولو على حساب الأمن القومي المصري، وكل من يقف ضد انقلابه عدوه حتى لو كان المدافعين عن شرف الأمة وأمنها القومي.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
هذا ما لدي.. فماذا ترون؟