هذه دراسة فكرية عن:
1-المقارنة بين من يتبنى مبدأ اللجوء لشرع الله أو اللجوء للقوة لحسم الخلافات
2- مقارنة سريعة بين وسطية الإسلام تبين اليهودية والنصرانية في مسألة اللجوء للقوة.
***
ينظر دائما إلى الإنسان البدائي على أنه كائن متوحش همجي يأكل اللحم نيئا، ودائم الشجار مع الحيوانات من أجل البقاء، ومع أقرانه من أجل الطعام والمرأة!
إلا أنه القرآن يعلمنا شيئا آخر! فالإنسان الأول كان النبي آدم عليه السلام، وهو بعيد كل البعد عن هذه الأوصاف البشعة. وحين حاول أحد ابني آدم حسم الصراع مع أخيه بالقوة فقتله، بعث الله له غرابا يبحث في الأرض ليعلمه كيف يواري سوأة أخيه، في إشارة شديدة الوضوح أن القوة ليست وسيلة حسم الأمور وأن عاقبة ذلك الندم!
وكلما ظل الإنسان على منهج آدم عليه السلام ظل تقييم الأمور وحسم الخلافات مرجوعا لشرع الله. إلا أنه ومع بعد الإنسان عن شرع الله جنح الإنسان إلى القوة كوسيلة لحسم الخلافات وفرض الأمر الواقع على الخصوم!
والصراحة أن استخدام القوة لحسم الخلافات له إغراء وبريق! ولا أدري على وجه التحديد على استخدام القوة سببا أم نتيجة؛ سببا لعدم القنوع - أو الاقتناع- بشرع الله، أو نتيجة لإغراء القوة وتزينها لسرعة حسم الخلافات.
والحقيقة أيضا أنه كلما ضل بنو آدم أرسل الله عز وجل لهم أنبياء ورسل يعيدونهم إلى شرع الله حرصا عليهم ونذيرا لهم وحجة عليهم بعد ذلك:
"وإلى عاد أخاهم هودا قال يا قوم اعبدوا الله"، الأعراف 65
"وإلى ثمود أخاهم صالحا قال يا قوم اعبدوا الله"الأعراف 73
"وإلى مدين أخاهم شعيبا فقال يا قوم اعبدوا الله"،هود 84 - الأعراف 85
"لقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال ياقوم اعبدوا الله". الأعراف 59
والهدف كما يبدو من إرسال رسل الله عز وجل هو إعادة الناس إلى شرع الله لتحكيمه فيما بينهم و تبنيه كقاعدة ومنطلق لرؤية الأمور وتقييمها. إلا أن البشر المعرضين دائما يجنحون إلى القوة لحسم الخلاف، كبرا منهم عن النزول على أوامر الله، أو خضوعا لبريق القوة وإغرائها:
"قالوا يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا فأتنا بما تعدنا" هود 32
"فعقروها فقال تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب"هود 65
"قالوا ياشعيب ما نفقه كثيرا مما تقول وإنا لنراك فينا ضعيفا ولولا رهطك لرجمناك وما أنت علينا بعزيز " هود 91
جنوح مطلق وأوحد إلى القوة إلى الدرجة التي دفعت سيدنا لوط عليه السلام إلى تمني القوة: "قال لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد". هود 80
حقا شيبتني هود!
***
ثم يخبرنا القرآن عن قصة مهمة "أحسن القصص" وهي قصة سيدنا يوسف عليه السلام، وهي قصة مليئة بمحاولات اللجوء للقوة لحسم الخلافات!
ففي البداية حاول إخوة يوسف عليه السلام حسم خلافهم معه وحقدهم عليه بالقوة، ثم التعلل بالتوبة والرجوع لدين الله بعد ذلك!
"اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا يخل لكم وجه أبيكم وتكونوا من بعده قوما صالحين" يوسف 9
وتظهر القصة مشهدا آخر من مظاهر اللجوء للقوة وهو محاولة إجبار امرأة العزيز سيدنا يوسف على الرذيلة وتهديده بالسجن:
"ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونن من الصاغرين" يوسف 32
ومشهد ثالث للجوء للقوة فوق الحق والعدل حين أمروا بحبسه ظلما درء للفضيحة:
"ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجُنُنَّه حتى حين" يوسف 35
فانتهت القصة بانتصار شرع الله ومن يتبعه على من يحتكم للقوة:
"كَذَٰلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ ۖ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ ۚ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ ۗ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ" يوسف 76
***
وتمر البشرية بمرحلة مهمة من مراحل الصراع بين من يحتكمون لشرع الله ومن يلجئون للقوة لحسم الخلافات، وهي مرحلة وجود بني إسرائيل في مصر، وبعث سيدنا موسى عليه السلام إليهم.
فبعد استقرار سيدنا يوسف عليه السلام وجلبه أبويه وإخوته إلى مصر، ظلوا فيها حتى رحل الهكسوس عن مصر، وسامهم فرعون سوء العذاب:
"إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين" سورة القصص 4
وظل اليهود "بنو إسرائيل" على هذه الحالة من الاستعباد حتى أتاهم سيدنا موسى عليه السلام. وفي الصراع بينه وبين فرعون حاول فرعون دوما اللجوء للقوة لحسم الأمور:
"قال لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين" الشعراء 29
"قال آمنتم له قبل أن آذن لكم إنه لكبيركم الذي علمكم السحر فلسوف تعلمون لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم أجمعين" الشعراء 49-50
"إن هؤلاء لشرذمة قليلون وإنهم لنا لغائظون وإنا لجميع حذرون " الشعراء 53-56
***
وكم كان خرص الأنبياء على قومهم، إلا أنهم أبوا! وكالعادة كان تحدي رسل الله باللجوء للقوة ينتهي بهلاك من يحادد دين الله:
"فأغرقناه ومن معه جميعا وقلنا من بعده لبني إسرائيل اسكنوا الأرض" الإسراء 104
"فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها ولا يخاف عقباها" الشمس 14-15
"وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد" هود 102
لذا فقد أعطى الله عز وجل الفرصة لهم كي يؤمنوا به ويتوبوا إليه قبل الرد على تحديهم لشرع الله، بإرسال الرسل كي يكونوا منذرين لهم قبل الهلاك:
"وما أهلكنا من قرية إلا لها منذرون 208 - ذكرى وما كنا ظالمين 209" الشعراء
"وإن من أمة إلا خلا فيها نذير 24 " فاطر
" وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً" (15 الاسراء)
وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ ۖ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (48)وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (49) الأنعام
***
كما أكد جميع الرسل لأقوامهم أنهم نذير قبل الهلاك إن أعرضوا عن شرع الله:
﴿فأنذرتكم نارا تلظى﴾ [الليل/14]، ﴿أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود﴾ [فصلت/13]، ﴿واذكر أخا عاد إذ أنذر قومه بالأحقاف﴾ [الأحقاف/21]، ﴿والذين كفروا عما أنذروا معروضون﴾ [الأحقاف/3]، ﴿لتنذر أم القرى ومن حولها وتنذر يوم الجمع﴾ [الشورى/7]، ﴿لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم﴾ [يس/6]، ﴿إني لكم نذير مبين﴾ [نوح/2]، ﴿إني أنا النذير المبين﴾ [الحجر/89]، ﴿وما أنا إلا نذير مبين﴾ [الأحقاف/9]، ﴿وجاءكم النذير﴾ [فاطر/37]، ﴿نذيرا للبشر﴾ [المدثر/36]. ﴿هذا نذير من النذر الأولى﴾ [النجم/56] ﴿كذبت ثمود بالنذر﴾ [القمر/23]، ﴿ولقد جاء آل فرعون النذر﴾ [القمر/41]، ﴿فكيف كان عذابي ونذر﴾ [القمر/ 18]
***
هذا البعد الفكري مهم من الناحية الأيديولوجية لبناء تصور إسلامي عن الحياة والوجود وطرقة تقييم الأمور وحسم الخلافات، باللجوء إلى شرع الله أو شريعة الغاب!
لكن من الناحية العملية، بإسقاط هذه الرؤية على واقع الصراع بين أتباع الديانات الثلاثة الحالية(اليهودية الحالية والتي نعتقد بتحريفها، والنصرانية الحالية التي نعتقد أيضا بتحريفها، والإسلام) "إن الدين عند الله الإسلام" آل عمران؛ نجد العجب العجاب!
***
اليهود قوم ماديون جدا! فلقد سامهم فرعون سوء العذاب لدجة جعلتهم يرون القوة والقوة وحدها السبيل لحسم الخلافات "إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين" القصص.
لذا فقد أثرت فيهم هذه المادية بشكل كبير في نفوسهم ومسخت شخصياتهم، فوجدنا منهم أقوالا عجبا للرسول الذي بعثه الله لينجيهم!
"يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِّنَ السَّمَاءِ ۚ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَىٰ أَكْبَرَ مِن ذَٰلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ۚ" النساء 153
"قالوا يا موسى إن فيها قوما جبارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون" المائدة 22
لذا عندما ذكرهم الله بفضله وكرمه ذكرهم بنعمته التي أنعم بها عليهم بها:
يابني إسرائيل اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي ﴿٤٠ البقرة﴾
يابني إسرائيل اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ ﴿٤٧ البقرة﴾
وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ﴿٦ ابراهيم﴾
وعندما خاطبهم شرع الله وقتها خاطبهم بما يناسب طبيعتهم المادية، فلا مجال للتسامح حتى في الجروح الصغيرة:
( وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون ( 45 ) المائدة )
وعندما أراد الله عز وجل منهم أن يعبدوه، لم يعبدوه طوعا وإنما مكرهين! :
( وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة وظنوا أنه واقع بهم خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه لعلكم تتقون ( 171 ) )
***
لذا عندما أُرسل سيدنا عيسى ابن مريم لليهود، كان ينقلهم نقلة نوعية بتعاليمهم السمحة التي تطرف بعض اتباعه تطرفا وصل إلى حد التفريط، وخاصة بعد التحريف الذي وصلت إليه النصرانية الآن!
أَعْطُوا مَا لِقَيْصَرَ لِقَيْصَرَ وَمَا لِلّهِ لِلّهِ«. فَتَعَجَّبُوا مِنْهُ« (إنجيل مرقس 12:12-17)
وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: لاَ تُقَاوِمُوا الشَّرَّ، بَلْ مَنْ لَطَمَكَ عَلَى خَدِّكَ الأَيْمَنِ فَحَوِّلْ لَهُ الآخَرَ أَيْضًا. ... (متى 42)
كان سيدنا عيسى عليه السلام علامة بارزة في طريق التطور الإنساني، كان يدعو اليهود إلى السمو عن هذه المادية المقيتة! كان آية للعالم، أو "آية للعالمين" كما قال القرآن العظيم: "وجعلناها وابنها آية للعالمين" الأنبياء - لولا تطرف أتباعه:
"ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها" الحديد 27
***
أما الإسلام، فنعم الدين! شاملا مهيمنا على ما سبقه:
وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم في ما آتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون" المائدة
دينا وسطا يجمع بين القصاص والعفو عند المقدرة:
"والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق أولئك لهم عذاب أليم ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور ." الشورى
"وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا" البقرة 143
(لمزيد من التفاصيل حول هذه النقطة يرجى الرجوع إلى كتاب الإسلام بين الشرق والغرب للرئيس علي عزت بيجوفيتش حيث تحدث فيها بشكل رائع في القسم الثاني من كتابه)
***
ختاما: هناك من يرى الدنيا شوطا واحدا، يريد تحصيل فيها أكبر قد من الأهداف، وهناك من يراها على شوطين، شوط في الدنيا وشوط في الآخرة!
وبديهي أن الكفار يرونها شوطا واحدا، لذا فلا عجب أن تكون القوة - والقوة فقط - وسيلتهم لحسم الخلاف! أما المؤمنون فيلجأون لشرع الله الذي يأمرهم أحيانا بالقوة والقصاص، ويأمرهم أحيانا بالعفو والإحسان.
لذا فالعجب كل العجب أن تجد مسلمين - بالاسم- يحتكمون للقوة فقط لحسم الخلاف وفرض الرأي على الآخر، ومجابهة معارضيه بالقتل! أليس في هذا لمحة تتشابه مع غير المسلمين في لجؤوهم للقوة فقط حتى مع الكثير من الظلم! أو جاهلية كما قال الأستاذ سيد قطب، دون تكفير لأشخاص.
من يراى الحياة شوطا واحدا يعمل بقاعدة الغاية تبرر الوسيلة، ويحتكم للقوة في حسم الخلافات! ومن يراها على شوطين يلجأ لشرع الله عز وجل خوفا من عذابه في الدنيا والآخرة!
( وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون ( 54 ) واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون ( 55 ) الشورى)
واستغفر الله لي ولكم
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
هذا ما لدي.. فماذا ترون؟