مرحبا بك في مدونة شيء في صدري يمكنك اختيار المقال الذي تبحث عنه من القائمة على اليمين.. ومهما كان انتي مصر.. وكل خطوة بنصر.. الله أكبر وتحيا مصر

Welcome to the personal blog of the Egyptian Writer and political analyst Dr. Ahmed Nassar. You can choose the article you need from the list lower right

الأربعاء، 25 فبراير 2015

اتفاق أميركي خليجي: لا للحوثي - لا لبشار - لا للسيسي!

اتفاق أميركي خليجي: لا للحوثي - لا لبشار - لا للسيسي!
_____________________________________________

ملخص:

لأسباب كثيرة تريد الولايات المتحدة عقد إتفاق مع إيران بشأن ملفها النووي، وهناكم معلومات مؤكدة - وبعضها معلن - عن قرب عقد اتفاق بهذا الشأن! وترى دول الخليج في هذا الاتفاق خطرا حقيقيا عليهم، سيقلل من اعتماد واشنطن عليهم لموازنة النفوذ الإيراني في المنطقة ؛ الأمر الذي دفعهم لإيجاد سياسة واحدة موحدة قدر الإمكان للحصول على تطمينات من واشنطن في المقابل.

هذه التطمينات تتضمن عودة الحوثي عن انقلابهم في اليمن، ورحيل بشار عن السلطة في سوريا. وفي ضوء ذلك تحتاج السعودية إلى الانفتاح على الإخوان لموازنة الخطر الإيراني القريب، مما سيضطرهم إلى التخلي عن الانقلاب في مصر والقبول بشروط الإخوان وعلى رأسها عودة الشرعية.

_____________________________________________

من أسوأ نتائج الانقلاب العسكري الدموي في مصر أنه جعل القرار فيها خاضعا لحسابات دول الإقليم والجوار أكثر من الإرادة السياسية لمؤسسات الدولة ذاتها! أصبحت مصر منذ 3 يوليو 2013 أقرب إلى "اللبننة" - أي النموذج اللبناني - الذي يخضع القرار الداخلي فيه لمعتبرات الإقليم أكثر من قرارات الفرقاء اللبنانيين!

ومن أهم دعائم الانقلاب التي لولاها ما كان هذا الانقلاب أن يحدث هو الدعم الخليجي غير المحدود له - ولا سيما الدعم السعودي. هذا الدعم - باعتراف قائد الانقلاب نفسه - كان السبب الرئيسي في استمراره منذ 3 يوليو حتى الآن.

ومنطلقات الدول الخلييجية - باستثناء قطر - في دعم انقلاب عسكري دموي في مصر كان التخوف من نتائج تمكن الإخوان المسلمين من مقاليد الأمور في مصر، وتأثير ذلك على معادلات إقليمية تعارض مصالح دولهم - مثل حصار غزة والحرب في سوريا - أو حتى التأثير على عروشهم ذاتها التي يخشون عليها في حال نجحت الثورة في مصر وانتقال عدوى "الديمقراطية والانتقال السلمي للسلطة" إلى الخليج.

الآن وبعد عامين من الانقلاب، وبعد مليارات الدولارات التي قدمتها دول الخليج لقادة الانقلاب في مصر، وفي ظل ركود اقتصادي طال هذه الدول نتيجة انخفاض أسعار النفط، وفي ظل قادة الانقلاب في خلق أي مسار سياسي أو اقتصادي مقبول في مصر، بدأ التململ من الفاتورة العالية التي تدفعها هذه الدول.

هذا التململ لم يدفع قادة الدول الخليجية إلى إعادة التفكير في دعمهم لمسار الانقلاب في مصر؛ وإن دفعهم إلى إيصال رسالة قوية أن الدعم لن يستمر كما كان للأسباب السالف ذكرها!

وظن البعض أيضا أن التسريبات التي خرجت لقائد الانقلاب في مصر يسب فيها دول الخليج ويتطاول عليهم وينظر إليهم بحسد وطمع فيما في أيديهم من ثروات سيكون السبب الذي يحدث فك ارتباط بين الانقلاب وداعميه الخليجيين! ولكني أعتقد أن للأمور نظرة أخرى!

***

السبب الرئيسي الذي يحمي عروش هذه الدول الخليجية  - وفي مقدمتها السعودية - هو القواعد العسكرية الأميركية في كل دول الخليج بلا استثناء. وبناء عليه فهذه الدول باقية طالما أن هناك تحالف استراتيجي مع الولايات المتحدة الأميركية يبدأ بالقواعد العسكرية ولا ينتهي بتزويدهم واشنطن غير المتوقف من البترول "البترودولار".

ويمكنني أن أقول بكل ارتياح أن أكثر شيء قض مضاجع الحكام الخليجيين هو معلومات مؤكدة - وبعضها معلن - عن قرب اتفاق أميركي إيراني حول الملف النووي الإيراني!

إيران التي دائما ما استغلت أميركا قوتها الإقليمية لتخويف الدول الخليجية منها وإيجاد مبرر دائم لوجود قواعدها في الخليج لحماية هذه العروش من الخطر الفارسي. ومن جهة أخرى استغلت دول الخليج طموح إيران النووي في إقناع الولايات المتحدة أن تحالفها مع الدول الخليجية هو الضمان لإحداث توازن في المنطقة! وفي هذه النقطة تحديدا كانت الدول الخليجية أقرب إلى الكيان الصهيوني وتقف معه في خندق واحد وصل إلى أقصاه في الفترة الثانية من رئاسة جورج بوش الابن.

لأسباب كثيرة تريد الولايات المتحدة عقد إتفاق مع إيران، منها ما هو شخصي؛ ويرجع إلى رغبة أوباما في ترك شيء يورثه لمن بعده بدلا من سجله الخالي من الانجازات حتى الآن! ومنها تخوف الديمقراطيين من استخدام هذه النقطة ضدهم في موسم الانتخابات العام القادم، خاصة بعد سيطرة إيران على أربع عواصم عربية "دمشق - بيروت - بغداد- صنعاء"، يضاف إلى سيطرة روسيا على القرم في أوكرانيا وتراجع أميركي على كافة المستويات!

***

لأول مرة يبدو أن دول الخليج بدأت تستفيق، وتفكر بطريقة صحيحة، وبدأت ترى في الاتفاق الأميركي الإيراني خطرا حقيقيا عليهم، يدفعهم لإيجاد سياسة واحدة موحدة قدر الإمكان ضد هذا الخطر.

وبوارد التحرك الخليجي بدأت سريعا مع تولي العاهل السعودي الجديد الملك سلمان، فحدثت زيارة لولي ولي العهد محمد بن نايف إلى الدوحة، أعقبها زيارة أمير قطر للرياض، ثم زيارة أمير قطر اليوم للولايات المتحدة.

ويبدو أن الخليج يطلب تطمينات من أميركا في مقابل اتفاقها النووي مع إيران، وهذه التطمينات محددة للغاية وتشمل:

1- انسحاب الحوثي من صنعاء وعودة الرئيس عبدربه منصور هادي رئيسا شرعيا لليمن.

2- رحيل بشار الأسد والدخول في عملية سياسية تضمن انتقال للسلطة في سوريا  بدون بشار.

وفيما يخص البند الأول فقد اتهم جون كيري اليوم إيران بشكل رسمي بإسقاط الحكومة اليمنية. أما في البند الثاني فقد خرجت تصريحات كل من أوباما وأمير قطر عقب لقائهما اليوم في البيت الأبيض لتؤكد اتفاقهما على وجوب رحيل الأسد عن السلطة، بل أعلن أوباما أنه اتفق مع أمير قطر على الخطوات التنفيذية لحدوث ذلك!

يتبقى نقطة تعي أهميتها السعودية جيدا، وهو أنها إذا أرادت أن توازن النفوذ الإيراني المتزايد فإنها بحاجة إلى جماعة الإخوان المسلمين. ومن المستبعد أن تتقارب معهم في اليمن ضد جماعة الحوثي دون التواصل مع الجماعة الأم في مصر.

ورغم التصريحات المنفتحة من المملكة تجاه الإخوان في الفترة السابقة فإن السعودية تعلم جيدا أن للإخوان في مصر حدود لا يمكن التنازل عنها وهي عودة الشرعية. وبمقاييس المكسب والخسارة، فإن اضطرار السعودية للقبول بهذه المطالب يبدو وشيكا. لذا فمن غير المستغرب تخلي قطر وقناة الجزيرة عن سياسة مسك العصا من المنتصف وعودتها بجانب الهجوم على انقلاب الحوثي في اليمن، للهجوم المكثف على السيسي وانقلابه في مصر، بمباركة سعودية كما يبدو هذه المرة.. وهي مباركة يزيدها التسريبات التي تعطي كل يوم قادة هذه الدول مبررا للتخلي عنه!

الأحد، 22 فبراير 2015

بوادر تقسيم اليمن!

بوادر تقسيم اليمن!
______________

 تم اختزال المشكلة اليمنية كلها في الرئيس عبدربه منصور هادي، وأضحت المشكلة في أن الحوثيين وضعوه تحت الإقامة الجبرية Home arrest ثم نجاحه في الهروب من صنعاء إلى عدن عاصمة الجنوب إن صح التعبير.

كل ذلك دون محاولة العودة لأصل المشكلة وهو احتلال الحوثيين للعاصمة أواخر الصيف الماضي بتعاون حكومي وعسكري وأمني واضح، وبتنسيق خليجي إيراني غربي لم تغلق على إثره سفارة واحدة، وتعاون مع أنصار النظام السابق كشفته تسجيلات مسربة بين الطرفين، كل ذلك فقط للتخلص من فصيل سياسي "حزب الإصلاح" الممثل لجماعة الإخوان المسلمين في اليمن!

هل يعني ذلك أن احتلال ميليشيات مسلحة موالية لإيران للعاصمة اليمنية صنعاء لا يمثل مشكلة طالما أنه تم بالتنسيق مع الرئيس المشارك في
مؤامرة ضد فصيل سياسي، بينما يكون ذلك خطرا إذا تم المساس بالرئيس ووضعه تحت الإقامة الجبرية؟؟ أيهما أهم: الوطن أم الرئيس؟؟

***
عبد ربه منصور هادي الذي ظل نائبا لعلي عبد الله صالح قرابة 20 عاما دون أي صلاحيات تذكر فقط إلا لأنه ممثل للجنوب، وترك الحوثيين يحتلون عاصمته دون أي تصريح، وحين تجاوزوا حدود المتفق عليه وقع استقالته تاركا مسؤولياته واليمن بين يدي الحوثيين!

يهرب الآن عبد ربه منصور هادي من صنعاء حيث الإقامة الجبرية إلى عدن عاصمة اليمن الجنوبي سابقا - وربما لاحقا من جديد! يهرب من تحت أعين الحوثيين الذين يراقبون كل شيء في العاصمة التي وقعت تحت أيديهم بالكامل، خاصة القر الجمهوري ودار الرئاسة!

إن هروب عبد ربه منصور هادي إلى صنعاء لا يبدو لي إلا مجرد جزء من مخطط يحدث في اليمن هو في الحقيقة جزء من مخطط كبير يشمل المنطقة ككل ويهدف إلى تفتيت المفتت وتجزئة المجزأ.

إن هروب عبد ربه منصور هادي إلى جنوب اليمن يقسم اليمن إلى شمالي بين يدي الحوثيين  وجنوبي موال لهادي معترف بشرعيته، بعد أن انقسم عقب احتلال الحوثيين إلى قبائل سنية ضد ميليشيات شيعية. إنها حرب أهلية مزدوجة!

وإذا قال قائل: أوليس من حقه أن يهرب ليدافع عن مصير اليمن ضد الحوثيين؟؟ وأين كانت هذه الحمية والغيرة حين اجتاح الحوثيين صنعاء ولم يحرك هادي ساكنا! لقد ظل كما هو هادي؛ اسم على مسمى!

السبت، 21 فبراير 2015

الغزوة الليبية.. آخر أمل للسيسي!

الغزوة الليبية.. آخر أمل للسيسي!
__________________________

من الدعائم التي بها باراك أوباما عقب انتخابه في 2008 مبدأ القيادة من الخلف Leading from behind ويعني أن تدير الولايات المتحدة الكثير من الملفات الخارجية من وراء ستار تاركة إدارة هذه الملفات لشركاء أوربيين وغربيين آخرين.

إلا أن الخصوم التقليديين لأميركا - ولا سيما روسيا - فهموا هذه الاستراتيجية بطرقة مغايرة، وقرأوها بطريقة خاطئة، إذ رأوا فيها تراجعا لدور الولايات المتحدة وعدم رغبة في التصعيد مما جرأهم على التقدم خطوات للأمام مسببين أزمات للولايات المتحدة الأميركية. ومن أكبر التحديات التي تواجه أوباما الآن الأزمة في أوكرانيا ، ويبدو أ بوتين مصمم على التصعيد العسكري.

الغريب أن السيسي المأزوم سياسا واقتصاديا بل وعسكريا في مصر حاول أن يربط نفسه بشبكة مصالح الدول الغربية، فاستقبل بويتن في القاهرة وحاول أن يقتعه أنه مفيد لروسيا في هذه المرحلة. فبغض النظر عن أي مشاريع اقتصادية قد يسيل لها لعاب الاقتصاد الروسي المتعثر من العقوبات الغربية واهيار سعر النفط، فقذ حاول السيسي أن يقنع بويتن أنه يمكنه فتح جبهة في ليبيا ينشغل بها الغرب لتخفيف الضغط عن روسيا في أوكرانيا.

واستبق السيسي ذلك برشوة فرنسا بشرائه منها 24 طائرة رافال عالية التكلفة سيئة السسمعة التي فشلت فرنسا في تسويقها طيلة 15 عاما ورفضتها كل من سويسرا والهند والبرازيل والإمارات وقطر  والمغرب! كل ذلك ليضمن موقفا فرنسا مؤيدا لتدخل عسكري دولي في ليبيا تكون نتائجه كالتالي:

1- تستفيد منه فرنسا اقتصاديا بحصولها على نفط ليبيا الوفير

2- يستفيد منه السيسي بحصوله على جزء من نفط  ليبيا وترميم جزء من شرعيته الفقودة والهروب إلى الأمام من مشكلاته السياسية والاقتصادية والعسكرية وتسريباته التي لا تنتهي.

3- يستفيد منها بوتين بتشتيت الغرب وفتح جبهة جنوبية في ليبيا تشغلهم لفترة غير قصيرة عن أي جبهة شمالية في أوكرانيا وهي متأكدة أن الاختلاف حول النفط الليبي سيطيل أمد الحرب هناك.

***

الشاهد أن تدخل السيسي في ليبيا ليس خوفا على مصلحة مصر ولا ثأرا لدماء المصريين ولا شيئا من هذا كله. وقد فطن الغرب لهذا المخطط، ورغم إدانته لقتل 21 مصريا في ليبيا إلا أنهم كانوا واضحين جازمين بشأن طلب السيسي تدخلا دوليا في هناك. وحرصت الدول الغربية - بما فيها فرنسا - على إصدار بيان موحد - وليس بيانات منفردة - تؤؤكد فيها على الحل السياسي في ليبيا وترفض أي تدخل عسكري هناك.

لقد كانت الغزوة الليبية آخر أمل للسيسي في الهروب من مشكلاته المتفاقمة وتسريباته المتلاحقة إلى الأمام بضرب ليبيا. ومع تفويت الفرصة عليه يجد السيسي نفسه في مأزق حقيقي إذ عليه أن يواجه مشكلاته لا أن يهرب منها، وهي مشكلات يبدو أن جزء من رئيسي من حلها يكمن في رحيل السيسي نفسه.

الجمعة، 20 فبراير 2015

من المسؤول عن معاناة المصريين؟؟


لم يختلف أحد على سوء الأوضاع في مصر، سواء الاقتصادية أو الاجتماعية أو السياسية، واتفاق على فساد وعسكرة
للدولة وإن كان لدى البعض ممزوجا مع بعض الأوهام عن الجيش الذي لا يقهر وخير أجناد الأرض...إلخ

الاختلاف فقط بين المصريين إنما ينصب على من يتحمل مسؤولية سوء الأوضاع في مصر، والتي تسوء يوما بعد يوم، حتى بات المصريون يترحمون على أوضاع كان ينتقدونها ويرفضونها بل ويلعنونها ويثورون عليها بالأمس القريب!

الإخوان والمعارضة العلمانية قبل الثورة كانوا يحملون نظام مبارك مسؤولية ما حدث للمصريين! لكن كانت مشكلتهم أنهم يرون مبارك وجمال ومشروع التوريث هو العدو، دون إدراك حقيقي لحجم المشكلة ومدى تغلغل الفساد والخيانة في مؤسسات النظام، البعيدة كل البعد عن شعارات الوطنية التي تتمسح بها! بل وصل الأمر أن ظن البعض أن الأمل في القضاة الشرفاء وكان الهتاف في انتخابات 2005: "يا قضاة يا قضاة أنتوا أملنا بعد الله"!

ولا أنكر أنه كان ثمة بعض القضاء الشرفاء في القضاء، وإن كان تقلص عددهم الآن على نحو كبير! وفي نفس الوقت لا أدعي أنني كنت أعلم وقتها ما لم يعلمه الآخرون، فكلنا كنا غارقين في أوهام وأنصاف وأرباع حقائق وسط قبضة أمنية غليظة واحتكار النظام لوسائل الإعلام!

بعد الثورة ومع سقوط رأس النظام بسقوط مبارك في 11 فبراير، انتقل "شركاء التحرير" فورا إلى مرحلة متقدمة من تحميل بعضهما البعض المسؤولية.

العلمانيون تمترسوا خلف ادعاءات تحالف الإخوان مع العسكر، ولبسوا رداء الثورية بشكل مبالغ فيه اتضح أنه غير حقيقي! وفي نفس الوقت اصطدم الإخوان بديمقراطية بلا ديمقراطيين! إذ رفض شركاء التحرير نتائج استفتاءت وانتخابات صوت فيها الشعب بعد الثورة بكل حرية! بل وصل التطرف إلى اتهام الشعب بالجهل وتلقيه رشاوي مقابل التصويت للحرية والعدالة.

ومن المفارقات في هذه المرحلة أن التقارب بين الإخوان والسلفيين - ولا سيما في البرلمان - أساء إلى الإخوان بشدة. الغريب أن العلمانيين استغلوا هذا التقارب بشدة في تخويف الشعب من الإخوان، لما قام به السلفيون من أفعال مراهقة أو سخيفة  أو منفرة؛ ولعل بعضها كان مقصودا! السلفية البرهامية التي هي الآن من أشد الفصائل مؤيدة للانقلاب وماتلاه من مجازر حتى الآن!

***

بعد فوز الرئيس مرسي بالرئاسة أخذت عملية تحميل الإخوان مسؤولية كل كبيرة وصغيرة في مصر بل والعالم منحى جديدا، أوجدت تحالفا غريبا بين العسكر والعلمانيين والسلفية البرهامية والفلول والكنيسة والصهاينة في مصر! ووجدنا استدعاء لمقولات ذات طابع ثوري أو ديني مثل "لو أن بغلة في العراق عثرت لسئلت عنها" ، و "طول ما الدم المصري رخيص يسقط يسقط أي رئيس" ...إلخ كان الرباط بين هؤلاء غير منطقي من حيث الظاهر، لكن المصلحة جمعتهم ولو على حساب الوطن!

اتضح في هذه المرحلة أن المشادات أو الخلافات بين بعض هذه الأطراف مفتعلة أو ثانوية على أقصى تقدير، لكنهم يد واحدة ضد فضيل فشلوا في مواجهته بالانتخابات، فآثروا تكرار منطق إخوة يوسف: "اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا يخل لكم وجه أبيكم وتكونوا من بعده قوما صالحين" يوسف: 9

هذه ليست تحليلات، أو ضربا من الاتهامات الجزافية؛ ودليلي على ذلك أمرين:

1- رسالة مؤسس 6 إبريل من محبسه بعنوان "للأسف كنت أعلم" والتي اعترف فيها أن العسكر أخبروه أنهم سيستتروا خلف مظاهرات سيدعمها الجيش وستسيل الشوار بحورا من الدم!

2- أن الذين تظاهروا ضد الرئيس مرسي وطالبوا بسقوطه لم يتفوهوا بكلمة ونص عندما حدث أضعاف أضعاف أضعاف ما كانوا ينتقدون مرسي عليه! وإذا سلمنا أن الرئيس مرسي ارتكب أخطاء - وقد اعترف بذلك بكل شجاعة - فإن ماحدث منذ 3 يوليو هو خطايا! مجازر لم تحدث قط في تاريخ مصر!

***

لا أبريء أحدا من الأخطاء، فمنطلقاتنا الفكرية اننا جميعا بشر وأنه لا أحد معصوم. لكن هناك فارق بين أخطاء وخطايا، وبين من أراد الحق فأخطأه، ومن أراد الباطل فأصابه! وبين من يعترف بأخطائه ومن يرفض أن يعترف أنه بغبائه تم استخدامه كالحذاء للقضاء على الثورة، وبكراهيته للإخوان قد جلب على المصريين ويلات انقلاب عسكري، وبجبنه يرفض أن يعترف بمسؤوليته عن ذلك، بل يطالب بصفاقة أن يعتذر الآخرون ولا يعتذر!

المسؤول عما نحن فيه هو حكم عسكري تحكم في أمور البلاد والعباد منذ ستة عقود، سيطر فيها بلا حدود على كل شيء، فلم نر منه إلا فقرا وجهلا ومرضا وسطحية ومادية واصطناع بطولات وتزوير للحقائق ودماء تملأ الشوارع، وإحساس متزايد بالرغبة في الهجرة وعدم الانتماء!!

إن السيسي ليس إلا مجرد حلقة من هذا الحكم العسكري، وسقوطه كسقوط مبارك لا يعني سقوط الحكم العسكري! ومن يرفض معارضة الحكم العسكري - ومن ثم انقلاب السيسي-  إنما يشارك في قتل هذا الوطن واغتيال هذه الثورة! مهما كانت حججه كما قال السيد الرئيس في آخر خطاب له قبل الانقلاب"  "بأي حجة  فالحجج كتير، والسحرة كتير، والتحدي كبير وأنتم بفضل الله قاردين على مواجهة ذلك!"

معارك تويتر المفقودة!

معارك تويتر المفقودة!
__________________

يشكو الإسلاميون من عدم وجود إعلام إسلامي قوي، وينحصر تفكيرهم فقط على القنوات الفضائية، وتنحصر مقارنتهم دوما بفضائية الجزيرة الإخبارية لما حققته من تميز.

لكن غاب عن كثير من الإسلامين أهمية الإعلام الجديد، ودوره غير المسبوق في كسر احتكار النظام للمعلومة، وإبراز ما يتعرض له الناس من مجازر وانتهاكات!

ورغم أن كثير من الإسلاميين لهم حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي ولا سيما فيسبوك، إلا أنهم ينظرون إليها على أنها مجرد مواقع للتواصل الاجتماعي أو التنفيس أو استقاء الأخبار بسهولة ويسر أو الاطلاع على آخر التحليلات أو النقاشات المحتدمة التي تصل في كثير من الأحيان إلى حد "الهري" والنقاش الذي لا طائل منه بين طرفين لن ييغيرا موقفهمها المبدأي!

ليس هكذا يجب أن نتعامل مع هذه المواقع يا سادة؛ وخاصة تويتر!

**

تويتر ليس مساحة للنقاش، بل نافذة إعلامية! ويجب التعامل معه على هذا الأساس!

وفي ضوء هذا الإطار يكون من المنطقي أن يكون عدد الأحرف فيه 140 فقط،فلا أعتقد أن خبرا يمكن أن يزيد عن 140 حرفا مهما كان على قدر من الأهمية.

كثير من الإسلاميين لديهم حسابات على فيسبوك إلا أن كثيرا منهم ليس لهم حسابات على تويتر، رغم أن الكتابة بعدد كبير من التغريدات والمغردين في موضوع معين كاف بتصدر هذا الأمر لقائمة تويتر لأعلى 10 هاشتاجزمتداولة أو ما يسمى "ترند" مما يفرض القضية  رغما عن الجميع على الساحة. صحيح يمكن للمخالفين عمل حظر "بلوك" لك إذا لم تعجبهم تغريداتك لكن لا يمكنهم عمل بلوك للترند الذي يظهر على يسار الصفحة. سيرونه أعلى القائمة رغما عنهم!

لقد حقق تواجدنا في تويتر حول قضية بعينه نجاحات غير مسبوقة مثل #انتخبوا_العرص أو #تسريب_مكتب_السيسي أو #السيسي_يحتقر_الخليج، ورغم ذلك فإننا نترك من قام بهذا الأمر وشأنهم! فرحنا بما قاموا به لكننا لم نتحرك لتكرير الأمر!

ايها الناس: الهدف هو الترند، أي الوصول لأعلى قائمة الهاشتاجز المتداولة. بدون ترند لا توجد نجاحات! بدون ترند يعني أن هاشتاجز أخرى مخالفة أو تافهة هي التي تتصدر قائمة الترند، والتي تساوي العناوين الرئيسية في نشرة الأخبار!

أتوقع بعد هذا المقال أن يسارع كل من ليس لديه حساب على تويتر إلى عمل حساب والتسجيل فيه، وكل من لديه حسابا غير مُفّعل أن يُفعّله ويبدأ في التدوين عليه! ومراقبة القضايا المطروحة للتعبير عن قضايا الأمة ويشاركوا فيه بقوة بعدد من التغريدات، عسى أن يتحسن أداؤنا في الفترة القادمة.

العمل على النت لا ينفي العمل على الأرض وليس بديلا له! وفي كل الأحوال نحن بالفعل ندخل على الانترنت ولنا حسابات على مواقع التواصل الإجتماعي، لكن جهدنا مبعثر، نختار ما نشاء ونترك ما نشاء رغم أن هناك الكثير مما يمكننا فعله في وقت قصير نقضيه على النت.

كل من لديه تساؤل حول تويتر يمكنه مراسلتي أو متابعتي على تويتر: @afnassar
وشكرا

الأربعاء، 18 فبراير 2015

من لا شرعية له يناطح شرعية بالثلث!


الغريب كل الغرابة أن السيسي الذي لا شرعية له يريد أن يواجه شرعية ثلاثية يمتلكها الثوار في ليبيا!

فثوار ليبيا لديهم الشرعية الثورية التي أطاحت بالقذافي، ولديهم الشرعية الدستورية بقرار المحكمة الدستورية بطلان برلمان طبرق، ولديهم الشرعية السياسية بالمؤتمر الوطني العام الممثل لعموم الليبيين.

أما السيسي فلا شرعية له بعد أن فشل في اكتساب أي شرعية. بل على العكس يطيح جيشه دمارا في سيناء، ولديه جبهة داخلية غير مستقرة بمظاهرات وعمليات نوعية ضده وضد قواته كل يوم، وها هو يقحم جيشه في جبهة ثالثة مع ثوار لا يعرفون الهزار.

لقد اكتسب ثوار ليبيا خبرة غير طبيعية من القتال خال الخمس سنوات الأخيرة، مكنتهم من الإطاحة بالقذافي وحث النيتو على الفرار! وكلنا يذكر السفير الأميركي الذي تم سحله هناك دون أن تحررك واشنطن ساكنا!

إن دخول السيسي ليبيا محاول لحسم بالقوة قضية خلافية بين الغرب - المختلف حول نفط ليبيا -  وهو ما لن تسمح به هذه الأطراف.

لذا فإن بيان الدول الغربية لوجوب حل الأزمة سياسيا مجرد بداية، ولا أرى السيسي إلا قد دخل فخا لن يخرج منه

الاثنين، 16 فبراير 2015

الإدمان ليس حلا يا سيسي!


بدأت الحكاية باختراقات غير مسبوقة لمكتب قائد الانقلاب، خرجت بسببها تسريبات "فاضحة" تكشف عهر - و فشل - قائد الانقلاب ومن حوله من  "الحرامية" طويلي اللسان وتآمرهم على الجميع!

وبأصوله المخابراتية التي تعود للقرن الماضي لجأ السيسي إلى أسلوب عصا موسى الذي "انهرس في 100 فيلم" من قبل! يدبر حادثة أو مجزرة تلفت الأنظار عن التسريب الفضيحة!

ما لم يدركه قائد الانقلاب أن الشباب في عصر الاتصالات قد كسروا احتكاره للمعلومة، وأن أزرارا على كيبورد قادرة على نشر فضائحه وتسريباته في ثوان! وأن وعيهم ونضجهم قد فاق كل تصوراته، وأنهم تعلموا في أربع سنوات ما لم يتعلمه آخرون في أربعين سنة! هل يعلم السيسي ما يعنيه الترند، وكيف يصنع؟؟ وهل سيستطيع التشويش على العقول كما شوش على القنوات!

***

بدائل السيسي بدت قليلة، وخياراته محدودة، فالتسريبات عديدة، ومتكررة، وكل تسريب أفضح من الذي قبله! أصبح ظهر السيسي للحائط وأصبح مضطرا للجوء لذات الوسيلة رغم أنها أصبحت مكشوفة الجميع!

توقع المتابعون بعد التسريب قبل الأخير مجزرة، وبالفعل حدثت مجزرة الدفاع الجوي المفجعة، وسط تجاهل إعلامي تام بل وإدانة للشباب المغدورين!

ثم جاء التسريب الأخير فتوقع الجميع مجزرة جديدة مناسبة لحجم التسريب؛وقد كان، إلا أنها أتت هذه المرة في ليبيا!

لقد اتبع السيسي سياسة المجازر، والتي كان ينتهجها في البداية تنفيذا لسياسة الصدمة والرعب، لترهيب الناس، أو تطبيقا لاستراتيجية التوتر، لإلصاق التهم بالخصوم وتبرير القمع والإرهاب الذي يقوم به!

إلا أن السيسي بمرور الوقت، ومع فشل أي مسار سياسي، وعدم تحقيق أي إنجاز اقتصادي، أصبح لجوئه للمجازر مثل المدمن الذي بدأ التعاطي رغبة في المتعة ثم اعتاد عليها! حتى أصبح لا يستطيع أن يتخلى عليها! صحيح أنها لم تعد ممتعة أو مجدية مثل الماضي، إلا أنه أصبح مضطرا إليها لأنه مجبر على ذلك!

وكعادة المدمنين بالضبط، يصبح تأثير المخدر بمرور الوقت أقل؛ لاعتياد المدمن عليه، مما يدفعه إلى تعاطي جرعة أكبر لمخدر أقوى! ولهذا جاءت المجزرتين الأخيرتين متناسبتين مع  حجم الفضيحة التي حملها التسريبان الأخيران: "مجزرة الدفاع الجوي"  و "مجزرة الأقباط في ليبيا" في مزيد من إضافة للبعد الطائفي في الصراع، وتطور الأمر لشن ضربات على الجارة ليبيا، مستهدفا الثورة الليبية في الأساس!

ياسيسي: نهاية كل مدمن معروفة! سيموت من جرعة زائدة لا يتحملها! وها أنت تواجه ثوار مسلحين هزموا القذافي ثم هزموا النيتو، وسحلوا السفير الأميركي هناك ولم تستطع واشنطن نفسها الرد!

أتوقع أن ينتظر الثوار الليبيون قليلا للحصول على المبرر الأخلاقي والسياسي للرد؛ وهو لديهم بلاشك! إلا أن الرد لن يكون في ليبيا! فكما ضرب السيسي في ليبيا سيرد الثوار الليبيون هنا! في مصر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم!

هذا رأيي فيما حدث في ليبيا!

1- استراتيجية التوتر: أن يقوم النظام بأعمال عنف ليلصقها بالخصوم عبر أداة إعلامية لتبرير أعمال قمع يقوم بها.

2- داعش مخترقة مخابراتيا على أقل تقدير وصنيعة بالكامل على الأرجح، والشواهد على ذلك كثيرة.

3- توقع الكثيرون مجزرة بعد التسريب الأخير وها هي بالفعل قد حدثت.. لكنها هذه المرة في ليبيا.

4- هناك من يتضرر من جلسات الحوار في ليبيا وإذعان الأمم المتحدة لشروط فجر ليبيا بعقدها داخل ليبيا .. هذا اللوبي الفرنسي - الإيطالي - الإماراتي - المصري تدخل سابقا ويريد ذريعة للتدخل الآن!

5- الكنيسة ألقت بكل ثقلها خلف السيسي الذي أعطاهم مالم يعطهم أحد من قبل. اتهموا الإخوان (!!) بدم الأقباط في ماسبيرو ويطالبون السيسي الآن بالتدخل في ليبيا للثأر!

السبت، 14 فبراير 2015

اليمن أهم أم إثيوبيا؟؟

 
قلت مرارا أن أحد أهم وأبسط تعريفات السياسة هو فن "معرفة العدو من الصديق".

اللوبي الإماراتي الحاكم في السعودية بقيادة أمين الديوان السابق خالد التويجري كان يرى أن الإخوان المسلمين في كل مكان هم الخطر وهم العدو! وبناء عليه دعموا انقلاب مصر، وأمروا بقتل المعتصمين رغم إمكانية الفض بدون هذه الكلفة العالية من البشر، وأعلنوا جماعة الإخوان المسلمين في السعودية منظمة إرهابية، وضغطوا على الحكومة البريطانية لاعتبار الجماعة هناك منظمة إرهابية وهو ما رفضته الحكومة البريطانية رغم الضغوط.

وصل الأمر ذروته الصيف الماضي حين اجتاحت ميليشيات شيعية مسلحة موالية لإيران العاصمة اليمنية صنعاء في سبتمبر. حينها لم تغلق سفارة خليجية أو أجنبية واحدة أبوابها وتحدث الجميع أن اجتياح الحوثي لصنعاء كان باتفاق سعودي خليجي إيراني غربي فلولي لإقصاء جماعة الإخوان المسلمين في اليمن الممثلة في حزب الإصلاح.

***

لكن السعودية وضعت نفسها طرفا في معركة ليست طرفا فيها بتخفيضها أسعار النفط لمستويات غير مسبوقة، بإيعاز من أميركا للرد على روسيا نتيجة دعمها الإنفصاليين في شرق أوكرانيا، وللضغط على إيران في الملف النووي الذي يرغب الديمقراطيون في تسويته بسرعة قبل الانتخابات الرئاسية العام القادم التي من المتوقع أن يهاجمهم فيها الجمهوريون بقوة عبر بوابة هذا الملف النووي.

وفي المقابل جاء الرد الروسي الإيراني جاء في اليمن؛ بنقض الاتفاق السابق مع الخليج وعدم الاكتفاء بإقصاء الإخوان هناك وإنما بتنفيذ انقلاب عسكري وإعلان ما سمي بالإعلان الدستوري لتكون إيران على حدود السعودية الجنوبية بعد أن أصبحت على حدودها الشرقية، وليسيطر الحوثيون على مضيق باب المندب الرئة الوحيدة للموانئ السعودية على البحر الأحمر ولا سيما ميناء جدة!

***

في وسط كل ذلك لم نسمع كلمة من القاهرة! وكأن المعركة تدور بين لاعبيين رئيسيين "أميركا - روسيا - إيران" ولاعبيين ثانويين "السعودية - الخليج - اليمن" ومنفذين فقط أو أدوات "السيسي"!!

التصريحات المصرية المتكررة بتجهيز قوة عسكرية للتدخل السريع في اليمن إذا تم تهديد مضيق باب المندب مثير للضحك! فهل مجرد اجتياح الحوثيين لصنعاء لا يهدد مضيق باب المندب؟؟ وهل إعلان انقلاب عسكري هناك لا يهدد مضيق باب المندب؟؟

وأيهما أخطر على الأمن القومي المصري؛ اجتياح الحوثيين لصنعاء أم بناء إثيوبيا للسد على مجرى النيل؟؟ هذا السد الذي يهدد حياة جميع المصريين! وإذا قال قائل أن كلاهما خطر على الأمن القومي المصري فكان من الأولى أن نرى هذه العنترية عندما أسرعت إثيوبيا في بناء السد الذي يهدد حياة 90 مليون مصري بالموت عطشا أو غرقا في حال انهار السد!

***

وأنا أرى أن التصريحات العسكرية العنترية بالتدخل في اليمن لها ثلاثة أسباب:

1- الرد المصري إنما هو في الحقيقة رد سعودي التي ترى السيسي وانقلابه أجيرا عندها، مولت انقلابه ودعمته بمليارات الدولارات.

2- تهديد مضيق باب المندب يضر بإسرائيل وهو أمر تعهد السيسي بألا يسمح به علنا في حواره مع قناة فرانس 24.

3- محاولة لاصطناع شعبية قومية للاستهلاك المحلي في إطار السعي الحثيث للتشبه بعبد الناصر.

***

وفي النهاية وبالعودة لما ذكرناه في بداية المقال عن أبسط تعريفات السياسة فن معرفة العدو من الصديق فالسيسي يرى كل ما يدعم انقلابه صديق حتى ولو على حساب الأمن القومي المصري، وكل من يقف ضد انقلابه عدوه حتى لو كان المدافعين عن شرف الأمة وأمنها القومي.

الجمعة، 13 فبراير 2015

عفوا: إنها ليست جريمة السيسي فقط!

 
 تسريبات وراء تسريبات لقائد الانقلاب وأركان انقلابه؛ وصل الحال معها ليس فقط إلى الأسئلة التي ظلت تتردد منذ عام ونصف، مثل من سربها ومن وراءها والهدف منها، بل انتقل إلى أسئلة أخرى مثل: متى الترسيب القادم؟ ومن أبطاله؟ وهل يطال الخليج فقط أم أحد آخر؟ ...إلخ.

بنفس المنطق انتقل الإعلام الانقلابي من خانة النفي القاطع والإنكار الجازم، وأنها تهدف إلى توتير الأجواء مع "الأشقاء" الخليجيين...إلخ هذه الترهات، إلى  الاعتراف ولو بشكل غير مباشر بصحة التسريبات الفضيحة، باتهام هذه الجهة أو تلك بأنها وراء التسريبات ، كان آخرها اتهام المخابرات الأميركية بأنها زرعت أجهزة التنصت في أجهزة الواي فاي "الروتر" وأنه لا أحد يملك هذه التقنيات العالية إلا الـ CIA!

***

التسريبات فرصة جيدة لا شك لفك ارتباط السيسي بالخليج، وهو ارتباط يحتاج إليه أكثر مما يحتاج الجنين إلى الحبل السري أو الرضيع إلى ثدي أمه!

لكن في التسريبات فخ لا يقل خطورة عن محتواها نفسه، وهو أنه يعطي لدول الخليج فرصة على الطبطاب لغسل أيديها من الانقلاب الدموي الغاشم الذي دعمته ومولته وتبنته وغطته سياسيا واقتصاديا!

لماذا أرسلت هذه الدول مليارات الدولارات إلى السيسي من الأساس؟؟ هل حقا لمساعدة الشعب المصري؟؟ ولم لم تساعد الشعب المصري أيام الرئيس مرسي؟؟ وهو الذي بذل مجهودا جبارا ليأخذ قرضا بقيمة 4.9 مليار دولار فقط من صندوق النقد الدولي IMF.

وإذا كانت هذه المساعدات حقا للشعب المصري فلم لم تودع هذه المليارات في البنك المركزي المصري، مثلما فعلت كل من ليبيا وقطر وتركيا حين أرادت حقا تقديم مساعدات للمصريين؟

أليس هذه المليارات رشى مباشرة لقيادات في الجيش المصري انقلبت على رئيسها المنتخب لصالح دول في الخليج وصفهم هو نفسه بأنصاف الدول؟؟

لا يجب أن نفرح بدور التسريبات في فك الارتباط بين السسيسي والخليج لسببين: الأول أن دولا في الخليج حسمت موقفها بالفعل من الانقلاب قبل التسريبات إما بالتأييد المطلق له حتى النهاية "الإمارات" أو بوقف أي مساعدات جديدة "الكويت". بينما تقف كل من السعودية وقطر على مسافة وسط تكون فيها السعودية أقرب إلى الانقلاب وقطر أقرب إلى الشرعية. لذا فإن زيارة محمد بن نايف الرجل الأقوى في السعودية الآن إلى قطر تكون مفهومة في هذا الإطار.

السبب الثاني هو أنه يجب ألا ينسينا الفرح بهذه التسريبات الدور الآثم لدول الخليج في قتل المصريين واغتيال ثورتهم والقضاء على أحلامهم.

إن المخطط الذي مورس ضد المصريين في 2011 يعاد صياغته بشكل آخر؛ فكما أقنعونا أن سقوط مبارك يعني سقوط النظام، فإنهم يدفعوننا للاعتقاد أن سقوط أذرع الانقلاب الداخلية (قيادات عسكرية وشرطية وقضائية وإعلامية) كاف لإسقاط الانقلاب في مصر دون الاستمرار في الثورة حتى النيل من داعميه الإقليميين "الخليج" والدوليين "أميركا والاتحاد الأوربي". عفوا: إنها ليست جريمة السيسي فقط!

الخميس، 12 فبراير 2015

توحة!


ربما هو أذكاهم لأنه لم يلق بنفسه تماما خلف السلطة الانقلابية الجديدة. صحيح أنه أول من دعى لمظاهرة نحو الاتحادية أيام حكم الرئيس مرسي، وصحيح أنه كان في 30 يونيو جنبا إلى جنب مع عمرو موسى الذي تناظر معه يوما ما، وصحيح أنه كان من أوائل من التقى بعدلي منصور فورا عقب الانقلاب، وصحيح أنه شارك في استفتاء دستور العسكر وقبل باعتقال أعضائه، رغم اعتراضه على دستور 2012 لأنه على حد زعمه "لم يحض على مجانية التعليم  وجودة التعليم الفني" وهو كذب بواح أو جهل مدقع لا يليق بمترشح للرئاسة، إلا أنه لم يظهر إعلاميا طيلة العام ونصف الماضيين بشكل كبير.

عبد المنعم أبو الفتوح الشخص الذي لم يرد أن يخرج من الإخوان بسلام، وبدا أنه لا يشغله إلا قيادة الإخوان الحالية التي ناصبها العداء سرا وجهرا، وأراد - بالعافية -  أن يحصد أصوات قواعد الإخوان في الانتخابات الرئاسية التي حل فيها رابعا رغم ترديد أنصاره بكثرة أنه مرشح كل المصريين (!!)، ورفض توصيف نفسه أنه مرشح إسلامي، وأعلن أن أولى أولوياته ليست القضاء على النظام القديم أو تحقيق أهداف الثورة وإنما تقنين وضع الجماعة بتنيها الخيار السياسي فقط (الحزب) أو الدعوي فقط (الجمعية) وهو عين ما كان يريده مبارك!

أبو الفتوح الذي نال دعم السلفية البرهامية السعودية المنبطحة رغم ما بينهما من تباين فكري تاريخي شديد جعل تصريحات أبو الفتوح أول أسباب انتقاد السفية البرهامية للإخوان قبل الثورة. فلا عجب إذن أن قبل أبو الفتوح والسلفية البرهامية بالانقلاب العسكري الدموي وما تلاه من مجازر، وأن يقفا على طرف نقيض من كل خطوة يتخذها الرئيس مرسي.

أبو الفتوح ذو الأصول الإسلامية التي لا يستطيع التخلص منها يبدو أنه كان في وقت من الأوقات بأفكاره العلمانية (الجزئية أو الشاملة) التي تسيطر على الحزب وكوادره، السلاح الأمضى في مواجهة الإخوان بفكرهم الشامل عن الإسلام، (انقلاب من الداخل)، ومنهم على سبيل المثال رباب المهدي ،أستاذة العلوم السياسية في الجامعة الأميركية، والتي صرحت يوما أن الدين يكون في الجامع فقط كما أن الجنس في غرف النوم!

وأنا أسأل هل هذه هي أفكار الدكتور أيضا - وهناك الكثير مما يؤيد تبنيه هذه الأفكار، أم هل يقبل هذا التشبيه؟؟ هل يقبل أن يظل الدين في الجوامع منفصلا عن الدنيا، مشبها عقيدة المسلمين وشريعتهم بالجنس الذي يمارس في غرف النوم؟؟ لو صح ذلك فلا عجب أن تعلن الرقابة المصرية عدم قطع المشاهد الجنسية في الأفلام ليبقى الجنس في كل مكان بينما الدين لا يزال في المساجد كما يريد أبو الفتوح!

***
كل ما مضى لا يهم لأنه لم يقنع أحدا من ملايين المصريين، ولم يكن له نصير إلا بعضا من أنصاف المثقفين الذين ظنوا أنفسهم أشياء، فانتقلوا من الإسلام الشامل الذي أكد عليه حسن البنا إلى العلمانية الجزئية التي تُرضي تربيتهم الإسلامية من جهة، وترضي الغرب عنهم من جهة أخرى أيضا. وانتهوا إلى العلمانية الشاملة مؤكدين بذلك ما قاله الدكتور المسيري من وجوب أن ينتقل المرء من هذه إلى تلك!

المهم الآن أنه نظرا للقاءات المتعددة لمسؤولين غربيين بأبي الفتوح كان آخرها، السفير البريطاني في القاهرة ووفد من البرلمان البريطاني التقى ابا الفتوح منفردا قبل يوم من لقائه بالسيسي وممثلينعن الأحزاب المصرية!

أقول نظرا لهذه اللقاءات وجب التنويه إلى أن أبا الفتوح من البدائل التي يفكر فيها الغرب الآن لتقليل الآثار الناتجة عن إسقاط الانقلاب في مصر. ولا أتعجب أن تخرج مبادرة منه شخصيا أو من الحزب - منفردا أو مع آخرين - تدعو لعودة الجيش لثكناته ومحاسبة المتورطين في العنف والقبول بفترة انتقالية يكون هو مشاركا فيها بشكل أو بآخر.

إن لقاء الغرب بالأحزاب عموما وبأبي الفتوح خصوصا إنما يبحث في رأيي عن بديل وسيط بين العسكر والإخوان يقلص من نجاحات الثورة ويقلل من خسائر الغرب الذي دعم الانقلاب بكل ثقله! ولاشك أنه سيقبل هذا الدور بكل قوة وترحيب، فهو أيضا لم يكن بعيدا عن دعم الانقلاب وإن ادعى العكس، ويرى أن أي عدو للإخوان هو صديقه ولو على حساب الدولة والوطن والمشروع السياسي!

إن أبا الفتوح كالبرادعي كعدلي منصور كالسيسي، كلهم مشاركون في الجريمة، وهم خصوم للدماء التي سالت والتي لا يملك الإخوان أن يتنازلوا عنها. ومحاولتهم لعب دور الوسيط الآن لن تفيدهم لأن الثورة الآن تعرف خصومها جيدا، وتعرف من وقف معها ومن تآمر عليها. ولعل ساعة القصاص قريبة إن شاء الله!!

السياسة السعودية: أن تكون طرفا في معركة لست طرفا فيها!

 
 تخوف السعودية الرئيسي من الإخوان نابع من منافستهم على زعامة الإسلام السني، الذي تتبناه المملكة بشكل مذهبي أكثر من الشكل العقائدي! فأمراء المملكة يقومون تقريبا بكل أنواع الموبقات السياسية والاقتصادية والأخلاقية البعيدة كل البعد عن قيم الإسلام ومع ذلك يرفعون شعار الإسلام عمودا لدولتهم!

وتدرك السعودية أن ما يحمي ملكها هو القواعد الأميركية في الخليج التي تتلقى - ولا تدفع - أجرا نظير مرابضتها في أرض الحرم! لذا فالعلاقات الأميركية - السعودية علاقات استراتيجية منذ أربعينيات القرن الماضي، ولم تتخللها إلا فترات ضعف وفتور لا تذكر على مدار العقود الماضية.

وعندما ضربت روسيا الغرب في القرم وانتزعتها منهم انتزاعا وجد الغرب أن أفضل الخيارات هو الرد اقتصاديا، وليس عسكريا أو سياسيا. ولأن أوربا تستورد ما يزيد عن 30% من حاجيتها من الطاقة من موسكو فإن قرار البحث عن بديل كان صعبا.

الرد الأميركي استقر في النهاية على تخفيض سعر البترول عبر وكيلتها السعودية ثاني أكبر مصدر للنفط في العالم - بعد أن أزاحتها فنزويلا مؤخرا - ومن المعلوم أن النفط من أهم موارد الدخل القومي بالنسبة لكل من روسيا وإيران.

الرد الروسي والإيراني كان قاسيا الحقيقة، قاسيا بالمفهوم الجيو-استراتيجي؛ فلقد سيطرت ميليشيات شيعية موالية لإيران في اليمن على العاصمة اليمنية صنعاء مهددة بذلك مضيق باب المندب، ومسلطين شوكة قوية في خاصرة السعودية! بعد أن استعانت بهم السعودية للتخلص من خصومها "الإخوان"!

السعودية التي ضرت اقتصادها واقتصاد الخليج كاملا بتخفيضها أسعار النفط إلى مستويات قياسية لم تجن من ذلك إلا وجود الشيعة على حدودها الجنوبية، وتهديد مضيق باب المندب الرئة الوحيدة للموانئ السعودية على البحر الأحمر!

السعودية التي تبنت ومولت ودعمت انقلابا عسكريا على الإخوان في مصر، وبررت قتلهم بالآلاف وصنفتهم جماعة إرهابية من الدرجة الأولى، وحرضت الحكومة البريطانية على اعتبار الجماعة في بريطانيا منظمة إرهابية لم تجن من ذلك إلا وجود الإرهابين الحقيقيين على حدودها!

والآن تعود أميركا وتفكر في دعم الحكومة الأوكرانية التي تقاتل المسلحين الانفصاليين شرقي أوكرانيا بالسلاح، فيكون الرد الروسي بالتهديد بتزويد الحوثيين بمزيد من السلاح على حدود السعودية!

أي معركة وضعت السعودية نفسها فيها حتى تكون جميع ردود الأفعال لما ترتكتبه من حماقات هو الضرر الكبير على الشعب السعودي والأمن القومي الخليجي والعربي بشكل يصعب تداركه؟؟

تدور الآن أحاديث حول تغير السياسة السعودية تجاه الإخوان، وهو ما تناولته بالتفصيل وفندته في مقالات سابقة. لكني أقول بصفة عامة أن منطلقات السياسة السعودية ليست الأمن القومي للبلاد ولا للعرب والمسلمين، وإنما الحفاظ على الكرسي!  وعليه فحتى وإن اتخذت السياسة السعودية تكتيكا جديدا بتبنيها انفتاحا مع الإخوان المسلمين، فإن ما أفسده دعم السعودية لاجتياح الحوثي لصنعاء، ودعمها لانقلاب عسكري دموي في مصر صار أكبر من أن يصلحه انفتاحا هنا أو مصالحة هناك! وربنا يستر!

الأربعاء، 11 فبراير 2015

لماذا تغيرت العلاقات الدولية تجاه الانقلاب؟؟


شهدت العلاقات الخارجية لمصر عقب الانقلاب ثلاث مراحل متمايزة، جسدها وزيران للخارجية هما: نبيل فهمي وسامح شكري. إلا أن ما يجمع بين هذه المراحل الثلاثة هو الرغبة الملحة في اكتساب شرعية دولية خارجيا تجبر الكسر والإحساس بالنقص الدائم في الشرعية الحقيقية التي يفتقدها السيسي داخليا عقب قيامه بالانقلاب العسكري!

1- المرحلة الأولى: دعم غربي مطلق -  دعم خليجي مطلق:
_____________________________________________

فلقد اجتمعت مصالح القاصي والداني إقليميا ودوليا على توقيف تجربة الإخوان في مصر. فالدور الإقليمي لمصر في عهد الرئيس مرسي بدأ يتخطى الدور المرسوم له في قضايا عديدة كحرب غزة والثورة السورية، مما أغضب بشدة إسرائيل وإيران وسوريا والسعودية والإمارات! كما بدأت مصر تكسر  القيود المفروضة حول أمنها القومي بتحركها في ملفات الاكتفاء الذاتي والتصنيع الثقيل والدقيق والتقارب السياسي والاقتصادي مع بدائل غير مرغوبة (تركيا - البرازيل - الهند -جنوب إفريقيا).

الغريب في هذه المرحلة أنه وبينما كان السيسي يسوق داخليا أسبابا سياسية واقتصادية وأمنية للقيام بالانقلاب على الرئيس مرسي، (الشعب لم يجد من يحنو عليه - الاستبداد بالسلطة بالإعلان الدستوري وغقالة النائب العام- منع انزلاق البلد لحرب أهلية - الاستجابة لإرادة المصريين)، كان السيسي يقود حملة منظمة خارجيا؛ يسوق فيها أسبابا أيديولوجية وفكرية لقيامه بالانقلاب، سواء في حوارات أجراها بنفسه " حوار الواشنطن بوست" أو حوار نبيل فهمي في  "دير شبيجل" الألمانية.  وكانت النغمة الدائمة في هذه الحوارات أن الرئيس مرسي أراد إعادة الخلافة الإسلامية!

دبلوماسيا؛ شمل هذا الإجماع على الانقلاب أميركا والأوربيين والخليج وإيران، وخلال هذه المرحلة حدث تجاهل دبلوماسي وإعلامي تام لكل ما ارتكبه السيسي من مجازر ولم تحدث كلمة إدانة واحدة! بل ذهب جون كيري إلى أبعد من ذلك وخرق جميع الأعراف الدبلوماسية حين صرح أن الجيش في مصر تدخل لاستعادة الديمقراطية!

وسياسيا؛ في هذه المرحلة تم إشراك رجال الغرب في الحكم كخطوة تكتيكية فقط، منهم البرادعي كنائب للرئيس، وزياد بهاء الدين كنائب لرئيس الوزراء،  حازم الببلاوي وكلاهما ينتميان للحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي أحد أحزاب جبهة الإنقاذ، هذا غير عدد كبير من الوزراء من أحزاب أخرى في الجبهة.

 يستثنى من هذا الإجماع فقط الاتحاد الإفريقي الذي كان حساسا لموضوع الانقلابات العسكرية التي عانت منها القارة كثيرا، وكذلك تركيا الحساسة لذات السبب! وبطبيعة الحال كان تأثير الاتحاد الإفريقي محدودا، وهو يتلقى نصف ميزانيته تقريبا من أوربا!

***

2- المرحلة الثانية: تململ غربي - دعم خليجي مطلق:
_________________________________________

سياسيا:
وهي المرحلة التي بدا أن السيسي ينقض اتفاقه مع الغرب بإشراك العلمانيين في الحكم وعدم وضع مسار سياسي مقبول يُبقي الجيش في الخلفية ويأتي بأصحاب الكرافتات الشيك للمقدمة. خرج جميع وزراء جبهة الإنقاذ من حكومة الببلاوي الثانية ثم حكومة محلب، وأودع بعض رموزهم في السجون.

دبلوماسيا وإعلاميا:
مواقف الغرب بدت متململة، وحدث شرخ في الطوق الإعلامي المفروض حول المجازر في مصر، فخرجت تصريحات هنا وهناك تنتقد حقوق الإنسان في مصر، وتدعو للإفراج عن المعتقلين، وتطالب بتأخير المعونات عن مصر أو ربطها بالتقدم في مجال حقوق الإنسان!

في هذه المرحلة بدأ السيسي مناوراته بالذهاب إلى روسيا والصين، كنوع من التلويح للذهاب لخصوم الغرب، ودار كلام كبير عن السلاح الروسي الجديد، حتى إذا هدأ التوتر بينه وبين الغرب وسئل عن هذا السلاح في حملته الانتخابية قال بكل برود: سلاح ايه؟؟

***

3- المرحلة الثالثة: تململ غربي - تململ خليجي
____________________________________

التململ الغربي جاء بسبب فشل السيسي في صنع أي مسار سياسي مقبول، وقراءتهم الواضحة أن القمع الذي حدث للإخوان في مصر لم يدفعهم للرضوخ بالأمر الواقع والقبول بالانقلاب وإنما دفع الشباب لأعلى في  سلم القيادة داخل الهيكل التنظيمي للجماعة، ودفعهم لأسفل للعمل السري تحت الأرض وهو ما أقلق الغرب كثيرا!

فآخر ما يتمناه الغرب هو تحول جماعة الإخوان المسلمين السلمية المسالمة التي تتبنى العمل السياسي والتي يعرفونها ويحفظونها في مراكزهم البحثية إلى نسخة أو إصدار جديد لا يتوقعون ردود أفعالهم ويتبنون خيارات أكثر إيلاما بدأت في 25 يناير الماضي بالفعل!

أما الخليج فلقد تململ من كثر طلب السيسي للمعونات في وقت تعاني فيه اقتصاديات الخليج من تعثر بسبب انخفاض أسعار النفط، فأعلنت الكويت رسميا أكثر من مرة أنها لن تقدم أية أموال بعد ذلك رغم زيارة رسمية من السيسي وأخرى استمرت لثلاثة أيامن من رئيس الوزراء إبراهيم محلب!

وازداد الطين بلة بموت الملك عبد الله، الأب الروحي لانقلاب السيسي، والإطاحة باللوبي الإمارات في السعودية الداعم لانقلاب السيسي وعلى رأسهم أمين عام الديوان خالد التويجري!

وتعمق الخلاف مع خروج تسريبات فاضحة تكشف تطاول السيسي على دول الخليج التي تدعمه، مما وضعه في حرج شديد، ووضع هذه الدول في حرج أكبر إذا استمرت في دعمه بعد الآن.

***
الثابت في سياسة السيسي منذ الانقلاب:

الشيء الثابت في علاقات السيسي الخارجية هو العداء التام للمقاومة والحرص الشديد على أمن الكيان الصهيوني! فلقد صرح بشكب مباشر وصريح أنه لن يسمح أن تستغا سيناء كقاعدة خلفية لتهديد أمن إسرائيل "قناة فرانس 24 ". كما أن المشروع الوحيد الذي نفذه السيسي بشكل مستمر بلا توقف كان الحرب على أهل سيناء وتهجيرهم وانتهى الأمر بقرار عمل منطقة عازلة في رفح بدأت ب 500 متر ثم 1000 متر ثم القرار الفضيحة بإزالة مدينة رفح بالكامل! وكأنه كتب علينا أن نقول وداعا رفح المصرية بأيدي جنود مصريين وليس جنودا صهاينة! 

الأمريكان دفعوا لعبد الناصر ثمن برج القاهرة!


لكم يضحك المرء من تطبيل إعلام الانقلاب الكاذب بزيارة بوتين المأزوم اقتصاديا للسيس المفضوح خليجيا وعربيا!

ويزداد المرء ضحكا حتى تدمع عيناه من تعليقات بعض الجاهبذة الأفذاذ؛ أن استقبال السيسي لبويتن في برج القاهرة له مدلول خاص، وهو البرج الذي بناه عبد الناصر رمز مقاومة الغرب عن الانقلابيين المعاتيه!

عبد الناصر بنى البرج نعم؛ ولكن هل تعلم كم تكلف هذا البرج، ومن دفع نفقاته؟؟

تلكلف البرج ما يقارب 3 ملايين دولار أميركي، أما من دفع ثمنها فلا تعجب إذا علمت أنهم الأمريكان أنفسهم!

جاء في كتاب لعبة الأمم لعميل المخابرات المركزية الأميركية CIA مايلز كوبلاند أن كيرمت روزفلت - مسؤول "محطة" المخابرات في المنطقة CIA Station وكانت عاصمتها القاهرة في هذه الفترة - هو الذي سلم مبلغ ثلاثة ملايين دولار لحسن التهامي مندوب عبد الناصر، الذي سلمها له وعدها أمامه عدا ونقدا، فوجدا ناقصة عشرة دولارات! فنظر إلى عبد الناصر الذي ابتسم قائلا:مش مهم يا حسن، مش حنخسر الأمريكان علشان 10 دولار!

"مش حنخسر الأمريكان"! نعم.. فعلاقة ناصر بالأمركان وثيقة من قبل الثورة وهو الذي ادعى عداءه للغرب في محاولاتهم الأكثر نجاحا على الإطلاق في صناعة زعيم! وكلنا يذكر محاولات تفجير مكاتب الاستعلامات الأميركية في القاهرة والإسكندرية بعد الثورة "لمحاولة تكدير العلاقات بين عبد الناصر والأمريكان" 

والأدلة عللى ذلك كثيرة ذكرها الموهوب الراحل محمد جلال كشك في كتابي: كلمتي للمغفلين، والكتاب الأكثر شمولا "ثورة يوليو الأميركية"، مدعومة بالمصادر ونصوص برقيات ورسائل الفارات ومذكرات لعدد كبير من الضباط الأحرار أنفسهم وعلى رأسهم خالد محيي الدين في مذكراته "والآن أتكلم"، والطيار عبد اللطيف البغدادي الذي وثق لنكسة 1956 بصورة موجعة! 

تتدخل أميركا لمنع القوات البريطانية المرابضة في السويس من التحرك عندما علمت بالثورة، وتتدخل ثانية عندما حاولت بريطانيا العودة بعد تأميم القناة وتعطي إنذارا 48 ساعة للندن وباريس كي تنسحبا، ويمنع عبد الناصر طابعي المنشورات قبل الثورة من كتابة شعارات ضد الاحتلال الأنجلو-أميركي في مصر - وقد كان الوعي بالدور الأميركي متقدما - والاكتفاء بالاحتلال الإنجليزي فقط! كل هذا لأن عبد الناصر جعل مصر - كما قال هيكل في غلاف كتابه الإنجليزي قطع ذيل الأسد Cutting lion's tail والمقصود طبعا الأسد البريطاني - الحذاء الذي خلعته بريطانيا ولبسته أميركا! 

المضحك كذلك أن مجموعة الضباط التي كانت حول عبد الناصر وتعلم بالعلاقة الخاصة مع الأمريكان أسموا برج القاهرة بعد حادثة ال3 ملايين دولار Roosevelt erection "وقف روزفلت"، اعترافا منهم بدور الأمريكان ف جفع ثمنه، مع ما في الكلمة من إيحاء جنسي يتناسب مع أخلاقهم الفاسدة! 

وما يؤلم أن البعض لا يزال يردد ترهات مقاومة الغرب وعداء الأمريكان حتى الآن ويغرقون في الأوهام حتى آذانهم! حقا: أؤلئك كالأنعام بل هم أضل! وآخر كتب قرأوه في التاريخ كان كتاب حياتي يا عين! 

الاثنين، 9 فبراير 2015

لا تعيدوا الجزيرة مباشر مصر!


الحاجة أم الاختراع، وما علمت الدنيا اختراعا مهما إلا لحاجة مُلحّة!

غلق الجزيرة مباشر مصر كان محبطا لأنصار الشرعية الذين كانوا يرون فيها نافذة قوية تعرض آلامهم وتقوي آمالهم! رغم أنها كانت إلى موضوعية ومهنية إلى حد بعيد تعرض الرأي والرأي الآخر، وتسمح دائما للطرف الآخر بالرد.

إلا أن غلق القناة وإن أحبطهم لم يدفعهم للاستسلام، وإنما دفعهم للبحث عن بدائل كانت لفترة طويلة ثانوية، بحكم أنها قليلة الكفاءة، محدودة التأثير، كعادة أي قناة في بدايتها وخاصة إعلام الإسلاميين الذين تأخروا لأسباب كثيرة في هذا المجال الخطير.

ومع بزوغ حاجة ملحة للإعلام ومع انتقال المشاهدين الذي أبوا الاستسلام إلى قنوات الشرعية، بدأت قنوات مثل مصر الآن ومكملين ورابعة والشرق تأخذ مكانة أفضل بكثير مما كانت عليه وأصبحت مرضية بالحد الأدنى للمشاهدين.

هناك المزيد أمام هذه القنوات بلا شك، إلا أن التطور فعلا ملحوظ، وزاد منه التسريبات التي بدأت تنفرد بها هذه القنوات، حتى بات اسمها على كل لسان! الأمر الذي دفع الخارجية المصرية للعمل الحثيث ليس لعرض حقوق مصر المتضررة من بنا أثيوبيا للسد، وليس للمطالبة بحقوق مصر المشروعة في حقول غاز المتوسط، وإنما لإغلاق قنوات الشرعية الأربعة!

ربما يرى البعض في #تسريب_مكتب_السيسي الأخير والذي تطاول فيه على دول الخليج عموما - وأمير قطر خصوصا - فرصة لعودة قناة الجزيرة مباشر مصر، خاصة وأن المصالحة الخليجية التي أتت على حساب إغلاق القناة كانت مرهونة بالملك عبد الله نفسه! إلا أن عودة الجزيرة مباشر مصر الآن سيعد فطاما قبل الموعد لقنوات الشرعية التي تحتاج لمزيد من الوقت حتى تثبت قدميها. ولا شك أن عودة الجزيرة مباشر مصر سيخطف منها الأضواء والأنظار والجمهور مجددا، وهذا مضر على المدى البعيد إلى حد كبير!

حتى وإن كانت عودة الجزيرة مباشر مصر مفيدة في المرحلة القادمة أو في أيام الحسم فأقترح ألا يعود برنامج مصر الليلة أو أن يقدم موعده لئلا يقطع الطريق على البرامج الرئيسية في القنوات الجديدة.

أعرف أن الجزيرة مباشر مصر ليست قناة الإخوان، وأنها ملك لقطر ولقطر سياستها، ولكني أكتب ما أراه مفيدا لنا ليس أكثر، والله ولس التوفيق...

#السيسي_يحتقر_الخليج
#مجزرة_الدفاع_الجوي 

الأحد، 8 فبراير 2015

بيرل هاربور مكتب السيسي!

قد يبدو تسريب مكتب السيسي الأخير صادما للبعض، ومفرحا للبعض الآخر! فقد رأوه بداية توتر العلاقات بين السيسي وداعميه في الخليج، الذين يعتمد عليهم السيسي في بقائه اعتمادا شبه مطلق! وكأن السيسي مصر على عض كل الأيادي التي امتدت إليه!

وصف شعبه بالجعان، ووصف دول الخليج بأنصاف الدول، وحديثه بحسد شديد عنه "الذين يعيشون حياتهم بالطول والعرض"، وبحقد شديد عليهم وطمع لا متناهي في "فلوسهم المتلتلة" التي "زي الرز"! ووصفه لجيشه بالمرتزقة الذين يحاربون من أجل الفلوس!

متخابرون هم رجال السيسي الذين يبلغون دولا أجنبية بما يدور في أروقة اجتماع المجلس الأعلى للقوات المسلحة! وحرامية هم رجال السيسي الذين لا يفكرون إلا مليارات الجيش وفي الآخر يحطوا قرشين في البنك المركزي!

***

لكن السؤال الأهم: هل ساءت علاقة السيسي بالخليج بعد التسريب الأخير أم ساءت فعلا ذلك بفترة؟؟

من الواضح في الفترة الأخيرة أن الخطاب الخليجي بدأ يتغير منذ وفاة الملك عبد الله والإطاحة باللوبي الداعم للسيسي في السعودية. لم يتم استقبال السيسي في العزاء وتأخر وصوله إلى اليوم الرابع، وقطعت الكهرباء عنه في القصر أثناء زيارته!

كما تغيرت نبرة الولايات المتحدة في الآونة الأخيرة لأسباب تناولناها مفصلا في مقالات سابقة؛ فاستقبلوا وفدا من نواب البرلمان الشرعي، وأدانوا قتل المتظاهرين يوم 25 يناير!

 العلاقة ساءت إذن قبل هذا التسريب؛ فهل أعطى التسريب الأخير المبرر فقط لدول الخليج كي تقطع علاقتها بالسيسي وتغسل أيديها من الانقلاب الدموي؟؟

***

أثناء لحرب العالمية الثانية حاصرت الغواصات الألمانية الجزر البريطانية، ومنعت وصول المواد الخام القادمة من مستعمراتها في الهند الشرقية وآسيا ومصر إليها، حتى بكى ونستون تشرتشل رئيس الوزراء البريطاني قائلا: ليس لدي ما أقدمه إلا الدماء والكدح والدموع والعرق!
 "I have nothing to offer but blood, toil, tears, and sweat."
وكادت بريطانيا العظمى أن تستلم!

كان الأمل الوحيد لبريطانيا أن تدخل الولايات المتحدة الحرب! وكان لدى أميركا الرغبة فعلا في دخول الحرب لأنها كانت تعلم أن سيطرة هتلر على أوربا، ستدفعه للسيطرة على الضفة الأخرى من الأطلسي! (أميركا) وكانت تعلم أن وصول هتلر للسلاح النووي معناه نهاية أميركا!

لكن كان يواجه الساسة في أميركا مهمة إقناع الشعب الأميركي بالحرب! حتى جاءت حادثة بيرل هاربور التي هاجمت فيها  البحرية الإمبراطورية اليابانية الأسطول الأمريكي القابع في المحيط الهادئ في قاعدته البحرية في ميناء الآلئ "بيرل هاربر" بجزر هاواي في 7 ديسمبر 1941 !

غير هذا الحدث مجرى التاريخ وأرغم الولايات المتحدة على دخول الحرب العالمية الثانية. لكن العجيب أن بريطانيا وبعض قادة الولايات المتحدة كانوا يعلمون بهذه الضربة ولم يتدخلوا لمنعها! لأنهم أساسا كانوا ينتظرون ذريعة لدخول الحرب!

عندما وقع هجوم بيرل هاربور وأعلنت الولايات المتحدة دخول الحرب شعر ونستون تشرشل ساعتها بالسعادة الغامرة "the greatest joy": وقال في مذكراته: خلدت إلى السرير ونمت قرير العين نوم الآمن والممتن!  I went to bed and slept the sleep of the saved and thankful ."

***
في رايي أن القرار الخليجي بالتغير من السيسي قد اتخذ، لكنه كان ينتظر القشة التي تقصم ظهر هذه العلاقات. والتسريب الأخير يعطيهم هذا المبرر!

هذا التسريب يؤكد أيضا ما قلناه سابقا؛ أنه يوجد فارق ضخم بين انقلاب 1954 وانقلاب السيسي في 2013، وهو كسر احتكار النظام للمعلومة! فضيحة السيسي الآن لم تكن ممكنة منذ 60 عاما ضد عبد الناصر الذي مات والجنيع يظن أنه حامي الحمى!

وفي رأيي أخيرا أن أكبر المستفيدين من هذا التسريب هي دول الخليج نفسها التي جاءتها الفرصة على الطبطاب لغسل أيديها من الانقلاب الدموي وتبرير سياساتها الجديدة التي تنفتح من باب المصالح المجردة تجاه الإخوان! هذه السياسة التي اتخذ قرار أصلا بتغييرها.

يحاولون تصوير سلمان بعد عبد الله بأوباما بعد بوش، وكأن السياسة الخليجية كانت فقط بسبب عبد الله وانتهت بزواله! كل ما هنالك أن الريح تغير اتجاهها فاستغلوها ولا تنسوا عدوكم الحقيقي ومن أعان على دمائكم!

#السيسي_يحتقر_الخليج
#تسريب_مكتب_السيسي

الخميس، 5 فبراير 2015

بين شريعة الله وشريعة الغاب. (دراسة)


هذه دراسة فكرية عن:

1-المقارنة بين من يتبنى مبدأ اللجوء لشرع الله أو اللجوء للقوة لحسم الخلافات

2- مقارنة سريعة بين وسطية الإسلام تبين اليهودية والنصرانية في مسألة اللجوء للقوة.

***

ينظر دائما إلى الإنسان البدائي على أنه كائن متوحش همجي يأكل اللحم نيئا، ودائم الشجار مع الحيوانات من أجل البقاء، ومع أقرانه من أجل الطعام والمرأة!

إلا أنه القرآن يعلمنا شيئا آخر! فالإنسان الأول كان النبي آدم عليه السلام، وهو بعيد كل البعد عن هذه الأوصاف البشعة. وحين حاول أحد ابني آدم حسم الصراع مع أخيه بالقوة فقتله، بعث الله له غرابا يبحث في الأرض ليعلمه كيف يواري سوأة أخيه، في إشارة شديدة الوضوح أن القوة ليست وسيلة حسم الأمور وأن عاقبة ذلك الندم!

وكلما ظل الإنسان على منهج آدم عليه السلام ظل تقييم الأمور وحسم الخلافات مرجوعا لشرع الله. إلا أنه ومع بعد الإنسان عن شرع الله جنح الإنسان إلى القوة كوسيلة لحسم الخلافات وفرض الأمر الواقع على الخصوم!

والصراحة أن استخدام القوة لحسم الخلافات له إغراء وبريق! ولا أدري على وجه التحديد على استخدام القوة سببا أم نتيجة؛ سببا لعدم القنوع - أو الاقتناع- بشرع الله، أو نتيجة لإغراء القوة وتزينها لسرعة حسم الخلافات.

والحقيقة أيضا أنه كلما ضل بنو آدم أرسل الله عز وجل لهم أنبياء ورسل يعيدونهم إلى شرع الله حرصا عليهم ونذيرا لهم وحجة عليهم بعد ذلك:
 "وإلى عاد أخاهم هودا قال يا قوم اعبدوا الله"، الأعراف 65
"وإلى ثمود أخاهم صالحا قال يا قوم اعبدوا الله"الأعراف 73
 "وإلى مدين أخاهم شعيبا فقال يا قوم اعبدوا الله"،هود 84 - الأعراف 85
 "لقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال ياقوم اعبدوا الله". الأعراف 59

والهدف كما يبدو من إرسال رسل الله عز وجل هو إعادة الناس إلى شرع الله لتحكيمه فيما بينهم و تبنيه كقاعدة ومنطلق لرؤية الأمور وتقييمها. إلا أن البشر المعرضين دائما يجنحون إلى القوة لحسم الخلاف، كبرا منهم عن النزول على أوامر الله، أو خضوعا لبريق القوة وإغرائها:

"قالوا يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا فأتنا بما تعدنا" هود 32
 "فعقروها فقال تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب"هود 65
 "قالوا ياشعيب ما نفقه كثيرا مما تقول وإنا لنراك فينا ضعيفا ولولا رهطك لرجمناك وما أنت علينا بعزيز " هود 91

جنوح مطلق وأوحد إلى القوة إلى الدرجة التي دفعت سيدنا لوط عليه السلام إلى تمني القوة: "قال لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد". هود 80

حقا شيبتني هود!

***
ثم يخبرنا القرآن عن قصة مهمة "أحسن القصص" وهي قصة سيدنا يوسف عليه السلام، وهي قصة مليئة بمحاولات اللجوء للقوة لحسم الخلافات!

ففي البداية حاول إخوة يوسف عليه السلام حسم خلافهم معه وحقدهم عليه بالقوة، ثم التعلل بالتوبة والرجوع لدين الله بعد ذلك!
"اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا يخل لكم وجه أبيكم وتكونوا من بعده قوما صالحين" يوسف 9

وتظهر القصة مشهدا آخر من مظاهر اللجوء للقوة وهو محاولة إجبار امرأة العزيز سيدنا يوسف على الرذيلة وتهديده بالسجن:
"ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونن من الصاغرين" يوسف 32

ومشهد ثالث للجوء للقوة فوق الحق والعدل حين أمروا بحبسه ظلما درء للفضيحة:
"ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجُنُنَّه حتى حين" يوسف 35

فانتهت القصة بانتصار شرع الله ومن يتبعه على من يحتكم للقوة:
"كَذَٰلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ ۖ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ ۚ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ ۗ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ" يوسف 76

***

وتمر البشرية بمرحلة مهمة من مراحل الصراع بين من يحتكمون لشرع الله ومن يلجئون للقوة لحسم الخلافات، وهي مرحلة وجود بني إسرائيل في مصر، وبعث سيدنا موسى عليه السلام إليهم.

فبعد استقرار سيدنا يوسف عليه السلام وجلبه أبويه وإخوته إلى مصر، ظلوا فيها حتى رحل الهكسوس عن مصر، وسامهم فرعون سوء العذاب:
"إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين" سورة القصص 4

وظل اليهود "بنو إسرائيل" على هذه الحالة من الاستعباد حتى أتاهم سيدنا موسى عليه السلام. وفي الصراع بينه وبين فرعون حاول فرعون دوما اللجوء للقوة لحسم الأمور:

"قال لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين" الشعراء 29
"قال آمنتم له قبل أن آذن لكم إنه لكبيركم الذي علمكم السحر فلسوف تعلمون لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم أجمعين" الشعراء 49-50
"إن هؤلاء لشرذمة قليلون وإنهم لنا لغائظون وإنا لجميع حذرون " الشعراء 53-56

***
وكم كان خرص الأنبياء على قومهم، إلا أنهم أبوا! وكالعادة كان تحدي رسل الله باللجوء للقوة ينتهي بهلاك من يحادد دين الله:

 "فأغرقناه ومن معه جميعا وقلنا من بعده لبني إسرائيل اسكنوا الأرض" الإسراء 104
"فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها ولا يخاف عقباها" الشمس 14-15
"وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد" هود 102

لذا فقد أعطى الله عز وجل الفرصة لهم كي يؤمنوا به ويتوبوا إليه قبل الرد على تحديهم لشرع الله، بإرسال الرسل كي يكونوا منذرين لهم قبل الهلاك:
"وما أهلكنا من قرية إلا لها منذرون 208 - ذكرى وما كنا ظالمين 209" الشعراء
"وإن من أمة إلا خلا فيها نذير 24 " فاطر
" وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً" (15 الاسراء)
وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ ۖ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (48)وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (49) الأنعام

***

كما أكد جميع الرسل لأقوامهم أنهم نذير قبل الهلاك إن أعرضوا عن شرع الله:

﴿فأنذرتكم نارا تلظى﴾ [الليل/14]، ﴿أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود﴾ [فصلت/13]، ﴿واذكر أخا عاد إذ أنذر قومه بالأحقاف﴾ [الأحقاف/21]، ﴿والذين كفروا عما أنذروا معروضون﴾ [الأحقاف/3]، ﴿لتنذر أم القرى ومن حولها وتنذر يوم الجمع﴾ [الشورى/7]، ﴿لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم﴾ [يس/6]، ﴿إني لكم نذير مبين﴾ [نوح/2]، ﴿إني أنا النذير المبين﴾ [الحجر/89]، ﴿وما أنا إلا نذير مبين﴾ [الأحقاف/9]، ﴿وجاءكم النذير﴾ [فاطر/37]، ﴿نذيرا للبشر﴾ [المدثر/36]. ﴿هذا نذير من النذر الأولى﴾ [النجم/56] ﴿كذبت ثمود بالنذر﴾ [القمر/23]، ﴿ولقد جاء آل فرعون النذر﴾ [القمر/41]، ﴿فكيف كان عذابي ونذر﴾ [القمر/ 18]

***

هذا البعد الفكري مهم من الناحية الأيديولوجية لبناء تصور إسلامي عن الحياة والوجود وطرقة تقييم الأمور وحسم الخلافات، باللجوء إلى شرع الله أو شريعة الغاب!

لكن من الناحية العملية، بإسقاط هذه الرؤية على واقع الصراع بين أتباع الديانات الثلاثة الحالية(اليهودية الحالية والتي نعتقد بتحريفها، والنصرانية الحالية التي نعتقد أيضا بتحريفها، والإسلام)  "إن الدين عند الله الإسلام" آل عمران؛ نجد العجب العجاب!

***

اليهود قوم ماديون جدا! فلقد سامهم فرعون سوء العذاب لدجة جعلتهم يرون القوة والقوة وحدها السبيل لحسم الخلافات "إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين" القصص.

لذا فقد أثرت فيهم هذه المادية بشكل كبير في نفوسهم ومسخت شخصياتهم، فوجدنا منهم أقوالا عجبا للرسول الذي بعثه الله لينجيهم!

"يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِّنَ السَّمَاءِ ۚ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَىٰ أَكْبَرَ مِن ذَٰلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ۚ" النساء 153

"قالوا يا موسى إن فيها قوما جبارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون" المائدة 22

لذا عندما ذكرهم الله بفضله وكرمه ذكرهم بنعمته التي أنعم بها عليهم بها:

يابني إسرائيل اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي ﴿٤٠ البقرة﴾
يابني إسرائيل اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ ﴿٤٧ البقرة﴾
وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ﴿٦ ابراهيم﴾

وعندما خاطبهم شرع الله وقتها خاطبهم بما يناسب طبيعتهم المادية، فلا مجال للتسامح حتى في الجروح الصغيرة:
( وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون ( 45 ) المائدة )

وعندما أراد الله عز وجل منهم أن يعبدوه، لم يعبدوه طوعا وإنما مكرهين! :
( وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة وظنوا أنه واقع بهم خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه لعلكم تتقون ( 171 ) )

***

لذا عندما أُرسل سيدنا عيسى ابن مريم لليهود، كان ينقلهم نقلة نوعية بتعاليمهم السمحة التي تطرف بعض اتباعه تطرفا وصل إلى حد التفريط، وخاصة بعد التحريف الذي وصلت إليه النصرانية الآن!

أَعْطُوا مَا لِقَيْصَرَ لِقَيْصَرَ وَمَا لِلّهِ لِلّهِ«. فَتَعَجَّبُوا مِنْهُ« (إنجيل مرقس 12:12-17)
وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: لاَ تُقَاوِمُوا الشَّرَّ، بَلْ مَنْ لَطَمَكَ عَلَى خَدِّكَ الأَيْمَنِ فَحَوِّلْ لَهُ الآخَرَ أَيْضًا. ... (متى 42)

كان سيدنا عيسى عليه السلام علامة بارزة في طريق التطور الإنساني، كان يدعو اليهود إلى السمو عن هذه المادية المقيتة! كان آية للعالم، أو "آية للعالمين" كما قال القرآن العظيم: "وجعلناها وابنها آية للعالمين" الأنبياء - لولا تطرف أتباعه:
 "ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها" الحديد 27

***

أما الإسلام، فنعم الدين! شاملا مهيمنا على ما سبقه:
 وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم في ما آتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون" المائدة

دينا وسطا يجمع بين القصاص والعفو عند المقدرة:
"والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق أولئك لهم عذاب أليم ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور ." الشورى

"وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا" البقرة 143

(لمزيد من التفاصيل حول هذه النقطة يرجى الرجوع إلى كتاب الإسلام بين الشرق والغرب للرئيس علي عزت بيجوفيتش حيث تحدث فيها بشكل رائع في القسم الثاني من كتابه)
 ***

ختاما: هناك من يرى الدنيا شوطا واحدا، يريد تحصيل فيها أكبر قد من الأهداف، وهناك من يراها على شوطين، شوط في الدنيا وشوط في الآخرة!

وبديهي أن الكفار يرونها شوطا واحدا، لذا فلا عجب أن تكون القوة - والقوة فقط - وسيلتهم لحسم الخلاف! أما المؤمنون فيلجأون لشرع الله الذي يأمرهم أحيانا بالقوة والقصاص، ويأمرهم أحيانا بالعفو والإحسان.

لذا فالعجب كل العجب أن تجد مسلمين - بالاسم- يحتكمون للقوة فقط لحسم الخلاف وفرض الرأي على الآخر، ومجابهة معارضيه بالقتل! أليس في هذا لمحة تتشابه مع غير المسلمين في لجؤوهم للقوة فقط حتى مع الكثير من الظلم! أو جاهلية كما قال الأستاذ سيد قطب، دون تكفير لأشخاص.

 من يراى الحياة شوطا واحدا يعمل بقاعدة الغاية تبرر الوسيلة، ويحتكم للقوة في حسم الخلافات! ومن يراها على شوطين يلجأ لشرع الله عز وجل خوفا من عذابه في الدنيا والآخرة!

( وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون ( 54 ) واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون ( 55 ) الشورى)

واستغفر الله لي ولكم

الاثنين، 2 فبراير 2015

الأسئلة الصعبة.. (الثورة بين تطرفين)


علينا أن نصارح أنفسنا في طرف دقيق ولحظة مفصلية في مسار الثورة المصرية. أسئلة صعبة تطل بنفسها علينا وتحتاج لإجابات دقيقة وشافية في كل التفاصيل إذا أردنا لهذه الثورة أن تنجح!

هل نحن في ثورة؟؟

قد تبدو الإجابة على هذا السؤال بديهية، بالطبع نحن في ثورة!

ساعتها وجب علينا أن ننتقل للسؤال الثاني: بأمارة ايه؟؟

 إذا كانت الإجابة هي المظاهرات في الشارع، فمع احترامي لجهد المجاهدين والمجاهدات، الثورة عمل أكبر بكثيرمن المظاهرات!. وأكبر وصف للنظاهرات هو احتجاجات.

وإذا كانت الإجابة هي العمليات النوعية التي بدأت تحدث ضد قادة الانقلاب؛ فسأقول جميل: اعلموا إذن أن من يطالبكم بتوقف هذه العمليات إنما يطالبكم بالتوقف عن الثورة! وسيتذرعون وقتها بالوضع الاقتصادي والظرف الدولي والمواءمات السياسية.


***

2- الموقف من تفجيرات سيناء:

وإذا كانت العمليات النوعية ضد الانقلاب ثورة، فهل صك الثورية حكر على أنصار الشرعية؟ ما الفارق بين استهداف قوات الانقلاب في المنيا وبني سويف والمطرية والإسكندرية واستهدافها في العريش والشيخ زويد؟؟

على العكس قد يقول قائل أن  استهداف قوات الانقلاب في سيناء هو الأكثر اتفاقا مع المنطق، ففي مجتمع قلبي غير منضوٍ تحت جماعة تنظيمية كبيرة مثل الإخوان المسلمين، وحدثت لهم عمليات قتل وتعذيب واعتقال عشوائي وتهجير وانتهاك حرمات ومقدسات واغتصاب؛ عمليات أعطتهم كل المبررات الشرعية والأخلاقية والقانونية للدفاع عن أنفسهم.

كما أن الأحداث الأخيرة وإن كانت مفجعة إلا أنها لم تتعرض للمدنيين بشيء! على العكس جاءت الخسائر جميعها في صفوف قوات أمن الانقلاب.

لكن الدور الذي قامت به ولاية سيناء من تفجيرات ضد الجيش في سيناء قد أفاد السيسي كثيرا عن قصد أو دون قصد، فلقد حولت مسار الصراع من ثورة ضد انقلاب إلى نظام يحارب الإرهاب! وشتان بين الأمرين! وقد أعطته التفجيرات الأخيرة الكثير من المبررات لتكييف القضية بهذا الشكل، إلى الدرجة التي دفعت البعض إلى الاعتقاد بقيام النظام نفيه بهذه العملية أو تسهيلها "استراتيجية التوتر" لتبرير مزيد من القمع وإعطائه قبلة الحياة وهو الذي يعاني موجة ثورية موجعة منذ 25 يناير.

 وهناك شواهد تاريخية كثيرة تم فيها ذلك مثل على بريطانيا وبعض القادة الأمريكان مسبقا بهجوم بيرل هاربور الذي كان سببا لدخول الولايات المتحدة الحرب، وعلم الأمريكان بهجمات ضدهم قبل أحداث سبتمبر وتغافلهم عنها لتبرير احتلالي أفغانستان والعراق، وما قعله الجيش الجزائري في التسعينات لتبرير ما يقوم به ضد الإسلاميين. (راجع كتاب الجرب القذرة)

الفارق بين العمليات ضد الانقلاب غرب القناة والعمليات التي تبتها ولاية سيناء شرق القناة  أن  هناك حرج شرعي في مسألة الدماء، فالإخوان يؤمنون أنه لا يحل دم مسلم إلا قصاصا، وإذا فرط ولي الأمر في الأخذ به يكون من حق ولي الدم أن يقتص لنفسه. أما الاستهداف الجماعي لقوات الجيش فغير مقبول. إنما القتل لمن قتل أو دفاعا عن النفس.

لكن على الجانب الآخر هناك من يتبنى أيديولوجية أكثر تشددا وتطرفا وصلت إلى حد تكفير الإخوان انفسهم ووصف الرئيس مرسي بالمرتد. وهؤلاء أسهموا في لفت الأنظار بقصد أو دون قصد عن مسار المعركة الأصلي.

ومن ناحية ثالثة؛ هناك السيسي الذي - رغم جنونه وشبقه الشديد للسلطة وضعفه اللامتناهي فكريا ولغويا - دشن لمدرسة جديدة شديدة التطرف في الفكر السياسي الحديث! إنها المدرسة التي تعتبر كل من يؤمن أن الإسلام دين ودولة وكل من يؤمن بعودة الخلافة هو إرهابي يجب قتله دون محاكمة بدء من الإخوان وانتهاء بالقاعدة وداعش رغم ما بينهما من خلافات فكرة عميقة تصل لحد التكفير كما قلنا.

***

الثورة المصرية الآن بين تطرفين، تطرف السيسي الذي يهدد بحرب أهلية وقام بأكبر عملية قتل جماعي في تاريخ مصر، وتطرف ولاية سيناء التي تدخلت في التوقيت الخطأ لإيصال الرسالة الخطأ عن الثورة المصرية.

على الثورة أن تشق طريقها وحدا بلا إفراط  في التطرف بحيث تفقد وعيها ونضجها وتتقارب مع ما يحدث في سيناء، وبلا تفريط يختزل العمل الثوري المقاوم في إزاحة السيسي فقط، والقبول بما يعرض غربيا.

لا يغرنكم من يفتت في عضدكم باتهام ثورتكم بالإرهاب. فهل كانت مقاومة العسكر في محمد محمود عملا نبيلا والآن عملا إرهابيا؟؟ هؤلاء الذين ادعوا زورا الثورية ثم ناموا في سرير العسكر وأنجبوا سفاحا الانقلاب السعكري

الأحد، 1 فبراير 2015

التنظيمات الهجينة!


عرفت البشرية قديما مصطلح الطابور الخامس، وهو مصطلح إسباني الأصل وقت أن كانت الجيوش أربعة طوابير، وهناك طابور سري داخل صفوف العدو يتحرك خلسة دون أن يشعر به أحد.

ثم عرفنا في القرن الماضي مصطلح استراتيجية التوتر؛ وهو مصطلح غاية في الأهمية تم استخدامه بكثرة في القرن الماضي. وهذه الاستراتيجية تعني أن يقوم النظام نفسه بافتعال أعمال عنف مروعة ثم يلصقها بالخصوم عبر أدوات إعلامية جبارة تتهمهم بها. والهدف طبعا واضح؛ تشوية المعارضة وتبرير ما يقوم به النظام من أعمال قمع واستبداد.

الآن نواجه ربما مصطلحا جديدا أسميه التنظيمات الهجينة. وهي التنظيمات التي تحوي جنودا في القواعد تعادي النظام حقا وتحمل قضية تدافع عنها، ولكنها مخترقة من قبل النظام أو أجهزة مخابرات دولة ما في طبقة من الطبقات القيادية في التنظيم، لتوجيه قراره بما يخدم النظام أو جهاز المخابرات  الذي اخترقه.

***

لا أميل إلى أن تنظيمات مثل داعش أو فرعه في مصر ولاية سيناء هو وهم بالكامل وغير موجود أصلا أو صنيعة جهاز مخابرات. لأنه ببساطة لا يعقل أن تنشر مخابرات السيسي فيديو دعائيا لعميلة ضد جيش السيسي في سيناء "صولة الأنصار" تظهره بهذا العجز والضعف وتفضح على العالم هزيمته المذلة! كما لا يعقل أن تدرج أميركا تنظيما وهميا لا أساس له في لائحة التنظيمات الإرهابية!

ولا أميل أيضا أن داعش وولاية سيناء هي تنظيمات حقيقية بالكامل، وأنهم مجرد امتداد أكثر تطرفا لتنظيم القاعدة! فهناك العديد من المؤشرات التي تطرح علامات استفهام حول نشأة التنظيم وتمويله وتسليحه وانتصاراته المفاجئة!

الأكثر قبولا عندي هو فكرة التنظيمات الهجينة. بمعنى أن ولاية سيناء ضمت الكثيرين من أبناء سيناء المقهورين الذين يعيشون جحيما حقيقيا منذ الانقلاب، بعد أن كان عدد السلفية الجهادية في سيناء لا يتجاوز 200 فردا! إلا أنهم في مستويات تنظيمية معينة مخترقون اختراقات خطيرة توجه دفة القرار في التنظيم بشكل يخدم أهداف من يخترقه!

والتحليلات حول الجهة المخترقة كثيرة، أولها إيران التي استفادت كثيرا من وجود تنظيم داعش الذي حارب المعارضة السورية الإسلامية والعلمانية بما فيها جبهة النصرة (القاعدة) أكثر من محاربته للنظام. بينما لا نجد أي وجود للتنظيم في اليمن حيث يسيطر الحوثيون على العاصمة الآن ولا يقاومها من أهل السنة إلا الإخوان والقاعدة!

وهناك أميركا، وهناك أيضا دحلان في سيناء، ولا مانع من أن تتعدد الاختراقات في تنظيمات هرمية منعزلة يسهل فيها الاختراق.

***

وإذا انطلقنا من هذه النظرية إلى الواقع فيما حدث في سيناء من تفجيرات، فأعتقد أن السيسي أكثر من استفاد من هذه التفجيرات، سواء كان طرفا فيها أو وظف ذلك الحدث لنفسه!

فمنذ 25 يناير وهناك موجة ثورية شريفة مؤلمة أوجعت النظام وجعلته يتلفت حول نفسه، وجعلت المجلس العسكري في انعقاد دائم "حالة طوارئ في الجيش" وطالبهم السيسي بتقديم تقرير كل ست ساعات.

ولا شك أن التقرير لا يحوي فقط العمليات التي حدثت، وإنما تحليلات ومعلومات وتوصيات للخروج من الأزمة "تقدير موقف".

ما حدث بتفجيرات سيناء أنه تم كسر الموجة الثورية التي بدأت في 25 يناير مؤقتا ونقلتها من خانة الهجوم إلى خانة الدفاع ورد الفعل، ومن رفع شعارات مثل القصاص إلى التمترس خلف التنظير في وجهة نظر الثورة في هذه التفجيرات! والقاعدة الإعلامية الشهيرة تقول: المدافع في الإعلام خاسر مهما كانت حجته قوية!  (قال أنا أحيي وأميت قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر)  ( البقرة : 258 ) .

كما أن السيسي وإعلامه نجحوا في ربط  الأعمال الثورية شرق القناة في الوادي والدلتا بالتفجيرات التي حدثت غرب القناة في سيناء، لذا فلا عجب أن هجوم السيسي وإعلامه كان على الخطر الأكبر على كرسيه "غرب القناة" وليس على التنظبم الذي تبنى فعلا التفجيرات شرق القناة!

ما حدث في سيناء تجسيد جديد لنظرية عصا موسى التي جسدها عاطف الطيب في فيلم الهروب. فلقد التقفت التفجيرات أعمال الثوار ولفتت عنها الأنظار مؤقتا، وسط تجاهل تام لأصل القضية وسبب الأزمة، وهو الانقلاب العسكري وما تلاه من مجازر وتهجير أهل رفح والجرائم ضد سيناء! وما تبع كل ذلك من تردي غير مسبوق في الوضع الاقتصادي والسلم الأهلي!

نصيحتي للثوار هوالتقاط الأنفاس والهجوم في موجة ثانية، فالمدافع خسران، ورد الفعل خسران. الهجوم يكون إعلامي بالأساس، ودور السوشيال ميديا ضروري وحيوي، ثم استكمال الموجات الثورية في المطرية والصعيد والإسكندر ية وباقي المحافظات. والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون!