قراءة جديدة للخريطة السياسية في مصر
______________________________
-1-
(مرحلة ما قبل الثورة)
في أي دولة طبيعية يكون التقسيم السياسي المعتاد للأطراف السياسية في البلد هو الحكومة والمعارضة.
هذا التقسيم لم يكن كافيا قبل الثورة لأن المعارضة الممثلة في الأحزاب الرسمية آنذاك كانت معارضة ديكورية! لأنها من ناحية لا وزن لها ولا تعبر عن قطاعات المواطنين، ولأنها من ناحية أخرى على علاقة مباشرة بالأجهزة الأمنية في النظام تصل إلى حد العمالة المباشرة في كثير من الأحيان.
لذا فقد كان القارئ للمشهد السياسي مضطرا لإضافة أطراف غير رسمية تندرج تحت هذا التقسيم الأولي، وكانت جماعة الإخوان المسلمين على رأس الجماعات غير الرسمية المعارضة، وكان الجيش على رأس الأطراف غير السياسية الموالية للنظام. فقد كان الجميع يدرك مفهوم "عسكرة القيادات" الذي كان منتشرا في مصر منذ انقلاب 1954.
يضاف إلى ذلك البعد الديني الذي اعتاد النظام على استخدامه بشدة في العمل السياسي - رغم اتهام الخصوم الإسلاميين بذلك ؛ سواء استخدمه بصورة سلبية أو إيجابية.
الصورة السلبية كانت ممثلة في جماعات دينية تخدم النظام جدا بتأثيمها العمل السياسي وتحريم التصويت وتكفير العملية الديمقراطية برمتها، مما يمكن النظام بشدة من استخدامهم في أوقات الانتخابات لمنع الناس من التصويت للإخوان المسلمين، والمزايدة عليهم.
أما الصورة الإيجابية التي كانت تخدم النظام فكانت ممثلة في جماعات لديها القدرة على الحشد ويمكنها تشكيل كتلة تصويتية موالية للنظام مثل:
أ- جماعات الطرق الصوفية (بضعة ملايين): وقد ظلت على علاقات وثيقة جدا بالنظام وصلت لأقصاها عندما كان أحمد عز أمينا للتنظيم في الحزب الحاكم قبل الثورة. كما تم توظيفهم أثناء أول انتخابات رئاسية بعد الثورة حيث صوت الصوفية بالكامل لمرشح الجيش أحمد شفيق.
ب- الكنيسة: والتي اعتادت الشكوى من النظام الذي يهمش النصارى ويحرمهم من مناصب قيادية، وعندما جاءت الفرصة للثورة عليه وقفوا ضد الثورة، وأفتى قادتهم بحرمة الخروج عليه، ثم "ركبوا الثورة" ولكنهم صوتوا لأحزاب الثورة المضادة في كل الاستحقاقات الانتخابية!
***
-2-
(الثورة المصرية)
الثورة المصرية إذن نقطة فارقة في كشف الكثير من الحقائق، فقد فرضت الثورة تقسيما أكثر بساطة وأكثر عمقا في الوقت ذاته، وهو مع الثورة وضد الثورة، أو الثورة والثورة المضادة.
1- ويمكننا أن نضع في صف الثورة وقتها:
المعارضة الإسلامية قبل الثورة ممثلة في الإخوان المسلمين، والمعارضة العلمانية ممثلة في 6 إبريل وأحزاب كفاية، وقطاعات عريضة من الشباب غير المؤدلج.
2- ويمكننا أن نضع في صف الثورة المضادة:
النظام ذاته بكل أجنحته،أمنيا وإعلاميا وقضائيا وحكوميا، الجماعات الدينية المؤيدة لها: السلفية البرهاميىة، الكنيسة الارثوذكسية، الطرق الصوفيية، وقطاعات عريضة من كبار السن والذين يفضلون وهم الاستقرار على الحرية.
ومن المهم ملاحظة أن معسكر الثورة المضادة لم ينقص، لأنه تجمع مصالح في الأساس، والمصلحة تتطلب ذلك، على العكس بل ازداد، حيث تحولت جموع من الناس التي كانت مستبشرة بالثورة إلى ناقمين عليها كارهين لها بفضل إدارة المجلس العسكري للفترة الانتقالية.
***
-3-
(الفترة الانتقالية)
الانتخابات تقسم الناس! لذا فقد كان أول معول هدم في صف معسكر التحرير كان استفتاء مارس ثم الانتخابات البرلمانية.
وليس العيب في الاستفتاء أو الانتخاب بحد ذاته وإنما في ربط القبول بالصندوق آلية للتحكيم بما ينتجه هذا الصندوق من مخرجات! وعليه يتم القبول بالعملية الانتخابية، والقرار بالمشاركة وعدم المقاطعة، ثم انتظار النتائج، فإذا جاءت بالخصوم يتم رفضها والادعاء أن الشعب جاهل ومضحوك عليه ويتم شراؤه بالزيت والسكر ...إلخ.
بل وصل الأمر ببعض الأحزاب العلمانية بمطالبة المجلس العسكري بعدم تسليم السلطة أساسا والانتظار ستة أشهر - سنة - سنتين لأن الإخوان هم المستعدون للانتخابات! وكأن بقاء الجيش في السلطة أحب إليهم من ديمقراطية تأتي بخصوم لا يستطيعون هزيمتهم!
وعليه فإننا يمكننا أن نقسم معسكر التحرير طيب الله ثراه إلى قسمين:
1- قسم يقدر الحرية لذاتها بغض النظر عن المنتج النهائي.
2- قسم يقدر الحرية فقط إذا أتت بهم للحكم!
***
-4-
(انقلاب 3 يوليو)
ومن البديهي أن القسم الذي يقدر الحرية لذاتها هو جميع القوى التي رفضت الانقلاب العسكري حتى وإن لم تكن في السلطة قبله، وعلى رأس هذا الفريق الإخوان المسلمون وحزب الوسط والجبهة السلفية وبقية الأحزاب المنضوية - أو كانت- تحت تحالف دعم الشرعية، وجميع الحركات الشبابية والحقوقية المناهضة للانقلاب.
أما القسم الثاني فهو الحركات والأحزاب التي كانت ضد مبارك لكنها أيدت الانقلاب العسكري ودافعت عنه، وعلى رأسها 6 إبريل والدستور والتيار الشعبي...إلخ.
لذا فقد كان من البديهي أيضا أن ينضم القسم الثاني هذا إلى قسم الثورة المضادة ووقوفهم معهم في ميدان واحد وتبني مواقف سياسية واحدة وممارسات قمعية واحدة حتى وإن أبعدوا بعد فترة بعد أن قضى الانقلاب منهم وطرا!
***
-5-
(الاخلاصة)
استدارت الأيام وتبينت حقيقة المواقف لكثير من الوجوه التي تم تلميعها، وعليه:
1- كل من أيد الانقلاب هو شريك فيه حتى ولو أخرجه الجيش من السلطة لاحقا بعد أن تم استخدامه.
2- من يربط رفضه للانقلاب بجزء من الكعكة عقب زواله أو فرض أجندة معينة على الجميع لا أهلا ولا مرحبا به.
3- من يريد التوبة والعودة لمعسكر الثورة الذي يقدر الحرية لذاتها أهلا وسهلا به بشرط التبرؤ التام من الانقلاب والاعتذار عن المشاركة فيه.
______________________________
-1-
(مرحلة ما قبل الثورة)
في أي دولة طبيعية يكون التقسيم السياسي المعتاد للأطراف السياسية في البلد هو الحكومة والمعارضة.
هذا التقسيم لم يكن كافيا قبل الثورة لأن المعارضة الممثلة في الأحزاب الرسمية آنذاك كانت معارضة ديكورية! لأنها من ناحية لا وزن لها ولا تعبر عن قطاعات المواطنين، ولأنها من ناحية أخرى على علاقة مباشرة بالأجهزة الأمنية في النظام تصل إلى حد العمالة المباشرة في كثير من الأحيان.
لذا فقد كان القارئ للمشهد السياسي مضطرا لإضافة أطراف غير رسمية تندرج تحت هذا التقسيم الأولي، وكانت جماعة الإخوان المسلمين على رأس الجماعات غير الرسمية المعارضة، وكان الجيش على رأس الأطراف غير السياسية الموالية للنظام. فقد كان الجميع يدرك مفهوم "عسكرة القيادات" الذي كان منتشرا في مصر منذ انقلاب 1954.
يضاف إلى ذلك البعد الديني الذي اعتاد النظام على استخدامه بشدة في العمل السياسي - رغم اتهام الخصوم الإسلاميين بذلك ؛ سواء استخدمه بصورة سلبية أو إيجابية.
الصورة السلبية كانت ممثلة في جماعات دينية تخدم النظام جدا بتأثيمها العمل السياسي وتحريم التصويت وتكفير العملية الديمقراطية برمتها، مما يمكن النظام بشدة من استخدامهم في أوقات الانتخابات لمنع الناس من التصويت للإخوان المسلمين، والمزايدة عليهم.
أما الصورة الإيجابية التي كانت تخدم النظام فكانت ممثلة في جماعات لديها القدرة على الحشد ويمكنها تشكيل كتلة تصويتية موالية للنظام مثل:
أ- جماعات الطرق الصوفية (بضعة ملايين): وقد ظلت على علاقات وثيقة جدا بالنظام وصلت لأقصاها عندما كان أحمد عز أمينا للتنظيم في الحزب الحاكم قبل الثورة. كما تم توظيفهم أثناء أول انتخابات رئاسية بعد الثورة حيث صوت الصوفية بالكامل لمرشح الجيش أحمد شفيق.
ب- الكنيسة: والتي اعتادت الشكوى من النظام الذي يهمش النصارى ويحرمهم من مناصب قيادية، وعندما جاءت الفرصة للثورة عليه وقفوا ضد الثورة، وأفتى قادتهم بحرمة الخروج عليه، ثم "ركبوا الثورة" ولكنهم صوتوا لأحزاب الثورة المضادة في كل الاستحقاقات الانتخابية!
***
-2-
(الثورة المصرية)
الثورة المصرية إذن نقطة فارقة في كشف الكثير من الحقائق، فقد فرضت الثورة تقسيما أكثر بساطة وأكثر عمقا في الوقت ذاته، وهو مع الثورة وضد الثورة، أو الثورة والثورة المضادة.
1- ويمكننا أن نضع في صف الثورة وقتها:
المعارضة الإسلامية قبل الثورة ممثلة في الإخوان المسلمين، والمعارضة العلمانية ممثلة في 6 إبريل وأحزاب كفاية، وقطاعات عريضة من الشباب غير المؤدلج.
2- ويمكننا أن نضع في صف الثورة المضادة:
النظام ذاته بكل أجنحته،أمنيا وإعلاميا وقضائيا وحكوميا، الجماعات الدينية المؤيدة لها: السلفية البرهاميىة، الكنيسة الارثوذكسية، الطرق الصوفيية، وقطاعات عريضة من كبار السن والذين يفضلون وهم الاستقرار على الحرية.
ومن المهم ملاحظة أن معسكر الثورة المضادة لم ينقص، لأنه تجمع مصالح في الأساس، والمصلحة تتطلب ذلك، على العكس بل ازداد، حيث تحولت جموع من الناس التي كانت مستبشرة بالثورة إلى ناقمين عليها كارهين لها بفضل إدارة المجلس العسكري للفترة الانتقالية.
***
-3-
(الفترة الانتقالية)
الانتخابات تقسم الناس! لذا فقد كان أول معول هدم في صف معسكر التحرير كان استفتاء مارس ثم الانتخابات البرلمانية.
وليس العيب في الاستفتاء أو الانتخاب بحد ذاته وإنما في ربط القبول بالصندوق آلية للتحكيم بما ينتجه هذا الصندوق من مخرجات! وعليه يتم القبول بالعملية الانتخابية، والقرار بالمشاركة وعدم المقاطعة، ثم انتظار النتائج، فإذا جاءت بالخصوم يتم رفضها والادعاء أن الشعب جاهل ومضحوك عليه ويتم شراؤه بالزيت والسكر ...إلخ.
بل وصل الأمر ببعض الأحزاب العلمانية بمطالبة المجلس العسكري بعدم تسليم السلطة أساسا والانتظار ستة أشهر - سنة - سنتين لأن الإخوان هم المستعدون للانتخابات! وكأن بقاء الجيش في السلطة أحب إليهم من ديمقراطية تأتي بخصوم لا يستطيعون هزيمتهم!
وعليه فإننا يمكننا أن نقسم معسكر التحرير طيب الله ثراه إلى قسمين:
1- قسم يقدر الحرية لذاتها بغض النظر عن المنتج النهائي.
2- قسم يقدر الحرية فقط إذا أتت بهم للحكم!
***
-4-
(انقلاب 3 يوليو)
ومن البديهي أن القسم الذي يقدر الحرية لذاتها هو جميع القوى التي رفضت الانقلاب العسكري حتى وإن لم تكن في السلطة قبله، وعلى رأس هذا الفريق الإخوان المسلمون وحزب الوسط والجبهة السلفية وبقية الأحزاب المنضوية - أو كانت- تحت تحالف دعم الشرعية، وجميع الحركات الشبابية والحقوقية المناهضة للانقلاب.
أما القسم الثاني فهو الحركات والأحزاب التي كانت ضد مبارك لكنها أيدت الانقلاب العسكري ودافعت عنه، وعلى رأسها 6 إبريل والدستور والتيار الشعبي...إلخ.
لذا فقد كان من البديهي أيضا أن ينضم القسم الثاني هذا إلى قسم الثورة المضادة ووقوفهم معهم في ميدان واحد وتبني مواقف سياسية واحدة وممارسات قمعية واحدة حتى وإن أبعدوا بعد فترة بعد أن قضى الانقلاب منهم وطرا!
***
-5-
(الاخلاصة)
استدارت الأيام وتبينت حقيقة المواقف لكثير من الوجوه التي تم تلميعها، وعليه:
1- كل من أيد الانقلاب هو شريك فيه حتى ولو أخرجه الجيش من السلطة لاحقا بعد أن تم استخدامه.
2- من يربط رفضه للانقلاب بجزء من الكعكة عقب زواله أو فرض أجندة معينة على الجميع لا أهلا ولا مرحبا به.
3- من يريد التوبة والعودة لمعسكر الثورة الذي يقدر الحرية لذاتها أهلا وسهلا به بشرط التبرؤ التام من الانقلاب والاعتذار عن المشاركة فيه.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
هذا ما لدي.. فماذا ترون؟