الانقلاب لا يترنح ولا يتمرجح ولا شيء من هذا القبيل، ذلك لأن الانقلاب أتى أساسا بالبندقية، ولن يردعه شيء إلا شيء مماثل. وبغير خروج هذه البندقية من المعادلة أو تحييدها أو كسرها نكون محشورين في مساحة مناورة تؤدي إذا نجحت إلى تغيير رأس النظام دون إسقاط حقيقي للحكم العسكري!
صحيح أن النظام فقد الغطاء السياسي له بانفضاض شركاء التحرير سابقا، شركاء 30 يونيو لاحقا، من الحركات العلمانية التي أيدت الانقلاب، وصحيح أنه فقد الغطاء الشعبي من قطاعات كانت تظن أن مشاكلهم الأمنية والاقتصادية ستزول بمجيء السيسي، إلا أنه لا يزال يملك القوة المسلحة التي قامت بالانقلاب وقمعت الاحتجاجات طيلة عام ونصف بالحديد والنار، حتى وإن فاضت الشوارع بالدماء، وامتلأت المعتقلات بالسجناء. وأنا تحديدا أتحدث عن بندقية الجيش، فقد ثبت أن الشرطة وحدها بدون الجيش لا شيء!
الانقلاب لا يترنح، إلا أنه في الحقيقة انشطر إلى ثلاثة أجزاء، ويبدو أن صراعا أو خلافا على الأقل بدأ يحدث بين هذه الأجزاء الثلاثة، وهي:
1- مجموعة السيسي التي قامت بالانقلاب، وتشمل القيادات والوحدات التي كانت على علم مسبق بالانقلاب ورضيت به واستفادت منه، وما يتبعها من أذرع إعلامية في الصحف والفضائيات بالطبع.
2- مجموعة سامي عنان، التي كانت موالية لجناح مبارك ورجله في الجيش عمر سليمان، والتي بدأت تستعيد قوتها بخروج مبارك وأركان حكمه من السجن، وما يتبعها من أذرع إعلامية كذلك.
3- القشرة السياسية من الحركات العلمانية التي أعطت غطاء للانقلاب، وتسببت فيه ودافعت عنه وبررت جرائمه، ولا تزال تعلن أنها لا ترى أن ما جرى أصلا كان انقلابا عسكريا. ومفتاح هذه القوى أنها على علاقات وثيقة بالغرب، تصل في رأيي أحيانا مع البعض إلى حد العمالة المباشرة. وفي رأيي أنهم يمثلون الاستثمار الجديد للغرب بعد أن أصبحت الديكتاتوريات موضة قديمة، ويرغبون في شباب بكرافتات شيك، ضمن ديكور ديمقراطي لا يأتي بإسلاميين.
***
التصدع الآن يصيب هذه القوى جميعا! فالقشرة السياسية العلمانية في خلاف واضح وبدرجات متفاوتة مع قادة الانقلاب، بعضهم خارج البلاد وبعضهم في السجون، وبعضهم يتظاهر على استحياء بعد أن طردوا من جنة الانقلاب بخروجهم من حكومة الببلاوي الثانية ثم حكومة محلب.
ومجموعة السيسي يزيد الضغط عليها بمرور الوقت لفشلها في تحقيق أي مسار سياسي مقبول أو إجراء انتخابات برلمانية أو تحقيق تحسن اقتصادي أو أمني ملحوظ للمواطن الذي تاجروا بمشاكله لتبرير الانقلاب. وبالطبع التسريب الأخير يزيد من الضغط عليهم كما أوضحنا في مقال (خرق في طبقات الانقلاب الثلاثة)
أما سامي عنان فقد أُغلق الباب السياسي في وجهه تماما! ففي البداية تم الضغط عليه لإثنائه عن الترشح في الانتخابات الرئاسية، ولعب وسطاء على علاقة بالمحابرات مثل مصطفى بكري وغيره دور الوساطة بين الجنرال والمشير، كي لا ينقسم الصف العسكري في الانتخابات الرئاسية. ثم رُفضت أوراق اعتماد حزب عنان الجديد "مصر العروبة" ليغلق في وجهه باب البرلمان أيضا!
والربط بين رفض اعتماد أوراق حزب عنان و توقيت نشر التسريب يفرض نفسه! وإن صح فهذا يعني أن الحرب الباردة بين القطبين بدأت تتحول لحرب ساخنة. لذا فاحتمال كبير أن يكون عنان هو الذي وراء التسريبات الأخيرة وارد.
فعنان ضلع كبير في الجيش، وهو ربما أقوى من طنطاوي، وكثير من القيادات الوسيطة الحالية تدين بالولاء له، لأنه هو الذي عينهم أو قام بترقيتهم. والجفاء بين عنان والسيسي واضح لا يخفى على عين، ليس أقله أن السيسي يدعو طنطاوي لحضور الحفلات والاحتفالات، ولا يفعل نفس الشيء مع عنان الذي يتعمد السيسي تجاهله تماما!
ومع إعلان السفارات الغربية بالكامل تقريبا إغلاقها في مصر لأسباب أمنية، فلا أستبعد حصولها على معلومات بأن يتحول الصراع بينهما إلى مرحلة "تكسير عظام" متقدمة، بنشوء صراع مسلح بين وحدات تابعة لعنان في الجيش وأخرى تابعة للسيسي.
ولم لا؟ وهؤلاء جميعا ليس لهم أي وازع ديني أو أخلاقي أو قيمي أو وطني يمكن أن يردعهم، وقد سالت الدماء بسببهم أنهارا في أكثر من مناسبة. هؤلاء جميعا جيش كامب ديفيد الذي تذوق طعم الدولارات الأميركية، واعتادوا عليه. وكل منهم يعتقد أنه بوصوله إلى القصر بدباباته سيجري مكالمتين واحدة للبنتاجون والأخرى لتل أبيب يعلن فيها فروض الطاعة والولاء، وبذلك يستقر له حكم مصر!
هل يكتفي رجال مبارك بخروجه؟؟ أم يطمعون فيما هو أبعد من ذلك، ويرون أنهم يستحقون عن جدارة مساحة أكبر من الممنوحة لهم الآن؟؟ لقد فتح السيسي الباب بانقلابه على الرئيس الشرعي محمد مرسي لانقلاب آخر أو حتى انقلابات أخرى قد تحدث في الجيش! فإذا كان السيسي سولت له نفسه أن يينقلب على الرئيس الشرعي المنتخب، ألا تسول لآخرين أنفسهم أن ينقلبوا عليه وهو المنقلب؟؟
الأكيد في كل ذلك أن السيسي مجرد واجهة، وأنه غير مسيطر بالكامل على مقاليد الأمور! كيف، والتسريبات تخرج من قلب وزارة الدفاع! الشيء الأكيد أيضا أن زوال السيسي فقط لا يعني زوال الانقلاب، كما أن مجرد عودة الرئيس مرسي لا تعني عودة الشرعية! والشيء الأكيد كذلك أن الانقلاب على الانقلاب يبقى مجرد انقلاب!
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
هذا ما لدي.. فماذا ترون؟