إسقاط الانقلاب .. الهدف والمنطلقات
__________________________
من المفارقات أن هذا الانقلاب يحمل عوامل سقوطه ومقومات استمراره في آن واحد! لو قيل لي أنه سيسقط خلال شهر لما تعجبت كثيرا، ولو ظل لا قدر الله بضع سنوات لما تعجبت أيضا!
سيسقط لأنه انقلاب نشأ فوق أشلاء ودماء آلاف المصريين. فشل في اصطناع أي شرعية حقيقية له. فشل في صنع مسار سياسي يتفق عليه الجميع. فشل في الحفاظ على عدائه فقط مع الإخوان المسلمين والارتباط بعلاقات جيدة مع شركائه السابقين في الانقلاب. فشل في تحقيق أي إنجاز اقتصادي ملموس. بل فشل في الحفاظ على الحد الأدنى للوضع الاقتصادي الذي كان موجودا أيام مبارك.
من ناحية أخرى؛ الانقلاب قائم بقوة الأشياء. قام بقوة السلاح، ومستمر بقوة السلاح، ولن يزول طالما لا توجد قوة أخرى تزيح هذه القوة، أو أن يتم تحييدها لنسلب من الانقلاب نقطة تفوقه الرئيسية.
إن الانقلاب كقطعة نقود واقفة رأسيا على منضدة، لم تستقر بعد ولم تسقط بعد! وبين هذا وذاك يستمر الصراع.
وفي ضوء هذا التوصيف أريد ألا نتوه كثيرا في التفاصيل، لا إفراطا في التفاؤل، أو مغالاة في التشاؤم. لذا أضع هنا الهدف الذي يجب أن يكون نصب أعيننا، حتى تكون كل أعمالنا ووسائلنا على الأرض عاملة على تحقيقه.
كما وضعت ثلاثة ضوابط عند التفكير في أي وسيلة لتحقيق هذا الهدف.
***
الهدف من مقاومة الانقلاب هو:
إسقاط الانقلاب العسكري، ليس فقط كجزء من محاولة النظام تجميل نفسه بإزاحة رأسه، لإعادة ترتيب أوراقه، وإنما كخطوة أولى تكون بداية التخلص من حكم العسكر الضارب في جميع مؤسسات مصر منذ 60 سنة.
ولتحقيق هذا الهدف يجب الأخذ في الاعتبار 3 منطلقات في التفكير في أي آلية ووسيلة لإسقاط الانقلاب:
1- الثورة على النظام سياسية وليست اقتصادية.
شعار الثورة الأثير والرئيس كان "الشعب يريد إسقاط النظام". تحول هذا الشعار فجأة بفعل ألاعيب مخابراتية وإعلامية إلى شعار: "الشعب يريد إسقاط الرئيس". والفارق كما تعلمون كبير.
شعار: "عيش حرية عدالة اجتماعية" هو من شعارات الثورة، ولكنه ليس الشعار الرئيسي لها، وإنما هدف نبيل يتفق عليه الجميع ويتحقق بالتبعية بتحقيق الهدف الرئيسي، وهو إسقاط النظام.
بل أنه من غير المستبعد أن هناك من حاول إسباغ الثورة بصبغة يسارية، بالتركيز على شعار العيش والحرية والعدالة الاجتماعية، وصرف النظر عن الشعار الرئيسي لها بإسقاط النظام. وربما توافق هذا أيضا مع رغبة جهات ما في تغيير توصيف المعركة مع النظام من الرغبة المطلقة في تغيير النظام إلى مجرد مطالب نبيلة يتفق عليها الجميع، ومن ثم فإن من يحقق هذه الأهداف فنحن معه، وهو بهذا الشكل يحقق أهداف الثورة، حتى لو كان عمرو موسى أو أحمد شفيق! تلبيس عجيب وقلب للحقائق وفق غياب للرؤية وتيه في التفاصيل.
إن الذين كانوا في التحرير كانوا من أبناء الطبقة المتوسطة وفوق المتوسطة الجديدة التي نشأت وتكونت خلال الثلاثين عاما الماضية. وكانوا رغم الظروف الاقتصادية الصعبة التي اندلعت فيها الثورة يعيشون عيشة معقولة مقبولة برغم الفساد الذي كان يضرب في ربوع البلاد.
التعويل على ثورة الجياع غير سليم. في رأيي ثورة الجياع لم ولن تحدث في مصر. والقياس على مظاهرات 18 و 19 يناير فاسد ومنقوص. الآن يوجد جيش في الشارع، يطلق الرصاص على المعارضين. أعرب عن استعداده للقتل، وقتل آلافا بالفعل، واعتقل عشرات الآلاف!
كل من يضيره ضيق العيش سيقارن بين عيشة ضيقة أو ألا يحيا على الإطلاق. ومن يتحرك لأسباب المصلحة الشخصية فقط، ولم يتحرك لضياع التجربة الديمقراطية، والقتل والقمع والاعتقال والاغتصاب، سيتراجع حين يسمع صوت أول طلقة رصاص في الهواء.
لا يعني هذا أن القرارات الاقتصادية الأخيرة غير مفيدة ولا يمكن البناء عليها في تأليب الرأي العام - الساخط أصلا - على الانقلاب. فالأمر الجيد في القرارات الأخيرة أنها تسحب البساط من تحت أقدام السيسي تدريجيا، وتفقده أنصاره في معسكره التقليدي المكون أساسا من غير العابئين بالديمقراطية وحقوق الإنسان، ولا يهتمون لأخبار والقتل والقمع والاغتصاب في السجون، والراغبون في المشي جنب الحيط.
هذه الاحتجاجات إن استمرت، وهذه الأسعار إن استقرت، ستجعل رحيل السيسي غير مأسوف عليه عند قطاع عريض من المصريين ، بالضبط كما جعل الإعلام رحيل الإخوان - وربما ذبحهم وسحلهم - غير مأسوف عليه عند ذات القطاع من المصريين.
***
2- من يحصل العاصمة ينهي المعركة
هذا هو ىالضابط الثاني في معركة إسقاك الانقلاب. مصر دولة مركزية، وربما أقدم دولة مركزية في التاريخ. ورغبة في استقرار النظام العسكري منذ 60 سنة جرى تعميق هذه المركزية أكثر وأكثر.
لو كان من كانوا في التحرير في 2011 في أي محافظة أخرى في صعيد مصر أو الوجه البحري أو حتى الإسكندرية لما كان لفعلهم ذات الأهمية، مع احتراكي لكل الفعاليات.
ورغم أن رد الفعل على فض رابعة كان قويا في ربوع المحافظات والأقاليم إلا أنه ظل بعيدا عن العاصمة، وبالتالي فإنه لم يحقق شيئا. عمد النظام كذلك على فرض حظر التجول وإغلاق الميادين الرئيسية، ووقف حركة القطارات لمنع تدفق الثوار إلى القاهرة.
النظام يدرك أهمية العاصمة، لذا فإن اي مواجهة في العاصمة تقابل بعنف أشد من أي منطقة أخرى، واي مظاهرة في القاهرة يكون لها فرحة أكبر من أي مدينة أخرى. الفعاليات في الاقاليم داعمة وتشتت النظام وترهقه، إلا أنها لا تسقطه!
وإدراكا من السيسي لأهمية العاصمة فإنه بصدد نقل العاصمة بالكامل، وإنشاء عاصمة إدارية جديدة في الصحراء على طريق القاهرة السويس كخطة احتياط بديلة تحسبا لاحتمال سيطرة الثوار على القاهرة، وألا يؤدي ذلك لسقوط النظام.
***
3- السيسي لن يتركها إلا مرغما.
السيسي قدم نفسه للناس منذ عام معتمدا على دعامتين رئيسيتين:
1- قائد عسكري زاهد في الحكم، استجاب لإرادة جماهيرية طالبت بعزل مرسي
2- قائد عسكري غيور على وطنه، وجد أن الشعب يعاني ولم يجد من يحنو عليه،
أي في جميع الأحوال كان السيسي متمسكا لآخر لحظة في خطابه للمصريين بانتمائه للمؤسسة العسكرية، رغبة في تذكير الجميع أنه مرشح هذه المؤسسة، والمدعوم منها، مما يعني أنه يملك السلاح الثقيل، وأنه الوحيد الذي يحتكره -حتى الآن، وهذا السلاح سيودي بحياة من يعارضه، وأنه مستعد لفعل ذلك، وقد فعله بالفعل، وقتل منهم الآلاف.
لقد قتل السيسي الآلاف ولم يعد قتل بضع مئات آخرين يمثل فارقا كبيرا له. السيسي يحتكر السلاح، وطالما سلاحه يحوي طلقات سيستمر في إطلاق النار.
في ضوء هذا يجب التفكير في الاستفادة من المظاهرات بشكل أفضل حتى لا تتحول إلى روتين، يخرج الناس فيقتلون أو يعتقلون ثم يعودون...إلخ
نقطة تفوق السيسي الرئيسية هي القوة المسلحة، وعلينا عند التفكير في اي حل أو وسيلة لإسقاط الانقلاب أن نبحث عن طريقة إما لمواجهة هذه القوة العسكرية وجعلها غير مجدية useless ، أو تحييدها كما حدث أيام مبارك، فيسهل على الثوار مواجهة الشرطة والبلطجية كما تعودوا دائما.
***
هذه هي الاسئلة الصعبة التي علينا أن نجيب عليها، وأن نعيد صياغة تحركاتنا وفق الهدف المرجو والضوابط التي تحكم الصراع مع الانقلاب العسكري المقيت.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
هذا ما لدي.. فماذا ترون؟