سياسيا: فقرار القاهرة لا يحيد قيد أنملة عن البوصلة في واشنطن، وقناة السويس مؤمنة ويعطى الأمريكان فيها أفضلية في المرور، وأمن إسرائيل و كامب ديفيد منطقة محرمة.
اقتصاديا: فالاقتصاد المصري لا يستطيع الصمود شهرين إذا توقفت سفن القمح الأميركية في عرض البحر. 90 مليون فم مصري يزرعون منذ 7000 عاما أصبحوا لا يزرعون ما يسد قوتهم، ولا يصنعون أي شيء تقريبا.
عسكريا: فالسلاح المصري بالكامل تقريبا هو سلاح أجنبي وأميركي بصورة خاصة وكذلك قطع الغيار والمعونة العسكرية.
مجتمعيا: بانتشار العنوسة والمخدرات، وانقلاب المفاهيم، وسقوط القيم، عبر إعلام قلب الحق باطلا والباطل حقا.
إلا أن ثمة حصن أخير لم تستطع الولايات المتحدة أن تخترقه حتى الآن وهو حصن الهوية، أو ما نسميه الأيديولوجيا.
***
لا يوجد مشروع في العالم لا يزال صامدا أمام المشروع الغربي الأميركي. لا يوجد سوى المشروع الإسلامي. ولا يحمل المشروع الإسلامي المواجه للمشروع الغربي سوى مشروع الإخوان المسلمين، ورأس الحربة فيه هي مصر حيث قيادة المشروع ونشأته التاريخية ومرجعيته الفكرية.
وعلى الرغم أن أميركا سيطرت على الحصون الأربعة سالفة الذكر (سياسيا واقتصاديا وعسكريا ومجتمعيا) إلا أن عدم تصفية المشروع الإسلامي الوحيد المناوئ لها - وهو مشروع الإخوان المسلمين – كفيل بتهديد تفوقها في الحصون الأربعة السابقة.
لقد حان الوقت من وجهة نظر أميركا أن الفرصة قد سنحت لتصفية المشروع الإسلامي في المنطقة، ولا يكون ذلك إلا بتصفية المشروع الإسلامي في مصر. وتصفية المشروع الإسلامي في مصر ثبت فشلها بقوة السلاح، إنما يستخدم السلاح لقطع يد مشروع الإخوان، إذا ما أرادوا المناورة في الحصون الأربعة السابقة، وهو ما تم في 30 يونيو، بعد أن تأكدت أميركا أن سعي الرئيس محمد مرسي الحثيث لتحقيق اكتفاء ذاتيا من القمح وبدء مشروعات تصنيع تقنية وثقيلة كفيل بتهديد تفوقها في الحصون السابقة جميعها.
وترى أميركا أن تصفية المشروع الإسلامي في مصر لا يكون إلا بعلمنتها تماما. بدء بعلمنة الدستور، ثم علمنة مؤسسات الدولة، ثم علمنة من سيخرج من أجيال المجتمع. مع عدم التصريح بالعداء الشديد للدين، وإبقاء الدين محصورا في لحية وجلباب (يمثلها حزب النور) منفرتين من فكرة الدين، ومنبطحتين تمام الانبطاح.
ولا يحقق هذه العلمنة إلا "عيال أميركا" في مصر في الحركات الشبابية والمنظمات الحقوقية، فهم أكثر شياكة حين يعرضون على المجتمع، وقادرين على اجتذاب أنصار أكثر من العسكر. أما العسكر فاستمرارهم في الحكم "بأنفسهم" سيجعل من أصحاب مشروع الإخوان شهداء – وهم كذلك طبعا – وسيوحدد فئات كثيرة ضد الحكم العسكري وهو ما لا تريده أميركا.
من جانب آخر فإن العسكر لديهم أوراق ضغط بأيديهم (مخابرات وأجهزة إعلام موالية لهم ورجال في الحكومة ومؤسسات الدولة وسلاح ..إلخ) مما يعطيهم هامش مناورة أوسع مع الغرب، أما "عيال أميركا" هم منبطحون تماما ولا حول ولا قوة لهم، وممسوكين من رقابهم.
لذلك تريد أميركا من العسكر أن يقوموا بدور عسكر تركيا أيام أربكان "قبل أردوغان". يقف على الخط ولا ينزل إلى الساحة إلا للقضاء على أي نجاح إسلامي جديد، ليتخلصوا منه بانقلاب جديد. أي يقوموا بدور شرطي المنطقة، وهو قطعا ما لا يكفي العسكر، الذين لا يريدون التفريط في السلطة بعد ما أن صار الأمر إليهم خالصا!
لذلك نجد أن صراعا قد - توقعنا حدوثه – قد بدأ بالفعل بين أميركا وعيالها والإعلام الموالي لهم، والعسكر وعيالهم والإعلام الموالي لهم. وما تصريحات بعض كوادر 6 إبريل وحل بعض حملات تمرد في الأقاليم واعتقال أبرز المشاركين في 30 يونيو والداعين لفض اعتصام النهضة ورابعة بالقوة، وتعليق بعض المعونة للعسكر إلا بعض مظاهر هذا الصراع.
أقول مجددا؛ لو كانت أميركا تريد السيطرة على مصر سياسيا واقتصاديا وعسكريا ومجتمعيا فقط فإن العسكر قادرون على تنفيذ ذلك لها لمدة 30 سنة قادمة، سواء بأنفسهم "السيسي" أو بطراطير يحكمون من ورائهم. لكنهم لا يريدون هذا فحسب، بل يريدون تصفية المشروع الإسلامي نهائيا ويرون أن هذه فرصتهم.
لذلك كانت زيارة جون كيري الأخيرة الضوء الأخضر لعيال أميركا كي يتحركوا! وكأنه قال لهم: الإعلام معكم، والأموال بين أيديكم، والإخوان في السجون، والسيسي قرصت له ودنه، ولن يسقط منكم أحد – وهو ما حدث في مظاهرة الشورى- فماذا تنتظرون إذن؟؟ فكان ذبك إشارة البدء لهذه التصريحات العنترية التي بدأنا نسمعها ضد الانقلاب من أناس شاركوا في الانقلاب.
اثبتوا.. فالمظاهرات في الشارع كفيلة بجعل هذا المشروع يصمد وبكسر انقلاب العسكر وبحرق وجوه عيال "أميركا" المراد تلميعهم .
اثبتو افإنكم أصحاب مشروع أكبر مما يظنه كثير منكم، وإن الله ناصر عباده.
"ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون إن في هذا لبلاغا لقوم عابدين"
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
هذا ما لدي.. فماذا ترون؟