عفوا.. الأبواب الثلاثة مغلقة
من الأشياء القليلة التي أجمع عليها كل المراقبين تقريبا أن قادة الانقلاب من العسكريين والسياسيين لم يتوقعوا هذا رد الفعل القوي من قطاعات عريضة من المصريين لا ينتمون لجماعة الإخوان المسلمين، انضموا إليهم في الاعتصامات والمظاهرات والمسيرات وغيرها من الفعاليات المطالبة بإنهاء الانقلاب وعودة الرئيس محمد مرسي.
ولم يكن الأمر صدمة للانقلابيين وحدهم؛ بل لحلفائهم وداعميهم إقليميا وغربيا! فقد عبرت الممثلة العليا للشؤون السياسية والأمنية للاتحاد الأوروبي كاترين أشتون عن هذا الأمر عقب زيارتها الأولى لمصر، حين قالت في تصريح تجاهلته جميع وسائل الإعلام المصرية تقريبا: الوضع على الأرض في مصر فاق جميع توقعاتنا! فقد كانوا مثل عملائهم في مصر يتوقعون أن يهرب الناس أمام رصاص الجيش والشرطة والبلطجية، وألا يتبقى أحد في الميادين بحلول شهر رمضان المبارك، وهو ما لم يحدث!
وبعد فترة من استخدام العنف المفرط في القاهرة والمحافظات وإطلاق الجيش الرصاص الحي على المصريين لأول مرة في وضح النهار في القاهرة والمحافظات، ثم مجزرة الفجر التي أطلق الجيش فيها النار على المعتصمين وقت صلاة الفجر في هجوم استمر عدة ساعات، أخذ قادة الانقلاب يفكرون في حل "غير عسكري" للازمة التي وجدوا أنفسهم فيها، وتأكد هذا الأمر بعد أن أثبت أسلوب القوة عدم جدواه مجددا بعد مجزرة المنصة التي راح ضحيتها 130 شهيدا وما يقرب من 5000 مصاب وانتهت بانسحاب الشرطة!
وقد كان أمام الانقلابيون ثلاثة أبواب حاولها طرقها لحل هذه الأزمة.
1- الباب الأول: الرئيس
لا شك ان صمود الرئيس "المختطف" محمد مرسي في محبسه من أهم العوامل التي وضعت الانقلابيين في هذه الورطة! فبكلمة يلقيها الرئيس على الشعب يعلن فيها استقالته أو تنحيه، أو بقبوله بالسفر خارج البلاد، أو قبوله عرضا خليجيا "رشوة" لإنهاء الأزمة كان سينتهي كل شيء ولن يصبح لتواجد الملايين في الشارع أي معنى!
لكن ثبات الرئيس على موقفه الشجاع الذي أعلنه في الخطاب التاريخي الذي ألقاه عشية الانقلاب؛ ذلك الخطاب الذي كرر فيه كلمة "الشرعية" حوالي 48 مرة؛ والذي أعلن فيه أن ثمن الشرعية هي حياته هو من أجل مستقبل أولادنا، ذلك الموقف كان له أثر بالغ في تماسك المعتصمين في الميادين ولاسيما في ال40 ساعة الأولى التي تلت الانقلاب عقب اعتقال القيادات وغلق القنوات، مما صعب للغاية من مهمة الانقلابيين في محاولتهم طرق الباب الثاني: الميادين.
2- الباب الثاني: الميادين
بعد موجة من التجاهل التام لاعتصامي رابعة العدوية وميدان النهضة، بدأت حملة من الأكاذيب تطالهم تشبه إلى حد كبير الأكاذيب التي أطلقت على معتصمي التحرير 2011، من تلقي أموال ونكاح الجهاد ووجود سوريين وفلسطينيين ...إلخ.
ولم تفلح محاولات التهوين من اعتصام رابعة العدوية الأكبر في تاريخ مصر بأنهم مجرد "شوية ناس في إشارة مرور"، فقد أيقن قادة الانقلاب من العسكريين والسياسيين أن كرة الثلج قد كبرت وأنه لا يمكنه الاستمرار في تجاهلها. وقد عبرت عن هذا الإحساس لبعض المعتصمين معي حين قلت لهم: He got a problem, he can't ignore.
فلجأ السيسي كما أشرت سلفا إلى استخدام القوة كخيار أولي، وهذا مفهوم للعسكر، فقلم بعمل مجزرة دار الحرس الجمهوري والمنصة، وغيرها من أعمال العنف الأخرى التي أصابت المظاهرات والمسيرات في رمسيس وروكسي وصلاح سالم والمنصورة والإسكندرية ودمنهور وطنطا وبورسعيد والصعيد وسيناء ومطروح، مما أسفر عن استشهاد مئات المصريين وجرح ما يقارب ال 5000 آلاف!
وقد كان صمود المصريين في الميادين موقفا مشرفا ولا يزال، رغم أنهم لا يدرون شيئا عن الرئيس المختطف ولا مكانه! إلا أن ثبات الرئيس وهو لا يدري ماذا يجري على الأرض، وثبات المعتصمين وهم لا يدرون مكان الرئيس جعل قادة الانقلاب في حيرة! وبدءوا يفكرون في طرق الباب الثالث: التفاوض.
3- الباب الثالث: التفاوض
أعلن التحالف الوطني لدعم الشرعية ورفض الانقلاب مرارا وتكرار أنه لا تفاوض إلا مع الرئيس الشرعي المنتخب الدكتور محمد مرسي، وأنهم لا يعترفون بقادة الانقلاب ولا برئيسه "الطرطور" ولا حكومته "العميلة". وقد أعلن الدكتور عصام العريان نائب رئيس حزب الحرية والعدالة "الإخوان المسلمين" أن هاتفه لا يكف عن الرنين من قادة في المجلس العسكري، وأن السيسي شخصيا طلب الجلوس مرارا مع الدكتور محمد بشر وزير التنمية الإدارية لكنه رفض ...إلخ.
ومع فشل الضغوط التي مورست على الرئيس محمد مرسي، وفشلهم في فض الاعتصامات بالقوة، ورفض التحالف الوطني الجلوس والحوار معهم، طلب السيسي من الغرب النجدة، وطالب الولايات المتحدة صراحة بالضغط على جماعة الإخوان المسلمين لإنهاء الأزمة! والذي يقرأ حوار السيسي لجريدة الواشنطن بوست يجد فيه توسلا لأوباما كي يتدخل وألا يتخلى عنه، بطريقة لا تختلف كثيرا عن توسل أحمد الزند لأوباما أيضا على الهواء ولا يختلف عن توسل السيسي نفسه للمصريين كي ينزلوا إلى الميادين كي يعطوه "تفويضا" للقتل.
وبالفعل، أيقن الجميع أن الانقلابيين يسيرون نحو حتفهم وأن فشل الانقلاب يبدو في الأفق ،فسارع الغرب للتدخل محاولا إنقاذ رجاله. وهنا نرصد عدة محاولات منها:
1- زيارة وليام بيرنز نائب وزير الخارجية الأولى:
والتي حدثت خلالها أحداث رمسيس وأسفرت عن 5 شهداء والكثير من المصابين، وقد كانت عقب مجزرة الحرس الجمهوري ببضعة أيام. وقد كان الهدف الرئيس من الزيارة تقييم الأوضاع على الأرض بعد الانقلاب بشكل مباشر، فرأى بعينه المظاهرات بمئات الآلاف والدم يسيل في الشوارع! وقد رفض وفد التحالف الديمقراطي مقابلة بيرنز أو الجلوس معه وسط حالة غضب من موقف الإدارة الأميركية الداعم للانقلاب.
2- زيارة كاترين أشتون الأولى لمصر:
وجاء دخول الأوربيين على الساحة فجأة بعد فقدان أمريكا لمصداقيتها بشكل مفضوح وظهورها بموقف المنحاز لطرف ضد آخر بشكل سافر. جاءت أشتون وطلبت الالتقاء بكافة الأطراف دون أن تتحدث كثيرا، وقد طلبت مقابلة الرئيس محمد مرسي ورفض العسكر.
3- زيارة كاترين أشتون الثانية لمصر:
وفيها طلبت أشتون - حسبما نشر الأستاذ فهمي هويدي - من وفد التحالف الديمقراطي مقابلة المرشد العام الدكتور محمد بديع، إلا أنه رفض وقال أن الرئيس محمد مرسي هو الرئيس الشرعي المخول بالتفاوض. وقد قابلت أشتون الرئيس بالفعل لمدة ساعتين ولا يعلم أحد ما جرى بينهما، إلا انه من المفهوم ضمنا أن الرئيس لو قال شيئا فيه شبهة تراجع عن موقفه لأذاعت ذلك على الجميع.؛ إلا أن أشتون رفضت التعليق على ما جرى بينهما بحجة أن الرئيس غير قادر على الاستدراك والتعقيب على كلامها، وهو الكلام الذي حرفته مترجمة التلفزيون المصري عن عمد. ففهم الجميع من كلام أشتون أن الرئيس قال لها ما لا تحب أن تنشره من تمسك بالشرعية ولو فيها حياته!
4- تصريح جون كيري في إسلام أباد الخميس الماضي أن الجيش المصري لم يستولي على السلطة وإنما تدخل لاستعادة الديمقراطية، وهي التصريحات التي أثارت غضب كبير في مصر، وتم الرد عليها في مظاهرات الجمعة 24 رمضان الحاشدة، مما جعله يتراجع عن هذه التصريحات.
5- زيارة وليام بيرنز الثانية:
وهنا قبل وفد التحالف الديمقراطي مقابلته، وهذا يعني شيئين مهمين:
أ- أن أشتون قد مهدت الطريق للأمريكيين مجددا مجددا.
ب- أن نائب وزير الخارجية الأميركي لديه كلاما جديدا جعل قادة التحالف يقبلون الحديث معه. وبالفعل مدد بيرنز زيارته لمصر وقابل العديد من الأطراف.
وهل أثمرت هذه المحاولات عن شيء؟ فيما يبدو لا. فقد كرر وفد التحالف الديمقراطي على مسامع الجميع ذات الرسالة: لا تفاوض قبل عودة الشرعية الدستورية المتمثلة في الرئيس المنتخب والدستور المستفتى عليه والبرلمان (مجلس الشورى). الأمر الذي جعل قادة الانقلاب وحلفائهم الإقليمين يعتمدون استراتيجية جديدة تقوم على عنصرين رئيسين:
1- إبعاد مستشاري الرئيس ورفاقه في محبسه عنه، في محاولة لزيادة الضغط عليه. فتم توجيه اتهام لرئيس ديوان رئاسة الجمهورية السفير رفاعة الطهطاوي والذي رفض الخروج وترك الرئيس كي يساعده في أي مفاوضات. كما قام العسكر بتوجيه تهم للدكتور أحمد عبد العاطي مدير مكتب الرئيس بقتل متظاهرين مؤيدين (!!) ومعارضين للرئيس مرسي أمام قصر الاتحادية.
2- محاولة الالتقاء بقادة بارزين في حزب الحرية والعدالة وجماعة الإخوان المسلمين في محبسهم، كالدكتور سعد الكتاتني رئيس الحزب، والمهندس خيرت الشاطر نائب المرشد العام. وتأتي هذه الزيارات في رأيي لأهداف ثلاثة:
أ- - -محاولة إحداث ثغرة في موقف التحالف الصلب، المتمسك بعودة الشرعية كأساس لحل الأزمة.
ب- ---محاولة لخلخة التحالف الوطني والانفراد بجماعة الإخوان المسلمين بعدم الالتقاء ببقية أحزاب التحالف وعلى رأسها حزب الوسط - الذي يقبع رئيسه المهندس أبو العلا ماضي ونائبه البرلماني المخضرم عصام سلطان خلف القضبان، وكذلك الجماعة الإسلامية.
جـ - محاولة شق الصف بين قيادات التحالف وجمهور المعتصمين على الأرض بالتشكيك في موقف هذه القيادات. لذلك رفض الدكتور محمد بديع المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين مقابلة أشتون قال أن أي مفاوضات يجب أن تجرى مع الرئيس، وخرج نجل المهندس خيرت الشاطر ليؤكد أن والده أكد للوفد الضخم الذي ذهب إليه في محبسه - والذي ضم بيرنز ووزيري خارجية قطر والإمارات وممثل الاتحاد الأوربي – أن الحل يكمن في عودة الشرعية. نفس الأمر الذي كرره الدكتور عصام العريان حين قال أن الدكتور الكتاتني سيؤكد للوفد الذي ذهب إليه أن الشرعية هي الحل.
ومذا بعد؟
وسط مسار متفائل وآخر متشائم تسير الأمور وتتوالى وفود الحجيج إلى قادة الاعتصام في مصر، وسط ارتفاع ملحوظ للأسعار وتكرر انقطاع المياه والكهرباء وهي ذات الأزمات التي اثارت غضب قطاع من المواطنين على الرئيس، بالغضافة إلى خروج رجال الحزب الوطن يمن السجن وعودتهم إلى الحكم.
وقد صرح نائب رئيس الوزراء اليوم أن الحكومة لم يكن لديها علم بزيارة الوفود الأجنبية للمعتقلين (!) مما يؤكد أنها حكومة صورية لرئيس طرطور وأن الحاكم الفعلي للبلاد هو وزير الدفاع السيسي. إلا أنه يؤكد من ناحية أخرى أن أسهم الانقلابيين تنخفض واسهم مؤيدي الشرعية ترتفع، وان الوقت ليس في صالح الانقلاب. وانه الاعتصام والاحتشاد في الشوارع والميادين، وأنه إذا استمرت أبواب الرئيس و المعتصمين والمفاوضين مغلقة أمام الانقلابيين فإن مصير الإنقلاب هو الفشل المحتوم إن شاء الله.
ويسألونك متى هو قل عسى أن يكون قريبا. (الإسراء)
من الأشياء القليلة التي أجمع عليها كل المراقبين تقريبا أن قادة الانقلاب من العسكريين والسياسيين لم يتوقعوا هذا رد الفعل القوي من قطاعات عريضة من المصريين لا ينتمون لجماعة الإخوان المسلمين، انضموا إليهم في الاعتصامات والمظاهرات والمسيرات وغيرها من الفعاليات المطالبة بإنهاء الانقلاب وعودة الرئيس محمد مرسي.
ولم يكن الأمر صدمة للانقلابيين وحدهم؛ بل لحلفائهم وداعميهم إقليميا وغربيا! فقد عبرت الممثلة العليا للشؤون السياسية والأمنية للاتحاد الأوروبي كاترين أشتون عن هذا الأمر عقب زيارتها الأولى لمصر، حين قالت في تصريح تجاهلته جميع وسائل الإعلام المصرية تقريبا: الوضع على الأرض في مصر فاق جميع توقعاتنا! فقد كانوا مثل عملائهم في مصر يتوقعون أن يهرب الناس أمام رصاص الجيش والشرطة والبلطجية، وألا يتبقى أحد في الميادين بحلول شهر رمضان المبارك، وهو ما لم يحدث!
وبعد فترة من استخدام العنف المفرط في القاهرة والمحافظات وإطلاق الجيش الرصاص الحي على المصريين لأول مرة في وضح النهار في القاهرة والمحافظات، ثم مجزرة الفجر التي أطلق الجيش فيها النار على المعتصمين وقت صلاة الفجر في هجوم استمر عدة ساعات، أخذ قادة الانقلاب يفكرون في حل "غير عسكري" للازمة التي وجدوا أنفسهم فيها، وتأكد هذا الأمر بعد أن أثبت أسلوب القوة عدم جدواه مجددا بعد مجزرة المنصة التي راح ضحيتها 130 شهيدا وما يقرب من 5000 مصاب وانتهت بانسحاب الشرطة!
وقد كان أمام الانقلابيون ثلاثة أبواب حاولها طرقها لحل هذه الأزمة.
1- الباب الأول: الرئيس
لا شك ان صمود الرئيس "المختطف" محمد مرسي في محبسه من أهم العوامل التي وضعت الانقلابيين في هذه الورطة! فبكلمة يلقيها الرئيس على الشعب يعلن فيها استقالته أو تنحيه، أو بقبوله بالسفر خارج البلاد، أو قبوله عرضا خليجيا "رشوة" لإنهاء الأزمة كان سينتهي كل شيء ولن يصبح لتواجد الملايين في الشارع أي معنى!
لكن ثبات الرئيس على موقفه الشجاع الذي أعلنه في الخطاب التاريخي الذي ألقاه عشية الانقلاب؛ ذلك الخطاب الذي كرر فيه كلمة "الشرعية" حوالي 48 مرة؛ والذي أعلن فيه أن ثمن الشرعية هي حياته هو من أجل مستقبل أولادنا، ذلك الموقف كان له أثر بالغ في تماسك المعتصمين في الميادين ولاسيما في ال40 ساعة الأولى التي تلت الانقلاب عقب اعتقال القيادات وغلق القنوات، مما صعب للغاية من مهمة الانقلابيين في محاولتهم طرق الباب الثاني: الميادين.
2- الباب الثاني: الميادين
بعد موجة من التجاهل التام لاعتصامي رابعة العدوية وميدان النهضة، بدأت حملة من الأكاذيب تطالهم تشبه إلى حد كبير الأكاذيب التي أطلقت على معتصمي التحرير 2011، من تلقي أموال ونكاح الجهاد ووجود سوريين وفلسطينيين ...إلخ.
ولم تفلح محاولات التهوين من اعتصام رابعة العدوية الأكبر في تاريخ مصر بأنهم مجرد "شوية ناس في إشارة مرور"، فقد أيقن قادة الانقلاب من العسكريين والسياسيين أن كرة الثلج قد كبرت وأنه لا يمكنه الاستمرار في تجاهلها. وقد عبرت عن هذا الإحساس لبعض المعتصمين معي حين قلت لهم: He got a problem, he can't ignore.
فلجأ السيسي كما أشرت سلفا إلى استخدام القوة كخيار أولي، وهذا مفهوم للعسكر، فقلم بعمل مجزرة دار الحرس الجمهوري والمنصة، وغيرها من أعمال العنف الأخرى التي أصابت المظاهرات والمسيرات في رمسيس وروكسي وصلاح سالم والمنصورة والإسكندرية ودمنهور وطنطا وبورسعيد والصعيد وسيناء ومطروح، مما أسفر عن استشهاد مئات المصريين وجرح ما يقارب ال 5000 آلاف!
وقد كان صمود المصريين في الميادين موقفا مشرفا ولا يزال، رغم أنهم لا يدرون شيئا عن الرئيس المختطف ولا مكانه! إلا أن ثبات الرئيس وهو لا يدري ماذا يجري على الأرض، وثبات المعتصمين وهم لا يدرون مكان الرئيس جعل قادة الانقلاب في حيرة! وبدءوا يفكرون في طرق الباب الثالث: التفاوض.
3- الباب الثالث: التفاوض
أعلن التحالف الوطني لدعم الشرعية ورفض الانقلاب مرارا وتكرار أنه لا تفاوض إلا مع الرئيس الشرعي المنتخب الدكتور محمد مرسي، وأنهم لا يعترفون بقادة الانقلاب ولا برئيسه "الطرطور" ولا حكومته "العميلة". وقد أعلن الدكتور عصام العريان نائب رئيس حزب الحرية والعدالة "الإخوان المسلمين" أن هاتفه لا يكف عن الرنين من قادة في المجلس العسكري، وأن السيسي شخصيا طلب الجلوس مرارا مع الدكتور محمد بشر وزير التنمية الإدارية لكنه رفض ...إلخ.
ومع فشل الضغوط التي مورست على الرئيس محمد مرسي، وفشلهم في فض الاعتصامات بالقوة، ورفض التحالف الوطني الجلوس والحوار معهم، طلب السيسي من الغرب النجدة، وطالب الولايات المتحدة صراحة بالضغط على جماعة الإخوان المسلمين لإنهاء الأزمة! والذي يقرأ حوار السيسي لجريدة الواشنطن بوست يجد فيه توسلا لأوباما كي يتدخل وألا يتخلى عنه، بطريقة لا تختلف كثيرا عن توسل أحمد الزند لأوباما أيضا على الهواء ولا يختلف عن توسل السيسي نفسه للمصريين كي ينزلوا إلى الميادين كي يعطوه "تفويضا" للقتل.
وبالفعل، أيقن الجميع أن الانقلابيين يسيرون نحو حتفهم وأن فشل الانقلاب يبدو في الأفق ،فسارع الغرب للتدخل محاولا إنقاذ رجاله. وهنا نرصد عدة محاولات منها:
1- زيارة وليام بيرنز نائب وزير الخارجية الأولى:
والتي حدثت خلالها أحداث رمسيس وأسفرت عن 5 شهداء والكثير من المصابين، وقد كانت عقب مجزرة الحرس الجمهوري ببضعة أيام. وقد كان الهدف الرئيس من الزيارة تقييم الأوضاع على الأرض بعد الانقلاب بشكل مباشر، فرأى بعينه المظاهرات بمئات الآلاف والدم يسيل في الشوارع! وقد رفض وفد التحالف الديمقراطي مقابلة بيرنز أو الجلوس معه وسط حالة غضب من موقف الإدارة الأميركية الداعم للانقلاب.
2- زيارة كاترين أشتون الأولى لمصر:
وجاء دخول الأوربيين على الساحة فجأة بعد فقدان أمريكا لمصداقيتها بشكل مفضوح وظهورها بموقف المنحاز لطرف ضد آخر بشكل سافر. جاءت أشتون وطلبت الالتقاء بكافة الأطراف دون أن تتحدث كثيرا، وقد طلبت مقابلة الرئيس محمد مرسي ورفض العسكر.
3- زيارة كاترين أشتون الثانية لمصر:
وفيها طلبت أشتون - حسبما نشر الأستاذ فهمي هويدي - من وفد التحالف الديمقراطي مقابلة المرشد العام الدكتور محمد بديع، إلا أنه رفض وقال أن الرئيس محمد مرسي هو الرئيس الشرعي المخول بالتفاوض. وقد قابلت أشتون الرئيس بالفعل لمدة ساعتين ولا يعلم أحد ما جرى بينهما، إلا انه من المفهوم ضمنا أن الرئيس لو قال شيئا فيه شبهة تراجع عن موقفه لأذاعت ذلك على الجميع.؛ إلا أن أشتون رفضت التعليق على ما جرى بينهما بحجة أن الرئيس غير قادر على الاستدراك والتعقيب على كلامها، وهو الكلام الذي حرفته مترجمة التلفزيون المصري عن عمد. ففهم الجميع من كلام أشتون أن الرئيس قال لها ما لا تحب أن تنشره من تمسك بالشرعية ولو فيها حياته!
4- تصريح جون كيري في إسلام أباد الخميس الماضي أن الجيش المصري لم يستولي على السلطة وإنما تدخل لاستعادة الديمقراطية، وهي التصريحات التي أثارت غضب كبير في مصر، وتم الرد عليها في مظاهرات الجمعة 24 رمضان الحاشدة، مما جعله يتراجع عن هذه التصريحات.
5- زيارة وليام بيرنز الثانية:
وهنا قبل وفد التحالف الديمقراطي مقابلته، وهذا يعني شيئين مهمين:
أ- أن أشتون قد مهدت الطريق للأمريكيين مجددا مجددا.
ب- أن نائب وزير الخارجية الأميركي لديه كلاما جديدا جعل قادة التحالف يقبلون الحديث معه. وبالفعل مدد بيرنز زيارته لمصر وقابل العديد من الأطراف.
وهل أثمرت هذه المحاولات عن شيء؟ فيما يبدو لا. فقد كرر وفد التحالف الديمقراطي على مسامع الجميع ذات الرسالة: لا تفاوض قبل عودة الشرعية الدستورية المتمثلة في الرئيس المنتخب والدستور المستفتى عليه والبرلمان (مجلس الشورى). الأمر الذي جعل قادة الانقلاب وحلفائهم الإقليمين يعتمدون استراتيجية جديدة تقوم على عنصرين رئيسين:
1- إبعاد مستشاري الرئيس ورفاقه في محبسه عنه، في محاولة لزيادة الضغط عليه. فتم توجيه اتهام لرئيس ديوان رئاسة الجمهورية السفير رفاعة الطهطاوي والذي رفض الخروج وترك الرئيس كي يساعده في أي مفاوضات. كما قام العسكر بتوجيه تهم للدكتور أحمد عبد العاطي مدير مكتب الرئيس بقتل متظاهرين مؤيدين (!!) ومعارضين للرئيس مرسي أمام قصر الاتحادية.
2- محاولة الالتقاء بقادة بارزين في حزب الحرية والعدالة وجماعة الإخوان المسلمين في محبسهم، كالدكتور سعد الكتاتني رئيس الحزب، والمهندس خيرت الشاطر نائب المرشد العام. وتأتي هذه الزيارات في رأيي لأهداف ثلاثة:
أ- - -محاولة إحداث ثغرة في موقف التحالف الصلب، المتمسك بعودة الشرعية كأساس لحل الأزمة.
ب- ---محاولة لخلخة التحالف الوطني والانفراد بجماعة الإخوان المسلمين بعدم الالتقاء ببقية أحزاب التحالف وعلى رأسها حزب الوسط - الذي يقبع رئيسه المهندس أبو العلا ماضي ونائبه البرلماني المخضرم عصام سلطان خلف القضبان، وكذلك الجماعة الإسلامية.
جـ - محاولة شق الصف بين قيادات التحالف وجمهور المعتصمين على الأرض بالتشكيك في موقف هذه القيادات. لذلك رفض الدكتور محمد بديع المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين مقابلة أشتون قال أن أي مفاوضات يجب أن تجرى مع الرئيس، وخرج نجل المهندس خيرت الشاطر ليؤكد أن والده أكد للوفد الضخم الذي ذهب إليه في محبسه - والذي ضم بيرنز ووزيري خارجية قطر والإمارات وممثل الاتحاد الأوربي – أن الحل يكمن في عودة الشرعية. نفس الأمر الذي كرره الدكتور عصام العريان حين قال أن الدكتور الكتاتني سيؤكد للوفد الذي ذهب إليه أن الشرعية هي الحل.
ومذا بعد؟
وسط مسار متفائل وآخر متشائم تسير الأمور وتتوالى وفود الحجيج إلى قادة الاعتصام في مصر، وسط ارتفاع ملحوظ للأسعار وتكرر انقطاع المياه والكهرباء وهي ذات الأزمات التي اثارت غضب قطاع من المواطنين على الرئيس، بالغضافة إلى خروج رجال الحزب الوطن يمن السجن وعودتهم إلى الحكم.
وقد صرح نائب رئيس الوزراء اليوم أن الحكومة لم يكن لديها علم بزيارة الوفود الأجنبية للمعتقلين (!) مما يؤكد أنها حكومة صورية لرئيس طرطور وأن الحاكم الفعلي للبلاد هو وزير الدفاع السيسي. إلا أنه يؤكد من ناحية أخرى أن أسهم الانقلابيين تنخفض واسهم مؤيدي الشرعية ترتفع، وان الوقت ليس في صالح الانقلاب. وانه الاعتصام والاحتشاد في الشوارع والميادين، وأنه إذا استمرت أبواب الرئيس و المعتصمين والمفاوضين مغلقة أمام الانقلابيين فإن مصير الإنقلاب هو الفشل المحتوم إن شاء الله.
ويسألونك متى هو قل عسى أن يكون قريبا. (الإسراء)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
هذا ما لدي.. فماذا ترون؟