مرحبا بك في مدونة شيء في صدري يمكنك اختيار المقال الذي تبحث عنه من القائمة على اليمين.. ومهما كان انتي مصر.. وكل خطوة بنصر.. الله أكبر وتحيا مصر

Welcome to the personal blog of the Egyptian Writer and political analyst Dr. Ahmed Nassar. You can choose the article you need from the list lower right

السبت، 30 مايو 2015

5 استراتيجيات اتبعها السيسي لمواجهة الثورة!



 نناقش في هذا المقال خمس استراتيجيات اتبعها الانقلاب لإخماد الثورة، فشلت أربعة منها حتى الآن ، مما دفعه للاتسراتيجية الخامسة وهي: محاولة تفجير الإخوان من الداخل، وهو ما يبدو أنه بدأ فيه الآن. كما نبين هنا لماذا يمكن أن تفشل هذه الاتسراتيجية أيضا.

***

 أيقنت الدولة العسكرية في مصر في وقت مبكر أن الإخوان مصرين كل الإصرار على خضوع كافة المؤسسات - بما فيها الجيش -  لرقابة البرلمان، بيت الشرعية في أي دولة، مما مثل خطرا وجوديا على امبراطوريتهم العسكرية التي تعززت عقب اتفاقية كامب ديفيد.

كما أدرك العسكر أن الإخوان غير مستعدين للتهاون في موضوع دعم المقاومة في فلسطين. والقاصي والداني يعلم الآن أن حرب غزة 2012 كانت تست اختبار لمدى جدية مرسي في دعم غزة!

لذا كان الانقلاب على الرئيس مرسي - ليس فقط بهدف إزاحتهم من الحكم، وإنما القضاء عليهم تماما من الحياة السياسية والاجتماعية في مصر- قرارا تم اتخاذه في وقت مبكر للغاية، الأمر الذي أكدته لاحقا تسريبات كثيرة على رأسها تسريب السيد البدوي.

وفي سبيل ذلك اتبع قادة الانقلاب خمسة استراتيجيات،فشلوا في أربعة منها حتى الآن، ويبدو أنهم بدأوا في الخامسة.

***

أربعة استراتيجيات اتبعها الانقلاب.. وفشلت
________________________________

1- شرعنة الانقلاب بموافقة الإخوان عليه
___________________________

 اعتقد الجميع أن ضغوط قادة الانقلاب وكاترين أشتون ستدفع الإخوان للرضوخ والقبول بالأمر الواقع وهو ما لم يحدث. كانت الاستراتيجية في البداية قبول الإخوان بالانقلاب لإضفاء شرعية على ما حدث. وكان ذلك يتم بإحدى ثلاث وسائل:

أ- تنحي الرئيس أو سفره، وهو ما رفضه الرئيس تحت تهديد السلاح وأعلن أن ثمن الشرعية حياته.

ب- قبول الحزب أو قيادات الإخوان بالمشاركة في الحكومة التي تشكلت بعد الانقلاب، وهو ما رفضه كل الإخوان رفضا قاطعا حتى ولو بصورة فردية شخصية (مثل الدكتور باسم عودة)

ج- انفضاض الناس من الشوارع، وهو ما فوجئ به الجميع إذ وجدوا عشرات الآلاف في الشوارع في عز الحر والصوم، متمسكين بشرعية الرئيس المنتخب.

وأذكر أنه في أول زيارة لكاترين أشتون لمصر بعد الانقلاب، أدلت ببعض التصريحات نقلتها جميعا الصحف المصرية باستثناء تصريح واحد نقلته الصحافة الأجنبية. هذا التصريح كان : الوضع على الأرض فاق جميع تصوراتنا!

***

2- الصدمة والرعب
_______________

الاستراتيجية الثانية التي اتبعها الانقلاب العسكري كان سياسة الصدمة والرعب، بالقيام بأكبر عمليات مجازر جماعية ضد أنصار الرئيس حتى تتوقف المظاهرات وينتهي الأمر، وهو ما لم يحدث، ودفع أنصار الشرعية ثمن ذلك غاليا غاليا غاليا.

***

3- القبول بمصالحة تفقد الإخوان مصداقيتهم
_________________________________

الاستراتيجية الثالثة التي اتبعها قادة الانقلاب كان محاولة دفع الإخوان للقبول بمصالحة تقبل بالانقلاب، وهو ما نقله إعلاميون محسوبون على الانقلاب مثل عبد الرحيم علي.

وهذا أيضا فشلوا فيه فشلا ذريعا، وكل تصريح خرج من قيادات من أنصار الشرعية يشتم منها نية التصالح مع الانقلاب كان الرد فيها من الإخوان قيادة وقواعد عنيفا؛ أذكر هنا مبادرة العمدة وتصريح فتح الباب المتحدث عضو البرلمان عن الإخوان 15 عاما!

وعندما فشل النظام في ذلك لجأ إلى محاولة نزع مصداقية الإخوان ومطلب الشرعية بمحاولات مصالحة بين الإخوان  والعلمانيين
الذين أعطوا غطاء للانقلاب، لكن الرد أيضا كان عنيفا ولا سيما من القواعد. فوجوه كياسر الهواري والبرادعي وبلال فضل وعلاء عبد الفتاح وأحمد ماهر كانت ولا زالت تعتبر من وجهة نظر الإخوان شريك أصيل في الانقلاب لا يقل جرمهم عن السيسي، ولم تفلح محاولات الصلح بنهم تحت دعاوى الاصطفاف الثوري الكاذبة.

***

4- فوضى السلاح: السيناريو الجزائري
_____________________________

الاستراتيجية الرابعة  التي اتبعها قادة الانقلاب كان محاولة عسكرة الثورة، والتحول للنموذج الجزائري أو السوري، وهو ما يعني فناء الجميع وبقاء السيسي لسنوات، وربما لعقود. في هذه الأثناء ظهرت فجأة ولاية سيناء التي تفتح الطريق لمن يرغب أن يترك فكر الإخوان وينضم للعمل المسلح.

ويذكر هنا أيضا مجموعات البلاك بلوك التابعة للمخابرات أو للكنيسة والتي بدأت تنشط وتتبنى عمليات عنف دون أن يذكرها إعلامي في قناة، أو محام في بلاغ، أو قاض في محكمة من تلك التي توزع تهم الإرهاب مجانا على جمهور الكرة وروابط الأندية وعلماء الأزهر فضلا طبعا عن المتظاهرين الأكثر خطورة على أمن مصر!

ولا أنسى هنا الشاب مينا الذي ضبط في الصعيد وهو يرتدي النقاب ويحاول زرع عبوة متفجرة.. وطبعا لم يتدث عنه إعلام الانقلاب ونسي الناس قصته.

من جهة أخرى فإن اختطاف البنات واغتصابهن في المدرعات والسجون، وأحكام الإعدام الباطلة، كان الهدف منها دفع الشباب الغيور لهذا السيناريو.

 علينا أن نعترف هنا أن "سلميتنا أقوى من الرصاص" في العام الأول للانقلاب حمت مصر من هذا السيناريو، ولا شك أن وجود جماعة قوية منظمة مؤثرة في مصر مثل جماعة الإخوان المسلمين - ورغم الضغوط - قد ساعد على صد ضغوط النظام وتحويله لطاقة إيجابية في محاولة كسر الانقلاب دون أن يؤدي ذلك إلى انفلات الأوضاع وعسكرة الثورة.

ولا يعني ذلك أنه منذ العام الثاني لم تحدث أعمالا نوعية من أنصار الانقلاب، لكنها بقيت  انتقائية في حالات بعينها. لا أقول أنها فردية أو تغرد خارج السرب، لكن لا يمكن بحال من الأحوال أن نصفها بالعموم، وأنها تندرج بالأساس تحت باب الردع والدفاع عن النفس أو القصاص، وليس المبادرة بالقتال.

***

5- التفجير من الداخل
_______________

الاستراتيجية الخامسة - والتي أرجو أن تكون الأخيرة إن شاء الله - هي تفجير الجماعة من الداخل. نعم تفجيرها بافتعال أزمات وحدوث انقسامات، مستغلين القبضة الأمنية الشديدة، ووجود معظم القادة المجمع عليهم في السجون أو قضوا نحبهم شهداء. ويجب الإشارة هنا أن مجاح هذه الاستراتيجية في الجزائر كان أحد أهم أسباب بقاء الانقلاب وإخماد الثورة.

في رأيي يجب وضع اعتقال الدكتور وهدان في إطار رغبة الأمن في القبض على آخر قيادة مجمع عليها من غالبية الأطراف على الأرض لما له من قدر في قلوب الجميع. ويبدو أنه تم اعتقاله حين بدأ التواصل مع طرفي الأزمة.

 هناك كذلك عدم سهولة تداول البيانات والمعلومات.

نعم.. علينا أن نعترف أن المعلومات، شحيحة، نادرة، ضبابية، وكل معلومة صحيحة تنسج المخابرات حولها عشرات المعلومات الخاطئة، هذا غير الهري والهري المضاد في السوشيل ميديا.. وهذا طبيعي ومتوقع.

***

وماذا بعد؟؟
_________

علينا أن نتمسك بالحقائق ونبتعد عن الاستنتاجات، والحقائق التي بين أيدينا هنا هي التالي:

1- هناك إجماع من جميع الأطراف على القصاص ومقاومة الانقلاب.

2- هناك إجماع من جميع الأطراف على عدم عسكرة الثورة، حتى الفريق الداعم للعمليات النوعية يضعها في إطار الردع أو الدفاع عن النفس أو القصاص كما قلنا ولا ينادي أحد بفكرة عسكرة الثورة.

3- هناك متحدث رسمي جديد للجماعة لا يختلف عليه أحد - حتى الآن.


بناء على هذه الحقائق، أدعو جميع الأطراف إلى:
_____________________________________

ا- محاولة الالتقاء (رغم بعض الصعوبات)، وإن عبر وسطاء مقبولين مختارين والجلوس لتبادل الرؤى والأفكار، وطرح جميع المسائل على الطاولة.

2-  وعدم الانفراد بالرأي واتخاذ قرارات فردية أحادية الجانب في القضية موضوع الخلاف حتى يتم التواصل بين جميع الأطراف.

3- عدم اللجوء إلى الإعلام إلا في أضيق الحدود.

4- احترام القيادات المنتخبة أيا كانت هذه القيادات.

5- عدم الانسياق وراء الأخبار التي يتم تداولها من هذا المصدر أو ذاك، حتى يتم التثبت من مصادر موثوقة. وإياك ثم إياك ممن يقول لك: المعلومة دي من مصدر موثوق.. أو المعلومات دي وصلتني بس مش للنشر...إلخ هذا الهري.

واعلموا أن هناك قسم كامل في المخابرات اسمه قسم الشائعات.. ولكن لهذا قصة أخرى.

أسأل الله عز وجل توحيد الصف وتأليف القلوب.. إنه وحده ولي ذلك والقادر عليه.

"وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم" 63 الأنفال

الجمعة، 29 مايو 2015

عزيزي أحمد عبد الحميد: عمرك شفت سفالة أكتر من كده؟؟

عزيزي أحمد عبد الحميد: عمرك شفت سفالة أكتر من كده؟؟

*********************************************
(تعقيبا على مقال: متأكد سعادتك؟؟)

هناك مجموعة من الكتاب والمغردين الذين إن رأيت لهم بوستا أو تغريدة، أحرص على قراءتها بانتباه اعتقادا مني أنني سأجد غالبا شيئا قيما يستحق القراءة.. وأنت منهم أستاذ أحمد.

هذه مقدمة لابد منها في التعقيب على مقالك، حتى لا يتبادر إلى ذهن أي أحد أن المسألة شخصية. وسأحاول أن كون موضوعيا قدر الإمكان.

عزيزي أحمد: رغم لهجة السخرية التي قد تبدو في عنوان مقالك الذي عقبت به على مقالي؛ فإنني أعتقد أن ما دفعك إلى كتابته هو فقط عنوان مقالي الذي استفزك لكتابة هذا المقال.

لذلك أود توضيح بعد النقاط، محاولا أن أزيل بعض اللبس:

1- الضمير في عنوان مقالي "الإخوان يسبقونكم بسنين ضوئية" يعود على الفئات الثلاثة التي شاركت في الانقلاب والتي ذكرتها في المقال؛ الجيش - أنصاف المثقفين وعتاة المنافقين - قطاع من الناس رأوا أن الإخوان سبب أزماتهم الحياتية، وأن البلد عاوزة واحد عسكري.

في ضوء ذلك، وإلى هذه الفئات - وليس غيرهم - وجهت كلامي، وهو كلام يصح في حق قيادات وضباط الجيش الذين آمنوا أنه طالما أن السيسي لم يحصل على نجمة زيادة ولم يترق ولم يصبح رئيسا فإن ما جرى ليس انقلابا!

ويصح كلامي أيضا في حق أنصاف المثقفين وعتاة المنافقين الذين رفضوا بقوة أي حديث عن انقلاب عسكري في 3 يوليو؛ كالبرادعي وبلال فضل وعلاء الأسواني وياسر الهواري وعلاء عبد الفتاح، أو أحمد ماهر مؤسس 6 إبريل الذي اعترف في رسالة كتبها بنفسه أنه كان يعلم أن الانقلاب قادم، وأن الدماء ستسيل أنهارا، وأن الذي أخبره بذبك قيادات عسكرية! كما اعترف من قبل في حوار له على تويتر بعد 3 يوليو مع وائل عباس أنه انقلاب عسكري لكنه لن ينزل إلى ميدان رابعة!

وغير هؤلاء كثيرون ممن أيقنوا أنه انقلاب لكنهم قبلوا بالنوم في سرير العسكر والوصول للسلطة على ظهر دبابة، أو صدقوا أن العسكر لا نية له في الوصول للسلطة، وأنه فعل ذلك من أجل الشعب الذي لم يجد من يحنو عليه! هؤلاء نحن نسبقهم بسنين ضوئية بلا شك!

ويصح كلامي بالتبعية على قطاع من الناس أيد الانقلاب ظنا منهم أنه سيحسن أوضاعهم، ولم يكفهم 60 عاما من حكم العسكر ليعلموا أن العسكر والرخاء لا يجتمعان!

أما مقولتك "التأسيس لدولة ما بعد 3 يوليو استنادا على دستور يكتبه "موظفين" لدى جنرال عسكري، هو بالضبط تعريف الانقلاب العسكري" فاسمح لي هي ليست بالمقولة الدقيقة! فبمجرد اعتقال وزير الدفاع للرئيس المنتخب وحله البرلمان وتعطيله الدستور يكون قد قام بانقلاب متكامل الأركان، حتى وإن كتب الدستور أشخاصا منتخبون وليسوا "موظفين". والخلاف حول ما إذا كان من يكتب الدستور موظفا أو منتخبا بعد الانقلاب والمجازر الجماعية ترف فكري أو تسطيح للأمور.

***

2- التفريق بين 30 يونيو و 3 يوليو لا يجب ولا يصح ومن غير المعقول! فعلى مدى سنة كاملة لم يكن على ألسنة مؤيدي الانقلاب على الجزيرة إلا "ثورة 30 يونيو العظيمة"  و "خارطة الطريق" التي لم يتحقق منها شيئا سوى الانقلاب على الرئيس المنتخب.

وإذا كان هناك من شارك في مظاهرات 30 يونيو وهو حقا لايريد إلا انتخابات رئاسية مبكرة، وقبل في سبيل ذلك بالوقوف في ميدان واحد مع شفيق وعكاشة وآسفين ياريس وفضالي والزند ولميس وأديب وعمرو موسى، وأحمد جمال الدين المتهم الرئيسي بقتل 8 معارضين أمام الاتحادية منهم الحسيني أبو ضيف بالإضافة إلى اثنين من المؤيدين؛ إذا كان هناك من قبل بذلك  ولم يفطن أنه سيستخدم كحذاء يلبسه العسكر حين اللزوم ثم يخلعه لاحقا - بتعبير هيكل في كتابه باللغة الإنجليزية "قطع ذيل الأسد" - فهو متأخر عن المشهد بسنين ضوئية بلاشك!

***

3- الإخوان لم يكن باستطاعتهم أن يصدوا انقلابا! هذه حقيقة لا يجب تجاوزها أو القفز عليها. لسبب بسيط ؛ أنه لا يصد البندقية إلا بندقية مثلها، ولا الدبابة إلا دبابة مثلها!

وقد ذكر الفريق الركن سعد الدين الشاذلي في مذكراته القيمة "مذكرات حرب أكتوبر"  أن الجيش حصل على دبابات سوفيتية جديدة قبيل حرب أكتوبر أطول مدى من تلك الموجودة في الجيش بالفعل، لكن السادات آثر بها الحرس الجمهوري ولم يعطها للجنود على جبهة القتال، خشية من أن يحدث ضده انقلاب عسكري، وأنه لو كانت هذه الدبابات ضمن الأسلحة التي يمتلكها الجيش الثالث المحاصر في السويس جراء الثغرة، لما استفحل الأمر بهذا الشكل!

السادات خشي من انقلاب إذا حصل الجيش على دبابات أقوى من تلك الموجودة في الحرس الجمهوري، فما بالك إذا كان الجيش والشرطة والحرس الجمهوري جميعا ضد الرئيس المنتخب، وقد عقدوا النية على الانقلاب عليه واستعادة السلطة تحت غطاء مظاهرات "ماتينيه" لبضع ساعات؟؟

صحيح أن الإخوان كان بإمكانهم تعرية هذا الانقلاب أو فضحه أكثر، أو التعامل معه قبل أن يقع بشكل أفضل، لكن في اعتقادي أنه مهما حاول الإخوان فإن الانقلاب كان سيحدث! لسبب بسيط أيضا؛ أن النية للقيام بانقلاب عسكري كانت منعقدة قبل ذلك بشهور، كما تبين بعد ذلك بأدلة كثيرة.

ومع ذلك فقد كان الإخوان منفتحين على كافة المبادرات التي طرحت في ذلك الوقت للخروج من الأزمة، حتى وإن تضمن ذلك انتخابات جديدة، وهذا باعتراف الجميع بما فيهم البرادعي، لكن الجيش كان قد حسم أمره بالقضاء على المسار الدستوري وأكبر جماعة منظمة تدعم هذا المسار "الإخوان المسلمون". فقتل منهم الآلاف واعتقل عشرات الآلاف.

وهنا يجب الإشارة إلى نقطتين في غاية الأهمية:

1- كل من كان في الميدان كان يدرك عواقب ذلك، فمنذ مجزرة الحرس الجمهوري فقد أيقن الجميع أن اعتداءات الثورة المضادة تخطت الشرطة والبلطجية، لتشمل القناصة والمدرعات والدبابات والمروحيات! تكرر الأمر في مجزرة المنصة وفيما بعدها! لكنهم كانوا هناك مختارين لشدة وعيهم أن الانفضاض من الميدان الآن يعني اغتيال الثورة، كما حدث في أزمة مارس 1954.

2- كان بالإمكان - نظريا - الحفاظ  على هذه الأرواح والاعتقالات، بالتنازل عن الشرعية والقبول بالانقلاب، لكن ذلك كان يعني انتهاء الثورة، ونزع الشرعية عن أي عمل مقاوم للانقلاب بعدها. فبالله عليك، أي الخيارين أفاد الثورة أكثر: رفض الانقلاب ودفع ثمن ذلك، أم القبول به والحفاظ على الصف؟؟

***

4- مقال "الإخوان يسبقونكم بسنين ضوئية" كان يتحدث - حصرا - عن الموقف من الانقلاب وردود الأفعال عليه، فقط، وليس عن المواقف السياسية للإخوان التي تتفق معها وتختلف، أو الأخطاء التي اعترف بها الإخوان، أو المطالبات التي ينادي بها كثيرون لتطوير الجماعة لتواكب الأحداث وقد كنت أحد هؤلاء.

الإخوان كما تعلم جماعة كبيرة، وفي رأيي هناك  تياران داخل الجماعة، أحدهما ثوري والآخر إصلاحي، وهذا أمر لا يخفى على مراقب.  كما أن الأخطاء موجودة وواردة، وهناك حراك داخل جماعة الإخوان الآن لا تخطئه عين، لكن ما شأن ذلك بالموقف من الانقلاب؟؟

بمجرد انتخاب الرئيس محمد مرسي أصبح الأمر لا يتعلق بجماعة الإخوان العقائدية التي تجتهد، وتصيب وتخطئ، بل برئيس منتخب، انتخبه الإخوان وغير الإخوان، وربما بعض من غير المتدينين أو حتى من غير المسلمين! هؤلاء لم يختاروا بالضرورة أن يكونوا ضمن صفوف الإخوان،  لكنهم انتخبوا الرئيس الذي رشحه الإخوان واختاروه في صناديق الاقتراع، والفارق كبير!

وبناء عليه؛ إذا كان لا يعجبك آداء يحيي حامد - وهو آداء يعجب الكثيرين بالمناسبة- أو ربما لا يعجبك آداء باسم عودة وزير التموين الفذ والاستاذ الجامعي النابه، أو آداء رئيس الحكومة هشام قنديل، أو حتى آداء الرئيس نفسه، فإن الحل كما في أي دولة تحترم نفسها ألا تعطيهم صوتك في أول انتخابات مقبلة، وليس بالتظاهر مطالبين بانتخابات رئاسية مبكرة وإعطاء مبرر وغطاء للعسكر المتحفزين للانقلاب العسكري! ولا علاقة لذلك إطلاقا  بالموقف من الإخوان!

***

5- الإخوان هم العمود الفقري لمواجهة الانقلاب الآن. صحيح أن هناك كثيرين من غير الإخوان يواجهون الانقلاب، إلا أن مثل الإخوان ومثلهم كالعمود في الخيمة. يقيم الخيمة رغم أنها تمتد لمساحات أبعد منه، لكن وجوده مهم لثبات هذه الخيمة، وكلما ترسخ عمود الخيمة كلما ترسخت أركانها وازدادت مقاومتها واستطاعت الصمود أمام الرياح.

وعليه فلا يستطيع أي فصيل أن يدعي مسؤوليته عن الحراك الموجود في الشارع إلا الإخوان المسلمون. إنهم الطليعة اللازمة لأي ثورة كي تنطلق وتستمر، مع الأخذ في الاعتبار أن أي ثورة لا تنجح إلا إذا انضم لها قطاع معتبر من الناس، وكتاب "روح الثورات والثورة الفرنسية" لجوستاف لوبون مهم في هذا الشأن.

***

وأخيرا أستاذ أحمد فإن عنوان مقالي التي يبدو أنه استفز البعض لا أقصد به أي كبر أو استعلاء! على العكس فقد تعلمنا في سورة يس أن رجلا لا نعرف اسمه جاء من أقصا المدينة يسعى، تأجل بسببه عذاب مدينة جاءها ثلاثة أنبياء!

وتعلمنا من سورة الكهف أن رسولا من أولي العزم، كليم الله، وهو سيدنا موسى عليه السلام ذهب ليأخذ العلم من رجل ليس برسول ولا نبي، ولم يستطع أن يصبر على أفعاله لأنه لا علم له بما لدى هذا الرجل من علوم!

وقد تربينا أن رجلا في غزوة بدر جاء من آخر الصفوف وعدل موقع جيش المسلمين الذي اختاره النبي صلى الله عليه وسلم! لم يكن معروفا قبل هذا الموقف وربما لم يذكر بعدها!

لا لم يكن مقالي عن كبر أو استعلاء، بل لأنني أرى وجها كالحة ظلت تردد لشهور أن ما جرى لم يكن انقلابا، وأنهم وضعوا بأنفسهم "خارطة طريق" قد امتثل لها الجيش، وأن السيسي إذا استبد أو خالف الاتفاق الذي اتفقوا عليه فإنهم سينزلون للتظاهر ضده!

وبعد كل هذا القتل والاستبداد والقمع والفساد وعودة رجال مبارك ومبارك نفسه، نراهم بدلا من أن يتواروا خجلا، ويعتذروا عن خطاياهم؛ يطالبون الإخوان بالاعتذار! وإذا تظاهروا يوما تظاهروا فقط لتحسين قانون التظاهر أو قانون الانتخابات! وإذا حنوا يوما إلى التظاهر لم يفتحوا ميدانا أغلق بالدبابات، ولم يتظاهروا أمام منزل وزير الداخلية بملابسهم الداخلية التي يبدو أنهم خلعوها يوم أن قبلوا بالانقلاب، بل ذهبوا إلى الصحراء الجرداء ليعلنوا أن مرسي مثل مبارك والسيسي!!

 بالله عليك؛ عمرك شفت سفالة أكتر من كده؟؟ 

الخميس، 28 مايو 2015

هدنة هشة في اليمن.. وقمة فاشلة في كامب ديفيد! (تقديرموقف)

هدنة هشة في اليمن.. وقمة فاشلة في كامب ديفيد! (تقديرموقف)
_________________________________________

حين قررت السعودية تغيير الواقع على الأرض في اليمن، والذي يميل لصالح الحوثيين منذ سبتمبر الماضي، باستخدام القوة العسكرية فقد كان عليها أن تدرك الطبيعة الجغرافية لليمن.

فالجبال منتشرة في كافة المحافظات اليمنية تقريبا مما يسمح للحوثيين بالاختباء جيدا من الضربات الجوية التي افتخر المتحدث العسكري أحمد عسيري أنها وصلت لأربعة آلاف طلعة جوية، ونسي أن أميركا ضربت فيتنام بثلاثة ملايين غارة جوية ثم خرجت تجر أذيال الهزيمة!

سأقدم حسن النية في الموقف السعودي تجاه الأزمة اليمنية، وأقول أن سماح السعودية للحوثيين باجتياح صنعاء سبتمبر الماضي إنما كان سياسة خاطئة من الملك الراحل عبد الله وأمين الديوان الملكي وقتها خالد التويجري، وأن البلاد يحكمها الآن ملك جديد بسياسة جديدة، أطاح برجال الملك القديم وعلى رأسهم التويجري.

لكن الملك الجديد ومن معه من قيادات عليهم أن يدركوا جيدا أن ما أخذه الحوثيون بقوات انتشرت على الأرض – وإن بتعاون مع الرئيس السابق علي صالح وولده قائد الحرس الجمهوري، وباتفاق مع الرئيس الحالي هادي ودول الخليج وقتها – لا يمكن استرجاعه إلا بنفس الطريقة أيضا، وهي قوات تنتشر على الأرض!

ومنذ اليوم الأول للعملية فإننا نطرح هذه النقطة ونكررها في كل مقال من المقالات التي خصصناها لليمن، ولا نزال نكررها طالما الأزمة مستمرة! لا يوجد قوات على الأرض ولا يبدو أن السعودية ستملك هذه القوات في المستقبل القريب!

على العكس؛ حدث ما توقعناه للأسف، نقل الحوثيون – عملاء إيران – الحربَ إلى داخل المملكة ذاتها، فاستهدفوا مدينتي نجران وجازان أكثر من مرة بالصواريخ ومدافع الهاون، الأمر الذي أدى لتعطيل الدارسة وإيقاف حركة الطيران وإغلاق المجال الجوي هناك!

هذا غير أنباء عن نقلهم صواريخ “سكود” إلى الحدود السعودية، وهو التهديد الذي لم تتعرض له المملكة منذ حرب الخليج الثانية!
ولم يكن بحوزة السعودية أي رد على ما يجري سوى استمرار الطلعات الجوية، وهي طلعات يبدو أنها استنفدت أهدافها، بل أصبحت عبئًا على الرياض، بعد تذمر أهل اليمن من الإصابات التي تطال اليمنيين جراء الطلعات الجوية! الأمر الذي دفع الرياض لإعلان هدنة من خمسة أيام لم يحترمها الحوثيون منذ اليوم الأول، بينما اضطر سلاح الجو السعودي لوقف الضربات تلبية لحاجات إنسانية وربما ضغوط سياسية!

***

الحوثيون قابعون في مواقعهم في هدوء، ينتظرون الضوء الأخضر من طهران لشن الهجمات على المدن السعودية الحدودية، غير عابئين بالهدنة الإنسانية التي طلبتها السعودية لإغاثة اليمنيين، بل وأعلنوا بكل صفاقة أنهم خرقوا الهدنة.

أما إيران فإنها تستعرض عضلاتها في الخليج! في البداية تحتجز سفينة غربية وتقتادها نحو ميناء بندر عباس الإيراني لساعات، ثم تطلق اليوم أعيرة تحذيرية على سفينة ترفع علم سنغافورة أيضا في الخليج، ثم ترسل سفينة “شهد” الإيرانية كسفينة “مساعدات” نحو اليمن تحميها بارجة حربية إيرانية، محذرة من محاولة تفتيشها! وهذا ينذر بتحويل الحرب الباردة بين السعودية وإيران إلى حرب ساخنة ومشتعلة في خليج عدن والخليج العربي كذلك!

وعلى الرغم من أن هذه الأمور تستفز السعودية كثيرا وتبرز السيطرة الإيرانية على المنطقة؛ إلا أن السعودية فيما يبدو لا تستطيع الرد بعملية عسكرية برية في اليمن تعيد لها كرامتها، ولليمن شرعيته؛ لافتقارها إلى هذه القوات، بينما الضربات الجوية غير كافية، أو كما نقول في مصر: العين بصيرة واليد قصيرة!

الرياض لا تريد أن تتورط في حرب مباشرة مع إيران، وفي المقابل لا تسمع الرياض من واشنطن غير تصريحات كلامية مجاملة، دون تغيير حقيقي على الأرض، الأمر الذي أغضب الملك السعودي ودفعه لعدم حضور قمة كامب ديفيد، التي يصفها مراقبون أنها نجحت لكن أحدًا لم يحصل على ما أتى من أجله!

ومنذ وقت مبكر حرصت أميركا على تخفيض سقف التوقعات بشأن القمة المزمع عقدها، ونفت نفيا قاطعا عزم واشنطن توقيع اتفاقية أمنية مع دول الخليج، من ناحية أخرى لم تسمح واشنطن لدول الخليج بشراء أسلحة نوعية للدفاع عن نفسها، حتى لا يتوازن ميزان القوة الراجح لصالح إسرائيل!

وعليه لم يخرج قادة الخليج من قمة كامب ديفيد إلا بكلام إنشائي فضفاض عن حفاظ أميركا على أمن الخليج، وتعاونهم المشترك ضد التمدد الإيراني في المنطقة… إلخ. في الوقت الذي تذهب فيه واشنطن قدما نحو توقيع اتفاق نووي مع إيران، يلغِي كافة العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها!

مما دفع الكثير من المحللين إلى وصفها بأنها قمة “مجاملات”.

***
ويبدو الآن للقاصي والداني أن حاجة أميركا لدول الخليج وللنفط السعودي خصوصا لم تعد كما كانت من قبل، قبل احتلال أميركا للعراق (ثاني أكبر مخزون نفطي في العالم) وقبل اكتشاف النفط الصخري الأمريكي بكميات كبيرة! ومن ناحية أخرى فإن لإيران دورًا في الأجندة الأميركية لتقسيم المنطقة على أساس طائفي ومذهبي كما وضحنا في مقال: إيران.. نظرة من الداخل.
وعليه فأنصح السعودية بالتالي:

1-مراجعة إستراتيجية لنظرية الأمن القومي للخليج، فقد ثبت أن حرص واشنطن على حماية الأمن الخليجي ليس جديا، ولا سيما مع تراجع اعتماد واشنطن على النفط الخليجي، على السعودية بصورة قاطعة شراء صواريخ قادرة على حمل رؤوس نووية من باكستان، أو تطوير ترسانة سلاح كيماوي قوية لردع عملاء إيران وكبح جماح طهران.

2- زيادة التنسيق بينها وبين قطر وتركيا عسكريا لمزيد من تسليح جيش الفتح السوري، فلقد أثبتت التجربة أن الرد على إيران في سوريا أقوى وأنجع من الرد عليها في اليمن، وسياسيا لتكوين حلف سُني قوي مقابل الهلال الشيعي. حلف كهذا من المرجح أن تنضم له دول أخرى عديدة في المنطقة.

3- استمرار دعم المقاومة الشعبية ورجال القبائل في اليمن واستمرار الطلعات الجوية، ولا سيما مع أية محاولات للاقتراب من باب المندب.

4- إعطاء أولوية لتأمين المدن السعودية الحدودية من هجمات الحوثيين، حتى وإن استلزم الأمر التعاقد على بطاريات جديدة مضادة للصواريخ.

5- مراجعة الرياض لتحالفاتها مع دول ثبت أنهم أقرب لإيران من السعودية لا سيما الإمارات ومصر؛ لأن أي خطط لمواجهة النفوذ الإيراني ينقلها السيسي وأبناء زايد إلى طهران أوَّلا بأول، كما أنهم يدعمون بشار الأسد قلبا وقالبا، وهو ما يتنافى مع أية خطط لتحجيم النفوذ الإيراني، من ناحية أخرى فقد ثبت أن الاعتماد على الجيوش التي استثمرت فيها السعودية كالجيش المصري ليس في محله، بعد ثبوت عدم جدية ادعاء “مسافة السكة”.

الثلاثاء، 26 مايو 2015

الإخوان يسبقونكم بسنين ضوئية!

الإخوان يسبقونكم بسنين ضوئية!
__________________________

حين قام السيسي ومن معه بالانقلاب على الثورة المصرية واختطفوا رئيسها المنتخب محمد مرسي، وحلوا البرلمان، وعطلوا الدستور، وحدهم قال أنصار الشرعية أن ما يحدث هو انقلاب!

ساعتها انقسم مؤيدو الانقلاب إلى ثلاثة أقسام:

1- الجيش: وهو العمود الرئيس في الانقلاب ليؤكد أنه لا نية لديه إطلاقا في الحكم وأنه استجاب لنداء الجماهير كما فعل في 2011.

2- أنصاف المثقفين وعتاة المنافقين: ادعوا بأن ما يحدث هو موجة ثورية وأن الرئيس مرسي فقد شرعيته أصلا بمقتل 2 من معارضيه أمام الاتحادية وبالإعلان الدستوري الذي أعلنه، رغم أنه تراجع عنه لاحقا.

3- قطاع من الناس: الذين رأوا أن الإخوان سبب أزماتهم الحياتية، وأن البلد عاوزة واحد عسكري!

***

وحدهم أنصار الشرعية رفضوا ما يجري، واحتشدوا تباعا في ميدان رابعة العدوية صارخين بأن ما يجري انقلاب، وأن الثورة تختطف، وربما تغتال!

تم سحق هؤلاء سحقا، قتلوا تقتيلا، وحرقت جثثهم، أو فرمتها الجرافات، واعتقلوا واغتصبوا، وحكم عليهم بالإعدام والسجن المؤبد، وذاقوا في السجون كل ألوان العذاب.

مضى عامان على الانقلاب تقريبا، واتضح أن الجيش فعل كل ما يجري للوصول للسلطة، وأن ادعاءاته في بيان الانقلاب كان كاذبا!

كما اتضح أن أنصاف المثقفين الذين اعترضوا على الإعلان الدستوري للرئيس مرسي إما منافقين أو جبناء وهم يرون السيسي ينصب نفسه إلها على البلاد بلا رقيب ولا حسيب، ينفذ جنوده عمليات قتل في الشوارع سواء في سيناء أو الوادي والدلتا، دون أن يجرؤوا على نزع الشرعية منه أو حتى انتقاده ولو على استحياء.

أما القطاع المؤيد للانقلاب من عموم الناس التي رقصت على جثث الإخوان،   والتي وعدت بالجنة تحت قدمي السيسي، فلم يروا إلا ارتفاعا في الأسعار ورفعا للدعم.

وإلى هؤلاء تحديدا يتجه إعلاميو الانقلاب هذه الأيام برسالة واحدة: غور في ستين داهية! هكذا بوقاحة! حال البلد سيء وسيظل هكذا ولن نستطيع إطعامكم! إذا لم يعجبكم حال البلد فعليكم بالهجرة بدلا من الوقوف بسلبية انتظارا من الحكومة أن تقوم بكل شيء!

***

أظن أن على هؤلاء جميعا الاعتذار إلى أنصار الشرعية الذين وحدهم كانوا يعرفون الحق من الباطل، وكانوا يرون الصواب من الضلال، ولم تنطل عليهم أكاذيب الإعلام!

وبدلا من مطالبة أنصار الإخوان بالاعتذار، فعلينا جميعا أن نعترف أن هؤلاء - وحدهم - كانوا يرون ما لم يره الآخرون، وأنهم بحق كانوا يسبقون الجميع بسنين ضوئية.

هذه الكلمة التي أطلقها أنصار البرادعي عليه سقطت أمام أعيننا منذ وقت مبكر، لكنها الآن سقطت أيضا أمام أنصاره الذين سمعوه بآذانهم يملى تغريداته من إبراهيم عيسى مذيع المخابرات.. أنصحهم الآن بعمل "أنفلو" للبرادعي والاكتفاء بمتابعة إبراهيم!


إن اجتماع هؤلاء مع الإخوان في نفس السجن لا يجعلهم متساوين في البطولة، فالإخوان في السجون لثباتهم على المبدأ، بينما هؤلاء في السجون لأنهم ناموا في سرير العسكر!الإخوان يعدمون لأنهم رفضوا الانقلاب بينما هؤلاء قد يعدمون لأن السيسي قرر أن يتخلص منهم بعد أن قضى فيهم حاجته! الإخوان في السجون لذكائهم وهؤلاء في السجون لغبائهم!

السبت، 23 مايو 2015

هل السلمية حقا من ثوابت الإخوان؟؟


هل السلمية حقا من ثوابت الإخوان؟؟
____________________________

ملخص:

نناقش في هذا المقال تأصيل استخدام القوة عند الإخوان المسلمين، من خلال مناقشة ما جاء في كلام مؤسسها الإمام حسن البنا في رسالة المؤتمر الخامس تحت عنوان: الإخوان والقوة والثورة.

سيبدو جليا من كلام الإمام المؤسس أنه وضع ضوابط لاستخدام القوة ولم ينفها، بل وصف القوة أنها شعار الإسلام، مع تأكيده أنه سيأتي وقت يستخدم فيه الإخوان القوة حيث لا يجدي غيرها.. هكذا بكل وضوح!

المشكلة فقط في قيادات تجاوزت الظرف التاريخي  زمانيا أو مكانيا، فصارت تقول كلاما ليس من ثوابت الإخوان في شيء!

***

بين السياسة والأيديولوجيا:
_____________________

تعودت أن أكتب في التحليل السياسي للشأن المحلي والإقليمي، ولعل هذا من المقالات القليلة التي تتحدث في الفكر والأيديولوجيا، لذا فهو موجه بالأساس للإخوان المسلمين  وأنصارهم.

فبعد عام من الانقلاب العسكري في مصر؛ ومع تيقن الغالبية العظمى من الثوار على الأرض أن السلمية "البحتة" لا تسقط نظاما، فقد بدأ التنظير لاستخدام القوة - ولو في حالات معينة - لإسقاط الانقلاب العسكري أو كف أذاه عن المواطنين الأبرياء.

ومع تعيين متحدث رسمي جديد للجماعة من جيل الشباب "محمد منتصر "، ومع تغير لهجة الخطاب من "سلميتنا أقوى من الرصاص" إلى "ثورة تجتذ الرؤوس" و "أخذ كل أسباب القوة لإسقاط الانقلاب العسكري" ، بدأت  حركات كالعقاب الثوري تلجأ للقوة لكسر الانقلاب العسكري.

وكان لزاما هنا البحث في منهج الإخوان المسلمين الذي وضعه مؤسسه الإمام حسن البنا وفق القرآن والسنة (114 سورة من القرآن، وما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحاديث) والموجود في كتاب "الرسائل" عن إجابة لهذا السؤال المحوري: هل السلمية من ثوابت الجماعة؟؟

***


أنقل هنا كلام الإمام المؤسس حسن البنا رحمه الله، مع بعض التعليقات على جاء في كلامه لاحقا:
___________________________________________________________

ولا أريد أن أدع هؤلاء المتسائلين في حيرة ، بل إني أنتهز هذه الفرصة فأكشف اللثام عن الجواب السافر لهذا في وضوح وفي جلاء ، فليسمع من يشاء .
أما القوة فشعار الإسلام في كل نظمه و تشريعاته , فالقرآن الكريم ينادي في وضوح و جلاء:   (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ) (الأنفال:60).

و النبي يقول (المؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف) , بل إن القوة شعار الإسلام حتى  في الدعاء و هو مظهر الخشوع و المسكنة واسمع ما كان يدعو به النبي في خاصة نفسه و يعلمه أصحابه و يناجي به ربه : (اللّهُمّ إِنّي أَعوذُ بِكَ مِنَ الْهَمّ وَالْحَزَنِ، وَأَعوذُ بِكَ مِنَ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَأعوذُ بِكَ مِنَ الْجُبْنِ والْبُخْلِ وَأعوذُ بِكَ مِنْ غَلَبَةِ الدّيْنِ وَقَهْرِ الرّجَال).

 ألا ترى في هذه الأدعية أنه قد استعاذ بالله من كل مظهر من مظاهر الضعف : ضعف الإرادة بالهم و الحزن ,  و ضعف الإنتاج بالعجز و الكسل , و ضعف الجيب و المال بالجبن و البخل , و ضعف العزة و الكرامة بالدين و القهر ؟ .. فماذا تريد من إنسان يتبع هذا الدين إلا أن يكون قويا في كل شيء , شعاره القوة في كل شيء ؟.. فالإخوان المسلمون لابد أن يكونوا أقوياء , و لابد أن يعملوا في قوة .

و لكن الإخوان المسلمين أعمق فكرا و أبعد نظرا من أن تستهويهم سطحية الأعمال و الفكر , فلا يغوصوا في أعماقها و لا يزنوا نتائجها و ما يقصد منها و ما يراد بها , فهم يعلمون أن أول درجة من درجات القوة قوة العقيدة و الإيمان , ثم يلي ذلك قوة الوحدة و الارتباط , ثم بعدهما قوة الساعد و السلاح , و لا يصح أن توصف جماعة بالقوة حتى تتوفر لها هذه المعاني جميعا , و أنها إذا استخدمت قوة الساعد و السلاح و هي مفككة الأوصال مضطربة النظام أو ضعيفة العقيدة خامدة الإيمان فسيكون مصيرها الفناء و الهلاك .

هذه نظرة , و نظرة أخرى : هل أوصى الإسلام ـ و القوة شعاره ـ باستخدام القوة في كل الظروف و الأحوال ؟ أم حدد لذلك حدودا و اشترط شروطا و وجه القوة توجيها محدودا ؟

و نظرة ثالثة : هل تكون القوة أول علاج أم أن آخر الدواء الكي ؟ و هل من الواجب أن يوازن الإنسان بين نتائج استخدام القوة النافعة و نتائجها الضارة و ما يحيط بهذا الاستخدام من ظروف ؟ أم من واجبه أن يستخدم القوة و ليكن بعد ذلك ما يكون ؟
هذه نظرات يلقيها الإخوان المسلمون على أسلوب استخدام القوة قبل أن يقدموا عليه , و الثورة أعنف مظاهر القوة , فنظر الإخوان المسلمون إليها أدق و أعمق , و بخاصة في وطن كمصر جرب حظه من الثورات فلم يجن من ورائها إلا ما تعلمون .

و بعد كل هذه النظرات و التقديرات أقول لهؤلاء المتسائلين : إن الإخوان المسلمين سيستخدمون القوة العملية حيث لا يجدي غيرها ، وحيث يثقون أنهم قد استكملوا عدة الإيمان والوحدة ، وهم حين يستخدمون هذه القوة سيكونون شرفاء صرحاء وسينذرون أولاً، وينتظرون بعد ذلك ثم يقدمون في كرامة وعزة ، ويحتملون كل نتائج موقفهم هذا بكل رضاء وارتياح.

وأما الثورة فلا يفكر الإخوان المسلمون فيها , ولا يعتمدون عليها ، ولا يؤمنون بنفعها ونتائجها ، وإن كانوا يصارحون كل حكومة في مصر بأن الحال إذا دامت علي هذا المنوال ولم يفكر أولو الأمر في إصلاح عاجل وعلاج سريع لهذا المشاكل ، فسيؤدي ذلك حتما إلي ثورة ليست من عمل الإخوان المسلمين ولا من دعوتهم ، ولكن من ضغط الظروف ومقتضيات الأحوال ، وإهمال مرافق الإصلاح , وليست هذه المشاكل التي تتعقد بمرور الزمن و يستفحل أمرها بمضي الأيام إلا نذيراً من هذه النذر ، فليسرع المنقذون بالأعمال .

رسالة المؤتمر الخامس
الإخوان والقوة والثورة

***

تعليقا على كلام الإمام:
_________________

وفي هذا المقطع الذي نقلناه كاملا دون تصرف أو اختزال؛ لنا عدة تعليقات توضح منهاج الإخوان المسلمين كما وضعه الإمام المؤسس، نوجزها فيما يلي:

1- الإمام حسن البنا أقر من حيث المبدأ أن القوة من أدوات الإسلام، بل وشعاره في كل نظمه و تشريعاته.

2- الإمام حسن البنا وضع ضوابط فقط لاستخدام القوة، ولم يمنعها أو يقل أن السلمية من ثوابت الجماعة، وهذه الضوابط تتلخص في قوله:

"فهم - أي الإخوان - يعلمون أن أول درجة من درجات القوة قوة العقيدة و الإيمان , ثم يلي ذلك قوة الوحدة و الارتباط , ثم بعدهما قوة الساعد و السلاح , و لا يصح أن توصف جماعة بالقوة حتى تتوفر لها هذه المعاني جميعا."

3- يعود الإمام البنا ليؤكد أن استخدام قوة الساعد والسلاح يكون خطأ فقط إذا استخدم قبل غيرها من أنواع القوة، ويبدو هذا جليا في قوله: "وأنها - أي جماعة الإخوان -  إذا استخدمت قوة الساعد و السلاح و هي مفككة الأوصال مضطربة النظام أو ضعيفة العقيدة خامدة الإيمان فسيكون مصيرها الفناء و الهلاك."

مما يعني لكل عاقل أن استخدامها بعد ذلم مقبول بل ويحقق النتائج المرجوة.

4- يؤكد الإمام البنا مجددا على فكرة "الترتيب والتدريج" في استخدام القوة، وليس المنع والإلغاء بدعوى أن السلمية من ثوابت الإخوان. لهؤلاء يقول الإمام البنا:

"هل أوصى الإسلام ـ و القوة شعاره ـ باستخدام القوة في كل الظروف و الأحوال ؟ أم حدد لذلك حدودا و اشترط شروطا و وجه القوة توجيها محدودا ؟
و نظرة ثالثة : هل تكون القوة أول علاج أم أن آخر الدواء الكي ؟ و هل من الواجب أن يوازن الإنسان بين نتائج استخدام القوة النافعة و نتائجها الضارة و ما يحيط بهذا الاستخدام من ظروف ؟ أم من واجبه أن يستخدم القوة و ليكن بعد ذلك ما يكون ؟"

فالقوة عند البنا لا تكون أو الخيارات، وهذا صحيح ومنطقي، ولم ينادي أحد أن تكون القوة أول الخيارات، وإلا فماذا كان يفعل الإخوان في البرلمان، ثم في الفترة الانتقالية عقب تنحي مبارك، ثم في فترة تولي الرئيس مرسي ، وحتى العام الأول للانقلاب!

الإمام البنا يعترض فقط على أن تكون القوة أول الحلول، ولا يقدح فيها إذ يؤكد أنها شعار الإسلام.

5- حديث الإمام البنا عن الثورة يختلف عن حديثه عن القوة، فحديثه عن القوة حديث عام لكل الإخوان في كل مصر وعصر، أما حديثه عن الثورة فيبدو من كلامه واضحا أنه كان رحمة الله عليه متأثرا بالتجربة المصرية ويحصر كلامه فيها، إذ مال بعض الشباب المتحمسين لتغيير أوضاع مصر بالثورة "ثورة عرابي" فكان نتيجة ذلك احتلال الإنجليز لمصر، مما ترك مشاعر سيئة تجاه الحلول الثورية في ذلك الوقت.

هذا واضح للغاية في قوله:  "و الثورة أعنف مظاهر القوة , فنظر الإخوان المسلمون إليها أدق و أعمق , و بخاصة في وطن كمصر جرب حظه من الثورات فلم يجن من ورائها إلا ما تعلمون ."

وإذا كان الإخوان اشتركوا في "أعنف مظاهر القوة" حين شاركوا في الثورة المصرية 20111، فهل من المعقول أن يتبرأوا مما هو دونها؟؟

6- يعود الإمام البنا ليؤكد للمرة الخامسة في هذا المقطع، بكل صراحة هذه المرة، أن الإخوان سيستخدمون القوة، ليكسر بذلك صنم السلمية البحتة لكل من لم يفهم بعد، إذ يقول:

"و بعد كل هذه النظرات و التقديرات أقول لهؤلاء المتسائلين : إن الإخوان المسلمين سيستخدمون القوة العملية حيث لا يجدي غيرها ، وحيث يثقون أنهم قد استكملوا عدة الإيمان والوحدة ، وهم حين يستخدمون هذه القوة سيكونون شرفاء صرحاء وسينذرون أولاً، وينتظرون بعد ذلك ثم يقدمون في كرامة وعزة ، ويحتملون كل نتائج موقفهم هذا بكل رضاء وارتياح."

***

فإذا كان هناك بعض الإخوان - وبعض القيادات للأسف- ترى عكس ما يرى الإمام المؤسس فعليهم أن يلتزموا بالمنهج الذي اتبعوه، وإن كانوا يؤمنون بذلك وينكرون خوفا من النقد، فعليهم أيضا باتباع كلام الإمام المؤسس بأن يكونوا شرفاء صرحاء وأن يتحملوا نتائج هذا الموقف برضا وارتياح.

المشكلة تتجلى إذن ليس في منهج الإخوان الذي يتمسح ببه القاصي والداني، وإنما في بعض القيادات التي تجاوزت المرحلة والظرف التاريخي مكانيا بوجودها خارج البلاد وليست على اطلاع كاف بمجريات وتطورات الأوضاع، أو تجاوزته زمانيا بأن صارت طاعنة في السن، تجاوزوا المرحلة وتجاوزتهم المرحلة، وعليهم أن يقتدوا بسنة رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم بأن يعطوا الراية للشباب.

***

الوسطية في استخدام القوة:
_________________________

نعم هناك وسطية حتى في استخدام القوة؛ فشعار "سلميتنا أقوى من الرصاص" حمى مصر والمصريين من فوضى السلاح، وليس أسوأ من السلمية البحتة إلا فوضى السلاح!

المراقب لحال الثوار في مصر الآن يجدهم قد طوروا تكتيكا جديدا، يمزج بين السلمية والقوة، فيختار عملياته بعناية، لتحقيق أهداف معينة، بهدف ردع كلاب الانقلاب عن سفك دماء الأبرياء، أو القصاص من سافكي الدماء هاتكي الأعراض. وهل ينكر ذلك أحد من أهل الإسلام؟؟
هل السلمية حقا من ثوابت الإخوان؟؟
____________________________

ملخص:

نناقش في هذا المقال تأصيل استخدام القوة عند الإخوان المسلمين، من خلال مناقشة ما جاء في كلام مؤسسها الإمام حسن البنا في رسالة المؤتمر الخامس تحت عنوان: الإخوان والقوة والثورة.

سيبدو جليا من كلام الإمام المؤسس أنه وضع ضوابط لاستخدام القوة ولم ينفها، بل وصف القوة أنها شعار الإسلام، مع تأكيده أنه سيأتي وقت يستخدم فيه الإخوان القوة حيث لا يجدي غيرها.. هكذا بكل وضوح!

المشكلة فقط في قيادات تجاوزت الظرف التاريخي  زمانيا أو مكانيا، فصارت تقول كلاما ليس من ثوابت الإخوان في شيء!

***

بين السياسة والأيديولوجيا:
_____________________

تعودت أن أكتب في التحليل السياسي للشأن المحلي والإقليمي، ولعل هذا من المقالات القليلة التي تتحدث في الفكر والأيديولوجيا، لذا فهو موجه بالأساس للإخوان المسلمين  وأنصارهم.

فبعد عام من الانقلاب العسكري في مصر؛ ومع تيقن الغالبية العظمى من الثوار على الأرض أن السلمية "البحتة" لا تسقط نظاما، فقد بدأ التنظير لاستخدام القوة - ولو في حالات معينة - لإسقاط الانقلاب العسكري أو كف أذاه عن المواطنين الأبرياء.

ومع تعيين متحدث رسمي جديد للجماعة من جيل الشباب "محمد منتصر "، ومع تغير لهجة الخطاب من "سلميتنا أقوى من الرصاص" إلى "ثورة تجتذ الرؤوس" و "أخذ كل أسباب القوة لإسقاط الانقلاب العسكري" ، بدأت  حركات كالعقاب الثوري تلجأ للقوة لكسر الانقلاب العسكري.

وكان لزاما هنا البحث في منهج الإخوان المسلمين الذي وضعه مؤسسه الإمام حسن البنا وفق القرآن والسنة (114 سورة من القرآن، وما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحاديث) والموجود في كتاب "الرسائل" عن إجابة لهذا السؤال المحوري: هل السلمية من ثوابت الجماعة؟؟

***

أنقل هنا كلام الإمام المؤسس حسن البنا رحمه الله، مع بعض التعليقات على جاء في كلامه لاحقا:
___________________________________________________________

ولا أريد أن أدع هؤلاء المتسائلين في حيرة ، بل إني أنتهز هذه الفرصة فأكشف اللثام عن الجواب السافر لهذا في وضوح وفي جلاء ، فليسمع من يشاء .
أما القوة فشعار الإسلام في كل نظمه و تشريعاته , فالقرآن الكريم ينادي في وضوح و جلاء:   (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ) (الأنفال:60).

و النبي يقول (المؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف) , بل إن القوة شعار الإسلام حتى  في الدعاء و هو مظهر الخشوع و المسكنة واسمع ما كان يدعو به النبي في خاصة نفسه و يعلمه أصحابه و يناجي به ربه : (اللّهُمّ إِنّي أَعوذُ بِكَ مِنَ الْهَمّ وَالْحَزَنِ، وَأَعوذُ بِكَ مِنَ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَأعوذُ بِكَ مِنَ الْجُبْنِ والْبُخْلِ وَأعوذُ بِكَ مِنْ غَلَبَةِ الدّيْنِ وَقَهْرِ الرّجَال).

 ألا ترى في هذه الأدعية أنه قد استعاذ بالله من كل مظهر من مظاهر الضعف : ضعف الإرادة بالهم و الحزن ,  و ضعف الإنتاج بالعجز و الكسل , و ضعف الجيب و المال بالجبن و البخل , و ضعف العزة و الكرامة بالدين و القهر ؟ .. فماذا تريد من إنسان يتبع هذا الدين إلا أن يكون قويا في كل شيء , شعاره القوة في كل شيء ؟.. فالإخوان المسلمون لابد أن يكونوا أقوياء , و لابد أن يعملوا في قوة .

و لكن الإخوان المسلمين أعمق فكرا و أبعد نظرا من أن تستهويهم سطحية الأعمال و الفكر , فلا يغوصوا في أعماقها و لا يزنوا نتائجها و ما يقصد منها و ما يراد بها , فهم يعلمون أن أول درجة من درجات القوة قوة العقيدة و الإيمان , ثم يلي ذلك قوة الوحدة و الارتباط , ثم بعدهما قوة الساعد و السلاح , و لا يصح أن توصف جماعة بالقوة حتى تتوفر لها هذه المعاني جميعا , و أنها إذا استخدمت قوة الساعد و السلاح و هي مفككة الأوصال مضطربة النظام أو ضعيفة العقيدة خامدة الإيمان فسيكون مصيرها الفناء و الهلاك .

هذه نظرة , و نظرة أخرى : هل أوصى الإسلام ـ و القوة شعاره ـ باستخدام القوة في كل الظروف و الأحوال ؟ أم حدد لذلك حدودا و اشترط شروطا و وجه القوة توجيها محدودا ؟

و نظرة ثالثة : هل تكون القوة أول علاج أم أن آخر الدواء الكي ؟ و هل من الواجب أن يوازن الإنسان بين نتائج استخدام القوة النافعة و نتائجها الضارة و ما يحيط بهذا الاستخدام من ظروف ؟ أم من واجبه أن يستخدم القوة و ليكن بعد ذلك ما يكون ؟
هذه نظرات يلقيها الإخوان المسلمون على أسلوب استخدام القوة قبل أن يقدموا عليه , و الثورة أعنف مظاهر القوة , فنظر الإخوان المسلمون إليها أدق و أعمق , و بخاصة في وطن كمصر جرب حظه من الثورات فلم يجن من ورائها إلا ما تعلمون .

و بعد كل هذه النظرات و التقديرات أقول لهؤلاء المتسائلين : إن الإخوان المسلمين سيستخدمون القوة العملية حيث لا يجدي غيرها ، وحيث يثقون أنهم قد استكملوا عدة الإيمان والوحدة ، وهم حين يستخدمون هذه القوة سيكونون شرفاء صرحاء وسينذرون أولاً، وينتظرون بعد ذلك ثم يقدمون في كرامة وعزة ، ويحتملون كل نتائج موقفهم هذا بكل رضاء وارتياح.

وأما الثورة فلا يفكر الإخوان المسلمون فيها , ولا يعتمدون عليها ، ولا يؤمنون بنفعها ونتائجها ، وإن كانوا يصارحون كل حكومة في مصر بأن الحال إذا دامت علي هذا المنوال ولم يفكر أولو الأمر في إصلاح عاجل وعلاج سريع لهذا المشاكل ، فسيؤدي ذلك حتما إلي ثورة ليست من عمل الإخوان المسلمين ولا من دعوتهم ، ولكن من ضغط الظروف ومقتضيات الأحوال ، وإهمال مرافق الإصلاح , وليست هذه المشاكل التي تتعقد بمرور الزمن و يستفحل أمرها بمضي الأيام إلا نذيراً من هذه النذر ، فليسرع المنقذون بالأعمال .

رسالة المؤتمر الخامس
الإخوان والقوة والثورة

***

تعليقا على كلام الإمام:
_________________

وفي هذا المقطع الذي نقلناه كاملا دون تصرف أو اختزال؛ لنا عدة تعليقات توضح منهاج الإخوان المسلمين كما وضعه الإمام المؤسس، نوجزها فيما يلي:

1- الإمام حسن البنا أقر من حيث المبدأ أن القوة من أدوات الإسلام، بل وشعاره في كل نظمه و تشريعاته.

2- الإمام حسن البنا وضع ضوابط فقط لاستخدام القوة، ولم يمنعها أو يقل أن السلمية من ثوابت الجماعة، وهذه الضوابط تتلخص في قوله:

"فهم - أي الإخوان - يعلمون أن أول درجة من درجات القوة قوة العقيدة و الإيمان , ثم يلي ذلك قوة الوحدة و الارتباط , ثم بعدهما قوة الساعد و السلاح , و لا يصح أن توصف جماعة بالقوة حتى تتوفر لها هذه المعاني جميعا."

3- يعود الإمام البنا ليؤكد أن استخدام قوة الساعد والسلاح يكون خطأ فقط إذا استخدم قبل غيرها من أنواع القوة، ويبدو هذا جليا في قوله: "وأنها - أي جماعة الإخوان -  إذا استخدمت قوة الساعد و السلاح و هي مفككة الأوصال مضطربة النظام أو ضعيفة العقيدة خامدة الإيمان فسيكون مصيرها الفناء و الهلاك."

مما يعني لكل عاقل أن استخدامها بعد ذلم مقبول بل ويحقق النتائج المرجوة.

4- يؤكد الإمام البنا مجددا على فكرة "الترتيب والتدريج" في استخدام القوة، وليس المنع والإلغاء بدعوى أن السلمية من ثوابت الإخوان. لهؤلاء يقول الإمام البنا:

"هل أوصى الإسلام ـ و القوة شعاره ـ باستخدام القوة في كل الظروف و الأحوال ؟ أم حدد لذلك حدودا و اشترط شروطا و وجه القوة توجيها محدودا ؟
و نظرة ثالثة : هل تكون القوة أول علاج أم أن آخر الدواء الكي ؟ و هل من الواجب أن يوازن الإنسان بين نتائج استخدام القوة النافعة و نتائجها الضارة و ما يحيط بهذا الاستخدام من ظروف ؟ أم من واجبه أن يستخدم القوة و ليكن بعد ذلك ما يكون ؟"

فالقوة عند البنا لا تكون أو الخيارات، وهذا صحيح ومنطقي، ولم ينادي أحد أن تكون القوة أول الخيارات، وإلا فماذا كان يفعل الإخوان في البرلمان، ثم في الفترة الانتقالية عقب تنحي مبارك، ثم في فترة تولي الرئيس مرسي ، وحتى العام الأول للانقلاب!

الإمام البنا يعترض فقط على أن تكون القوة أول الحلول، ولا يقدح فيها إذ يؤكد أنها شعار الإسلام.

5- حديث الإمام البنا عن الثورة يختلف عن حديثه عن القوة، فحديثه عن القوة حديث عام لكل الإخوان في كل مصر وعصر، أما حديثه عن الثورة فيبدو من كلامه واضحا أنه كان رحمة الله عليه متأثرا بالتجربة المصرية ويحصر كلامه فيها، إذ مال بعض الشباب المتحمسين لتغيير أوضاع مصر بالثورة "ثورة عرابي" فكان نتيجة ذلك احتلال الإنجليز لمصر، مما ترك مشاعر سيئة تجاه الحلول الثورية في ذلك الوقت.

هذا واضح للغاية في قوله:  "و الثورة أعنف مظاهر القوة , فنظر الإخوان المسلمون إليها أدق و أعمق , و بخاصة في وطن كمصر جرب حظه من الثورات فلم يجن من ورائها إلا ما تعلمون ."

وإذا كان الإخوان اشتركوا في "أعنف مظاهر القوة" حين شاركوا في الثورة المصرية 20111، فهل من المعقول أن يتبرأوا مما هو دونها؟؟

6- يعود الإمام البنا ليؤكد للمرة الخامسة في هذا المقطع، بكل صراحة هذه المرة، أن الإخوان سيستخدمون القوة، ليكسر بذلك صنم السلمية البحتة لكل من لم يفهم بعد، إذ يقول:

"و بعد كل هذه النظرات و التقديرات أقول لهؤلاء المتسائلين : إن الإخوان المسلمين سيستخدمون القوة العملية حيث لا يجدي غيرها ، وحيث يثقون أنهم قد استكملوا عدة الإيمان والوحدة ، وهم حين يستخدمون هذه القوة سيكونون شرفاء صرحاء وسينذرون أولاً، وينتظرون بعد ذلك ثم يقدمون في كرامة وعزة ، ويحتملون كل نتائج موقفهم هذا بكل رضاء وارتياح."

***

فإذا كان هناك بعض الإخوان - وبعض القيادات للأسف- ترى عكس ما يرى الإمام المؤسس فعليهم أن يلتزموا بالمنهج الذي اتبعوه، وإن كانوا يؤمنون بذلك وينكرون خوفا من النقد، فعليهم أيضا باتباع كلام الإمام المؤسس بأن يكونوا شرفاء صرحاء وأن يتحملوا نتائج هذا الموقف برضا وارتياح.

المشكلة تتجلى إذن ليس في منهج الإخوان الذي يتمسح ببه القاصي والداني، وإنما في بعض القيادات التي تجاوزت المرحلة والظرف التاريخي مكانيا بوجودها خارج البلاد وليست على اطلاع كاف بمجريات وتطورات الأوضاع، أو تجاوزته زمانيا بأن صارت طاعنة في السن، تجاوزوا المرحلة وتجاوزتهم المرحلة، وعليهم أن يقتدوا بسنة رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم بأن يعطوا الراية للشباب.

***

الوسطية في استخدام القوة:
_________________________

نعم هناك وسطية حتى في استخدام القوة؛ فشعار "سلميتنا أقوى من الرصاص" حمى مصر والمصريين من فوضى السلاح، وليس أسوأ من السلمية البحتة إلا فوضى السلاح!

المراقب لحال الثوار في مصر الآن يجدهم قد طوروا تكتيكا جديدا، يمزج بين السلمية والقوة، فيختار عملياته بعناية، لتحقيق أهداف معينة، بهدف ردع كلاب الانقلاب عن سفك دماء الأبرياء، أو القصاص من سافكي الدماء هاتكي الأعراض. وهل ينكر ذلك أحد من أهل الإسلام؟؟

علينا أن نعترف أننا في مرحلة جديدة، ولكل مرحلة رجالها!

الجمعة، 22 مايو 2015

إيران.. نظرة من الداخل

 إيران.. نظرة من الداخل
___________________

أثار خبر انتحار الفتاة الإيرانية “فريناز خسرواني” بإلقاء نفسها من شرفة الفندق الذي تعمل به في مدينة “مها آباد” الإيرانية ذات الأغلبية الكردية، احتجاجات قوية في المدينة – بولاية أذربيجان الغربية في إيران، إثر أنباء عن تهربها من محاولة اغتصاب من قبل ضابط من الحرس الثوري الإيراني. الأمر الذي دفع المحتجين لتدمير كافة محتويات الفندق.

ثم لم تلبث الاحتجاجات أن انتقلت إلى مدن في دول مجاورة كمدينة أربيل العراقية ذات الأغلبية الكردية ومدينة إسطنبول التركية، في إشارة واضحة إلى الرباط العرقي العابر للحدود بين هذه الدول.

ومن ناحية أخرى، فإن هذه الحادثة قد لفتت الانتباه إلى الاختلافات العرقية داخل إيران التي يسود فيها العرق الفارسي على بقية الأعراق منذ قرون، رغم أن نسبته لا تزيد عن نصف الشعب الإيراني متعدد العرقيات، وفق كثير من الإحصائيات.


الأعراق في إيران:
_______________

طبقًا لكتاب حقائق العالم (The World Factbook) – وهو منشور سنوي تصدره وكالة المخابرات المركزية الأمريكية ابتداء من عام 1962، ويحوي من صفحتين إلى ثلاثة صفحات عن كل دولة من الدول التي تعترف بها الولايات المتحدة، وابتداء من عام 1971، أصبح هذا الكتاب غير سري – فإن التوزيع العرقي لسكان إيران ينقسم كالتالي:

فرس 51%، وأذريون (أتراك) 24%، وجيلاك ومازندرانيون 8%، وأكراد 7%، وعرب 3%، لور 2%، بلوش 2%، تركمان 2%، أعراق أخرى 1%.

الديانة:
______

صحيح أن معظم الإيرانيين يدينون بالإسلام الذي جمع بين هذه العرقيات المختلفة وصهرها وربطها برباط العقيدة، إلا أن أغلبية السكان يتبعون المذهب الشيعي الجعفري والمعروف أيضًا بالمذهب الإمامي أو الاثنا عشرية. ويأتي في المرتبة الثانية المذهب السني. ثم ديانات أخرى مثل البهائية واليهودية والزردشتية والمسيحية.

والجدير بالذكر أنه تاريخيًّا كان أهل السنة (الشافعية والحنفية) الأكثرية في إيران. وكان الشيعة أقلية، محصورة في بعض المدن الإيرانية، مثل قم، وقاشان، ونيسابور، لكن لما وصل الشاه إسماعيل الصفوي إلى الحكم سنة 907 هـ أجبر أهل السنة على التشيع حين خيرهم بينه، وبين الموت، وجعل شعاره سب الخلفاء الثلاثة.

الشيعة في الدستور الإيراني:
______________________

ووفقًا للدستور الإيراني الذي كتب بعد ثورة 1979، فإن المادة الثانية تنص على الإيمان “بالإمامة”، في تغليب واضح للمذهب الشيعي على المذهب السني.

كما نصت المادة الخامسة من الدستور الإيراني: في زمن غيبة الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه) تكون ولاية الأمر وإمامة الأمة في جمهورية إيران الإسلامية بيد الفقيه العادل، المتقي، البصير بأمور العصر، الشجاع القادر على الإدارة والتدبير وذلك وفقًا للمادة 107!!

أهل السنة في إيران:
________________

تتضارب المعلومات بشأن الحجم الحقيقي للسنة في إيران؛ فالإحصاءات شبه الرسمية الحكومية في إيران تقول إنهم يشكلون 10% من السكان.

إلا أن بعض مصادر السنة تؤكد أنهم يشكلون 30%، وهو يوافق – كما يقولون- الإحصائية القديمة التي أجريت أثناء حكم الشاه. ومصادر مستقلة تقول إن السنة يشكلون من 15 إلى 20% من سكان إيران.

يتوزع السنة على أطراف إيران بعيدًا عن المركز الذي تشيع أثناء الحكم الصفوي؛ أكثرهم من الأكراد (شافعية) والبلوش (حنفية) والتركمان (حنفية) والطوالش، ثم يليهم العرب (خاصة في لنجة) وبعض الأذريين (حنفية نقشبندية).

أما الفرس الشافعية فكثير منهم من في محافظة فارس وبعضهم في طهران. وأهل السنة يشكلون الغالبية في کردستان (من مدينة قصر شيرين شمال الأحواز إلى حدود أرمينية على طول حدود تركيا) وبلوشستان وبندر عباس والجزر الخليجية وبو شهر وتركمن صحرا (من بحر قزوين إلى حدود تركمانستان) وشرقي خراسان (تحدها من الشمال تركمانستان، ومن ناحية الشرق أفغانستان). كما يتواجدون كأقليات في كرمنشاه وخوزستان، ومناطق في محافظة لرستان إضافة لمن هاجر منهم للمدن الكبرى كطهران وأصفهان ومشهد.

المناطق والمحافظات:
__________________

كانت إيران حتى العام الماضي تنقسم إلى 31 محافظة (انظر الخريطة)؛ قبل أن تعلن وزارة الداخلية الإيرانية في 23 يونيو 2014 عن تقسيم البلاد إلى خمس مناطق إدارية وجغرافية، عوضًا عن 31 محافظة؛ بحيث تحوي كل منطقة عددًا من المحافظات كالتالي حسب الجدول الذي نشرته صحيفة “آرمان” الإيرانية:

المنطقة الأولى: تشمل محافظات “طﻬﺮﺍﻥ، وﻗﺰﻭﻳﻦ، وﻣﺎﺯﻧﺪﺭﺍﻥ، وﺳﻤﻨﺎﻥ، وغوﻠﺴﺘﺎﻥ، وﺍﻟﺒﺮﺯ ﻭﻗﻢ” بمركزية طهران.

المنطقة الثانية: تشمل “أﺻﻔﻬﺎﻥ، وﻓﺎﺭﺱ، وﺑﻮﺷﻬﺮ، وجهار ﻣﺤﺎﻝ ﺑﺨﺘﻴﺎﺭﯼ، وﻫﺮﻣﺰغان، ﻭكهغلوية ﻭﺑﻮﻳﺮ أﺣﻤﺪ” بمركزية أصفهان.

المنطقة الثالثة: تشمل “أﺫﺭﺑﻳﺠﺎﻥ الشرقية، وأﺫﺭﺑﻳﺠﺎﻥ الغربية، وأﺭﺩﺑﻴﻞ، وﺯﻧﺠﺎﻥ، وغيلان، ﻭﮐﺮﺩﺳﺘﺎﻥ” بمركزية أذربيجان الشرقیة.

المنطقة الرابعة: فتشمل “ﮐﺮﻣﻧﺸﺎﻩ، وعيلام، وﻟوﺮﺳﺘﺎﻥ، وﻫﻤﺪﺍﻥ، وﻣﺮﮐﺰي ﻭﺧﻮﺯﺳﺘﺎﻥ (الأهواز)” بمركزية كرمنشاه.

المنطقة الخامسة: تشمل “ﺧﺮﺍﺳﺎﻥ ﺭﺿﻮي، وﺧﺮﺍﺳﺎﻥ الجنوبية، وﺧﺮﺍﺳﺎﻥ الشمالية، وﮐﺮﻣﺎﻥ، وﻳﺰﺩ، ﻭﺳﻴﺴﺘﺎﻥ ﺑلوشستان” بمركزية خراسان رضوي.

ورغم أن الحكومة الإيرانية قالت إن الهدف من هذا التقسيم الجديد هو الربط بين مشاريع التنمية المخطط لها؛ هناك من يقول إن هذه التقسيمات تأتي في إطار سياسة عسكرية– أمنية لا ترتبط بأي خطة تنموية، حيث تتناقض طبيعة هذه التقسيمات مع أسس المشاريع التمنوية، وأن الهدف منها السيطرة على أية اضطرابات محتملة، خاصة في الأقاليم القومية.

الأحواز: الدولة العربية المنسية!
________________________

وكثيرون لا يعلمون أن إقليم الأحواز – أقصى شمال الخليج العربي- كانت إمارة عربية اقتطعتها بريطانيا من العراق وضمتها لإيران عام 1925 مقابل تقليص النفوذ الروسي في إيران. ومنذ سيطرت إيران على عربستان عام 1925، اتبعت السلطة سياسات تمييزية ضد العرب في التوظيف وفي الثقافة، كما منعتهم من تعلم اللغة العربية!

دور إيران في تفتيت المنطقة على أساس مذهبي:
_______________________________________

وقد بينا في مقالات سابقة أن الأدوات الأمريكية للسيطرة على المنطقة خلال المئة عام القادمة ربما تختلف عن ذات الأدوات التي استخدمتها أمريكا للسيطرة على المنطقة في المئة عام السابقة (إسرائيل والسعودية). وأن الاستراتيجية الرئيسية التي تعتمدها أمريكا حاليًا هو تقسيم المقسم وتفتيت المفتت، بشراكة واضحة مع إيران تم تدشينها رسميًّا بتوقيع الاتفاق النووي الأخير في جنيف في ذات الفندق الذي تم فيه الاتفاق على تفكيك الخلافة العثمانية عقب الحرب العالمية الأولى.

فدول المنطقة التي تفتت بعد أن جمتعها الخلافة الإسلامية، وانقسمت على أسس قومية ترسخت بانقلابات عسكرية في حقبة الأربعينات والخمسينات والستينات موالية لأمريكا، يتم تقسيمها ثانية الآن ولكن على أسس طائفية ومذهبية وعرقية.

وهذه الاستراتيجية شديدة الوضوح في العراق وسوريا ولبنان، ثم ها هي تنفذ الآن بقوة في اليمن، ومن المرشح أن تمتد إلى عدة دول أخرى، ذكرها لويس برنارد الأب الروحي للمحافظين الجدد في الولايات المتحدة، في عدة مقالات قديمة ونشرها في العديد من الخرائط.

ومن البديهي أن الولايات المتحدة لا يمكنها اعتماد هذه الاستراتيجية دون عون من إيران كممثل للطرف الشيعي الفارسي من جهة، مقابل الدول المتحالفة مع الولايات المتحدة التي من المفترض أنها ممثلة للعرب السنة (الخليج)، ولا مانع من مزيد من الفزاعات التي تزيد اللعبة إثارة وتسكب زيتًا على النار: “داعش”.

وأكبر مستفيد من هذه الاستراتيجية هي إسرائيل التي ترى الدول العربية المحيطة تتمزق دون أن تطلق رصاصة واحدة، بل يفعل ذلك نيابة عنها أنظمة عسكرية مستبدة متحالفة مع إيران من جهة، أو مع الخليج من جهة أخرى. بينما تتوارى إسرائيل بعيدًا عن الأنظار بدلًا من وضعها في بؤرة الصراع على أنها العدو الأول للعرب والمسلمين!

ولا شك أن الحادث المذكور في مقدمة المقال قد أعاد لفت الانتباه إلى الاختلافات العرقية الشديدة التي تحويها التركيبة السكانية في إيران، وطريقة تعامل الحرس الثوري – المؤسسة الأمنية الأقوى- مع العرقيات والأقليات والمعارضين الإيرانيين. كما أعاد هذا الحادث إلى السطح محاولات نقل الصراع إلى الجبهة الداخلية للدول المتنافسة في حالات الاشتباك الإقليمي كما هو الحال بين السعودية وإيران اليوم في كل من اليمن وسوريا ولبنان.

فمن غير المستبعد أن مثل هذه العمليات لها أيادٍ خارجية، خططت أو استفادت على الأقل من الحدث وسلطت عليه الأضواء إعلاميًّا. وبنفس الطريقة فإن العمليات الإرهابية التي شهدتها السعودية منذ إعلانها عن عميلة عاصفة الحزم ينظر إليه بذات المنظار، والأيادي الإيرانية غير بعيدة عنها!

الخميس، 21 مايو 2015

ده عبيط زي أبوه!

ده عبيط زي أبوه!
_____________

من أشد ما يزعجني غضب بعض أنصار الشرعية بل وإحباطهم من اختيارات السيسي وقراراته التي يراها البعض دموية - وهي كذلك - لكنها تبعث في نفوسهم اليأس والإحباط وفقدان الأمل في اقتراب النصر.

والحق أن خيارات السيسي وقراراته تنم عن ضعف لا عن قوة، فأي نظام قوي يقتل في خصومه طيلة عامين ولا يستطيع أن يستتب له الأمر أو يحسم المعركة حتى الآن؟؟

السيسي جزء من الدولة العسكرية البوليسية التي تحكم مصر منذ 200 سنة، ويفكر بذات العقلية العسكرية التي أشرنا إليها باسم "عقلية العسكر" في مقال: "أحكام الإعدام..ومشكلات السيسي الأربعة"

وأهم ما تفكر فيه العقلية العسكرية وتعتمد عليه الدولة البوليسية هو "الخوف" .. خوف عموم المواطنين من معارضة أي أمر للحاكم مهما كانت الحياة سيئة، لأن تكلفة المعارضة عالية جدا، تصل إلى الاعتقال وقد تصل إلى الموت.

وإذا ضاعت هيبة الحاكم ونظامه الأمني، ولم يعد الناس يخافون كثيرا من عصاه الغليظة التي يلوح بها في وجوههم، فقد انكسر العمود الرئيسي في خيمة الدولة، وسقطت على رأس الحاكم الذي لا يعرف ماذا يفعل!

لذا عندما خرجت الجماهير الغفيرة في 28 يناير لم تستطع الشرطة أن تفعل شيئا. بعض الضباط انسحبوا خائفين، وبعضهم فتحوا النار على المتظاهرين، وداسوهم بالمدرعات في الشوارع، لعلمهم أنهم إذا سقطوا بين يدي ضحاياهم لن يرحموهم!

وكلا الطرفين كان معتادا على خوف الناس منهم، وتجنبهم الاحتكاك بهم، وبعضهم إذا رأى شرطيا أو حتى مخبرا في شارع سلكوا شارعا آخر!

فلما رأوا الناس غير منصاعين لأوامرهم، مستعدين للتضحية بحياتهم، لإدراكهم المدى الذي أصبحت فيه هذه الحياة مهينة ذليلة، لا تبعث في النفس أي رغبة في استمرار الوضع القائم، أسقط في أيديهم ولم يعرفوا ما يتوجب عليهم فعله!

القرار الوحيد المنظم الذي اتخذته وزارة الداخلية كان إطلاق سراح المساجين من السجون، في رغبة أكيدة في جعل تكلفة خروج الناس ضدهم في الشوارع عالية. فإذا كانت حياتك ذليلة فأنت على الأقل حي ترزق، أما إذا ثُرت علينا فربما لا تكون أنت ولا أقربائك آمنا! أو بتعبير مبارك البليغ: أنا أو الفوضى!

***

والسؤال هنا حتى لا تدع قرارات السيسي تخدعك: هل كسرت هيبة السيسي خلال الفترة الماضية؟؟

أ - على المستوى العام، فقد حدث للدولة أمور كثيرة في العام الماضي لا تمت للهيبة من قريب أو من بعيد! بل على العكس، كسرت فيها هيبة الدولة، وشقتها بشروخ يصعب اندمالها مهما حاول السيسي أن يفعل.

منها مثلا:

1- حريق مركز القاهرة الدولي للمؤتمرات، وهو في قلب القاهرة على مسافة قريبة جدا من منصة الجندي المجهول.

2- عمليات ضد الجيش في سيناء جعلت قيادات تعلن الحرب على الجيش وتطلبهم الأجهزة الأمنية وأعلنت مقتلهم من قبل يقتلون ويأسرون ضباطا في الجيش والشرطة ويخطفون دبابة ليتصوروا معها صور "سيلفي".

3- تسريبات بالجملة لكل مسؤول في الدولة، من أكبر رأس لأقل رأس، بما فيهم زعيم الانقلاب ذاته، ومن قلب مكتبه، ومكتب مدير مكتبه في وزارة الدفاع ذاتها.

4- عملية قطع الكهرباء عن مدينة الإنتاج الإعلامي، قطع الكهرباء عن مبنى الإذاعة والتلفزيون الرسمي "ماسبيرو".

5- ضياع القمر الصناعي المصري في الفضاء بعد 4 أشهر فقط من تسلمهم إدارته من الشركة الروسية.

هذا غير سيل من التصريحات المثيرة للسخرية من الحكومة، مثل تصريح  وزير الشباب أن مصر لا يوجد بها بطالة إطلاقا، أو المثيرة للغضب كتصريح المتحدث باسم وزارة التموين بأكل الكوسة الرخيصة بدلا من البامية، أو المثيرة للاشمئزاز كتصريح وزير العدل المقال أن ابن الزبال لا يمكن أن يصبح قاضيا!

ب- أما على المستوى الشخصي، فإن أحدا لا يستطيع الحديث أو حتى مجرد التفكير في هيبة السيسي! فالصورة النمطية للزعيم المنقذ الذي لا يخطئ، ومنيم أميركا من المغرب، وأسر قائد أسطولها السادس، قد تبدلت وربما تمزقت، ليحل محلها صور  النكات والكوميكس التي ملأت صفحات الفكاهة والسخرية على الانترنت، ومن فئات وصفحات غير سياسية أبدا!

فصور السيسي في روسيا مثلا صارت موضع تندر أغلب الفئات والقطاعات الفاعلة، بغض النظر عن انتمائها السياسي، اللهم إلا تلك الفئة القليلة التي لو نطق السيسي كفرا صريحا لاتبعوه!

***

وعليه فإن أقصى ما يمكن أن يفعله السيسي الآن هو أن يعمل جاهدا على إعادة الهيبة له ولنظامه، وهذا لا يأتي في نظره إلا بمزيد من الإجرام وسفك الدماء!

والحقيقة أن النصائح التي قدمت إليه في التقارير الأمنية التي رفعت إليه أن يقلل من وجوده العلني لأن ذلك ليس في صالحه، وأن يبدو أن النظام ماض في طريقه، بكل شراسة وكل قوة، لترسيخ الانطباع أنه أمر واقع!

لذلك، فقد لجأ لإعطاء الرئيس مرسي ورفاقه حكما بالإعدام، ولتنفيذ أحكام إعدام بالفعل ضد سنة شباب اعتقلوا قبل وقوع الجريمة المتهمين بها، وهذا القرار نابع من محكمة عسكرية - أي أن الجيش معي ولا يزال - رغم علمه أن هذه القرارات ستسبب في ضجة ومزيد من العزلة الدولية له.

وفي هذا الإطار اختار السيسي أسوأ قاض، وأشهرهم فسادا، وأحد أبرز المدافعين عن عببد المجيد محمود نائب عام مبارك، وأحد أكثر من صرح تصريحات تثير غضب الناس وزيرا للعدل.

***

السيسي يذكرني بفيلم "شيء من الخوف" للراحل ثروت أباظة. ففي لحظة ما سقطت الهيبة من نفوس الناس عن أحد قطاعي الطرق من زملاء عتريس، والذي راودته فكرة التشبه به، فأخذ يصول ويجول وهو يقول: أنا أجمد من عتريس.. أنا أجمد من عتريس! بينما الناس حوله يضحكون ويضعون على رأسه التراب!

أما في السينما الحديثة، فهو يذكرني بالراحل أيضا علاء ولي الدين في فيلم الناظر، وهو يرتدي "بدلة" أبيه التي لا تليق به ويصيح في التلاميذ بالضبط: أنا زي بابا بالضبط.. وباب لسه عايش! أنا زي بابا بالضبط.. في الشدة شديد.. وفي القوة قوي! بينما يرد التلاميذ عليه: ده عبيط زي أبوه!

الأربعاء، 20 مايو 2015

البرلمان الألماني يرفض لقاء هتلر!


البرلمان الألماني يرفض لقاء هتلر!
_________________________

ملخص:

في حوار مطول في الأسبوع الأول للانقلاب، صرح نبيل فهمي لصحيفة دير شبيجل الألمانية أن مرسي كان يعتزم إقامة نظام إسلامي، فلجئوا للجيش للقيام بانقلاب عسكري.

اختيار هذه الصحيفة تحديدا كانت له أسبابه التاريخية، إلا أن ممارسات السيسي جعلت الألمان يوقنون أن السيسي هو الشبيه بهتلر وليس مرسي، مما جعل الموقف الألماني من الانقلاب يتغير قليلا، وإن ظل الموقف الرسمي لهم معترفا بالسيسي ببراجماتية واضحة!

***

1- نبيل فهمي: الانقلاب حدث لأن مرسي أراد إقامة نظام إسلامي
________________________________________________

في صيف 2013، وفي الوقت الذي كان يسوق فيه الانقلاب في مصر للمصريين أسبابا اقتصادية وسياسية وأمنية للإطاحة بالرئيس المدني المنتخب الوحيد في تاريخ مصر، كان وزير خارجية الانقلاب يتحدث إلى صحيفة دير شبيجل موضحا أسباب أخرى للانقلاب على هذا الرئيس!

ففي حوار مطول في الأسبوع الأول للانقلاب، قال فهمي للصحيفة الألمانية الأولى موضحا أن مرسي كان يعتزم إقامة نظام إسلامي، وهذا ما لم يكن يمكنهم أن يتحملوه أو يصبروا عليه، فلجئوا للجيش للقيام بانقلاب عسكري!

هكذا ببساطة، فليس السبب في الانقلاب الثورة الشعبية العظيمة في 30 يونيو أو الاستجابة لإرادة الجماهير، أو الشعب "الغلبان" الذي لم يجد من يحنو عليه، ولا الأزمات الحياتية الطاحنة التي تسببت في انقطاع الكهرباء بالساعات، والوقوف لكيلومترات في طوابير البنزين، ولا التخوف من انزلاق البلاد في حرب أهلية! فهذه أسباب لا ترضي أحدا عاقلا، ويمكن الضحك بها فقط على السفهاء الذين يجلسون يوميا أمام إعلام أسر قائد الأسطول السادس الأميركي!

السبب كما يراه ممثل العلاقات الخارجية للانقلاب هو أن الرئيس مرسي صاحب التوجه الإسلامي أراد إقامة نظام إسلامي! وهذا ما لم يمكنهم أن يتحملوه! والضمير هنا يعود عليهم، على "هؤلاء" الذين زرعهم الغرب وإسرائيل في مفاصل الدولة طيلة قرنين من الزمان، والرافضين لأي مظهر إسلامي والمعادين لأي توجه إسلامي، والمناوئين لكل صاحب مشروع إسلامي وعلى رأسهم الإخوان المسلمين!

***

2-  لماذا دير شبيجل؟
________________

ويبدو السؤال هنا، لما أراد الانقلاب مبكرا التوجه نحو الغرب لتسويق دعايته عبر بوابة دير شبيجل، وليس أي صحيفة عالمية أخرى في أي دولة أخرى؟

والسبب يرجع فيما يبدو أن الألمان لا يزالون يحتفظون بتجربة قاسية لقائد ديكتاتور أدخل ألمانيا ثم أوربا ثم العالم كله في حرب عالمية. فعقب وصول هتلر للحكم بطريقة ديمقراطية في 1933، لم يحتاج أكثر من ست سنوات لنشر الديكتاتورية والاستبداد، والقضاء على كل صوت ينادي بالديمقراطية، وشن الحرب العالمية الثانية.

وكأن الرسالة التي أراد فهمي أن يبعث بها للغرب: لا تتركوا مرسي في الحكم، حتى وإن جاء بطريقة ديمقراطية، فهم يحمل أفكارا أصولية، تماما مثل هتلر، ولمثل هؤلاء لم تخلق الديمقراطية! وبالتالي فالإطاحة به هي الخيار الأمثل، لنا ولكم، فلو أطحتم بهتلر مبكرا لوفرتم على العالم ملايين الضحايا والمصابين والموارد والمدن، وهذا ما كان سيفعله مرسي لو تركناه في الحكم أكثر.

نفس الرسالة قالها السيسي أكثر من في أكثر من مناسبة، وإن بطريقة ضحلة تنم عن ضعف ثقافته وقلة إمكانياته! فتارة صرح أن مرسي أخذ سلم (الديمقراطية) معه فوق، وهو تصريح يثير السخرية، إلا أنه هنا يحاول تشبيه السيسي بهتلر الذي قام بذات الشيء حسبما يرى الألمان، من الاستعانة بالديمقراطية مرة واحد والتنكر لها مستقبلا. وتارة صرح أن الإخوان استخدموا الديمقراطية للوصول للحكم،  وهو هنا يشبه مرسي بهتلر مرة ثانية، الذي كان لا يؤمن بالديمقراطية ومع ذلك اتخذها وسيلة للوصول للحكم، وبعد ذلك قضى عليها!

***

3- السيسي أشبه بهتلر، وليس مرسي!
_______________________________

وبدون الخوض في سجالات للرد على مهاترات السيسي وفهمي وإعلام الانقلاب، أو للدفاع  عن الرئيس مرسي، وهو دفاع في الحقيقة الرئيس في غنى عنه، أتساءل: وهل السيسي يؤمن بالديمقراطية؟؟

 هل وصل السيسي للحكم أصلا بطريقة ديمقراطية، وبانتخابات شهد لها العالم أجمع كتلك التي وصل بها مرسي للحكم؟؟ وهل من المتخيل - مجرد تخيل Imagination - أن السيسي لو استمر في الحكم - لا قدر الله - سيسمح لأحد غيره باستخدام ذات السم "الانتخابات" للوصول للحكم؟؟

هل لو استمر مرسي في الحكم كنا رأينا تهجيرا قسريا لأهالي سيناء بالجملة، وحدوث أكبر عملية قتل جماعي في تاريخ مصر، وملء المعتقلات بالسجون، حيث تراوح عدد المعتقلين في بعض الإحصائيات من 40 ألفا إلى 250 ألفا، وإغلاق القنوات وقتل الصحفيين ومحاكمات عسكرية لمدنيين أبرياء؟؟

الحقيقة أن السيسي هو الأقرب لهتلر وليس مرسي. وما يؤكد هذا الطرح أن السيسي في تصريح رسمي له أعلن أن المصريين يحتاجون ربع قرن (25 عاما) حتى يصلوا للديمقراطية، ومن المتوقع طبعا أن تستمر السلطة في يده طيلة هذه المدة.

 كما نراه في تصريح آخر في أحد تسريباته العديدة مع ياسر رزق، حين سئل عن مثله الأعلى فأجابه عباس مدير مكتبه "أشهر مسرب في مصر" أن مثل السيسي الأعلى هو هتلر!

***

4- أزمة أخلاقية في الغرب!
____________________

وقد أدرك الغرب منذ فترة مبكرة أن السيسي لم يقم بانقلابه إلا للوصول للسلطة، وأنه لا يؤمن بالديمقراطية البتة، وقد كانوا مع ذلك على استعداد للتساهل مع جرائمه والتعامل معه لأنه في هذا التوقيت كان يحمي مصالحهم، من قيام دولة إقليمية قوية في المنطقة، تحمل مشاعر العداء لإسرائيل وللهيمنة الأميركية، وعلى استعداد لتقديم كافة أشكال الدعم لحركات المقاومة في فلسطين وعلى رأسها حركة حماس.

ظن الغرب أن سياسة الصدمة التي ينتهجها السيسي ضد جماعة الإخوان "السلمية" - وهم يعلمون أنها سلمية - ستدفعهم للرضوخ والقبول بالأمر الواقع، لذا فقد غضوا الطرف لفترة من الوقت عن جرائمه وانتظروا من الإخوان أن يرفعوا راية الاستسلام والانخراط في نظام سياسي عقب الانقلاب ليعطونه الشرعية اللازمة لوجوده، ما يبرر اعترافهم به بعد ذلك!

لكن مع إصرار الجماعة - قواعد وقيادات - على المقاومة ورفض الانقلاب، وعدم قدرة السيسي على الحسم، وارتكابه جرائم لا يمكن السكوت عنها، فقد كان اعتراف الغرب به يمثل أزمة أخلاقية عنيفة، وهم أكبر المتحدثين عن حقوق الإنسان، وهي تنتهك يوميا في مصر!

***

5- توزيع أدوار في ألمانيا!
__________________

وقد فرح كثيرون بخبر إلغاء رئيس البرلمان الفيدرالي الألماني لقاء له مع السيسي في زيارته المرتقبة لألمانيا الشهر المقبل، ويراه البعض نصرا للشرعية التي حاولت حصار السيسي في الخارج. هو إنجاز بلا شك، ولكن؛ لماذا دعته ألمانيا لزيارتها أصلا؟

إذا كان رئيس البرلمان ألغى لقاءه بالسيسي، فإن أنجيلا ميركل ستقابله، وهو المستشارة الألمانية التي بيدها السلطة التنفيذية. وهكذا تكون الرسالة التي تبعثها ألمانيا واضحة: البرلمان الألماني "بيت الشرعية الألمانية" يرفض لقاء السيسي لأنه بلا شرعية، بينما ميركل الممثلة للحكومة ستقابله لأن البرجماتية تتطلب ذلك!

لا يجب أن نحفل كثيرا بالموقف الأماني غير الرسمي، أو أن يغير ذلك لنظرتنا إلى ألمانيا، بنفس الدرجة التي لا يجب أن نحفل كثيرا بتصريحات أو تسريبات عن الملك سلمان في السعودية، فبدون شيء رسمي من هذه الدول تجاه الانقلاب ستظل في أعيننا معترفة به وداعمة له بكل ما تحمله هذه الكلمة من معان، حين زوال الانقلاب!

لا شيء يخيف هذه الدول إلا تغير ميزان القوة في مصر لصالح الثوار، وهذا ما يجب أن نركز فيه ونهتم به، فهذا ما سيجلب الحقوق، ويهدم السجون، ويحقق القصاص للشهداء، ويمكن للثورة التي بلا نصير، ويبني الدولة التي نبتغيها بين الأمم! وسيجبر الآخرين على التنصل من الانقلاب، لا حرصا على حقوق الإنسان التي تنتهك على مرأى ومسمع منهم - وأحيانا بترحيب - وإنما حفاظا على مصالحهم فقط. ببساطة!

الاثنين، 18 مايو 2015

الشرعية ليست مرسي .. والانقلاب ليس السيسي !

الشرعية ليست مرسي .. والانقلاب ليس السيسي !
________________________________

ملخص:

يحاول الانقلاب دائما التهرب من الحديث عن الأفكار إلى التركيز على الأشخاص، فيتم اختزال الانقلاب في السيسي، واختزال الشرعية في مرسي، وهذا خطأ، حتى إذا سقط السيسي نظن أن الانقلاب سقط، وإذا عاد مرسي نظن أن الشرعية عادت، وإذا مات الرئيس مرسي أو قتل لا قدر الله نظن أن القضية انتهت!

عودة مرسي فقط لا تعني عودة الشرعية،ما لم يقم للثورة مؤسسات تحمي الثورة والشرعية، وسقوط السيسي فقط لا يعني كسر الانقلاب ما لم يسقط معه مؤسسات كاملة عاونته في انقلابه وخاضت في دماء المصريين، وإلا سنكرر ذات الخطأ الذي وقعنا فيه في 2011 حين تنحى مبارك وظننا أن النظام سقط!

***

مسألة الشرعية:
_____________

لولا الأزمة السياسية التي أحدقت بمصر صيف 2013، وانكشاف مخطط الجيش للانقلاب العسكري على أول
رئيس منتخب، وإصرار هذا الرئيس وأنصاره على الصمود والمقاومة، لما برز على السطح مصطلح الشرعية، وانتشر حتى اليوم انتشار النار في الهشيم.

انتشر هذا المصطلح لدرجة غير مسبوقة، ولا أنسى أنني ذات مرة وأنا خارج من مسجد رابعة العدوية قبل إحراقه، (نعم المساجد تحرق في مصر)، رأيت طفل وطفلة لا يتجاوز عمريهما السنوات الخمسة يقفان في ساحة المسجد الخلفية، وجدته يقول لأخته التي تصغي إليه بانتباه: احنا هنا علشان الشرعية (!!)

رنت هذه الكلمة في أذني، ورأيت بعيني كيف أن جيلا جديدا من هذه الأمة يشب على معاني العزة والكرامة! معاني افتقدها المجتمع لعقود، فأخرج أجيالا تشبعت بالسطحية والمادية والجهل والبطالة!

***

 تعريف الشرعية ومعناها:
___________________

الشرعية هي: الحق الأخلاقي والسياسي في الحكم. وهي لا تخص الرئيس أو الحكومة فقط، بل كل مؤسسات الدولة.

فما يجعل جميع الناس في الدولة تأتمر بأمر الرئيس والحكومة، أن الناس أصلا أوجدوا هذه الحكومة لخدمتهم وللقيام على شؤونهم!

وما يجعل أي فرد في الشارع يستجيب لضابط شرطة يطلب منه التوقف، أن الناس ارتضت لهذا الجهاز "الشرطة" أن يحمي سلامتهم، ويسهر على أمنهم وأمانهم.

وما يجعل المواطن الذي تقبض عليه الشرطة يمثل أمام وكيل النيابة فيأمر بحبسه أربعة أيام، أو إخلاء سبيله أو دفع كفالة، هو أن الناس ارتضت أن تقوم النيابة العامة - بالنيابة عنهم - بحفظ حقوقهم واتهام المجرمين والخارجين عن القانون.

وما يجعل هذا المتهم يمثل أمام القاضي، الذي يأمر بالإفراج عنه  أو حبسه أو حتى إعدامه، هو أن الناس ارتضت لهذا الكيان "القضاء" بأن يقضي فيما بينهم.

ومن الواضح أن الحكومة الحالية لم يوجدها الشعب، بل جاءت على ظهر دبابة، وأن الشرطة لا تسهر على راحة الناس بل على قتلهم واغتصابهم وإراقة دمائهم في الشوارع، وانتهاك آدميتهم في السجون!

ومن الواضح أن النيابة العامة لا تقوم بعملها بالنيابة عن الشعب، بل تأخذ أمرها من ممدوح شاهين بالتليفون، وتطلب من العسكر تزوير أوراقا رسمية، لحبس مظلومين. فيجد وكيل النيابة أمامه متهما يئن تحت وطأة التعذيب لإجباره على الاعتراف، ومع ذلك يأمر بتجديد حبسه 45 يوما مرة بعد مرة!

ومن الواضح أن القاضي لا يحكم بين الناس بالحق، وبالدليل والبرهان ليصل إلى الحكم الذي هو عنوان الحقيقة! بل على العكس؛ فأي حقيقة في الحكم بإعدام شهيد منذ 2008، أو أسير لدى سجون الاحتلال منذ 1996! أو تبرئة قتلة الثوار، وإعدام متظاهرين بتهمة قطع طريق!

***
الثوار يصبحون أكثر وعيا:
__________________

ما كسبته الثورة منذ الانقلاب كان منعه من اكتساب أي شرعية، يسد بها حاجته الملحة إلى شرعية بديلة عن الشرعية الأصيلة التي انقلب عليها السيسي  وقتل أنصارها!

وهذا المكسب في حد ذاته ليس قليلا، وساعد في تحقيقه عدم اتخاذ السيسي لبعض الخطوات التي كان من الممكن أن تضعف موقف أنصار الشرعية الأصيلة. فمثلا لو لم يترشح السيسي  للرئاسة، أو أجرى انتخابات رئاسية في مناخ سياسي حقيقي يستوعب خصوم الشرعية الأصيلة التي انقلب عليها، أو حتى أجرى انتخابات برلمانية تفتح بابا سياسيا لشركاء الانقلاب، لكان موقف أنصار الشرعية أصعب الآن.

لكن المكسب الذي تكتسبه الثورة الآن، رغما عنها، أن الثوار يصبحون أكثر وعيا، ويتأكدون بما لا يدع مجالا للشك أو التفكير، أن الهدف لا يجب أن يكون إسقاط السيسي فقط، ولا حتى من عاونه - من أفراد - داخل الجيش والشرطة والقضاء والإعلام، وإنما إسقاط المؤسسات التي بنيت على الفساد وانخرطت في المؤامرة الانقلابية على الشرعية والثورة، وخاضت في دماء الثوار حتى قتلتهم بالآلاف في الشوارع وفي السجون وفي ساحات القضاء!

***

معادلات الشرعية والانقلاب:
_____________________

إن الدماء التي تسيل على يد شركاء الانقلاب في الجيش والشرطة والقضاء، وإن وصل الأمر لإعدام كل قيادات الصف الأول للثورة وعلى رأسهم الرئيس مرسي، لا تضعف من موقف الثوار، ولا من شرعيتهم الوحيدة الباقية، وإنما ترسم لهم بحروف من دم أن القضية ليست في أشخاص سواء إسقاط السيسي أو عودة مرسي. بل القضية تتجاوز ذلك لتكون قضية ثورة ضد انقلاب، وقضية جيل يريد أن يحيا عزيزا، مقابل جيل يريد أن يحيا عميلا!

وعليه وعلى الرغم أن الرئيس مرسي هو رمز الشرعية، إلا أن عودته فقط لا تعني عودة الشرعية، ما لم تسقط جميع مؤسسات الانقلاب! ولا أريد أن أسمع أحدا من هواة السياسة يقول أن الشرطة بها رجال شرفاء يبحثون عن لقمة عيشهم وما إلى ذلك!! فالمؤسسة بالكامل جبلت على الفساد والاستبداد، ولا يمكن أن تعمل في التشييد والبناء.

وعليه فإن سقوط السيسي فقط لا يعني سقوط الانقلاب، وإلا  سنكرر ذات الخطأ الذي وقعنا فيه في 2011، حين ظننا أن سقوط مبارك يعني سقوط النظام!

نعم الإعدام هو الحل!

نعم الإعدام هو الحل!
_________________

طالعت تصريح لعميل المخابرات حمدين صباحي يقول فيه بقدر وافر من التعريض: مخطئ من يظن أن الإعدام هو الحل!

والسؤال السمج الذي نضطر أن نطرحه هنا على العميل حمدين صباحي: الحل لماذا؟؟ للقضاء على الإخوان، أم للقضاء على الثورة، أم في للسير في الطريق المعرض لتثبيت أركان حكم الانقلابيين وأنت منهم؟؟

ثم من قال يا صباحي أن الإعدام ليس هو الحل، فلقد بات جميع الثوار الآن على قناعة أن إعدام ما لايقل عن 1000 شخص من عينتك القذرة العميلة المتآمرة، المنتشرة كالفئران في الجيش والشرطة والقضاء والإعلام وجهاز الدولة الحكومي هي الحل.

ولقد كان ترك أمثالك ممن تلقوا دعما ماليا من إيران، وعلى علاقات قديمة بالمخابرات، دون محاكمة أو اعتقال إبان حكم الثورة، من بوادر وعلامات الانقلاب الأولى التي ما كان يجب التساهل معها، ليسبحوا اليوم في بحور من دماء الشهداء التي عاونوا على قتلها وشاركوا في إراقتها!

غير الدم محدش صادق.. غير الدم محدش ثوري.. وكل من ساند الانقلاب مصيره الإعدام قريبا جدا إن شاء الله.


(بوست غير سياسي)

(بوست غير سياسي)

وما أرى أحكام الإعدام إلا انتقالا من حالة القتل في الشوارع إلى القتل على المشانق.. فكم من آلاف المسلمين قتلهم السيسي ظلما واستكبارا لم يسمع بهم أحد!

ما يجري ربما إشارة أخيرة لمن لم يسمع بعد أن هناك قتلا يحدث بالفعل في مصر، لأن عقوبة الدماء ومن خاض فيها ومن عاون عليها وأيدها ثقيلة .. والله ثقيلة!

ما يحدث قد حدث لنا من قبل.. فمن استشهدوا أمس في مهزلة عرب شركس استشهد مثلهم يوم مجزرة الحرس الجمهوري الأولى (5 يوليو) في لحظة واحدة! فمن يذكرهم أو يتحدث عنهم الآن!

لا ثوار إلا هؤلاء الشهداء ومن عاونهم ومن أيدهم ومن دافع عنهم.
غير الدم محدش صادق!

والانقلاب ليس السيسي بل كل من عاونه في القضاء والإعلام والشرطة

فلعله درسا أخيرا لنا
قبل انفراج الأزمة!

الأحد، 17 مايو 2015

أحكام الإعدام..ومشكلات السيسي الأربعة!

مشكلات السيسي الأربعة!
_____________________

قرارات العسكر وردود أفعالهم  قد تبدو مفاجئة أو غريبة أو حتى عنيفة، ولفهم  ما يجري يجب الانتباه إلى ما أسميه "عقلية العسكر". فللعسكر عموما - وعسكر مصر خصوصا - "عقلية" خاصة أو طريقة في التفكير لها سمات عامة تميزها

سمات "عقلية" العسكر:
__________________

1- هناك قائد واحد في الكتيبة، فلا يقبلون أي شريك في الحكم.
2- تخلص من كل من عاونك في الوصول للسلطة.
3- الضغط على الخصم حتى يستسلم.
4- عدم إعطاء شيء للخصم إلا مضطرا.
5- الحرب خدعة.

واستنادا إلى هذه العقلية بنى العسكر استراتيجيتهم منذ الانقلاب حتى الآن؛ فكان يعلم علم اليقين - وهو على حق في ذلك - أنه بكلمة واحدة من الإخوان أو من الرئيس مرسي - يعترفون فيها بما جرى أو يتنحى فيها الرئيس أو يستقيل يمكنه حل مشاكله العويصة واستتباب الأمر له في مصر.

وبناء عليه فقد اعتمد على سياسة الضغط على الإخوان والتصعيد معهم بكل وسيلة ممكنة لعلهم يرضخون إن عاجلا أو آجلا، ومن هذه السياسات:

التهديد بحل الحزب
التهديد بحل الجماعة
التهديد بإعلان الجماعة إرهابية
حل الحزب
حل الجماعة
إعلان الجماعة إرهابية
التهديد بمصادرة أموال الجماعة
مصادرة أموال الجماعة
التهديد بإصدار أحكام بالإعدام
إصدار أحكام بالإعدام
التهديد بتنفيذ أحكام الإعدام
تنفيذ أحكام الإعدام بالفعل

كل هذه الضغوطات لم تدفع الإخوان للرضوخ أو القبول بالانقلاب، على العكس، أصبح سقف الثوار عاليا، وأي قيادة تصدر تصريحا لا يلبي الحد الأدنى المقبول لأنصار الشرعية تسحقه القواعد سحقا فإما يضطر للاعتذار أو يتوارى عائدا للخلف ولا يسمع له صوتا بعدها!

***

مشكلات السيسي الأربعة:
____________________

السيسي الآن - صدق أو لا تصدق - في أضعف حالاته، يواجه ثلاث مشكلات كبرى لا يستطيع أن يفعل معها أي شيء، سوى كلام عاطفي ساذج، والتمسح بمحاربة الإخوان. ومما زاد الأمر سوء أن المشكلات الثلاثة التي يواجهها السيسي ولدت مشكلة رابعة إضافية، لتكتمل مشكلات السيسي التي ستعصف بانقلابه إن شاء الله.

1- مشكلة الشرعية:
________________

وهي أقدم مشكلة يواجهها السيسي، و كان ينتظر كلمة من الرئيس كي يتنحى أو يستقيل، أو من الإخوان فيقبلوا بالأمر الواقع ويشاركوا في الحكومة، أو من الحشود في الشوارع كي تنصرف، فيبدو أن هناك إجماعا من الشعب على الانقلاب على مرسي، إلا أن شيئا من هذا لم يحدث.

على الرغم أننا أصحاب حق إلا أننا إزاء أحد هذه السيناريوهات - التي لم تحدث - لكنا أمام منشكلة حقيقية ستضعف موقفنا كثيرا:

أ- إذا لم يترشح السيسي للرئاسة؛ فكان سيؤكد حينها لمؤيديه أنه لم يقم بانقلاب طمعا في السلطة.
ب- إذا لم تكن الانتخابات الرئاسية بهذا القدر من السوء والتزوير وسط مناخ سياسي منعدم.
جـ- إذا أجرى انتخابات برلمانية.

لحسن الحظ لم يحدث شيء من هذا، حتى رأى الجميع أن ما جرى كان انقلابا، وأنهم شاركوا في أسوأ عملية قتل جماعي حدثت في تاريخ مصر.

2- المشكلة الاقتصادية:
__________________

فكل التقارير الأمنية التي ذهبت إلى السيسي تؤكد وجود حالة سخط غير مسبوقة بين قاطاعت غير مسيسة أصلا، أو حتى بين قطاعات اقتنعت يوما أن السيسي سيخلصهم من الأزمات الحياتية التي واجهتهم بعد الثورة وأثناء حكم الرئيس مرسي.

المشكلة أنه من المرشح والمرجح أن تزداد هذه الأزمات في الفترة الاقدمة مع اقتراب الصيف ورمضان.

3- مشكلة الانفلات الأمني
____________________

وهي الميزة التي قدم السيسي نفسه بها، على أن البلد تحتاج رجل عسكري يضبط الأمن المنفلت منذ 28 يناير 2011، وأن أجهزة الدولة كلها معه ولا سيما الجيش والشرطة.

إلا أنه منذ الانقلاب حتى الآن والاختراقات الأمنية على قدم وساق، فسيناؤء خارج التغطية واستهداف الجيش هناك لم يتوقف بل ازداد، أما في الوادي والدلتا، فقد حدثت اختراقات كبيرة لأجهزة سيادية منها، قطع الكهرباء عن مدينة الانتاج الإعلامي وماسبيرو. أما السيسي نفسه فقد اعترف في خطابه "الشهري" الأخير أنهم تم رصد حدوث اختراقات للجيش والشرطة!

***
 المشكلة الرابعة: صراع الأجنحة!
_________________________

عدم تقديم السيسي أي حلول للمشكلات الثلاثة السابقة منذ الانقلاب حتى الآن ولّد مشكلة رابعة وهي صراع الأجنحة في نظامه، هذا الصراع الذي يتبدى بصورة أوضح من أن ينكرها أحد. فكل من يتنافس مع أحد في النظام يقوم بالتسريب له بصورة مثيرة للسخرية. رأينا تسريب السد البدوي الخطير، وتسريب سامي عتان، ومن قبلها تسريبات السيسي نفسه!

كما أن رجال وزير الداخلية الجديد القادم من الأمن الوطني يشكو أن رجال الوزير القديم القادم من الأمن العام لا يتعاونون معه!

هذه المشكلات الأربعة تعصف بالسيسي، وتجعله لا يرى مخرجا إلا اعتراف الإخوان بالأمر الواقع والقبول بانقلابه، الأمر الذي يدفعه إلى الضغط بكل ما تبقى له من أوراق، كي يبدو أنه ماض في طريقه، وأن انقلابه أمرا واقعا، وأن عليهم القبول بأي شيء بدلا من أن يفوتهم القطار.

الأمر لا يحتاج سوى مزيد من الصبر، فمع عجز السيسي عن تقديم أي حلول للمشكلات السابقة فإن بقاء انقلابه يبدو مستحيلا. 

الجمعة، 15 مايو 2015

انقلاب بوروندي وانقلاب مصر!

انقلاب بوروندي وانقلاب مصر!
______________________


افتخر قائد الانقلاب العسكري في مصر في آخر خطاب "شهري" له أنه سيحضر مؤتمر القمة الإفريقية في جنوب إفريقيا الشهر القادم. اعتبر السيسي ذلك أحد أبرز إنجازاته، بعد أن كان الاتحاد الإفريقي يرى ما حدث في مصر انقلاب، وكانت جنوب إفريقيا تحديدا ترفض الاعتراف بما جرى في 3 يوليو.

الاتحاد الأفريقي (اختصاراً AU في اللغة الإنجليزية) هو منظمة دولية تتألف من 52 دولة أفريقية. تأسس الاتحاد في 9 يوليو 2002، متشكلاً خلفاً لمنظمة الوحدة الأفريقية. تُتّخذ أهم قرارات الاتحاد في اجتماع نصف سنوي لرؤساء الدول وممثلي حكومات الدول الأعضاء من خلال ما يسمى بالجمعية العامة للاتحاد الأفريقي.

ونظرا للانقلابات العسكرية العديدة التي شهدتها القارة السمراء، فقد كان الاتحاد الإفريقي حساسا للغاية تجاه الدول التي يتم فيها القفز على السلطة عن طريق الانقلابات العسكرية، فعلق عضوية بعض الدول الأعضاء التي شهدت انقلابات عسكرية ومنها:


1- غينيا: وقد علقت عضويتها بعد انقلاب عام 2008

2- مدغشقر: علقت بعد الأزمة السياسة في مدغشقر عام 2009 بين الرئيس مارك رافالومانانا ضد اندري راجولينا، الرئيس السابق لبلدية العاصمة انتاناناريفو.

3- إريتريا: انسحبت بعد أن دعا الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة مجلس الأمن لفرض عقوبات عليها بعد اتهامها بدعم الإسلاميين الصوماليين.

4- جمهورية أفريقيا الوسطى: علقت بعد اندلاع حرب أفريقيا الوسطى بين حكومة جمهورية أفريقيا الوسطى وجماعة السيليكا، هي جماعة مقاتلة في جمهورية أفريقيا الوسطى معظم مقاتليها من المسلمين ، تأسست سنة 2012 من مجموعة من المتمردين المعارضين لحكم فرانسوا بوزيزي، واستولت على السلطة مارس 2013 بعد دحرها للقوات الحكومية وتولى زعيمها ميشال دجوكوديا الرئاسة كأول رئيس مسلم لهذا البلد الأفريقي ،غير أنه استقال بعد دخول البلاد في حرب عرقية بين المسلمين والمسيحيين ما أدى لمقتل الآلاف خصوصا من المسلمين ما تسبب في تدخل القوات الفرنسية والأفريقية.

5- مصر (يوليو 2013- يونيو 2014): عُلّقت في 5 يوليو 2013 نتيجة انقلاب 2013 في مصر الذي أدى للإطاحة بالرئيس محمد مرسي. وبعد الانتخابات التي أقامها السيسي في 2014 تمت إعادة العضوية لمصر.

***

لا يجب أن نظلم الاتحاد الإفريقي كثيرا، فموقفه عقب الانقلاب العسكري في مصر كان ربما مفاجئا للكثيرين، وكان أقوى بمراحل من موقف الاتحاد الأوربي الذي اعتبرت الممثلة العليا للسياسة والأمن فيه كاترين أشتون شريكة بشكل أو بآخر في الانقلاب؛ بدفاعها عن موقف الانقلابيين في الجيش، وإملائها الشروط على الرئيس المنتخب والحكومة.

كما أن موقف الاتحاد الإفريقي تجاه ما حدث في مصر من انقلاب عسكري - وهو لم ينكر أنه انقلاب عكس الإدارة الأميركية التي تهربت طويلا من الإجالة على هذا السؤال - هو نفس موقف الاتحاد من الانقلابات السابقة في القارة، ومن الانقلاب الذي يحدث الآن في بوروندي.

وإذا أخذنا في الاعتبار علاقات الاتحاد الإفريقي بأوربا، فإن موقف الاتحاد كان محاولة للعب دور الوسيط بين الطرفين في مصر، ولما انتهت المباحثات بالفشل انتهى دوره!  وإذا أخذنا في الاعتبار حرص الانقلاب في مصر على إجراء انتخابات صورية محاولا ترميم شرعيته المفقودة، فإنهم اضطروا للاعتراف بنتائجها رغم أنها تحصيل حاصل، لأنه ببساطة لا يوجد بديل. 

***

الانقلابات العسكرية تظل انقلابات عسكرية. قائد عسكري يركب دبابته ويذهب للقصر الجمهور لقتل الرئيس أو اعتقاله، ويذهب أحد رجاله للتلفزيون الرسمي لإعلان بيان الانقلاب! الانقلابات لا تحتاج إلى شروح من القاموس لنعرف معناها، فإذا كانت تمشي كالبطة وتتحرك كالبطة فهي بطة، كما قال جون ماكين في حواره الشهير في مصر.

لكن من قال أن أصحاب الحق ينتصرون فقط لأنهم أصحاب حق! لقد كان مصدق رئيس شرعيا في إيران، وكان شافيز رئيسا منتخبا في فنزويلا، وكان أربكان رئيسا جاء بالصناديق في تركيا، وكذلك كان مرسي في مصر. ما يحكم مسار الأحداث في هذه الانقلابات ليس من معه الحق، وإنما من فقط يستطيع الدفاع عن ما يملك!

لذلك فإن قضية إسقاط الانقلاب ليست متعلقة بالسيسي الخائن فحسب، ولا حتى في كل من عاونه وأيده ودافع عن جرائمه، وإنما في أن تكون هذه الدولة مهابة وشرعيتها مصونة، بحيث يفكر كل متربص ألف مرة إذا حاول الاقتراب من هذه الدولة أو من شرعيتها! وعليه فقد كان أيسر جزء عند الانقلابيين في مصر وقت الانقلاب هو اختطاف الرئيس، وكان كل تفكيرهم ماذا سيفعلون بعدها، بينما انقلاب بوروندي انتهى باعتقال الميجر جنرال جوديفرويد نيومبارى الذى قاد محاولة انقلاب على الرئيس هناك.


بوروندي بالطبع ليست كمصر لكنها للأسف تعلمت ما لم نتعلمه ولديها جيش أكثر وطنية في هذا الشأن!