لم يختلف أحد على سوء الأوضاع في مصر، سواء الاقتصادية أو الاجتماعية أو السياسية، واتفاق على فساد وعسكرة
للدولة وإن كان لدى البعض ممزوجا مع بعض الأوهام عن الجيش الذي لا يقهر وخير أجناد الأرض...إلخ
الاختلاف فقط بين المصريين إنما ينصب على من يتحمل مسؤولية سوء الأوضاع في مصر، والتي تسوء يوما بعد يوم، حتى بات المصريون يترحمون على أوضاع كان ينتقدونها ويرفضونها بل ويلعنونها ويثورون عليها بالأمس القريب!
الإخوان والمعارضة العلمانية قبل الثورة كانوا يحملون نظام مبارك مسؤولية ما حدث للمصريين! لكن كانت مشكلتهم أنهم يرون مبارك وجمال ومشروع التوريث هو العدو، دون إدراك حقيقي لحجم المشكلة ومدى تغلغل الفساد والخيانة في مؤسسات النظام، البعيدة كل البعد عن شعارات الوطنية التي تتمسح بها! بل وصل الأمر أن ظن البعض أن الأمل في القضاة الشرفاء وكان الهتاف في انتخابات 2005: "يا قضاة يا قضاة أنتوا أملنا بعد الله"!
ولا أنكر أنه كان ثمة بعض القضاء الشرفاء في القضاء، وإن كان تقلص عددهم الآن على نحو كبير! وفي نفس الوقت لا أدعي أنني كنت أعلم وقتها ما لم يعلمه الآخرون، فكلنا كنا غارقين في أوهام وأنصاف وأرباع حقائق وسط قبضة أمنية غليظة واحتكار النظام لوسائل الإعلام!
بعد الثورة ومع سقوط رأس النظام بسقوط مبارك في 11 فبراير، انتقل "شركاء التحرير" فورا إلى مرحلة متقدمة من تحميل بعضهما البعض المسؤولية.
العلمانيون تمترسوا خلف ادعاءات تحالف الإخوان مع العسكر، ولبسوا رداء الثورية بشكل مبالغ فيه اتضح أنه غير حقيقي! وفي نفس الوقت اصطدم الإخوان بديمقراطية بلا ديمقراطيين! إذ رفض شركاء التحرير نتائج استفتاءت وانتخابات صوت فيها الشعب بعد الثورة بكل حرية! بل وصل التطرف إلى اتهام الشعب بالجهل وتلقيه رشاوي مقابل التصويت للحرية والعدالة.
ومن المفارقات في هذه المرحلة أن التقارب بين الإخوان والسلفيين - ولا سيما في البرلمان - أساء إلى الإخوان بشدة. الغريب أن العلمانيين استغلوا هذا التقارب بشدة في تخويف الشعب من الإخوان، لما قام به السلفيون من أفعال مراهقة أو سخيفة أو منفرة؛ ولعل بعضها كان مقصودا! السلفية البرهامية التي هي الآن من أشد الفصائل مؤيدة للانقلاب وماتلاه من مجازر حتى الآن!
***
بعد فوز الرئيس مرسي بالرئاسة أخذت عملية تحميل الإخوان مسؤولية كل كبيرة وصغيرة في مصر بل والعالم منحى جديدا، أوجدت تحالفا غريبا بين العسكر والعلمانيين والسلفية البرهامية والفلول والكنيسة والصهاينة في مصر! ووجدنا استدعاء لمقولات ذات طابع ثوري أو ديني مثل "لو أن بغلة في العراق عثرت لسئلت عنها" ، و "طول ما الدم المصري رخيص يسقط يسقط أي رئيس" ...إلخ كان الرباط بين هؤلاء غير منطقي من حيث الظاهر، لكن المصلحة جمعتهم ولو على حساب الوطن!
اتضح في هذه المرحلة أن المشادات أو الخلافات بين بعض هذه الأطراف مفتعلة أو ثانوية على أقصى تقدير، لكنهم يد واحدة ضد فضيل فشلوا في مواجهته بالانتخابات، فآثروا تكرار منطق إخوة يوسف: "اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا يخل لكم وجه أبيكم وتكونوا من بعده قوما صالحين" يوسف: 9
هذه ليست تحليلات، أو ضربا من الاتهامات الجزافية؛ ودليلي على ذلك أمرين:
1- رسالة مؤسس 6 إبريل من محبسه بعنوان "للأسف كنت أعلم" والتي اعترف فيها أن العسكر أخبروه أنهم سيستتروا خلف مظاهرات سيدعمها الجيش وستسيل الشوار بحورا من الدم!
2- أن الذين تظاهروا ضد الرئيس مرسي وطالبوا بسقوطه لم يتفوهوا بكلمة ونص عندما حدث أضعاف أضعاف أضعاف ما كانوا ينتقدون مرسي عليه! وإذا سلمنا أن الرئيس مرسي ارتكب أخطاء - وقد اعترف بذلك بكل شجاعة - فإن ماحدث منذ 3 يوليو هو خطايا! مجازر لم تحدث قط في تاريخ مصر!
***
لا أبريء أحدا من الأخطاء، فمنطلقاتنا الفكرية اننا جميعا بشر وأنه لا أحد معصوم. لكن هناك فارق بين أخطاء وخطايا، وبين من أراد الحق فأخطأه، ومن أراد الباطل فأصابه! وبين من يعترف بأخطائه ومن يرفض أن يعترف أنه بغبائه تم استخدامه كالحذاء للقضاء على الثورة، وبكراهيته للإخوان قد جلب على المصريين ويلات انقلاب عسكري، وبجبنه يرفض أن يعترف بمسؤوليته عن ذلك، بل يطالب بصفاقة أن يعتذر الآخرون ولا يعتذر!
المسؤول عما نحن فيه هو حكم عسكري تحكم في أمور البلاد والعباد منذ ستة عقود، سيطر فيها بلا حدود على كل شيء، فلم نر منه إلا فقرا وجهلا ومرضا وسطحية ومادية واصطناع بطولات وتزوير للحقائق ودماء تملأ الشوارع، وإحساس متزايد بالرغبة في الهجرة وعدم الانتماء!!
إن السيسي ليس إلا مجرد حلقة من هذا الحكم العسكري، وسقوطه كسقوط مبارك لا يعني سقوط الحكم العسكري! ومن يرفض معارضة الحكم العسكري - ومن ثم انقلاب السيسي- إنما يشارك في قتل هذا الوطن واغتيال هذه الثورة! مهما كانت حججه كما قال السيد الرئيس في آخر خطاب له قبل الانقلاب" "بأي حجة فالحجج كتير، والسحرة كتير، والتحدي كبير وأنتم بفضل الله قاردين على مواجهة ذلك!"
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
هذا ما لدي.. فماذا ترون؟