شهدت العلاقات الخارجية لمصر عقب الانقلاب ثلاث مراحل متمايزة، جسدها وزيران للخارجية هما: نبيل فهمي وسامح شكري. إلا أن ما يجمع بين هذه المراحل الثلاثة هو الرغبة الملحة في اكتساب شرعية دولية خارجيا تجبر الكسر والإحساس بالنقص الدائم في الشرعية الحقيقية التي يفتقدها السيسي داخليا عقب قيامه بالانقلاب العسكري!
1- المرحلة الأولى: دعم غربي مطلق - دعم خليجي مطلق:
_____________________________________________
فلقد اجتمعت مصالح القاصي والداني إقليميا ودوليا على توقيف تجربة الإخوان في مصر. فالدور الإقليمي لمصر في عهد الرئيس مرسي بدأ يتخطى الدور المرسوم له في قضايا عديدة كحرب غزة والثورة السورية، مما أغضب بشدة إسرائيل وإيران وسوريا والسعودية والإمارات! كما بدأت مصر تكسر القيود المفروضة حول أمنها القومي بتحركها في ملفات الاكتفاء الذاتي والتصنيع الثقيل والدقيق والتقارب السياسي والاقتصادي مع بدائل غير مرغوبة (تركيا - البرازيل - الهند -جنوب إفريقيا).
الغريب في هذه المرحلة أنه وبينما كان السيسي يسوق داخليا أسبابا سياسية واقتصادية وأمنية للقيام بالانقلاب على الرئيس مرسي، (الشعب لم يجد من يحنو عليه - الاستبداد بالسلطة بالإعلان الدستوري وغقالة النائب العام- منع انزلاق البلد لحرب أهلية - الاستجابة لإرادة المصريين)، كان السيسي يقود حملة منظمة خارجيا؛ يسوق فيها أسبابا أيديولوجية وفكرية لقيامه بالانقلاب، سواء في حوارات أجراها بنفسه " حوار الواشنطن بوست" أو حوار نبيل فهمي في "دير شبيجل" الألمانية. وكانت النغمة الدائمة في هذه الحوارات أن الرئيس مرسي أراد إعادة الخلافة الإسلامية!
دبلوماسيا؛ شمل هذا الإجماع على الانقلاب أميركا والأوربيين والخليج وإيران، وخلال هذه المرحلة حدث تجاهل دبلوماسي وإعلامي تام لكل ما ارتكبه السيسي من مجازر ولم تحدث كلمة إدانة واحدة! بل ذهب جون كيري إلى أبعد من ذلك وخرق جميع الأعراف الدبلوماسية حين صرح أن الجيش في مصر تدخل لاستعادة الديمقراطية!
وسياسيا؛ في هذه المرحلة تم إشراك رجال الغرب في الحكم كخطوة تكتيكية فقط، منهم البرادعي كنائب للرئيس، وزياد بهاء الدين كنائب لرئيس الوزراء، حازم الببلاوي وكلاهما ينتميان للحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي أحد أحزاب جبهة الإنقاذ، هذا غير عدد كبير من الوزراء من أحزاب أخرى في الجبهة.
يستثنى من هذا الإجماع فقط الاتحاد الإفريقي الذي كان حساسا لموضوع الانقلابات العسكرية التي عانت منها القارة كثيرا، وكذلك تركيا الحساسة لذات السبب! وبطبيعة الحال كان تأثير الاتحاد الإفريقي محدودا، وهو يتلقى نصف ميزانيته تقريبا من أوربا!
***
2- المرحلة الثانية: تململ غربي - دعم خليجي مطلق:
_________________________________________
سياسيا:
وهي المرحلة التي بدا أن السيسي ينقض اتفاقه مع الغرب بإشراك العلمانيين في الحكم وعدم وضع مسار سياسي مقبول يُبقي الجيش في الخلفية ويأتي بأصحاب الكرافتات الشيك للمقدمة. خرج جميع وزراء جبهة الإنقاذ من حكومة الببلاوي الثانية ثم حكومة محلب، وأودع بعض رموزهم في السجون.
دبلوماسيا وإعلاميا:
مواقف الغرب بدت متململة، وحدث شرخ في الطوق الإعلامي المفروض حول المجازر في مصر، فخرجت تصريحات هنا وهناك تنتقد حقوق الإنسان في مصر، وتدعو للإفراج عن المعتقلين، وتطالب بتأخير المعونات عن مصر أو ربطها بالتقدم في مجال حقوق الإنسان!
في هذه المرحلة بدأ السيسي مناوراته بالذهاب إلى روسيا والصين، كنوع من التلويح للذهاب لخصوم الغرب، ودار كلام كبير عن السلاح الروسي الجديد، حتى إذا هدأ التوتر بينه وبين الغرب وسئل عن هذا السلاح في حملته الانتخابية قال بكل برود: سلاح ايه؟؟
***
3- المرحلة الثالثة: تململ غربي - تململ خليجي
____________________________________
التململ الغربي جاء بسبب فشل السيسي في صنع أي مسار سياسي مقبول، وقراءتهم الواضحة أن القمع الذي حدث للإخوان في مصر لم يدفعهم للرضوخ بالأمر الواقع والقبول بالانقلاب وإنما دفع الشباب لأعلى في سلم القيادة داخل الهيكل التنظيمي للجماعة، ودفعهم لأسفل للعمل السري تحت الأرض وهو ما أقلق الغرب كثيرا!
فآخر ما يتمناه الغرب هو تحول جماعة الإخوان المسلمين السلمية المسالمة التي تتبنى العمل السياسي والتي يعرفونها ويحفظونها في مراكزهم البحثية إلى نسخة أو إصدار جديد لا يتوقعون ردود أفعالهم ويتبنون خيارات أكثر إيلاما بدأت في 25 يناير الماضي بالفعل!
أما الخليج فلقد تململ من كثر طلب السيسي للمعونات في وقت تعاني فيه اقتصاديات الخليج من تعثر بسبب انخفاض أسعار النفط، فأعلنت الكويت رسميا أكثر من مرة أنها لن تقدم أية أموال بعد ذلك رغم زيارة رسمية من السيسي وأخرى استمرت لثلاثة أيامن من رئيس الوزراء إبراهيم محلب!
وازداد الطين بلة بموت الملك عبد الله، الأب الروحي لانقلاب السيسي، والإطاحة باللوبي الإمارات في السعودية الداعم لانقلاب السيسي وعلى رأسهم أمين عام الديوان خالد التويجري!
وتعمق الخلاف مع خروج تسريبات فاضحة تكشف تطاول السيسي على دول الخليج التي تدعمه، مما وضعه في حرج شديد، ووضع هذه الدول في حرج أكبر إذا استمرت في دعمه بعد الآن.
***
الثابت في سياسة السيسي منذ الانقلاب:
الشيء الثابت في علاقات السيسي الخارجية هو العداء التام للمقاومة والحرص الشديد على أمن الكيان الصهيوني! فلقد صرح بشكب مباشر وصريح أنه لن يسمح أن تستغا سيناء كقاعدة خلفية لتهديد أمن إسرائيل "قناة فرانس 24 ". كما أن المشروع الوحيد الذي نفذه السيسي بشكل مستمر بلا توقف كان الحرب على أهل سيناء وتهجيرهم وانتهى الأمر بقرار عمل منطقة عازلة في رفح بدأت ب 500 متر ثم 1000 متر ثم القرار الفضيحة بإزالة مدينة رفح بالكامل! وكأنه كتب علينا أن نقول وداعا رفح المصرية بأيدي جنود مصريين وليس جنودا صهاينة!
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
هذا ما لدي.. فماذا ترون؟