فرص التسوية في مصر!
______________
مقدمة:
مع فشل الانقلاب في إقامة ديكور ديمقراطي يضم العلمانيين ويحصر الإخوان وحدهم في الزاوية
ومع رغبة الولايات المتحدة الملحة في وجود هذا الديكور في مصر كي يأتي النوع المطلوب من القادة إلى الحكم
ومع الخوف من استمرار احتكار الإخوان راية الحراك الشعبي الرافض للانقلاب
ومع وجود فصيل مسلح يكتسب شعبية في سيناء والوادي، واجه الجيش وانتصر عليه عسكريا ودعائيا
ومع خروج الفصائل العلمانية من دائرة السلطة والمعارضة معا
ومع اقتراب موسم انتخابي في الولايات المتحدة يرغب فيه الديمقراطيون في مصالحة قواعدهم التصويتية ومن ضمنها العرب والمسلمين
ومع التحوف من تصدع موقف أكبر دولة داعمة للانقلاب "السعودية" مع احتمال وفاة الملك عبد الله
تبرز أهمية حدوث تسوية للصراع في مصر بالنسبة لأميركا، تعيد العملية السياسية للحياة دون تغيير حقيقي لموازين القوى في مصر، والراجح لصالح المؤسسة العسكرية!
***
1- فشل السيناريو التركي في مصر
تشبه الخطوات التي قام بها الرئيس الإخواني محمد مرسي في مصر إلى حد كبير الخطوات التي قام بها الرئيس الإخواني نجم الدين أربكان في تركيا.وكما دبرت الولايات المتحدة انقلابا على الرئيس أربكان في تركيا، فقد دبرت الولايات المتحدة أيضا انقلابا على الرئيس مرسي في مصر.
كان الهدف من انقلاب الثالث من يوليو، الذي حرصت أميركا على تغليفه بغطاء ثوري لبطلان موضة الانقلابات العسكرية، تفريغ العملية السياسية في مصر من جوهرها، وتحولها إلى مجرد ديكور ديمقراطي يأتي في النهاية برجالهم من شباب العلمانيين إلى الحكم مع بقاء الجيش كقوة رئيسية وحيدة في الخلفية تتدخل وقت اللزوم وهو عين ما كانت عليه تركيا قبل أردوغان.
إلا أن رفض جموع الإخوان، ومن قبلهم الرئيس، على شرعنة عملية السطو المسلح هذه، ونزعهم شرعية ما حدث برفضهم الموافقة عليها، قد أفشل هذا السيناريو، وغنيي عن القول أنهم دفعوا ثمن ذلك دماء واعتقالات وسجون!
***
2- مشكلة البديل في مصر كما في سوريا
أصبح موقف أميركا من الصراع في مصر مشابها إلى حد كبير موقفها من الصراع في سوريا، فمع تعالي الأصوات المطالبة بإزاحة بشار الأسد من السلطة، حذر كثير من الخبارء أن البديل الوحيد الجاهز لخلافته هم الإسلاميون الراديكاليون الذين يحاربون النظام، وعلى رأسهم جبهة النصرة (القاعدة) وتنظيم الدولة (داعش).
عزف الأمريكان عن خيار الإطاحة بالأسد - رغم استخدامه السلاح الكيماوي 14 مرة منذ أبريل الماضي - وتحدث كيري كثيرا عن تدريب المعارضة العلمانية "المعتدلة" لتحل محل الأسد، حتى وصل الأمر بهذه المعارضة العلمانية الموالية لأميركا أن تحارب المعارضة الإسلامية في سوريا بدلا من أن تحارب الأسد نفسه!
نفس الأمر يتكرر في مصر حيث تيقن أميركا أن رحيل الانقلاب بالشكل الحالي يعني عودة الإخوان وحدهم وهذا ما لا ترضى به! وهذا ما سنتحدث عنه في الفقرة القادمة.
***
3- موقف أميركا من الحراك في مصر
وعليه فإنه مع فشل السيسي في صناعة الديكور الديمقراطي المطلوب أميركيا، ومع ثبات الإخوان وأنصارهم في الشارع، وخروج العلمانيون من المولد بلا حمص بعد أن صاروا خارج السلطة وخارج المعارضة مع قانون الانتخابات الحالي الذي خصص 80% من المقاعد للنظام الفردي مما يضمن اكتساح الفلول، فإن أميركا ظلت لفترة تقف حائرة، عين هنا وأخرى هناك، بين تقليص فرص السيسي في الاستمرار ونقصان أسهمه في النجاح، وبين التخوف من أن الإخوان هم البديل الوحيد الجاهز لخلافة السيسي، وهو ما لا يرضي الأمريكان بكل تأكيد!
وتسربت أنباء عن تقديم عرض أميركي عن طريق قطر بعودة الإخوان دون عودة الشرعية، إلا أن أميركا لن تعترف بأي حراك في الشارع ما لم يتصدره 6 إبريل! وتسربت أنباء أيضا عن رفض الإخوان للعرض، مما ترتب عليه ضغوطا أميركية عليهم أبرزها خروج قطر من المعادلة بشكل كبير وإغلاق الجزيرة مباشر مصر، لإحساس الإخوان أن ظهرهم للحائط ودفعهم للقبول بما يعرض عليهم حتى لا يخرجوا من المولد بلا حمص!
والهدف من حرص أميركا على تصدر العلمانيين وتحديدا 6 إبريل للحراك في الشارع واضح، فكما أعطى العسكر لأميركا 60 سنة في ظل موجة الانقلابات العسكرية في الأربعينات والخمسينات والستينات، فإن أميركا تريد من شباب العلمانيين أن يعطوها 60 سنة أخرى في ظل موجة الديكور الديمقراطي وأصحاب الكرافتات الشيك!
***
4- العلمانيون في مصر: بندول ساعة!
أدرك الفلول في 2013 أن القيام بانقلاب يتطلب موافقة أميركا، وهذه تتطلب الوقوف مع العلمانيين الموالين لأميركا في خندق واحد، فقبلوا بذلك، وقدموا وعودا للعلمايين باقتسام السلطة معهم بعد إقصاء الإخوان.
شعر العلمانيون بالحرج، إلا أن كبراؤهم قالوا على الملأ أنه يجب تجاوز الخلافات واحتواء الفلول (البرادعي) وعدم سؤال الواقف بجوارك في الميدان عن انتمائه أو فكره (حمدين)، فحوى الميدان في 30 يونيو أضدادا بدت متنافرة ما كان لها أن تجتمع لولا الرغبة في إزاحة الإخوان المنتصرين في كل استحقاق انتخابي! ضم الميدان أبو الفتوح وعمرو موسى، والبرادعي وتوفيق عكاشة، وعلاء الأسواني وأنصار شفيق، وأم خالد سعيد وقيادات الشرطة...إلخ
الغريب أن ذات الأمر يتكرر الآن ولكن على الجهة الأخرى من الصورة، فنفس التصريحات تخرج الآن عبر قنوات مؤيدة للشرعية تدعو إلى التصالح مع العلمانيين الذي تسببوا في الانقلاب وأعطوه شرعية، وتدعو إلى تناسي خلافات الماضي، وياللعجب يتم استخدام ذات الألفاظ بالدعوة عدم سؤال الوقف بجوارك في 25 يناير القادم عن اتجاهه أو فكره، والتجاوز من باع من في محمد محمود أو في رابعة ...إلخ.
وعليه فقد أصبح العلمانيون مثل بندول الساعة الذي ذهب إلى أقصى الساحة حيث الفلول والعسكر لإنجاح انقلابهم على الإخوان، ثم عاد إلى أقصاها ليستعين بهم الإخوان على كسر هذا الانقلاب! رغم معاداة العلمانيين للعسكر والإخوان معا، (الدولة العسكرية والدولة الدينية حسب وصفهم) إلا أنهم ما فتئوا يستعينون بأحدهم على الآخر!
***
5- الخلاصة
شخصيا لا أرى في استضافة المتحدثين باسم 6 إبريل والاشتراكيين الثوريين على قناة الإخوان، والتعامل معهم كثوار وليس كشركاء انقلاب، ومباردة 6 إبريل الأخيرة التي خرجت تدعو للتصالح ورحب بها الإخوان، إلا قبولا بما رفضناه سابقا، وتفريغ للحراك الثوري من جوهره، واختزاله في تظاهرات يشارك فيها العلمانيون حتى ترضى عنها أميركا! فهل نحن من باب الحرص على الرضا الدولي على ما يجري نتجه للسيناريو التونسي من باب خلفي؟؟ أخشى ذلك!
______________
مقدمة:
مع فشل الانقلاب في إقامة ديكور ديمقراطي يضم العلمانيين ويحصر الإخوان وحدهم في الزاوية
ومع رغبة الولايات المتحدة الملحة في وجود هذا الديكور في مصر كي يأتي النوع المطلوب من القادة إلى الحكم
ومع الخوف من استمرار احتكار الإخوان راية الحراك الشعبي الرافض للانقلاب
ومع وجود فصيل مسلح يكتسب شعبية في سيناء والوادي، واجه الجيش وانتصر عليه عسكريا ودعائيا
ومع خروج الفصائل العلمانية من دائرة السلطة والمعارضة معا
ومع اقتراب موسم انتخابي في الولايات المتحدة يرغب فيه الديمقراطيون في مصالحة قواعدهم التصويتية ومن ضمنها العرب والمسلمين
ومع التحوف من تصدع موقف أكبر دولة داعمة للانقلاب "السعودية" مع احتمال وفاة الملك عبد الله
تبرز أهمية حدوث تسوية للصراع في مصر بالنسبة لأميركا، تعيد العملية السياسية للحياة دون تغيير حقيقي لموازين القوى في مصر، والراجح لصالح المؤسسة العسكرية!
***
1- فشل السيناريو التركي في مصر
تشبه الخطوات التي قام بها الرئيس الإخواني محمد مرسي في مصر إلى حد كبير الخطوات التي قام بها الرئيس الإخواني نجم الدين أربكان في تركيا.وكما دبرت الولايات المتحدة انقلابا على الرئيس أربكان في تركيا، فقد دبرت الولايات المتحدة أيضا انقلابا على الرئيس مرسي في مصر.
كان الهدف من انقلاب الثالث من يوليو، الذي حرصت أميركا على تغليفه بغطاء ثوري لبطلان موضة الانقلابات العسكرية، تفريغ العملية السياسية في مصر من جوهرها، وتحولها إلى مجرد ديكور ديمقراطي يأتي في النهاية برجالهم من شباب العلمانيين إلى الحكم مع بقاء الجيش كقوة رئيسية وحيدة في الخلفية تتدخل وقت اللزوم وهو عين ما كانت عليه تركيا قبل أردوغان.
إلا أن رفض جموع الإخوان، ومن قبلهم الرئيس، على شرعنة عملية السطو المسلح هذه، ونزعهم شرعية ما حدث برفضهم الموافقة عليها، قد أفشل هذا السيناريو، وغنيي عن القول أنهم دفعوا ثمن ذلك دماء واعتقالات وسجون!
***
2- مشكلة البديل في مصر كما في سوريا
أصبح موقف أميركا من الصراع في مصر مشابها إلى حد كبير موقفها من الصراع في سوريا، فمع تعالي الأصوات المطالبة بإزاحة بشار الأسد من السلطة، حذر كثير من الخبارء أن البديل الوحيد الجاهز لخلافته هم الإسلاميون الراديكاليون الذين يحاربون النظام، وعلى رأسهم جبهة النصرة (القاعدة) وتنظيم الدولة (داعش).
عزف الأمريكان عن خيار الإطاحة بالأسد - رغم استخدامه السلاح الكيماوي 14 مرة منذ أبريل الماضي - وتحدث كيري كثيرا عن تدريب المعارضة العلمانية "المعتدلة" لتحل محل الأسد، حتى وصل الأمر بهذه المعارضة العلمانية الموالية لأميركا أن تحارب المعارضة الإسلامية في سوريا بدلا من أن تحارب الأسد نفسه!
نفس الأمر يتكرر في مصر حيث تيقن أميركا أن رحيل الانقلاب بالشكل الحالي يعني عودة الإخوان وحدهم وهذا ما لا ترضى به! وهذا ما سنتحدث عنه في الفقرة القادمة.
***
3- موقف أميركا من الحراك في مصر
وعليه فإنه مع فشل السيسي في صناعة الديكور الديمقراطي المطلوب أميركيا، ومع ثبات الإخوان وأنصارهم في الشارع، وخروج العلمانيون من المولد بلا حمص بعد أن صاروا خارج السلطة وخارج المعارضة مع قانون الانتخابات الحالي الذي خصص 80% من المقاعد للنظام الفردي مما يضمن اكتساح الفلول، فإن أميركا ظلت لفترة تقف حائرة، عين هنا وأخرى هناك، بين تقليص فرص السيسي في الاستمرار ونقصان أسهمه في النجاح، وبين التخوف من أن الإخوان هم البديل الوحيد الجاهز لخلافة السيسي، وهو ما لا يرضي الأمريكان بكل تأكيد!
وتسربت أنباء عن تقديم عرض أميركي عن طريق قطر بعودة الإخوان دون عودة الشرعية، إلا أن أميركا لن تعترف بأي حراك في الشارع ما لم يتصدره 6 إبريل! وتسربت أنباء أيضا عن رفض الإخوان للعرض، مما ترتب عليه ضغوطا أميركية عليهم أبرزها خروج قطر من المعادلة بشكل كبير وإغلاق الجزيرة مباشر مصر، لإحساس الإخوان أن ظهرهم للحائط ودفعهم للقبول بما يعرض عليهم حتى لا يخرجوا من المولد بلا حمص!
والهدف من حرص أميركا على تصدر العلمانيين وتحديدا 6 إبريل للحراك في الشارع واضح، فكما أعطى العسكر لأميركا 60 سنة في ظل موجة الانقلابات العسكرية في الأربعينات والخمسينات والستينات، فإن أميركا تريد من شباب العلمانيين أن يعطوها 60 سنة أخرى في ظل موجة الديكور الديمقراطي وأصحاب الكرافتات الشيك!
***
4- العلمانيون في مصر: بندول ساعة!
أدرك الفلول في 2013 أن القيام بانقلاب يتطلب موافقة أميركا، وهذه تتطلب الوقوف مع العلمانيين الموالين لأميركا في خندق واحد، فقبلوا بذلك، وقدموا وعودا للعلمايين باقتسام السلطة معهم بعد إقصاء الإخوان.
شعر العلمانيون بالحرج، إلا أن كبراؤهم قالوا على الملأ أنه يجب تجاوز الخلافات واحتواء الفلول (البرادعي) وعدم سؤال الواقف بجوارك في الميدان عن انتمائه أو فكره (حمدين)، فحوى الميدان في 30 يونيو أضدادا بدت متنافرة ما كان لها أن تجتمع لولا الرغبة في إزاحة الإخوان المنتصرين في كل استحقاق انتخابي! ضم الميدان أبو الفتوح وعمرو موسى، والبرادعي وتوفيق عكاشة، وعلاء الأسواني وأنصار شفيق، وأم خالد سعيد وقيادات الشرطة...إلخ
الغريب أن ذات الأمر يتكرر الآن ولكن على الجهة الأخرى من الصورة، فنفس التصريحات تخرج الآن عبر قنوات مؤيدة للشرعية تدعو إلى التصالح مع العلمانيين الذي تسببوا في الانقلاب وأعطوه شرعية، وتدعو إلى تناسي خلافات الماضي، وياللعجب يتم استخدام ذات الألفاظ بالدعوة عدم سؤال الوقف بجوارك في 25 يناير القادم عن اتجاهه أو فكره، والتجاوز من باع من في محمد محمود أو في رابعة ...إلخ.
وعليه فقد أصبح العلمانيون مثل بندول الساعة الذي ذهب إلى أقصى الساحة حيث الفلول والعسكر لإنجاح انقلابهم على الإخوان، ثم عاد إلى أقصاها ليستعين بهم الإخوان على كسر هذا الانقلاب! رغم معاداة العلمانيين للعسكر والإخوان معا، (الدولة العسكرية والدولة الدينية حسب وصفهم) إلا أنهم ما فتئوا يستعينون بأحدهم على الآخر!
***
5- الخلاصة
شخصيا لا أرى في استضافة المتحدثين باسم 6 إبريل والاشتراكيين الثوريين على قناة الإخوان، والتعامل معهم كثوار وليس كشركاء انقلاب، ومباردة 6 إبريل الأخيرة التي خرجت تدعو للتصالح ورحب بها الإخوان، إلا قبولا بما رفضناه سابقا، وتفريغ للحراك الثوري من جوهره، واختزاله في تظاهرات يشارك فيها العلمانيون حتى ترضى عنها أميركا! فهل نحن من باب الحرص على الرضا الدولي على ما يجري نتجه للسيناريو التونسي من باب خلفي؟؟ أخشى ذلك!
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
هذا ما لدي.. فماذا ترون؟