أنقــذوا مصــــر
(إلى ثوار الميادين وثوار الصناديق)

نجحت الثورة حين كان الثوار يدا واحدة
شهدت مصر خلال الأسبوع الماضي أحداثا جساما متسارعة، شهدنا فيه ثلاث مليونيات (الجمعة 18- الثلاثاء – الجمعة 25) و 33 شهيد، وآلاف المصابين، وسقوط حكومة وتعيين رئيس جديد للوزراء هو الآخر محل خلاف شأنه في ذلك شأن الكثير من الأمور في مصر الآن.. والأهم فيما حدث من كل ذلك هو الشرخ العميق الذي حدث في جدار الثقة بين الثوار والمجلس العسكري (وهو هش أصلا منذ أربعة شهور) من جهة، وبين الثوار أنفسهم بعضهم البعض من جهة ثانية، وبين الثوار والكتلة الصامتة (حزب الكنبة) التي تحركت يوم 28 يناير فأسقطت النظام من جهة ثالثة..
وحيث أن انقساما حادا يعتري ثوار مصر الآن - وهم اللاعب الرئيسي الذين أشعلوا شرارة الثورة، فحركوا الكتلة الصامتة وأزالوا النظام القديم أو رأسه إن شئت الدقة- فإنني أود أن أستعرض وجهتي نظر تتنازع الثوار الآن فيما يخص طريقة اتمام عملة التحول الديمقراطي وضمان تسليم العسكر الحكم لسلطة مدنية منتخبة.
1- وجهة نظر تقول أن الانتخابات هي أولى خطوات تسليم السلطة، وأنه لم يبق على الانتخابات إلا ساعات، فلم نعرقل الانتخابات ونعطي ذريعة للمجلس لتأجيلها أو الغائها، وتمديد المرحلة الانتقالية (أو الانتقامية إن شئت) والدخول بالبلاد لنفق مظلم لا نعلم متى ولا كييفية الخروج منه.
ويتبى وجهة النظر هذه معظم الإسلاميين وعلى رأسهم جماعة الإخوان المسلمين التي لعبت دورا في الثورة لا ينكره أحد، وكانت من أكثر المناضلين ضد النظام السابق وأكثر من عانى من ظلمه وسجونه.
ويؤكد الإخوان المسلمون أن معلومات أكيدة لديهم جاءتهم منذ مدة أن المجلس العسكري ينتوي عمل اضطرابات شديدة في البلاد قبيل أو أثناء الانتخابات يشعر الشعب معها أن الأجواء غير ملائمة لاجراء الانتخابات وبالتالي تأجيلها أو الغائها لتمديد فترة بقائه في الحكم. ويدللون على وجهة نظرهم بالتالي:
أ- أن سبب الأزمة الحادثة في الأساس كان فض اعتصام لمصابي الثورة (السبت الماضي) والذي تم بطريقة وحشية أمام عدسات الكاميرا، بينما كان بامكانهم فضه ببساطة ويسر ودون الحاجة إلى استخدام العنف المفرط وبث الصور المستفزة لوسائل الإعلام، خاصة وأن المعتصمين كان عددهم قليل، وكانوا معتصمين منذ خمسة أيام قبلها، ولم يقوموا بأي عمل يعيق المرور أو يعطل مصلحة البلاد وفيهم الكسيح والجريح والكفيف والمشلول.
ب- التعامل مع المواطنين الذين أتوا للتضامن مع مصابي الثورة – سواء من شرطة الداخلية أو الشرطة العسكرية – بشكل عنيف غير آدمي وغير مبرر وأمام عدسات الكاميرات، وضربهم وسحلهم والقاء جثثهم في القمامة، وفقأ أعينهم واسقاط عشرات القتلى ومئات المصابين منهم في بضعة أيام، مما أثار غضب الثوار بشكل لم يسبق له مثيل.
ت- استطاع الأمن فض الميدان أكثر من مرة إلا أنه كان يخلي الميدان بعد كل مرة ويتركه للثوار مرة أخرى وكأنه يريد للعرض أن يستمر.
ث- السماح لكل وسائل الإعلام بنقل هذه الصور وقد كانوا يلاحقون الجزيرة مباشر مصر طيلة شهور ويمنعونها من تصوير أي شئ فكانت تلجأ للانترنت (سكايب) أو للبث عبر قنوات أخرى (مثل قناة الحكمة التي نقلت عنها الجزيرة مباشر مصر أحداث مليونية 18 نوفمبر، ثم قطع المجلس العسكري بث قناة الحكمة نفسها ليقطع الطريق على الجزيرة!!)، وفجأة إذا بالجزيرة مباشر مصر يسمح لها بتصوير ما يحدث بثلاث كاميرات طوال هذه المدة.
ج- الاستمرار في مسلسل استفزازا المواطنين سواء بزيادة عدد الشهداء أو باستهداف المستشفى الميداني التي تسعف المصابين!! أو بالمزيد من التصريحات المستفزة من الفنجري (الحديث مرة أخرى عن أجندات خارجية تحركهم) أو من الحكومة (شكر الداخلية على أداء واجبها!! وأنها التزمت ضبط النفس ولم تطلق الأسلحة النارية مطلقا) طبعا هذا التصريح ليس مستغربا من العيسوي.
ولاشك أن كثيرا من افراد جماعة الإخوان المسلمين أنفسهم – وأنا واحد منهم- أصابهم ما أصاب باقي الثوار من مشاعر الحرقة على هذه الدماء الذكية التي سالت بغير وجه حق ليس على يد الجيش الإسرائيلي وإنما علي يد الشرطة المصرية! وجاء في بيان جماعة الإخوان بالحرف أنا ما حدث بحق المعتصمين هو "إجرام في إجرام".
إلا أنهم في النهاية فرقوا بين ماهو سياسي وماهو إنساني كما بينت في المقال السابق.
2- وجهة نظر أخرى تسود ثائري الميدان الآن وتتبناها الكثير من الحركات الليبرالية والعلمانية، مفادها أن المجلس غير أمين على الاستمرار في إدارة المرحلة الإنتقالية أكثر من ذلك، وأنه فشل خلال عشرة شهور في احلال الأمن أو القضاء على بقايا النظام السابق. والأهم من ذلك هو ظهور نواياه في الاستمرار في الحكم بشكل واضح وقاطع وجلي وغير قابل للشك. وبالتالي الثورة أخطأت حين وثقت في المجلس العسكري واخطأنا حين خرجنا من الميدان دون أن يتسلم الثوار السلطة، وعليه فقد عدنا مرة أخرى إلى الميدان ولن نغادره حين نأخذ كل مطالبنا الآن دفعة واحدة وعلى راسها أن يتسلم السلطة السلطة السياسية إما مجلس رئاسي مكون من شخصيات اتفقوا بشكل كبير عليها أو لحكومة انقاذ وطني يشكلها نفس الشخصيات أو مزيج من الخيارين. ويبقى محاكمة قتلة الشهداء من أهم مطالب الثوار جميعا. (من النكت التي انتشرت أنهم ينتظرون قتل بقية الثوار حتى تتم المحاكمة مرة واحدة!)
***
وأنا أريد أن أقول هنا أن كلا الطرفين معه حق فيما يقول. فالمجلس العسكري في نظر الكثيرين متواطئ ضد الثورة وأثبت مرارا وتكرارا أنه ما هو إلا امتداد لنظام مبارك يفكر بنفس عقليته ويقوم بنفس أفعاله، بل أشد. وكيف لا وقد اختارهم على حياة عينه فردا فردا.
إلا أن تأجيل الإنتخابات أو الغائها سيأتي بنتيجة عكسية تصب في صالح المجلس العسكري نفسه لأن الأوضاع غير مناسبة في الوضع الراهن لتسليم السلطة (وكثير من النخبة المنافقة والأحزاب الكرتونية تتوسل إليه يوميا ليفعل ذلك).
***
ماذا تحتاج مصر الآن؟
أن نعرف عدونا من صديقنا. فكما قلت سابقا أن من أكثر تعريفات "السياسة" المفضلة لدي "هي فن معرفة العدو من الصديق".
فالمجلس العسكري يعيق عملية التحول الديمقراطي لاشك، ويريد لعب دورا في الحياة السياسية مستقبلا لا ريب، وقطع على نفسه الكثير من الوعود ونقضها أكثر من مرة لا جدال، ولم تختلف أفعاله كثيرا عن أفعال مبارك بل أشد (قتل الثوار في الشوارع – محاكتهم عسكريا (12 ألف حالة منذ تولى السلطة)، غلق قنوات فضائية – فرم أعداد من الصحف – مد قانون الطواررئ- الشهادة لصالح مبارك في المحكمة...إلخ) لا مراء في ذلك. ثم اختتم الأمر بمجئ السفير الأميريكة الجديدة التي أحرقت باكستان منذ شهرين (تقريبا موعد خروج وثيقة السلمي)
وفي نفس الوقت، فإن جماعة الإخوان المسلمين كانت من أشد المعارضين لنظام مبارك ومن أهم الفصائل التي شاركت في الثورة، ودفعت الثمن مثلها مثل الجميع بالدم والسجن، ولم يحسب عليها مرة واحدة أنها كانت مقربة من النظام أو تسانده أو تساعده لتحظى بشء من حطام الدنيا. أذكركم بحجم المعتقلين من الإخوان، وبالسنوات التي قضاها الإخوان أكثر من أي شخص أو فصيل آخر في محاكمات عسكرية في السجون وراء القضبان. أذكركم بحجم الأموال الضخمة التي صودرت من رجال شرفاء كدحوا طويلا لبناء هذه الشركات والمؤسسات الاقتصادية لتحسين الاقتصاد المصري. أذكركم بموقف الإخوان يوم موقعة الجمل وكيف قدموا الشهيد تلوا الشهيد على الرغم أن الثورة لو فشلت لا قدر الله لكانت أعناق هؤلاء أول من سيذهب إلى الإعدام.
أبعد كل هذا ونتيجة موقف سياسي معقد، اتفقنا فيه على الأهداف واختلفنا فيه على الوسائل يحدث انشقاق بين الثوار إلى هذه الدرجة؟؟
لماذا لا يختلف الثوار – وهم مختلفون منذ الاستفتاء- مع التأكد على أنهم يد واحدة وأنهم لا يخوّن بعضهم بعضا، وأن مصلحتهم واحدة وغايتهم واحدة وإن اختلفت الوسائل؟ لماذا يصرّ البعض على أن نعارض المجلس بالطريقة التي يراها هو وليس بالأسلوب الذي نراه نحن؟ الأنه موجود في ميدان التحرير رمز الثورة المصرية وأيقونة الربيع العربي؟ وهل الميدان غريب عنا؟ هل تأخرنا عنه حين وقر في ضميرنا أن النزول إليه واجب وطني لا محالة؟
أذكركم أيضا أن الإخوان من أقدم الفصائل الساسية في مصر (80 عاما) ولها من الخبيرة والذكاء السياسي الكثير والكثير، فهل إذا كانت تفضل مصلحتها الخاصة – ممثلة في الانتخابات كما يزعمون- تقدم على خسارة جزء من رصيدها لدى الشعب بقرار عدم المشاركة؟ أم تنزل على رغبة الجماهير المصوتين وتزداد شعبيتها بين الناس؟ وهل كانت ستسلم ساعتها من الانتقاد؟ سيقال أن جماعة الإخوان ركبت الموجة، وأنها السبب في حالة عدم الاستقرار التي نعيشها، وسيتململ المجلس العسكري متسائلا: ماذا يريد هؤلاء؟ تسليم السلطة؟ حسن.. الانتخابات بعد أسبوع، فماذا تريدون؟؟ ثم يتهمنا جميعا قائلا: أنتم المسؤولون بمراهقتكم السياسية عن تطور الأمور وتعقدها بهذا الشكل، وخروجها عن السيطرة .. حسن.. الوضع غير مستقر وتؤجل الانتخابات حتى حين!
لماذا لا يكمل ثوار الميادين نضالهم ضد المجلس مستمرين في الضغط علىه، ويستمر الإخوان في نضالهم القادم عبر الصناديق، وأيما الأجلين قضيت فلا عدوان على أحد.. قد يكون هذا الكلام رومانسيا لكنني أهيب بكلا الطرفين؛ ثوار الميادين وثوار الصناديق ان يخلصوا النية لله عز وجل أن يرزق مصر الخير والصلاح حتى وإن أتى على يد الآخر وليس عن طريقه. فإن نجح ثوار التحرير في استلام السلطة من العسكر الآن فهنيئا لمصر، وإن نجح ثوار الصناديق اتمام الانتخابات وتشكيل البرلمان فهنيئا لمصر أيضا.
إما أن نبقى منقسمين يخوّن بعضنا بعضا؛ فلا فائز في هذه المعركة إلا المجلس العسكري الذي تبع نفس السياسة القديمة "فرق تسد"Divide and rule ليشق مكانا له بين الثوار إلى الأغلبية الصامتة، ليقنعها أن النخبة لا تريد إلا مصلحتها، وأنه لا استقرار إلا باستمراره، وأن المجلس هو الحل، وما ميدان العباسية منا ببعيد.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
هذا ما لدي.. فماذا ترون؟