ضرورات سياسية
(علاقةالمجلس العسكري والقوى الوطنية)
السياسة ليست بالانطباع، ومن لم يع هذا الدرس حين وافقنا على احتيار عصام شرف رئيسا لوزراء حكومة الثورة لمجرد أنه شارك في مظاهرة مجلس الشعب الشهيرة خلال الثورة (بالمناسبة أنا أيضا شاركت فيها فهل يحق لي المطالبة بحقي في الوزارة؟؟) فعليه أن يعي هذا الدرس جيدا وهو يتعامل مع التسعة عشر لواء الذين يديرون المجلس العسكري أو بالأحرى يديرون مصر في هذه الفترة الدقيقة من تاريخ الأمة..

علاقة المجلس بالقوى الوطنية مرت بمراحل ثلاث
ذلك أن المجلس العسكري يعرف أن أن الشعب المصري طيب وعاطفي بطبعه. فببضع كلمات أعلنها عن تبني المجلس العسكري لمبادئ الثورة وأنهم رفضوا أوامر بالطلاق النار على المتظاهرين (وهو الأمر الذي نفاه طنطاوي لاحقا) وبتحية عسكرية ألقاها الفنجري على الهواء مباشرة تعظيما لدماء الشهداء التي سالت على أرض مصر أضحى المجلس العسكري في يوم وليلة شريكا في الثورة.
وتغافل الثوار ومن ورائهم الشعب المصري عن دور هذا المجلس السلبي (بل والمتواطئ) أثناء الثورة وأنهم بعثوا إلينا صبيحة موقعة الجمل من يهددنا ويأمرنا باخلاء الميدان وإلا ستحدث لنا مجزرة!!
نسينا أنهم وقفوا يتفرجون على خيرة شباب مصر وهم يضربون بالرصاص الحي أو يحترقون بزجاجات المولوتوف التي تلقى عليهم من أعلى كوبري 6 أكتوبر. لم يحركوا ساكنا واحتموا داخل المتحف المصري الذي شكلنا وقتها نحن درعا بشريا أمامه من أي سوء وكنا نهتف: حماة الوطن يا حماة الوطن.. نموت نموت ويحيا الوطن!!
لم يتحركوا إلا بعد أن سقطت إحدى زجاجات المولوتوف على سيارة متهالكة للجيش فسارعوا لانقاذها هي، لا نحن. لم يحركوا ساكنا رغم أننا ذهبنا إليهم بخرطوم مياه ضخم (مطافي) وطلبنا منهم وهم داخل المتحف مدنا بالماء إلا أنهم أغلقوا أبوابهم أمامنا وههدونا بالتدخل ضدنا إن لن نكف عن هذه المناشدات!!
***
المهم.. طويت صفحة الماضي.. واعتبرنا جنرالات المجلس العسكري (وهم أبناء مبارك وأحباءوه، ومن عينهم على حياة عينه فردا فردا) شركاء في هذه الثورة العظيمة التي اسقطت – بفضل الله عز وجل – واحد من أكبر طواغيت التاريخ وفراعنته: حسني مبارك.
لماذا أقول هذا الكلام اليوم؟
أقول هذا الكلام لأن خبرا غريبا أتانا أمس يستحق أن نتوقف أمامه حتى لا نكرر نفس أخطائنا كثوار في التعامل مع المجلس العسكري (التعامل بالانطباع). فالخبر الذي أتانا أمس يعتبر انجازا كبيرا للثورة في هذه المرحلة وتراجعا من قبل المجلس العسكري، إلا أننا يجب أن نضعه في اطاره ونبحث عن أسبابه ليس أكثر.
طالعتنا الصحف والقنوات الفضائية بهذا الخبر كالتالي:
اجتماع دام لمدة أربعة ساعات كاملة بين المجلس العسكري من جهة بحضور كل من المشير طنطاوي والفريق سامي عنان اللواء العصار واللواء ممدوح شاهين واللواء مختار الملا (الفريق بكامل نجومه)، وبين عدد من القوى السياسية ومرشحي الرئاسة من جهة أخرى بينهم المرشحين المحتملين للرئاسة عمرو موسى ومحمد سليم العوا، و الدكتور محمد مرسي عن حزب الحرية والعدالة و المهندس أبو العلا ماضي رئيس حزب الوسط، والدكتور السيد البدوي رئيس حزب الوفد، والمستشارة تهاني الجبالي، والدكتور حسام عيسى والاستشاري ممدوح حمزة، وعماد عبدالغفور رئيس حزب النور محمد أبو الغار رئيس الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي ونجيب ساويرس ورئيس الحزب الناصري سامح عاشور.
فيما اعتذر عن عدم الحضور على أن كلا من البرادعى وأبو الفتوح وحمدين صباحى وهشام البسطاويسى وأحمد مكى ومحمد أبو الغار، اعتذر عن الحضور.
وتمخض هذا الاجتماع عن مجموعات قرارات هامة للغاية تلبي الكثير من طلبات الجماعة الوطنية مثل:
- إنشاء مجلس استشارى للمجلس الأعلى للقوات المسلحة، يضم عددا من المفكرين والسياسيين وشباب الثورة، يقدم له المشروعات والتصورات والطلبات.
- تاييد حكومة الدكتور الجنزوري مع التأكيد أنها حكومة مؤقتة تنتهي مهمتها يوم 11 مارس القادم (أي عقب الانتهاء من انتخابات مجلس الشور مباشرة)
- التأكيد على أن دور الجيش في أي دستور قادم سيظل كما كان في الدستور القديم (نسف لبنود وثيقة السلمي) وهذا التصريح أتى من طنطاوي شخصيا.
***
هذا هو الخبر، فكيف نقرأ هذه التطورات؟؟
لا يمكنني أن أقول أن المجلس العسكري كان يريد حقا تسليم السلطة، وأنه غير راغب في الاستمرار!! فكل أفعال المجلس العسكري خلال الأشهر الأخيرة تؤكد تمسكه بالحكم بصورة صارخة. ولا يمكن لأي شخص أن يقنعني أن الدكتور علي السلمي خرج علينا بهذه الوثيقة – والتي تجعل من جنرالات المجلس العسكري "آلهة" لا يسألون عما يفعلون- من بنات أفكاره أو حبا في المجلس العسكري!!
ولا يمكنني أن أقرأ خبر مظاهرات العباسية المؤيدة له على أنها عفوية وتلقائية ناتجة عن غرام سياسي بين الجماهير والمجلس العسكري!! هذا كلام ساذج.. إنما هي مثل سابقيها من المظاهرات التي أخرجها النظام السابق في روكسي ومصطفى محمود!!
***
فلماذا هذا التراجع إذن؟؟
يمكننا أن تقرأ المشهد كالتالي:
علاقة المجلس العسكري بالقوى الوطنية (وعلى رأسها الإسلاميين لثقلها في الشارع) مرت بثلاث مراحل:
1- مرحلة التقارب: وهي التي أعقبت الثورة مباشرة رغبة في المجلس العسكري في تمرير الاستفتاء الذي يعطيه شرعية ادارة المرحلة الانتقالية. فتفويض مبارك له بإدارة شؤون البلاد كان غير دستوري، وكان من المفترض أن يتولى شؤون البلاد رئيس مجلس الشعب (فتحي سرور).
وكما قال الدكتور العوا أمس "لو قعد الناس في بيوتهم يومها ولم يذهبوا للاستفتاء لسقط المجلس العسكري." ولضمان حدوث ذلك قام المجلس باختيار قامات وطنية لها احترامها وقبولها ويثق الشارع فيها في لجنة صياغة التعديلات (مثل المستشار طارق البشري على رأس اللجنة، والدكتور صبحي صالح في عضويتها)
2- مرحلة الخصام التي وصلت في لحظة ما إلى ما يشبه "الطلاق السياسي" بين المجلس العسكري والقوى الوطنية وعلى رأسهم الإسلاميين. وحدث ذلك نتيجة عرض مغر قدمته بعض القوى العلمانية للمؤسسة العسكرية )على طريق المافيا: عرض لا تستطيع رفضه (An offer you can’t refuse! ملخصه أن يعطوا المجلس وضعا مميزا للغاية في الدستور الجديد (وهو ما تُرجم في وثيقة السلمي)، وأنهم سيتغاضوا عن أي ملفات فساد قديمة مقابل حفظهم على علمانية الدولة وعدم وصول الإسلاميين للحكم. من هنا ثارت الخلافات بين الطرفين وانكسر جدار الثقة بينهم وبين المجلس العسكري تماما..
والاعلان عن هذه الصفقة أتى من شخصيات عدة وقتها، منها الكاتبة والمدونة نوارة نجم في مدونتها وعلى حسابها على تويتر منذ عدة أشهر نقلا عن شخصية نافذة في هذا المعسكر العلماني. ثم أعادت نفس الكلام بتاريخ 14 أغسطس على حسابها على تويتر وقالت أن تميم (يبدو أنه تميم البرغوثي) قال لهذا الشخص أنكم بهذا الباب تفتحون الباب لأمريكا! فقال له: وايه يعني المهم مايوصلش الإسلاميين للحكم!!
من هنا كبرت أحلام جنرالات العسكر في الانفراد بحكم البلاد فأعلنوا تمسكهم بوثيقة السلمي ولم يبالوا بتهديد القوى الوطنية (وعلى رأسهم الإخوان) بالنزول للشارع أكثر من مرة (وهي قوى محافظة بصورة عامة لا تلجأ للنزول للشارع إلا في المصائب والضرورات القصوى من باب "آخر الدواء الكي".
فرد المجلس العسكري على ذلك بتفجير الوضع في ميدان التحرير الأسبوع الماضي وبث صور القتل الوحشي في القنوات لوضع هذه القوى أمام خيارين، إما النزول إلى الشارع وبالتالي تحميلها أعمال العنف والبلطجة التي ستحدث (وقد حدثت فعلا في عدة محافظات) الأمر الذي ينتج عنه تأجيل الإنتخابات وربما حملة اعتقالات في صفوفهم.. أو عدم النزول للشارع فتفقد هذه القوى شعبيتها في الشارع، وفي كلا الحالتين تضعف قدرة هذه القوى على الضغط على المجلس، فيتمكن من تمرير الوثيقة.
3- إلا أن تطورا جديدا قد جد في الساحة السياسية الأسبوع الماضي. حيث بدأ الحديث في الميدان عن تشكيل مجلس رئاسي مدني. وفجر الدكتور العوا مفاجأة أمس عقب لقائه مع المجلس حيث قال أن مجموعة من الذين يتبنون هذا الطرح في حالة من التنسيق مع بعض القوى الأوروبية والغربية التي أكدت أنها ستعترف بهذا المجلس فور الإعلان عنه!! لسحب البساط من تحت المجلس العسكري والقوى السياسية التي يعتقد أنها ستفوز في الانتخابات.
ويأتي هذا الكلام مع تصريحات لأمريكا وفرنسا يطالبون المجلس العسكري بتسليم الحكم لسلطة مدنية منتخبة..
وقال العوا أنه علم أن مجموعة من الشباب معهم كمية كبيرة من كرات التنس حقنوها بالبنزين (حتى إذا ما اشعلت تحولت إلى كرات من النار) واتجهوا صوب ماسبيروا لاحداث اشتباكات قوية وعنيفة مع قوات الأمن هناك، في نفس الوقت يتم الاعلان عن المجلس الرئاسي في التحرير (وحتى تكتمل الطبخة لا بد من الزج بأسماء شخصيات محترمة لها قبول في الشارع)، إلا أن أمرهم كشف واشتبكوا مع هؤلاء الشباب (الذين أصبح اسمهم شبتب التنس) ثم هطلت الأمطار بغزارة أمس في القاهرة فتفرق الجميع)
كل هذه التطورات ملأت المجلس العسكري رعبا وجعلته يعود لأحضان الجماعة الوطنية المخلصة للوطن (داعيا معهم رجاله المخلصين له هو أيضا) مجددا ملبيا لهم كل طلبات الثوار ومبديا الندم على ما كان منه من طموح في السلطة، ومؤكدا على اجراء الانتخابات في موعدها كوسيلة شرعية لانتقال السلطة، وهي وسيلة آمنة على كل حال لأن القوى المتوقع فوزها في الانتخابات أعلنت مرارا أنها تقبل الصفح عن تجاوزات المجلس المالية التي حدثت أيام مبارك و عن طي صفحة الماضي رغبة منها في أن ترسوا بسفينة الوطن. وبالفعل جاءت بعض التصريحات من بعض الرموز الوطنية المؤيدة للمجلس في هذه المرحلة الدقيقة.
خلاصة القول المجلس لم يفعل ذلك طائعا مختارا.. ولو أن الفرصة واتت المجلس العسكري للانقلاب على هذه الوعود والتعهدات مرة أخرى لفعل. لا يجب أن نتعامل مع المجلس بالانطباع، حتى نطمئن على تسليم الحكم لسلطة مدنية منتخبة مكونة من برلمان ورئيس مدننين منخبين. أما أن نعطي مطلق للمجلس فهذه جريمة في حق الثورة. وكم أعجبتني مقولة أحد الأصدقاء واصفا رغبة المجلس العسكري في الحكم: إذا انفرد المجلس العسكري والقرارات (يعني بدون ضغط من الشارع) كان الشيطان ثالثهما! وأضيف أنا وأقول أنه إذا استمر المجلس العسكري في الحكم لا قدر الله تعالى فإنه من غير المستبعد أن تنشئ وزارة الداخلية في عهده صفحة على الفيسبوك اسمها "كلكم خالد سعيد".. J
وحتى يضيق صدري بأشياء أخرى..
لكم مني سلام..


