"خذوا حذركم، فأضلاع الثورة المضادة ثلاثة: الجنرالات والقضاة
والإعلام".. هذا ما قاله الأتراك للمصريين عقب الثورة المصرية، وقيامهم
بزيارة مصر لتعزيز علاقات مر وقت طويل حتى بدأت تأخذ مجراها الطبيعي.
ولم يمض وقت طويل حتى تم إقالة المجلس العسكري في عملية جراحية شديدة
الدقة، مرت دون آثار اجتماعية أو سياسية تذكر، انطلق الإخوان بعدها لاستكمال
مؤسسات الدولة وعلى رأسها الدستور.
وقد لعبت قوى الثورة المضادة وعلى رأسهم القضاة المحسوبين على النظام
القديم - ولاسيما قضاة الدستورية - دورا رئيسيا في عرقلة تكوين الدستور، وظلت تهديداتهم بحل كل ما هو منتخب سيفا مسلطا
على رقاب الثوار! حتى خرج الرئيس بنفسه وأعلن من أمام قصر الاتحادية أن هناك
مؤامرة لحل الجمعية التأسيسية وحل مجلس الشورى كما حُلَّ مجلس الشعب، وأن قضاة
مشتركون في هذه المؤامرة!
وتعالت الأصوات المعارضة للرئيس - بحسن وسوء ونية - تطالبه بالإفصاح
عن تفاصيل هذه المؤامرة والفيديو الذي أشار إليه أمام قصر الاتحادية في وقت أعلن
الكثير من رؤساء المحاكم والنيابات إضرابهم عن العمل!
هنا حدث مشهد يجب التوقف عنده مليا! مشهد دخول أعضاء المجلس الأعلى
للقضاء للقاء الرئيس مرسي عقب تصريحاته المشار إليها، وهم يتحدثون بنبرة تحمل
الكثير من التحفظ تجاه الرئيس، ثم خروجهم بعد اجتماع دام ما يرقب من خمس ساعات
ليعلنوا عن شيئين مهمين للغاية:
1- قبولهم الإشراف على
الاستفتاء على الدستور!
2- دعوتهم رؤساء المحاكم
والنيابات إلى تعليق إضرابهم عن العمل!
ولا يدري أحد ماذا جرى في الغرف المغلقة، ولكن الأمر يبدو واضحا في
رأيي! حدثت مقايضة؛ لا يكشف بموجبها الرئيس مرسي عن الفيديو المشار إليه وغيره من
الأدلة التي تدين بعض القضاة، في مقابل قبولهم الاستفتاء على الدستور وتعليق
الاعتصام، وقد كان! وإذا عرفنا أن أي قاض ممنوع من الإدلاء بأية تصريحات في أي قضية
حال النظر، فما بالكم بتهاني الجبالي وهي تصرح في ذلك الفيديو المشار إليه بأنهم
سيحلون الشورى كما حلوا مجلس الشعب من قبل! العقوبة سجن فيما أعلن غير اهتزاز صورة
القضاء للأبد!
***
لماذا أجل الإخوان هذا الملف حينها؟
للأسباب التالية في رأيي:
1- كان لابد من موافقة القضاة لكي يشرفوا على الاستفتاء على الدستور.
2- كان لابد من موافقة القضاة كي يشرفوا على
انتخابات مجلس النواب التي كان من المزمع إجرائها عقب الاستفتاء على الدستور مباشرة.
وكان من البديهي أن استكمال مؤسسات الدولة وعلى رأسها الدستور له أولوية
مطلقة.
***
من اختار
توقيت فتح هذا الملف؟
لا شك عندي أننا نحن من اخترنا هذا التوقيت! فقد أعلنت عدة قوى سياسية
للتظاهر أمام دار القضاء العالي ولم تكن هناك أي مشكلة! لكن إعلان جماعة الإخوان
المسلمين وحزب الحرية والعدالة مساء الأربعاء أنهم سيشاركون في مظاهرات الجمعة
أثار غضب القضاة بشدة لعلمهم أن دخول الإخوان على الخط يغير من قواعد اللعبة
تماما!
لماذا
اختار الإخوان هذا التوقيت؟
لذات الأسباب التي أجل الإخوان من أجلها فتح هذا الملف سابقا! فقد تم
الاستفتاء على الدستور بنجاح رغم محاولة بعض القضاة عرقلة الأمر والانسحاب إلا أن
إجراء الاستفتاء على مرحلتين جعل لكل قاض أكثر من بديل. في نفس الوقت فإن تأجيل الانتخابات
البرلمانية لما يقرب من ستة أشهر جعل هناك متسعا من الوقت لفتح هذا الملف!
ماذا
يريد الإخوان من القضاء؟
لا شك عندي أيضا أن الإخوان - عكس ما قد يبدو - لا يريدون الاصطدام
بالقضاة، وأنهم يرسلون بهذه الرسالة في الخفاء وفي العلن! وفي الوقت الذي كان
الإخوان يتظاهرون في الشارع لتطهير القضاء كان الرئيس مرسي يجتمع مع مجلس القضاء
الأعلى أعلى هيئة رسمية تمثل القضاة! إنما يريد الإخوان من القضاة التالي:
1- أن يتخلوا عن الامتيازات "السفيهة" التي كانوا يتمتعون
بها في السابق هم وأزواجهم وأولادهم وأقاربهم...إلخ ولا شك أن أي قانون جديد
للسلطة القضائية لن يشتمل على هذه الامتيازات الضخمة التي كانت في السابق!
2- أن ينأى القضاة بأنفسهم عن السياسة! وأي شخص لا يرى دور القضاء في
حصار الثورة وإعادة إنتاج الثورة المضادة لديه
ضعف في عدساته الثورية!
إن المعركة مع القضاة ليست قانونية، وإنما هي سياسية بامتياز! لذلك
فلا أعتقد انه سنحدث انفراجة في نقطة دون أخرى! فرفع الحصانة عن الزند وأزمة
النائب العام ودعوى حل مجلس الشورى وقانون السلطة القضائية والإشراف على
الانتخابات... كلها سلة واحدة أعتقد أنها ستناقش في مؤتمر القضاة الذي سيحضره
الرئيس قريبا أو ربما تم حدث اتفاق بالفعل، وأرى أن بنوده كالتالي:
1- استقالة النائب العام
الحالي طلعت إبراهيم وتعيينه وزيرا للشؤون البرلمانية والقانونية كنوع من التكريم
له، ولاسيما بعد الدور الذي أداه في قضية قتل المتظاهرين المتهم فيها مبارك
والعادلي ومساعديه. (أعلن المتحدث باسم النيابة أن هناك أدلة جديدة وفيديوهات
ستدهش مبارك ومن معه)
2- استقالة نائب عام مبارك عبد
المجيد محمود ولاسيما بعد ثبوت قبوله لهدايا الأهرام!
3- تعيين نائب عام جديد
بالتوافق مع مجلس القضاء الأعلى لا هو محسوب على نظام مبارك ولا على الثورة!
4- إصدار قانون للسلطة القضائية يضمن احتفاظ القضاة ببعض امتيازاتهم مع
تخليهم عن سلطاتهم المطلقة وينهي تدخلهم في السياسة.
5- إشراف القضاة على
الانتخابات القادمة ولاسيما بعد قبول جبهة الخراب المشاركة فيها!
إذا حدث ذلك فسيكون الرئيس مرسي قد حقق في وقت قياسي نجاحا آخر في هذا
الملف الشائك بعد تحييد العسكر بصورة نسبية! عندها سيكون الطريق مفتوحا لبناء دولة
قانون مستقرة إن شاء الله!
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
هذا ما لدي.. فماذا ترون؟