مرحبا بك في مدونة شيء في صدري يمكنك اختيار المقال الذي تبحث عنه من القائمة على اليمين.. ومهما كان انتي مصر.. وكل خطوة بنصر.. الله أكبر وتحيا مصر

Welcome to the personal blog of the Egyptian Writer and political analyst Dr. Ahmed Nassar. You can choose the article you need from the list lower right

الأحد، 15 يناير 2012

عشر نقاط مشتركة بين الشطرنج والسياسة!!


بين الشطرنج والسياسة

(عشر نقاط مشتركة بين عالم الشطرنج وعالم السياسة)


1 - كن "الفعل"و لا تكن "رد الفعل":

-2 المرونة والجمود

-3 التحليل.. التحليل..التحليل..

-4 احذر الخطأ

-5 إخفاء النوايا:

-6 توزيع الأدوار

-7 التضحية بالمصلحة الخاصة من أجل المصلحة العامة.

- 8 الترقية

9-حماية أم عزلة؟

10 -العبرة بالنهاية


مقدمة:

لطالما شبهت السياسة بالشطرنج، والحقيقة أنهما متشابهين في الكثير من الأمور، فلا عجب أنها لعبة الملوك والقادة!..ولعلني أول من يتحدث عن هذا الأمر بهذا الربط، الذي يبدو غريبا للبعض..إلا أنني كالعادة لدي دوافعي..



لم أكد أتم السبع سنوات حتى توالت الأحداث السياسية على المنطقة لدرجة تجعل الحليم حيران، وتقحم غير المهتم بالسياسة فيها، وتجعله على دراية بالكثير من أمورها، محللا للكثير من تناقضاتها، متسائلا عن الكثير من أحاجيها وحيلها

بدأت الأحداث مع سقوط جدار برلين، حرب الخليج الثانية، أوسلو، حصار العراق، النفط مقابل الغذاء، غزة-أريحا، البوسنة والهرسك..

نتنياهو،ضرب يوغوسلافيا، انتخاب باراك، تحرير الجنوب اللبناني، سقوط باراك، الانتفاضة الثانية (وطبعا سألت وقتها عن الأولى)..

مغني طوال النهار في التلفاز يشدو بأغنية "أخي جاوز الظالمون المدى" عرفت بعدها أنه موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب..

كم رهيب متسارع من الأحداث لدرجة تجعل أي نقاش مع أي مواطن غربي عموما أو أميركي خصوصا تصيبه بالانبهار من قدر المعلومات التي يكتشف أن نظيره الأصغر سنا في هذا البلد الفقير من ذلك العالم الثالث النائي على دراية بها!

***

ومنذ نعومة أظافري وأنا مولع بالشطرنج، لا أنكر ذلك، هذا شرف لا أدعيه وتهمة لا انفيها.. ولا عجب أن كلاهما (الشطرنج والسياسة) متشابهان في الكثير من الأمور.. منذ زمن وددت الحديث في هذا الموضوع، والآن حان الوقت أن أشارككم فيه، لعلني مصيب في بعض النقاط، وأحتاج إلى التقويم في البعض الآخر..


وغني عن الذكر أن الملم بالشطرنج من ناحية سيستمع أكثر من غيره بهذا الكلام، ومن ناحية أخرى فإن المنخرط في أي نشاط سياسي (وليس بالضرورة العمل الحزبي الجديد علينا، فالعمل الحزبي مسار واحد فقط من ستة مسارات للعمل السياسي) سيشعر بهذا الكلام أيضا أكثر من غيره

***

11

كن "الفعل" و لا تكن "رد الفعل":

يفضل العديد من المبتدئين في الشطرنج – وربما بعض الناضجين غير المتعمقين- اللعب بالأبيض بدلا من الأسود في الشطرنج.. ولهذا أسباب عدة.. ربما لأنهم بطبيعتهم يحبون اللون الأبيض عن اللون الأسود، وربما لأن الأبيض يبدأ في اللعب، وربما لأسباب تكتيكية وخططية ليست محل نقاش الآن.. الشاهد أننا نتعلم منذ الصغر أنه لا فرق مطلقا بين الجيش الأبيض والجيش الأسود، إلا في نقطة واحدة فقط، ألا وهي المبادرة!

فالأبيض يكون معه المبادرة (المبادأة) لمرة واحدة في بداية الدور، أي انه يكون "الفعل"، بينما الأسود يكون "رد فعل" للخطوة التي يلعبها الأبيض.

كذلك السياسة، هناك أفعال، وهنا ردود أفعال! هناك من يبادر وهناك من يجلس وينتظر، ليرى كيف يتحرك المنافس ثم يبحث عن أفضل رد على حركته!

إن الأفضل في الشطرنج – وفي السياسة بطبيعة الحال – أن يكون خصمك رد فعل لك، لا أن تكون أنت رد فعل له. قم بالمبادرات والمحاولات واجعله يجهد ذهنه محاولا مقاومة نفوذك الذي ينتشر ويتمدد، فلا يفكر في مهاجمتك والقضاء عليك..

ولا يعني ذلك ألا تخطو الخطوة المناسبة لخطوة خصمك السابقة، والتي حتما ستتغير بناء على خطوته تلك، وهذه هي النقطة الثانية ..

2- المرونة والجمود:

لاعب الشطرنج الفذ- وكذلك السياسي الناجح – يتسم بقدر كبير من المرونة، ولا يعرف مطلقا صفة الجمود!!

صحيح أن لاعب الشطرنج الذكي يخطط لأكثر من لعبة مستقبلية، وإلا كان لعبه ارتجاليا عشوائيا!! إلا أن ذلك لا يمنعه من تغيير خططه سريعا، بناء على خطوة منافسه.. وكذلك السياسي الناجح، الذي يغير حساباته متى تطلب الموقف ذلك..

وأحب أن أؤكد فقط هنا على نقطتين:

أ‌- - التغيير لا بد أن يكون وفق قواعد كلية حاكمة، يرتكن إليها اللاعب ،أو إستراتيجية عامة يتبعها أثناء المباراة، وإلا أدت هذه المرونة وهذا التغيير المتكرر إلى العشوائية من جديد، ويعطي بذلك الخصم الفرصة لسحب زمام المبادرة منه..

وكذلك السياسي، ينظر إلى المشهد بعين المراقب الخبير، ويحاول أن يبحث عن نصر فيه، عالما بأنه لكل حادث حديث، ولكل موقف حساباته!

وأشهر الكلمات التي قيلت في ذلك كلمة وزير المستعمرات ثم رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل: "ليس هناك اصدقاء دائمون أو أعداء دائمون ولكن هناك فقط مصالح دائمة"..

والمصالح "الدائمة" تتطلب تحالفات وتجاذبات تختلف من وقت لآخر حسب الحاجة.. ومن المعروف أن بريطانيا وفرنسا دعما "أدولف هتلر" بعد توليه منصب المستشارية الألمانية العام 1933 بالمال والحديد الصلب، رغم معرفتهم التامة بأفكاره النازية والعنصرية، ظنا منهما أنه سيتوجه بهذه الأفكار شرقا حيث الخطر الجديد القادم من موسكو.. "الشيوعية"، فلما جاءتهم المعلومات الاستخبارية صيف العام 1939 بأنه ينتوي مهاجمة لندن وباريس؛ أسقط في أيديهم، ونصبوا أنفسهم مدافعين عن "العالم الحر" ضد النازية والفاشية! (برجاء مراجعة كتاب المفكر الفرنسي روجيه جارودي: كيف نصنع المستقبل؟ الباب الرابع: هتلر كسب الحرب!

ولا يعني هذا التفريط في المبادئ من أجل المصلحة المادية البحتة! كل ما قصدته أن السياسي – كلاعب الشطرنج – لديه إستراتيجية عامة يتحرك فيها، لكنه قد لا يدري ما الخطوة القادمة التي يجب عليه اتخاذها..

ب‌-- -- أن مرونة الأشخاص أكثر يسرا من مرونة المؤسسات والكيانات الكبيرة.. هذا بديهي ومنطقي.. الصحيح أن يتحرك الأفراد بمبادرات فردية لا تتصادم مع الاستراتيجيات العامة للمؤسسة (أو الجيش في حالة الشطرنج) بل بالعكس تخدمها وتقويها.. ولا يجب أن يطالب هذا الفرد البقية بانتهاج نهجه وعمل المثل، فهي قدرات فردية في النهاية، ولا يصح أن يصف المؤسسة بالجمود فهي الأصل وهو الفرع..

ومن أروع الأمثلة من السنة الصحابي الذي أتى النبي صلى الله عليه وسلم بعد صلح الحديبية فلم يقبله النبي صلى الله عليه وسلم تنفيذا للاتفاق المبرم مع قريش، والذي ينص على أنه من أتى محمدا من قريش يرده إليه، ومن أتى قريشا من محمد لا ترده! فجمع الرجل زملاءه وقطع الطريق على قوافل قريش مما اضطرها لإلغاء هذا البند المجحف وتركت للجميع حرية الاعتقاد..

أعتقد لو سمعنا مثل هذا الموقف الآن لسمعنا سيلا من المزايدات والإساءات وألفاظ التخوين والتجهيل والعمالة والجهالة والقعود والتفريط!!


3- التحليل.. التحليل.. التحليل..

أي عمل سياسي ناجح قائم على تحليل الأحداث "أفعالا وردود أفعال" تحليلا جيدا وصحيحا..وكذلك لا عب الشطرنج يسأل نفسه: لم حرك خصمي هذه القطعة؟ لم تقدم بهذا الفرس إلى هذا المكان؟ هل يريد تهديدا حقيقيا؟ هل في الأمر خدعة، أم أنه فعلا مجرد سهو، جعله يترك هذه القطعة دون حماية؟؟

ولا شك أن التحليل الصحيح يؤدي إلى رد فعل صحيح، والتحليل الخاطئ يؤدي إلى كارثة قد تنهي الدور..

وأبرز مثال على ذلك نكبة يونيو 1967.. فجميع قرارات القيادة المصرية آنذاك أتت على تحليلات ومعلومات لا أساس لها من الصحة، أهمها تأكيدات (من الغرب والسوفييت) بأن إسرائيل لن تبدأ بالهجوم، وأن إسرائيل لا تستطيع مهاجمة مصر وحدها دون مساعدة أميريكا، وان جيشنا يستطيع تلقينها درسا قاسيا كما فعل سابقا متناسين حجم الفساد الضخم الذي أصابه...إلخ


وتخبرنا السيرة النبوية الشريفة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان حريصا على جمع معلومات دقيقة لاتخاذ مواقف صحيحة. ومثال ذلك حرصه على معرفة تعداد جيش قريش يوم بدر، ومعرفته ذلك بسؤاله: كم يذبح القوم؟ قالوا يوما تسعة (جمال) ويوما عشرة. فقال صلى الله عليه وسلم: القوم بين التسعمائة والألف.

وكثيرا ما تطالعنا السيرة بكلمة "استخبارات المدينة" وكأن النبي صلى الله عليه وسلم لا ينتظر الخطر حتى يداهمه، بل تجتمع عنده المعلومات قبلها بوقت كاف لاتخاذ ما يراه مناسبا (بمشورة أصحابه رضي الله عنهم)


4- احذر الخطأ!

لاعب الشطرنج حذر بطبعه، وكذلك يجب أن يكون السياسي (أفرادا أو مؤسسات أو دولا). كن على علم أن الخطأ قد يكلفك الكثير، ويجعلك تندم في وقت لا ينفع فيه الندم!

إن خطأ في الشطرنج قد ينهي الدور. وكذلك في السياسة، فإن خطأ قد يقضي على السياسي وينهي مستقبله.. وربما تعدى الأمر ذلك وأنهى معاهدات وتسبب في هزيمة دول بكاملها، وذلك حسب مقدار الخطا، و مصدره، وحجم استفادة الخصم منه.

وتخبرنا سيرة النبي صلى الله عليه وسلم أن فتح مكة تم نتيجة خطأ جسيم وقعت فيه قريش وأحسن النبي صلى الله عليه وسلم استغلاله أفضل استغلال. فقد اعتدت قبيلة بكر المتحالفة مع قريش على قبيلة خزاعة المتحالفة مع المسلمين رغم توقيع صلح الحديبية، ووصل بهم الأمر أن قتلوا خزاعة في البيت الحرام! فما كان من خزاعة إلا أن استنجدت بالنبي صلى الله عليه وسلم، فتم له فتح مكة!

ولا شك أن خطأ كلينتون مع سكرتيرته أثر عليه كثيرا، وكادت تطيح بمستقبله السياسي..وإن لم تفعل فإنها على الأقل قد استنزفته وشوهت سمعته عند الكثير من ناخبيه – ولا سيما النساء.

وخطأ نيكسون في فضيحة التجسس الشهيرة "ووترجيت" على مكاتب الحزب الديمقراطي أنهت مستقبله بالفعل، فكان أول رئيس أميركيي يستقيل!! وظلت هذه الفضيحة تلاحقه حتى وفاته. ونسى الجميع له أنه من سحب القوات الاميريكية من فيتنام – وقد كان على وشك ضرب فيتنام بقنبلة نووية! جراء الهزائم- ونسوا أنه أول من أمد إسرائيل بمساعدة مالية ضخمة 3 مليارات دولار أثناء حرب أكتوبر، وأنه أول رئيس أمريكييزور الصين. نسى الجميع له ذلك ولا يتذكرون له إلا ووترجيت،! حتى وافته المنية يوم 22 أبريل 1994 إثر نوبة قلبية شديدة وهو في الحادية والثمانين من عمره.. ورغم أنه قد أعلن يوم وفاته يوم حداد وطني في أمريكا وأغلق الكونغرس والمحكمة العليا وبورصة نيويورك وتوقف توزيع البريدونكست الأعلام إلى منتصف السارية في داخل أمريكا، إلا أن ذلك لم يشفع له!

***

5- إخفاء النوايا

ألف باء سياسة إخفاء النوايا! هذا صحيح لا مراء.. ولا يعني ذلك النفاق، بمعنى أن نظهر غير ما نبطن! لا والله! وإنما قصدت ألا يعرف خصمي حركتي القادمة، حتى لا يستعد لها..

ومثال ذلك إخفاء النبي صلى الله عليه وسلم وجهته في فتح مكة. فأخفى النبي صلى الله عليه وسلم وجهته عن الجميع بما فيهم أقرب الناس إليه، ولم يخبر أحدا إلا زوجته السيدة عائشة رضي الله عنها. وتخبرنا السيرة أن أباها سيدنا أبا بكر رضي الله عنه ذهب إليها سائلا: أيريد الروم؟ فلم ترد. فعاد يسأل: ايريد غطفان؟ فلم ترد. فخرج دون أن يحصل على جواب.

ومن أبرز الأمثلة على ذلك خطة الخداع الاستراتيجي الذي مارسها الجيش المصري قبل حرب أكتوبر. فقد كان مطلوبا من الجيش المصري الاستعداد للحرب دون أن يشعر العدو بأدنى تغيير!! وكان ذلك بمثابة تمرير فيل من أمام شخص يجلس في الصالة دون أن يراه!! فعلى سبيل المثال، كان شراء الجيش خراطيم مياه عملاقة لهدم الساتر الترابي سيثير انتباه اليهود للأمر. وكان إخلاء المستشفيات قبل الحرب لاستقبال الجرحى سيثير انتباه اليهود للأمر. وكان استيراد كشافات يدوية تحسبا لانقطاع الكهرباء اثناء الحرب سيثير انتباه اليهود للأمر. فما العمل؟؟

فما كان من الجيش المصري إلا أن جعل المطافئ تقوم باستيراد خراطيم المياه بدلا من الجيش، فضحك اليهود حتى بكوا قائلين أن المصريين استوردوا خراطيم تطفئ حرائق نصف الكرة الأرضية.

وفيما يخص المستشفيات، فقد سربوا فيروس السل إلىها وجعلوا الصحافة تكتشف الأمر وتنشر فضيحة المستشفيات العامة المليئة بالميكروبات فيدخلها الناس أصحاء يخرجون مرضى مما استدعى إخلاء جميع المستشفيات للتفتيش والتعقيم!

أما موضوع الكشافات اليديوية فقد جعلوا أحد ضباط المخابرات يتخفى ليشترك مع أحد المهربين في بعض عملياته حتى وثق به. ثم أقنعه هذا الضابط بتهريب شحنة كبيرة من اليدوية، واقتنع المهرب مع نسبة الربح الكبيرة. وقامت قوات الشرطة المصرية بضبط الشحنة، التي تم مصادرتها وفقا للقانون المصري!

وإمعانا في الاخفاء فقد تم ادخال الضابط قفص الاتهام في المحاكمة وصورت الصحافة الحكم عليه بالسجن!

ومن الأمثلة ايضا على ذلك تعامل حزب الله اللبناني مع العدو الإسرائيلي أثناء احتلال الجنوب.. فكان حزب الله يختار المكان والزمان والوسيلة المناسبة للرد، لا أن ينجر إلى موقعة يختارها العدو بنفسه..

وفي الشطرنج؛ هناك علامات على وصول اللاعب للمستوى الاحترافي، منها الخداع المزدوج! وتعني أن تخطو خطوة يحللها الخصم تحليلا ما، بينما أنت في حقيقة الأمر تطلب شيئا آخر! وهذا يتطلب مجهودا مضاعفا بطبيعة الحال.

***

6- توزيع الأدوار

من الأمور شديدة الشبه بين السياسة والشطرنج توزيع الأدوار. الفرس عن الفيل عن الوزير عن الملك!

العجيب في هذه اللعبة أن الملك يملك ولا يحكم! فهو من أضعف القطع نفوذا في الجيش. وهذا مطلوب فليس مطلوبا من المدير أن يؤدي كل شيء بنفسه، ومن يفعل ذلك فهو مدير فاشل.

إن قوة الجيش تكمن في إدراك اللاعب أهمية انتشار قواته على الرقعة، وسيطرته على وسط الملعب، وكيفية الاستفادة من كل قطعة، فلا يوجد قطعة ضعيفة أو قوية، يوجد فقط قطعة مهمة أو غير مهمة، واللاعب الذكي من يجعل كل قطعه مهمة.

وقد أكد النبي صلى الله عليه وسلم على هذا المعنى فقال: " أَرْحَمُ أُمَّتِي أَبُو بَكْرٍ , وَأَشَدُّهَا فِي دِينِ اللَّهِ عُمَرُ , وَأَصْدَقُهَا حَيَاءً عُثْمَانُ ، وَأَفْرَضُهُمْ زَيْدٌ , وَأَقْرَؤُهُمْ أَبِي , وَأَعْلَمُهُمْ بِالْحَلالِ وَالْحَرَامِ مُعَاذٌ , وَإِنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَمِينًا وَإِنَّ أَمِينَ هَذِهِ الأُمَّةِ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ" .

وفي الحديث تأكيد على معرفة النبي صلى الله عليه وسلم بقدرات من حوله وتوظيف كل شخص التوظيف الامثل.


7- التضحية بالمصلحة الخاصة من أجل المصلحة العامة.

وأقصد هنا أن هناك قطعا تم التضحية بها مقابل الصالح العام وهو الفوز بالمباراة.. وبديهي أن تستجيب قطع الشطرنج لذلك، لانها مصنوعة من الجماد، أما أن يقوم بشر من لحم ودم بذلك فلهي من إمارات العظمة والنجاح!

وقد أكد النبي صلى الله عليه وسلم على هذا المعنى، فقال: ( طوبى لعبدٍ آخذ بعنان فرسه في سبيل الله، أشعث رأسه، مغبرة قدماه، إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة، إن استأذن لم يؤذن له، وإن شفع لم يشفع ) رواه البخاري في الفتح 2887 .


يقول ابن الجوزي: المعنى أنه خامل الذكر لا يقصد السمو، فإن اتفق له السير سار، فكأنه قال: إن كان في الحراسة استمر فيها، وإن كان في الساقة استمر فيها".[فتح الباري 6/83].

ويقول ابن حجر: "فيه ترك حب الرئاسة والشهرة، وفضل الخمول والتواضع".[فتح الباري 6/83].

هذا الصنف من الدعاة هو الذي تنجح الدعوة به، أما المتطلعون للرئاسة والمناصب والشهرة فإنهم من دون شك يكونون أحجار عثرة في طريق الدعوة.

يقول الإمام الشهيد حسن البنا رحمه الله:

أيها الشباب: إنما تنجح الفكرة إذا قوي الإيمان بها ، وتوفر الإخلاص في سبيلها ، وازدادت الحماسة لها ، ووجد الاستعداد الذي يحمل على التضحية والعمل لتحقيقها . وتكاد تكون هذه الأركان الأربعة : الإيمان، والإخلاص ، والحماسة ، والعمل من خصائص الشباب . لأن أساس الإيمان القلب الذكي ، وأساس الإخلاص الفؤاد النقي ، وأساس الحماسة الشعور القوي ، وأساس العمل العزم الفتي ، وهذه كلها لا تكون إلا للشباب. ومن هنا كان الشباب قديما و حديثا في كل أمة عماد نهضتها ، وفي كل نهضة سر قوتها ، وفي كل فكرة حامل رايتها: (إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدىً)

(الكهف:13) .

الإمام الشهيد حسن البنا رحمه الله


8- الترقية

من المعلوم أن البيدق (العسكري) في الشطرنج إذا وصل إلى المربع رقم 8 فإنه يترقى إلى اي رتبة يريدها الاعب دون الملك (وليس وزير فقط كما يعتقد البعض) وتعتبر هذه الخطوة من الخطوات الحاسمة في المباراة.

كذلك الحركات السياسية، إذا أعطت فرصة للشباب لكي يدخل الساحة فإنها تدعم حاضرها وتضمن مستقبلها، بشرط أن يتم ذلك بالتدريج وفي رعاية الكبار وحمايتهم، مثل البيدق الذي يلزمه لكي يترقى أن يخطو ثماني خطوات، وفي حماية بقية قوات الجيش الذين يحمونه من استهداف جيش الخصم.


9- حماية أم عزلة؟

من الحركات المعروفة في الشطرنج "التبييت" وهي حركة الملك خطوتين إلي اليمين أو اليسار ووضع الرخ بجواره (يساره إذا تحرك يمينا أو يمينا إذا تحرك يسارا) وهي الموقف الوحيد الذي يمكن للملك فيه أن يتحرك خطوتين دفعة واحدة. وقد

جرت العادة أن يكون التبييت الخطوة رقم 5 لكثير من اللاعبين (أنا شخصيا أؤخرها قليلا إلا أنني أحيانا أدفع ثمن ذلك)

وللتبييت ثلاثة شروط: 1- أن تكون الساحة فارغة بين الملك والرخ. 2- ألا يكون أحد القطعتين تحرك سابقا. 3- ألا يكون أحدهما تحت تهديد.

وفائدة التبييت حماية الملك بوضعه في أقصى الرقعة فيصبح الوصول إليه صعبا من قبل الخصم! إلا أن ذلك قد ينقلب عليه إذا لم يحسن اللاعب نشر قواته والدفاع عن الملك، فتتحول الحماية إلى عزلة وخطر حقيقي يجعل أقل "كش" تنهي المباراة.

وهذا ما يحدث لكثير من الزعماء الذين ينعزلون عن شعوبهم فيصبح في خطر حقيقي!


10- العبرة بالنهاية

من أشهر أدوار الشطرنج قاطبة دور يسمى "الدور الخالد" للبروفيسور الألماني أندرسون. حيث قام هذا البروفيسور بتقديم العديد من القطع (منهم الرخين) في سبيل هزيمة خصمه..

كم كان الدور رائعا، وأنت تشاهد البروفيسور يخطط لهزيمة خصمه لعدة خطوات مستقبلية، بينما الآخر فرح بالمكاسب التي يحصل عليها دوت تمهل في التفكير: هل في الأمر خدعة؟

وللدور فوائد عديدة، أريد منها هنا عدم الارتكان إلى نصر قد تحقق، فسنن الله غالبة، ومن جد وجد، ومن زرع حصد، ولا يؤمن الفوز بدور الشطرنج حتى يموت ملك الخصم (أو يستسلم) ولا يؤمن الفوز في الحياة إلا في الجنة!

لا تجعلوا الهزائم تيصيبكم باليأس، ولا تجعلوا الانتصارات تصيبكم بالغرور. فيوسف عليه السلام ألقي في السجن ظلما ثم صار الوزير، وقارون كان حسن الصوت في ترتيل التوراة، وآتاه الله من الكنوز من إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة، ثم خسف الله به وبداره الأرض!

***

خاتمة:

وأنا على يقين أن ثمة نقاطا أخرى يتشابه فيه عالم الشطرنج مع عالم السياسة.. ولعلكم تضيفون لي بعضا مما لم أدركه بعد في هذين العالمين المتشابكين الشيقين: الشطرنج، والسياسة!

وحتى يضيق صدري بأشياء اخرى لكم مني سلام.

هناك تعليقان (2):

هذا ما لدي.. فماذا ترون؟