مرحبا بك في مدونة شيء في صدري يمكنك اختيار المقال الذي تبحث عنه من القائمة على اليمين.. ومهما كان انتي مصر.. وكل خطوة بنصر.. الله أكبر وتحيا مصر

Welcome to the personal blog of the Egyptian Writer and political analyst Dr. Ahmed Nassar. You can choose the article you need from the list lower right

الثلاثاء، 13 ديسمبر 2011

دائـــرة العـــزة والكرامـــة!!

دائرة العزة والكرامة!!

ساعات فقط تفصلنا عن المرحلة الثانية من انتخابات مجلس الشعب المصري والتي تجرى في محافظات الجيزة- بني سويف- المنوفية- الشرقية- الإسماعيلية- السويس- البحيرة- سوهاج- أسوان.. وهي أول انتخابات تجري في مصر بعد الثورة، وسقوط نظام مبارك. وبعد مرحلة أولى حصد فيها الإسلاميون عدد كبير من المقاعد عكس ثقلهم في الشارع وثقة الناخب المصري بهم، وتعويلهم آمالا عريضة عليهم، بشكل جعل البعض -ومنهم المجلس العسكري- يتعامل مع نتائج المرحلة الأولى وكأنها النتائج النهائية للانتخابات!!


الدكتور جمال حشمت على رأس قائمة حزب الحرية والعدالة في البحيرة- الدائرة الأولى - رمز الميزان



ومدينة دمنهور إحدى دوائر محافظة البحيرة التي تجري فيها انتخابات المرحلة الثانية.. هذه المدينة التي عانت كثيرا من اضهاد النظام السابق وظلمه.. ووقفت طويلا حصنا منيعا أمام نواب الحزب الوطني المنحل رغم ما كانوا يمارسونه من اغراءات مالية وشراء للأصوات وتحالفات أمنية وتنسيق مع أمن الدولة لترويع الناخبين وصدهم عن صندوق الانتخابات بشتى السبل!!

كانت بداياتي مع كفاح مدينة دمنهور ضد نظام مبارك في انتخابات مجلس الشعب المصري عام 2000.. وقتها كنت طالبا حديث العهد بالمرحلة الثانوية.. ولم يكن لي أي نشاط سياسي على الأرض.. ولكن لفت انتباهي هذه الحالة الأمنية التي غلفت المدينة.. ما من بيت في دمنهور إلا وكان فيه معتقل، أو شخص متخف خشية الاعتقال.. كنت مندهشا بشدة وأنا في هذه السن المبكرة!! لم كل هذا الحصار الأمني علينا، في يوم من المفترض أنه عرس ديمقراطي!! ما الخطر المحدق على مبارك إذا نجح مرشح الإخوان المسلمين – ولم أكن من جماعة الإخوان وقتها- الدكتور جمال حشمت؟؟ خاصة وأن منافسه كان سئ السمعة بدرجة فاحشة؟؟ كيف لا؟ وقد اختار الحزب الوطني تاجر مخدرات ليرشحه!!

وانتشرت في المدينة قصصا طريفة عن الوسائل التي كان يستخدمها أمن الدولة المنحل في منع الناخبين من الوصول للجان.. تارة كانوا يقولون للرجال أمام اللجنة أن هذه اللجنة مخصصة للنساء! ومن يقولون له أن الانتخابات ليست اليوم.. ومن قالوا له أنهم قاموا بهذا الواجب عوضا عنه...إلخ. هذا غير استخدام البلطجية لغلق شوارع بأكملها واقفال مدارس بكاملها بحيث أصبح القاضي في معزل عن الجمهور!!

وبرغم كل هذا نجح الدكتور جمال حشمت!! لا يمكنني أن أنسى الفرحة التي عمت المدينة كلها جراء ذلك الخبر!! كل الناس - رغم عزوفهم عن السياسة- شعروا أن هذا النجاح هو انتصار لهم على البلطجة الأمنية والتزوير الفج وامتهان كرامة الناخبين.. الجدير بالذكر أن أحدا من الإخوان المسلمين لم يعط صوته في هذه الانتخابات، ذاك لأنه إما كان معتقلا أو طريدا متخفيا من قبضة الامن!!

عامان فقط قضاهما الدكتور جمال في البرلمان.. كان مزعجا للنظام بشدة!! سيل من الاستجوابات وطلبات الاحاطة التي طالت كل رؤوس النظام بما فيهم جمال وعلاء مبارك!! ضاق به النظام ذرعا بعد عامين فقط تحت القبة! ولم ينتظر انتهاء الدورة البرلمانية البالغ عمرها خمس سنوات.. لجأ الأمن إلى لعبة قانونية قذرة لاعادة الانتخابات في الدائرة بمساعدة من أحد مرشحي حزب الوفد.. ولجأ النظام وقتها إلى التزوير التام والإغلاق المحكم للجان، لدرجة أن الدكتور جمال نفسه لم يتمكن من الإدلاء بصوته!!

كانت ضربة قاضية للوفد في المدينة.. لم ينس أبناء الدائرة أنه كان الأداة التي اغتال بها النظام كرامة هذه الدائرة!!

ولم يمض عامان حتى تكررت المواجهة، ولكن في ظل مناخ من الانفتاح النسبي هذه المرة مع الولاية الثانية لجورج بوش ورياح الديمقراطية التي بشرت بها كونداليزا رايس المنطقة!! ومع جولة أولى حصد فيها الإخوان بضع وثلاثين مقعدا جاء الدور على المرحلة الثانية والتي كانت دائرة منهور إحدى محطاتها!!

لكن المنافس هذه المرة كان مختلفا.. كان المستشار الخاص للرئيس مبارك الدكتور مصطفى الفقي!! أي أنه كان مرشح الرئاسة للدائرة، تلك الدائرة التي لم تطأها قدماه منذ ما يقرب من عشرين عاما..

والدكتور مصطفى كان يتمتع بسمعة طيبة عند العوام، على أساس أن له آراء سياسية بعيدا عن الوضع الداخلي المصري.. وكان من العشرة الذين يعينهم مبارك في البرلمان، حتى لقد فسر ترشيحه في الدائرة على أنه تصفية حسابات بين الجيل الجديد في الحزب الوطني بقيادة جمال مبارك ومهندس هذه الانتخابات أحمد عز، وبين الجيل القديم الذي كان الفقي محسوبا عليه!!

حاول الفقي بشتى الطرق اكتساب قلوب الناس، لكن الشعب المصري رفض هذا الشخص الهابط عليهم من مؤسسة الرئاسة على الدائرة بالباراشوت.. فوزا كاسحا حققه حشمت هذه المرة سواء في حملته الانتخابية أو في الفارق الضخم بينه وبين الفقي الذي جعل الأخير يغادر لجان الفرز بعد سويعات قليلة من بدء عد الأاصوات!!

وانتظر أهل دمنهور أجمعين نتيجة الفرز أمام مقر مدرسة دمنهور الثانوية بنين (التي كنت يوما ما طالبا فيها).. وتأخر الفرز حتى الفجر رغم ظهور النتائج في محافظات أخرى كالإسكندرية القريبة منا، بل في بعض الدوائر الأخرى في ذات المحافظة!!

ليلة بكاملها انتظرنا فيها النتيجة تحت المطر.. الأخبار تتوالى من مندوبينا د اخل اللجان مع كل صندوق يتم فرزه.. ومع بزوغ الشمس رأينا تعزيزات أمنية تصل لمقر اللجنة! مشهد لم نرتح معه كثيرا.. ولم تمض لحظات حتى أتى الخبر بأن القاضي أعلن نتيجة مخالفة للنتيجة الحقيقية!! نتيجة مفادها أن الفقي هو الفائز في هذه الانتخابات!!

شعرنا وقتها بما يشعر به الطائر الذبيح بسكين بارد، رغم أننا لم نجرب هذا الشعور من قبل في الحقيقة! هتافات غاضبة ودموع حزينة وغياب عن الوعي من الصدمة!! طعنة في القلب تلقتها المدينة من مبارك بأيدي أمن الدولة.. ويمين أقسمه أهل المدينة برد الصاع صاعين ولو بعد حين!

لم يمض وقت طويل، ولم يكن أهل المدينة - وأنا منهم – قد فاقوا من الصدمة بعد، حتى فجرت القاضية نهى الزيني قنبلة بإعلانها على الملأ أن النتيجة التي أعلنت مخالفة للنتيجة الحقيقية للنتخابات بشكل وضع النظام المصري في موقف لا يحسد عليه!!

ثم توالت ردود الأفعال إثر تهديدات تعرضت لها هذه القاضية الشجاعة.. 141 قاضي فرز من حوال 160 قاضي أيدوا شهادة نهى الزيني.. ثن تصريح شديد اللهجة من لامستشار الخضيري رئيس نادي القضاة وقتها يتعهد فيه بحماية نهى الزيني من اي تهديد وأن أي مساس بها هو مساس بالقضاة جميعا!!

وخاضت مدينة دمنهور معركة قانونية جديدة لم يلق بها الامن بالا على أساس أن المجلس سيد قراره.. ونال مصطفى الفقي ومن ورائه نظام مبارك باكمله قدرا من الكراهية كان يوحي بأن شيئا ما على وشك الحدوث!!

لم يعبأ نظام مبارك بحالة الشحن التي ملأت المدينة.. وظن أن المدينة ستنسى كما نسيت من قبل.. ثم سرعان ما زالت الضغوط الأميريكة وعاد نظام مبارك لذات الوسائل القديمة لتحجيم الإخوان.. محاكمات عسكرية واعتقالات بالجملة والقضاء على تجربة اتحاد الطلاب الحر في الجامعات والتي حدثت بنجاح في العامين 2005 و 2006..

وسارت الأمور عى حالها في انتخابات مجلس الشورى 2008 ثم انتخابات مجلس الشعب 2010 والتي سبقت الثورة العظيمة بشهرين فقط! هذه الانتخابات التي أصر الإخوان على خوضها رغم علمهم يقينا أنهم لن يحصدوا اي مقعد فيها! ولكن أتى قرار مشاركتهم كي يمنعوا النظام الشابق من إخراج مسرحية انتخابية أمام وسائل الإعلام يظهر فيها أمام الداخل والخارج وكأنه نظام ديمقراطي حقة ، وأن ثمة اختلاف بين جمال ووالده! كان الإخوان يعلمون أن مبارك سيلجأ إلى الاعتقالات والتزوير ضد الإخوان مما سيجعله يظهر بوجهه الحقيقي، وهو المطلوب رغم ما في ذلك من متاعب ومشاق واعتقالات..

وبالفعل، وكانت انتخابات 2010 شرارة قوية زادت من شحن الناس ضد نظام مبارك مع التزوير غير المسبوق الذي شابها، والعنف غير الطبيعي الذي تخللها، والفساد غير المنطقي الذي حدث فيها حيث رشح الحزب الوطني أكثر من مرشح في نفس الدائرة في سابقة غير مسبوقة في تاريخ الدول أجمعين!!

وعندما قامت الثورة حانت الفرصة لتلك المدينة العظيمة لترد الصاع صاعين لمبارك ونظامه!! وجاء اقتحام مقر أمن الدولة في المدينة كأول اقتحام لمقر امن دولة في البلاد يومي الثامن والعشرين والتاسع والعشرين من يناير ،اي في ظل وجود مبارك وقبل سقوطه!! وكانت دمنهور من أولى المحافظات التي ألقت بفلذات أكبادها إلى ميدان التحرير وإحدى عينيها على الماضي الأليم الذي عاشته المدينة، والعين الأخرى تستشرف المستقبل الذي يبتغيه أهل هذه الدائرة لها ولمصر..

والآن جاء الدور على هذه المدينة لتقول رأيها منذ ما يقرب من ستين عاما، وترسل فعلا نوابا حقيقيين عنها إلى البرلمان.. نوابا طالما كانوا في قلوب الناخبين ووقف مبارك ونظامه عقبة أمام طريقهم إلى البرلمان.. حان الوقت أن يكون لهذه الدائرة نوابا يرعون مصالحها ويبحثون مشكلاتها ويعبرون عن نبض الشارع فيها.. حان الوقت لنرة طوابير الناخبين في المحافظة بدلا من صفوف الأمن المركزي التي كانت تقف عقبة أمام تطلعات ابناء هذه الدائرة..

أقول للدكتور جمال حشمت وإخوانه المرشحين: هنيئا لكم هذا اليوم! فها هي اللحظة التي حوربتم واعتقلتم وجاهدتم من أجل أن تروها.. ليس المهم اسم الفائز – رغم أنني أعرف حقيقة شعبيتك في قلوب المصريين. ولكن العرس الحقيقي أن نصركم الله على واحد من أقوى الفراعنة في تاريخ مصر.. وجعلكم الله ترون هذه الدائرة تنتفض وتدلي برايها بحرية طالما تمنوها..

لن ننسى جهادكم المرير.. وتذكروا أن انتخاب الناس لكم هو أمانة يحملكم إياها اهل المدينة العظيم، وكلنا ثقة أنكم أجدر من يحملها في هذا الدقيق من تاريخ الوطن.. فما كان لمن رفض الإغراءات وقت الشدة ووقف في ظل الداخلية وأمن الدولة بكل جروتهم أن يخذل من حاربوا وناضلوا من أجلهم من أهل هذه الدائرة التي وصفوها يوما ما بدائة العزة والكرامة!!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

هذا ما لدي.. فماذا ترون؟