السياسة المصرية بين الممكن والمتاح!
(أضواء على التجربة الروسية)
لعلك تتساءل مثل الكثيرين ممن قرءوا هذا المقال أو سمعوا مني هذه
الفكرة شفاهة عن ماهية هذا العنوان الغريب! أليس الممكن هو المتاح؟
ليسوا سواء في الحقيقة! فأهداف سياسة أي دولة تمر بأربعة مراحل:
1- المتاح
= Available وهي الأهداف التي يمكن
تحقيقها الآن.
2- الممكن
= Possible وهي الأهداف التي يمكن تحقيقها في
المستقبل القريب ببعض العمل والتخطيط الجيد.
3- الصعب
= Difficult وهي الأهداف التي تحتاج
جهدا غير عادي وعملا دءوبا وتخطيطا استراتيجيا بعيد المدى حتى تتحقق.
4- المستحيل
= Impossible وهي الأهداف التي لا يمكن
تحقيقها في الوقت الراهن!
وعندما تستغل أي دولة ما هو متاح لها من إمكانيات وموارد، وتحقق
الممكن ببعض الجهد والتنظيم؛ تصبح الأهداف الصعبة ممكنة، والمستحيلة مجرد صعبة ،
وتفتح أمامها آفاق جديدة لم تكن تحلم بتحقيقها من قبل! ولا يمكن إغفال عامل الزمن
في كل ذلك!
***
وقبل أن نستطرد في الحديث عن المتاح والممكن في السياسة المصرية في
عصر الجمهورية الثانية بعد الثورة يجب الأخذ في الاعتبار أمرين مهمين للغاية:
1- النهضة
المصرية حادثة حتما لا محالة إن شاء الله! يجب
أن نكون جميعا متيقنين من ذلك تمام التيقن، كما نتيقن من أن النيل يجري وأن الشمس
تشرق! ومن كان مترددا أو متشككا أو يعتقد أن مصير مصر لا قدر الله أن تظل في القاع
إلى الأبد فلم أتوجه إليه بكتابة هذا المقال!
يجب ألا نلتفت لحديث المثبطين والمتهكمين والساخرين من حلم
النهضة، والذين يريدون لميراث ستين عاما من الاستبداد والإفقار والتجهيل والانبطاح
أن يصلح في أيام معدودات! فهذه الدعوات تنم إما عن نية خبيثة لنشر اليأس والإحباط
لا يجب أن نقع فريسة لمكرها، أو عن سطحية وجهل بسنن الله في الكون وقوانين التغيير
في الأمم والمجتمعات لا يجب الالتفات إليها! فلا إمكانيات مصر ولا مواردها، ولا
تاريخها ولا جغرافيتها، ولا عراقتها ولا ذكائها، ولا عزيمتها ولا إيمانها تسمح بأن
تكون مصر في الحال الذي صارت عليه الآن!
2- أن
شرطا رئيسيا كي تنتقل مصر من المتاح إلى الممكن ثم تتخطى الصعب وتحقق المستحيل إن
شاء الله أن يكون قرارها
مستقلا، نابعا من عقل أبنائها المخلصين، غير متأثر برياح غربية عكسية أمريكية
ولا شرقية إيرانية، ولا بعواصف إقليمية عربية ذات نكهة إسرائيلية!
وهذا هو ذات السبب الذي منع مصر في عهد مبارك أن تحقق
انطلاقتها، وتراجعت للخلف وتساقطت حتى حاز بحق لقب "كنز إسرائيل
الاستراتيجي" و"الرجل الذي هزم مصر"! أن تكون هناك خطوطا حمراء
للنظام الموجود فلا يتخطاها. كان مبارك يعرف جيدا (ويطيع بإخلاص) أن تحقيق
الاكتفاء الذاتي خط أحمر له ولنظامه، وضعه له أسياده في واشنطن حتى تظل رقاب
المصريين معلقة تحت سيف من يمدهم بغذائهم، وتظل أنظارهم معلقة بسفن القمح الراسية
في المتوسط، والتي تتقدم وتتأخر بناء على رضا السيد القابع في البيت الأبيض
عن أداء الدمية الموجود – دائما - في شرم الشيخ! قس على ذلك التصنيع الثقيل
والتقارب أو حتى الانفتاح على أطراف قد يجعلون اعتمادنا على واشنطن أقل ...إلخ
وكلها كانت خطوط حمراء!
وحتى نغير هذه المعادلة فنحن نحتاج إلى بعض الوقت، حتى نكسر الطوق
الثقيل القديم، وتؤتي خطوات الإصلاح ثمارها! حتى نستغل مواردنا المتاحة ونحقق
الممكن لهذا الشعب، ونتخطى الصعب ونجعل المستحيل ممكن إن شاء الله!
ولنا في التجربة الروسية مثل وعبرة! ففلاديمير بوتين الذي تسلم الحكم
من سلفه بوريس يلسن دولة مفككة منهارة ،دولة تمد يدها تشحذ القمح من المعونة
الأميركية كل عام، استطاع عبر استغلال فوائض تصدير الغاز لجيرانه ولأوروبا (حيث
تمد روسيا 40% من حاجة أوروبا للطاقة) أن يزرع القمح في سيبيريا حتى حقق اكتفاء
ذاتيا بل وأخذ في التصدير أيضا! رأينا الدب الروسي يعود للواجهة من جديد ويناطح
الولايات المتحدة في العديد من الملفات التي تمس أمنه القومي (حائط الصواريخ في
أوروبا الشرقية – المحادثات السداسية بشأن كوريا الشمالية – الملف النووي الإيراني
– الملف السوري ...إلخ)
وحتى تحقق التجربة المصرية نتائج مماثلة فإنها تحتاج لذات العوامل
التي ساعدت روسيا على النهوض! وأهمها بعد الثقة في نصر الله عز وجل والثقة في
النفس التالي:
1- نحتاج
قليلا من الصبر! فروسيا لم تفعل ما فعلته بين عشية وضحاها! وكذلك تركيا
وماليزيا وكوريا الجنوبية، احتاجوا جميعا بضع سنين حتى عرف الناس حتى أنهم ينتجون
شيئا!
2- نحتاج
إلى بدائل! نحتاج ألا نضع البيض كله في سلة واحدة! فعلاقتنا بالولايات المتحدة
مهمة، وعلينا ألا نيأس من محاولة إقناعهم بأن مساندة قضايا أمتنا ومواقفنا هو
الأفضل لها ولمصالحها في المنطقة! لكن في في نفس الوقت علينا أن نرسل رسالة لهم أن
أمانا أبوابا أخرى! وأن رقابنا ليست معلقة بأيديهم!
وفي هذا الإطار يمكننا أن نفهم زيارة الرئيس المصري لروسيا غدا، ومن قبلها إيران (رغم ما كاله لهم من تصريحات في عقر
دارهم) وإلى الصين في الأسابيع الأولى من ولايته! وكذلك السعودية والسودان والهند وباكستان.
أكرر ما قلته: النهضة المصرية حادثة حتما إن شاء الله! ولا أدل على
كلامي هذا من أن التفسير الرئيسي لكل ما يقوم به ممولي العنف في مصر الآن ما هو
إلا محاولة لتأخير أي باردة أمل، وطمس أي إنجاز يتحقق، لعل لعبة الكراسي السياسية
الموسيقية تدور، ويصبح من في المعارضة في السلطة فينسب إليهم كل الفضل! هل تسمي
هذا انتهازية سياسية؟؟ أنا أيضا أرى ذلك!

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
هذا ما لدي.. فماذا ترون؟