تأملات في سورة الكهف – القصة الثالثة (موسى والخضر):
قوله تعالى: "قال إنك لن تستطيع معي صبرا"
في كثير من الأوقات يكون لدى القيادة معلومات لا تتوافر لأفراد الصف، وأحيانا لا يمكنها التصريح بها لاعتبارات سياسية أو أمنية أو غيرها. على القيادة حينئذ أن "تثق" في قيادتها المنتخبة وفي آلية اتخاذ القرار (الشورى) وخاصة إذا أتت هذه القرارات في دائرة الاجتهاد السياسي البشري والمصالح المرسلة وليس في دائرة الحلال والحرام والجنة والنار. وبدون هذه "الثقة" ما أمكن لموسى النبي عليه السلام ذاته من الصبر على قرارت الرجل الصالح "الخضر" التي رآها فجة ومستفزة للغاية لأنها تقع في دائرة المحرمات بل وأكبر الكبائر (قال أقتلت نفسا زكية بغير نفس لقد جئت شيئا نكرا) (!) ولكن عندما اتضحت الرؤية لسيدنا موسى عليه السلام، وانكشف له ما لدى الخضر من معلومات، زال العجب واطمأن صدره، ولكن بعد ماذا؟؟ لقد فات الميعاد! إن أي فرد من أفراد القاعدة لايثق في قرارات القيادة ويصر على معرفة ما لدى القيادة من معلومات تفصيلية وإلا فلن ينفذ قراراتهم، ولن يسمع لهم ويطيع، فلن يكمل في هذا الطريق، وسيكون الفراق سبيله (قال هذا فراق بيني وبينك).
وحتى تكتمل الصورة يجب أن نضيف نقطتين:
1- التأكيد أنه في العمل المؤسسي تأتي الثقة بعد الشورى، فالأمر ليس طاعة لأفراد معصومون لا يخطئون – حاشا لله، وإنما لمؤسسات منتخبة، ولآلية اتخاذ قرار متفق عليها من الجميع (الشورى)، وأنها – أي الشورى – تتخذ من أهلها (أي من أهل التخصص) وفي محلها (في الموضوعات التي يمكن أخذ شورى فيها، وليس ما أتى فيه نص قطعي الثبوت والدلالة كالصلاة الواجبة وصيام رمضان مثلا)
2- لا يعني اتخاذ قرار بالشورى عدم مراجعة القيادة لهذا القرار بعد اتخاذه، وتقييمها له حتى تستفيد من تجاربها، بل ومحاسبة المسؤول إذا ثبت تقصيره وإهماله، حتى تتحقق مصلحة البلاد والعباد بصورة أكبر في المستقبل إن شاء الله.
يقول الإمام الشهيد حسن البنا رحمه الله:
(وأريد بالثقة اطمئنان الجندي إلى القائد في كفاءته وإخلاصه، اطمئنانا عميقا ينتج الحب والتقدير والاحترام والطاعة، )فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما).
والقائد جزء من الدعوة ولا دعوة بغير قيادة، وعلى قدر الثقة المتبادلة بين القائد والجنود تكون قوة نظام الجماعة، وإحكام خططها ونجاحها في الوصول إلى غايتها، وتغلبها على ما يعترضها من عقبات وصعاب )فأولى لهم، طاعة وقول معروف(.
وللقيادة في دعوة الإخوان حق الوالد بالرابطة القلبية، والأستاذ بالإفادة العلمية، والشيخ بالتربية الروحية، والقائد بحكم السياسة العامة للدعوة، ودعوتنا تجمع هذه المعاني جميعا، والثقة بالقيادة هي كل شيء في نجاح الدعوات.
الثقة (الركن العاشر) من أركان البيعة:
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
هذا ما لدي.. فماذا ترون؟