السياسة هي القدرة على التفرقة بين العدو والصديق (الفيلسوف الألماني كارل شميت)
***
اليمين في إسرائيل (وهم كثر) سعداء بفوز اليمين في أميركا (وهو ترامب)، والفرح بفوز ترامب يأتي من كونه تأييد لمشروع الاستيطان (المؤيد لإسرائيل) في مقابل سياسة أميركية تقليدية كانت ترفع شعار "دويلة فلسطينية منزوعة السلاح" (وهو مشروع مؤيد أيضا لإسرائيل)..أي أنه صراع بين اليمين واليسار على ماهو أفضل لصالح إسرائيل، لا أكثر ولا أقل.
فمن المستفيد ومن المضار من هذا التقارب؟؟
من الطبيعي أن يفرح التيار المؤيد للاستطيان في الأراض المحتلة، ولا سيما القدس، بفوز ترامب، وهو تيار يتحرك وفق رؤية دينية توراتية، ويعبر عنه بشكل رئيسي رئيس الوزراء الحالي بنيامين نتنياهو، وعدد من الأحزاب الدينية المتحالفة معه، في مقابل ساسة علمانيين (وربما ملحدين) قادوا إسرائيل منذ تأسيسها وحتى وقت قريب، يؤيدون ولو نظريا حل الدولتين، كأساس لإنهاء الصراع.
لكن الغريب أيضا أن مشروع المقاومة يستفيد أيضا من هذه المقاربة بين اليمين في إسرائيل واليمين في أميركا، لأن هذا التيار المقاوم قال منذ عقود طويلة أن طريق المفاوضات غير مجد، وأن المقاومة فقط هي الحل لتحرير الأرض، وكانوا يواجهون بالسخرية والتهكم والتنظير والتنطع من طفيليات اللمفاوضات، مثل عباس وعريقات وغيرهم، وهؤلاء أكبر الخاسرين لأنهم في المعادلة الجديدة لن يكون لهم مكان، ولن يمكنهم التعريض أكثر بعد اليوم، والسبوبة ستنتهي.
من الخاسرين أيضا من هذه المقاربة بين اليمين في إسرائيل واليمين في أميركا هم كل الذين عملوا على تثبيت الوضع القائم لكيان الاحتلال، وشرعنة وجود كيان كولينالي صهيوني غريب عن نسيج هذه المنطقة باتفاقيات سلام مع الأنظمة المحيطة بها.
هؤلاء يدركون أن اتفاقيات سلام مثل كامب ديفيد أكثر أهمية لإسرائيل من حرب 48 التي أسستها، أو حرب 67 التي مددتها، وهذه نظرة شديدة العقلانية، وشديدة الخبث أيضا، تنهي الصراع من جذوره، وتقطع الطريق على أنصار تحرير الأرض كاملة من البحر إلى النهر (مشروع المقاومة)، وتحشرهم في الزاوية.
لذلك يقف رئيس مثل أوباما (والذي صفه البعض بأنه الأكثر تأييدا لإسرائيل منذ هاري ترومان) ضد نقل السفارة الأميركية للقدس، ويسمح بتمرير قرار ضد الاستيطان في مجلس الأمن قبيل مغادرته، ويستعجل مؤتمر باريس للتأكيد على هذه المبادئ، ويصرح وزير الخارجية الفرنسي في المؤتمر أن نقل السفارة للقدس أعظم هدية للمتطرفين (مشروع المقاومة).
***
يجب أن نعترف أن السياسة والإعلام لعبا دورا هاما في تغيير قناعات قطاع غير بسيط من الأمة، أن إسرائيل دولة موجودة بحكم الأمر الواقع وعلينا التعامل (أو التعاون) معها، وأن المقاومة وحماس هي العدو!
وما يجري الآن يعيد ضبط البوصلة أن إسرائيل هي العدو، وأنه لا يوجد متطرفون ومعتدلون في إسرائيل، بل يوجد متطرفين ومتطرفي المتطرفين! ولا يجب أن ننسى أن جميع الحروب التي خاضتها إسرائيل ضد جيرانها (باستثناء حرب لبنان 1982) قام بها اليسار الذي يوصف كذبا بالاعتدال!
هذا هو عدوكم، وهذا هو سبيلكم، ليحيا من حي عن بينة، ويهلك من هلك عن بينة!
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
هذا ما لدي.. فماذا ترون؟