بسم الله الرحمن
الرحيم.. والحمد لله رب العالمين.. والصلاة والسلام على سيدنا محمد بن عبد الله الصادق
الوعد الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين اللهم آمين..
وبعد، فهذا استعراض
للاستراتيجيات الانتخابية التي اتبعها معظم المرشحين حتى الآن، لعل ذلك يفيدنا في
استقراء لنتائج الانتخابات القادمة إن شاء الله..
1- الدكتور محمد مرسي :
على
الرغم من تأخر قرار الدفع به كمرشح، وعلى الرغم من أنه جاء بعد استبعاد - نراه
سياسيا- لخيرت الشاطر، إلا أن الدكتور
محمد مرسي - مرشح حزب الحرية والعدالة وجماعة الإخوان المسلمين - نجح في أقل من
شهر – بفضل الله- من إحداث زخم في الساحة السياسية وإثراء للعملية الانتخابية في
فترة قياسية، تفوق ما فعله البعض في عام كامل.
واضح
أن حزب الحرية والعدالة في هذه الانتخابات – وأي انتخابات عموما – يعتمد على الإستراتيجية
الأقوى والأشهر والأكثر فاعلية في عالم السياسة في العالم أجمع، وهي ترشيح حزب
سياسي قوي لمرشح يحمل أفكار الحزب. هذه الإستراتيجية معمول بها في الولايات
المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وتركيا وماليزيا وإندونيسيا وجنوب أفريقيا
وغيرها.. ولم نسمع عن مرشح فرد في هذه الدول – باستثناء مانديلا لظروف خاصة- رشح نفسه وفاز في أي انتخابات، بل وطرح نفسه على
أنه مرشح كل المصريين!
من
المعروف أن أي رئيس قادم يجب أن يكون رئيسا لكل المصريين، لمن انتخبه ولم صوت ضده ولمن لم يذهب للانتخابات أصلا.. لكن هل هناك
مرشح واحد لكل المصريين؟؟ أعتقد أن هذا عبث، وأوهام انتخابية سرعان ما ستتبدد إن
شاء الله يوم إعلان النتيجة. فلا أوباما كان مرشحا لكل الأمريكيين ولا ساركوزي كان
مرشحا لكل الفرنسيين ولا أردوغان كان مرشحا لكل الأتراك، ولا أرى أن هناك مرشحا
لكل المصريين!! فدعم بعض التيارات لمرشح سيفقده دعم تيارات أخرى ولاشك!
في
أي انتخابات هناك خريطة للناخبين، تنقسم إلى ثلاثة دوائر رئيسية؛ دائرة الأنصار
والمؤيدين، دائرة المعارضين، ودائرة المحايدين أو مايعرف في الانتخابات باسم
الأصوات المترنحة (التي لم تحسم قراراها بعد وقد تغيره بين الحين والآخر)
ونجاح
المرشح يعتمد بالأساس على طمأنة جمهوره، وتحييد المعارضين قدر الإمكان، فإن لم
يكسب أصواتهم فيكتسب احترامهم، ثم محاولة حصد أكبر قدر من هذه الأصوات المحايدة أو
المترنحة. وتعامل المرشح باحترافية في هذه الملفات الثلاثة وعلى قدر نجاحه في طمأنة
مؤيديه وتحييد معارضيه والحصول على الأصوات المحايدة تكون عدد الأصوات التي يحصب
عليها في الانتخابات.
واضح
أن حزب الحرية والعدالة يفهم هذه النقطة جيدا، فهو لم يطرح الدكتور محمد مرسي
كمرشح واحد لكل المصريين، بل بدا واضحا منذ اللحظات الأولى – ولظروف كثيرة – أن الدكتور
محمد مرسي هو مرشح التيار الإسلامي في هذه الانتخابات، وأن أصوات الإخوان المسلمين
ومؤيديهم ودوائر الربط العام الخاصة بهم، وجميع التيارات السلفية في مصر –
باستثناء حزب النور والدعوة السلفية بالإسكندرية – تدعم الدكتور مرسي..
حزب
الحرية والعدالة يقدم أيضا شيئا جديدا على الحياة السياسية المصرية، وهو أنه يقدم
في الأساس مشروعا للنهضة شارك في إعداده أكثر من 1000 خبير، قاموا بزيارة 50 دولة
ودرسوا 25 تجربة نهضة في دول العالم المختلفة، لبحث كل ما في هذه التجارب من دروس
يمكن الاستفادة منها في تجربة النهضة المصرية إن شاء الله.. ومن الواضح أن هذا المشروع
ذو ملامح تفصيلية وليس أفكارا عامة على غرار سنزيد ميزانية التعليم أو الصحة أو
سنزيد الاستثمارات ....إلخ.. فكثير من المرشحين الآخرين يقدم وعودا عامة، إلا أنها
من ناحية لم تتبلور في برنامج متكامل يحل مشكلات الوطن، كما أنها لم تتطرق بشكل
تفصيلي إلى كيفية تحقيق ذلك على أرض الواقع، مما دفع الكثيرين من أهل التخصص مثل الدكتور
معتز بالله عبد الفتاح – بل وشخصيات معارضة مثل الشيخ ياسر برهامي- تقر بأن مشروع
النهضة الذي يقدمه حزب الحرية والعدالة هو المشروع الافضل على الساحة والبرنامج الانتخابي
الأفضل في برامج المرشحين أجمعين. وإذا
وضع هذا بجانب عمله كأستاذ في الجامعة لمدة تزيد عن 15 سنة وحصوله على الدكتوراه
في الهندسة في من الولايات المتحدة الأمريكية، وتقديمه أكثر من 23 بحثا أثناء عمله
وكالة ناسا الأميريكية، ثم العودة إلى مصر بعد حصوله على الدكتوراه مباشرة إلى مصر
ليتقاضى 150 جنيها فقط من أجل أن يدرس في الجامعات المصرية، فإننا نتوقع إن شاء
الله تزايديا ملحوظا في شعبيته بين الناس ستعبر عن نفسها يوم الانتخابات
و لاشك
أيضا أن دعم شخصيات عامة محترمة ومحبوبة على المستوى الشعبي أمثال اللاعب القدير
محمد أبو تريكة ومحمد رمضان ومجدي طلبة وربيع ياسين وهادي خشبة والفنان وجدي
العربي وعبد العزيز مخيون والدكتور راغب السرجاني والدكتور خالد عبد القادر عودة
والدكتور زغلول النجار والمستشار محمود الخضيري والدكتور صفوت حجازي والشيخ محمد
عبد المقصود وغيرهم قد أعطى زخما كبيرا
بحملة الدكتور مرسي رأيناه في المؤتمرات الانتخابية غير المسبوقة في تاريخ مصر
الحديث.. هذا بالإضافة إلى أن خطاب مرسي في الفترة الأخيرة يلاقي قبولا في قطاعات
عريضة، حتى من قطاعات كانت مختلفة معه، والتأثير الذي تركته حلقتي الدكتور مرسي في
برنامج مصر تنتخب واضح للجميع..
أتوقع
أن يثمر كل ذلك إن شاء الله عن تقدم قوي للدكتور مرسي في الانتخابات القادمة، ولا
ننسى أن الاستطلاع الوحيد الذي يتمتع بالمصداقية (وهو استطلاع الجزيرة) يأتي
الدكتور مرسي فيه في المقدمة متقدم بفارق كبير على بقية منافسيه.
2- الدكتور عبد المنعم أبو
الفتوح:
من
الواضح ومنذ فترة طويلة أن الدكتور أبو الفتوح يتبع سياسة انتخابية شهيرة اسمها the
second best option
(ثاني أفضل خيار).. فهو ذهب للتيار
الليبرالي وقال لهم أنه محافظ ليبرالي يميل لليسار طمعا في أصواتهم بعد انسحاب
البرادعي.. ونعلم جميعا أن نصف حملة أبو الفتوح من مؤيدي البرادعي..كما أني أراه
ما زال طامعا في أصوات فريق من الإخوان أراه لن يحصل عليها بعد تصريحاته مؤخرا بحق
الإخوان، ومدحه للمشير.
وبعد
فترة وجيزة رأيناه يحصل بطريقة غريبة وغير مفهومة على دعم حزب النور، الذي اتهمه أبو
الفتوح يوما ما بأنه تيار متشدد ومتطرف!! وله من التصريحات الكثيرة – التي لا نرغب
في سردها الآن- ما يجعل أبو الفتوح هو آخر
مرشح يمكن أن يدعمه الحزب.. ما دفع أصواتا
داخل التيار الليبرالي إلى القلق من هذا التأييد، وتساءل الدكتور علاء الأسواني:
هل أصاب الشحات (يقصد الشيخ عبد المنعم الشحات) "اعتدالا" مفاجئا أم أن
أبو الفتوح لديه خطاب مزدوج.. كما صرح حمدي قنديل قائلا: علينا أن نعرف الثمن الذي
دفعه أبو الفتوح للنور حتى يدعمه؟؟
وقد وقع الدكتور
أبو الفتوح في خطأ انتخابي خطير وقع فيه جون كيري مرشح الحزب الديمقراطي في
الولايات المتحدة الأمريكية من قبل، حين ركز كيري على الأصوات المؤيدة للحزب
الجمهوري ( طبقة عالية اجتماعيا واقتصاديا تمثل 20% من الشعب الأميركي) معتقدا أنه
يضمن الأصوات الممثلة ل 80% من مجمل المجتمع الأميركي وطبقته الوسطى مثل
النقابات والأقليات والمنظمات المدنية، والتي تؤيد أساسا الحزب الديمقراطي وتمثل
قاعدة الحزب لكنه لم يكن يدري أن بتركيزه على أصوات من الجمهوريين قد فقد أصواتا
من مؤيديه.
يقول
الدكتور وليد عبد الناصر (حاصل على الدكتوراه في العلوم السياسية والعلاقات
الدولية من جامعة جينيف) في كتابه: من بوش إلى أوباما المجتمع والسياسة في
الولايات المتحدة الأمريكية:
"وقد رفض غالبية منظمي هذه المسيرات (المعادية للحزب
الجمهوري في 2004) أن تصب جهودهم المعادية للجمهوريين في صالح الحزب الديمقراطي في
ضوء ما اعتبروه تخاذل الأخير عن أن يعكس آراء قاعدته الشعبية التقليدية وتوجهه أكثر نحو
اليمين، واتهم هؤلاء الحزب الديمقراطي تحت قيادة "جون كيري" بأنه غير
معني بال 80% الممثلة لغالبية الشعب الأمريكي والتي عادة ما كان يسعى الحزب
الديمقراطي لاستمالتها، وأنه يكتفي بمنافسة الحزب الجمهوري في الحصول على تأييد ال
20% الشريحة الأعلى اقتصاديا واجتماعيا في المجتمع الأمريكي"
دكتور
وليد عبد الناصر: من بوش إلى أوباما المجتمع والسياسة في الولايات المتحدة
الأمريكية (مركز الأهرام للنشر والترجمة والتوزيع) ص 90.
لقد أراد الدكتور أبو الفتوح أن يرضي الجميع تقريبا فأغضب
الجميع تقريبا، ولعله نسي أنه في انتخابات يكون هناك مؤيدين ومعارضين، وتجاهل هذا
الأمر أوقعه في مأزق ربما سيكتشف حقيقته بعد أيام قلائل.. فكما قلت دعم بعض
التيارات لمرشح سيفقده دعم تيارات أخرى بلاشك!
3- الأستاذ حمدين صباحي
والدكتور سليم العوا:
لا
أجد للسيد حمدين صباحي ولا الدكتور سليم العوا إستراتيجية انتخابية واضحة، ولا
نستطيع أن نحدد بدقة التيار الذي يساند كلا منهما.. فكلاما يعتمد على احترام
قطاعات من المصريين له، حمدين من معارضته للنظام السابق والعوا من انتاجه الفكري
والثقافي.. إلا أن هؤلاء المؤيدين غير متجمعين في كيان واحد يمكن البناء عليه أو
الانطلاق منه.. حتى حزب الوسط الذي أيد سابقا الدكتور العوا تراجع عن موقفه في وقت
حرج ليؤيد أبو الفتوح..
أرى
أن هذين المرشحين سيحصدون أصواتا لن تمكنهم في رأيي لا من النجاح ولا حتى من
الإعادة، إلا أن هذه الكتل التصويتية لو صبت في صالح المرشحين السابقين من الممكن
أن تزيد كفته لينجح بدون إعادة..
4- مرشحي الفلول: موسى وشفيق:
هناك
نقطة مشتركة بين الفلين الكبيرين عمرو موسى وأحمد شفيق وهو أن كلاهما يطرح نفسه
كرجل دولة لديه من الخبرة ما يستطيع حل مشكلات مصر(!!) وسبق أن صرح عمرو موسى بأنه
يستطيع حل مشكلات مصر بالتليفون (!!) كما صرح شفيق بأنه يستطيع إعادة الأمن في 24
ساعة (!!!) وهذا لا يعني إلا شيئا واحدا أنه هو المتسبب فيه!
موسى
يقدم نفسه بشيء لا يراه متواجدا عند شفيق – وعند الآخرين بالطبع- أنه يملك من
العلاقات ما يمكنه من حل الكثير من المشكلات الكثيرة التي تواجهها البلاد.. ودائما
ما رأيناه يجيب عن كل سؤال يبدأ ب "ماذا فعلت في كذا.." إجابة تبدأ ب
"لقد أجريت اتصالات..." وعلى كل سؤال يبدأ ب "ماذا ستفعل في
كذا..." إجابة تبدأ ب "سوف أجري اتصالات.." !!
وقد
احترت كثيرا في موسى وشفيق أيهما مرشح المجلس العسكري؟؟ وقد كنت أقول سابقا أن
أحدهما أساسيا والآخر بديلا تحسبا لأي ظرف.. أما الآن فلا أجد إلا تفسيرين لا ثالث
لهما: إما أن أحدهما حقيقي فعلا والآخر واجهة.. أو أن هناك صراع اجنحة فعلا بين النظام
السابق، فمن ناحية فلول الحزب الوطني في المحافظات يدعمون موسى، وقيادات كبرى
سابقة في الوطني أيضا فضلا عن المجلس
العسكري يدعم شفيق.. أسأل الله أن يخزيهم ويفشل مخططاتهم وأن يفضحهم على الملأ
اللهم آمين..
هذا
اجتهادي الذي يمكن أن يكون مصيبا أو غير ذلك.. وأعدكم جميعا أن أراجع تحليلاتي عقب
الانتخابات.. إلا أنني أطالب الجميع بعمل المثل، لعلنا نصل في النهاية إلى وجهة
وطن..
اسأل
الله عز وجل أن يرينا الق حقا وأن يرزقنا اتباعه، وأن يرينا الباطل باطلا وأن
يرزقنا اجتنابه، وأن يحفظ مصر ممن يكيد لها، وأن يوفق الرئيس القادم أيما كان
اتجاه لما فيه مصلحة البلاد والعباد إنه ولي ذلك والقادر عليه.. اللهم آمين
أحمد
نصار
تحرير في 16-5-2012

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
هذا ما لدي.. فماذا ترون؟