(حوار جريء .. من أجل مصر)
جاءت تصريحات تواضروس في الأهرام لتنكأ الجراح مجددا عن الدور الرسمي للكنيسة المصرية المعادي للثورة منذ بدايتها. فاعتراف تواضروس صراحة ولأول مرة بأنهم دعموا شفيق في الانتخابات الرئاسية "عامة وليس في جولة الإعادة فقط" هو الاعتراف الأول من نوعه رغم أن كل المراقبين أجمعوا على وقوف الأقباط بجانب مرشح الثورة المضادة.
ليس هذا هو الموقف الأول الذي اصطفت فيه الكنيسة المصرية في خانة الثورة المضادة، وليس الأخير للأسف فهو يذكرنا بثلاثة محطات رئيسية خذلت فيها الكنيسة المصرية المصريين ولاسيما الثوار المسلمون منهم والأقباط!
الموقف الأول:الثورة نفسها
إذا كان ثمة خلاف بين الإخوان وخصومهم حول ما إذا كانت مشاركة الإخوان المسلمين في ثورة يناير من بدايتها في 25 يناير أم في جمعة الغضب يوم 28! إلا أنه ليس ثمة خلاف على الإطلاق أن موقف الكنيسة المصرية مؤيدا لمبارك وضد الثورة منذ بدايتها! وقد خرج البابا شنودة إبان الثورة ليؤيد مبارك صراحة ويتبرأ من الثورة والثوار، وغيره كثير من قيادات الكنيسة!
ورغم وجود أقباط في ميدان التحرير فمن الواضح أنهم شاركوا "مخالفين" لنصائح البابا، وبصورة فردية، بينما الموقف القبطي الرسمي والذي تعبر عنه الكنيسة لم يتردد في تأييد مبارك وأن يناصب الثورة العداء!
الموقف الثاني: الانتخابات الرئاسية
فرغم وجود مرشحين غير إسلاميين كحمدين صباحي الناصري وعبد المنعم أبو الفتوح الذي رفض أن يوصف كمرشح إسلامي وأبو العز الحريري الشيوعي وخالد علي...إلخ إلا أن تواضروس يتحفنا بتصريح يؤكد ما نحن متأكدون منه بالفعل أن الكنيسة أيدت مرشح الثورة المضادة قولا واحدا ومنذ البداية! والسبب هو – صدق أولا تصدق – هو كفاءة شفيق!
المشكلة إذن ليست في مرشح الإخوان "مرسي" وإنما هي مسألة مبدأ. مبدأ أن الكنيسة المصرية جزء من الثورة المضادة، على طول الخط ومنذ البداية.
الغريب أن هذا الموقف لم يتغير رغم تأكد الجميع عن مسؤولية نظام مبارك عن تفجير كنيسة القديسين قبيل الثورة! فجاءت مفارقة الأقباط بانتخاب من قتلوهم بالفعل خوفا من شيء في علم الغيب! ولم تشع للإخوان تصريحاتهم المطمئنة واختيار قبطي كنائب لرئيس الحزب، وتقديم أول قبطي في البرلمان على قوائمهم "أمين اسكندر" وغيرها!
الموقف الثالث: انقلاب يوليو
كان ظهور الكنيسة وتأييدها للانقلاب الذي أطاح بأول رئيس منتخب لمصر وتعطيل الدستور المستفتى عليه – والذي كتب الأقباط موادهم فيه بأيديهم دون تعديل – واضحا للعيان، في تطبيق نموذجي لفكرة استعانة الانقلاب بالرموز الدينية لاكتساب شرعية لما يقوم به من أعمال غير شرعية، والتي شرحها باستفاضة الكاتب الأميركي جين شارب في كتاب The Anticoup "ضد الانقلاب"
وكان انحياز الموقف الرسمي للأقباط في مصر والذي تمثله "الكنيسة" بالغ الأثر في تحويل الصراع من سياسي إلى "طائفي" أو إصباغ عليه هذه الصبغة! فقد ظهر المشهد وكأن "الأقباط" مع الانقلاب وهذا جد خطير على المجتمع!
الفارق بين الأزهر والكنيسة:
رغم اتخاذ الأزهر نفس الدور الذي اتخذته الكنيسة سواء في تأييد مبارك ورفض الثورة ودعوة الثوار إلى الرجوع، أو في تأييد الانقلاب في تنفيذ فكرة شارب في كتاب ضد الانقلاب، فإن هناك فارقين أساسيين بين الأزهر والكنيسة:
1- هناك من داخل الأزهر من عارض الانقلاب وخرج كثيرون من علماء الأزهر يعارضون الطيب فيما فعل، بينما لم يخرج من قيادات الكنيسة وقساوستها من خالف تواضروس أو شنودة من قبله، مما يعني أن الكنيسة كلها رجل واحد مع مبارك ثم مع السيسي.
2- أنه من المعروف أن النظام الحاكم يسيطر على منصب شيخ الأزهر ويجعله بالتعيين، وأن الانظمة التي تعاقبت على حكم مصر منذ محمد علي عمل على إضعاف الأزهر وجعله مواليا للنظام. ومعروف أن أحمد الطيب تحديدا كان عضوا في لجنة سياسات الحزب الوطني برئاسة جمال مبارك قبل الثورة. أي أنه منذ اليوم الأول للثورة ومن قبل الثورة حتى هو رجل النظام.
استخدام البعد الطائفي:
هذا الموقف الموحد للحديث باسم الأقباط يضفي كما قلت لمحة طائفية على الصراع في مصر بدل أن يوصف بصراع سياسي، ويؤسس لأسوأ دولة ستحدث في التاريخ والتي لم تشهدها حتى العصور الوسطى في أوربا حيث لن نكتفي بدولة ثيوقراطية "دينية" فقط أو دولة عسكرية فقط بل بمزيج من دولة عسكرية دينية تستغل الدين لتبرير الاستبداد!
وحتى يجمل الانقلاب نفسه أمام الغرب وأنه يحمي الأقباط في مصر – وكأن الأقباط جالية غربية وليسوا مواطنين مصريين – حدث عمليات حرق الكنائي في الصعيد وفي المنيا مخصوصا، وعلى الفور وطبقا لاستراتيجية التوتر المعروفة، فقد تم اتهام جماعة الإخوان المسلمين – في الإعلام على الأقل- بذلك. وأحب أن أذكر من نسى بالتالي:
1- إعلان وزارة داخلية الانقلاب ذاتها أن من أحرق الكنائس هم بلطجية معتادو إجرام.
2- إعلان القس أيوب سويف أسقف كنيسة مارجرجس في المنيا أن بلطجية هم من أحرقوا الكنائس وأن الشيوخ هم من تنادوا في المساجد بحماية الأقباط ونزل الإسلاميين لحماية هذه الكنائس – مثلما حموها أيام لثورة بالمناسبة لمن لا يذكر.
3- إعلان الأنبا مكاريوس أسقف المنيا أنهم استنجدوا بالجيش والشرطة والمطافيء ولكن دون جدوى وتركوهم عرضة للأذى دون أن ينجدوهم.
هذا يعني أن النظام الذي تاجر بقضية الأقباط في كطنيسة القديسين وضحى بهم لتحقيق مكاسب سياسية ها هو الآن يكرر الأمر ويضحي بهم منى أجل مكاسب سياسية أيضا. وهو في ذلك يتبع نهج الاحتلال البريطاني الذي أسس القلم السياسي في الداخلية المصرية والذي تحول لاحقا لأمن الدولة. فقد قام الاحتلال البريطاني بإحراق كنيسة بالسويس فورا عقب إعلان الحكومة المصرية إلغاء معاهدة 1963 في عام 1951.
وليس غريبا أن يضحي العسكر بالأقباط لأهداف سياسية لكن الغريب أن تضحي الكنيسة بهم، مما يفتح الباب عن منطلقات المواقف التي اتخذها رجال الدين المسيحي في مصر، والذين تمثلهم الكنيسة.
الحل:
الحل أن يعبر الأقباط عن موقفهم سياسيا وليس طائفيا؛ بمعنى أن يكون هناك أقباط يؤيدون وأقباط يعارضون، وأن تظل الكنيسة مرجعا دينيا وروحيا فقط، وليس ممثلا للموقف السياسي للأقباط. فتصويت "الكنيسة" لمرشح بعينه أو دعمها لموقف سياسي بعينه يجعل الأقباط جميعهم في خانة ضد الخانة الأخرى وهذا يضر بالأقباط ويضر بتماسك المجتمع للغاية.
وإذا كان ثوار يناير من الرومانسية أنهم بلعوا وتناسوا هذا الموقف للكنيسة المصرية المؤيد لمبارك والمعارض للثورة، فإنهم لن ينسوا أبدا موقف الكنيسة الرسمي المؤيد للانقلاب والداعم للسيسي.
رحم الله أيام خرج فيه القيادي التاريخي في حزب الوفد المصري القبطي مكرم عبيد في جنازة مؤسس جماعة الإخوان المسلمين الإمام حسن البنا رغم أوامر السراي الصريحة بمنع ذلك. كان في مصر رجال!

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
هذا ما لدي.. فماذا ترون؟