مرحبا بك في مدونة شيء في صدري يمكنك اختيار المقال الذي تبحث عنه من القائمة على اليمين.. ومهما كان انتي مصر.. وكل خطوة بنصر.. الله أكبر وتحيا مصر

Welcome to the personal blog of the Egyptian Writer and political analyst Dr. Ahmed Nassar. You can choose the article you need from the list lower right

الجمعة، 27 يوليو 2012

هجمات "الثاني عشر" من سبتمبر!!


هجمات "الثاني عشر" من سبتمبر!!
(هشام قنديل .. عصفور الكناريا)


لعلك تتساءل الآن هل أخطأ الكاتب في عنوان المقال، فذكر الثاني عشر من سبتمبر بدلا من الحادي عشر، أو لعله يكون خطأ إملائيا غير مقصود، أو هفوة من المحرر الذي إن وصل الأمر لرئيسه فلربما يلقى حسابا عسيرا..

لا الأمر هذا ولا ذاك، وليس في الأمر ثمة خطأ.. فأنا لا أتحدث عن هجمات الحادي عشر من سبتمبر أيلول 2001 أو ما يعرف في الولايات المتحدة باسم الثلاثاء الأسود، (أما ايلول الأسود فمصطلح يشير إلى الاشتباكات المسلحة التي قام فيها الملك حسين ملك الأردن بتصفية الكثير من القيادات الفلسطينية المتواجدة هناك في سبتمبر 1970).. لست أتحدث عن ذلك، وإنما أتحدث عن الثاني عشر من سبتمبر 1991 عندما خرج الرئيس الأميركي جورج بوش الأب على الصحفيين عصر ذلك اليوم بتبرات حادة غاضبة مؤثرة، ليوجه كلمة إلى الشعب الأميركي  يعلن فيها أنه "رجل وحيد في البيت الأبيض" من أجل السلام!! ويشن الحرب على أكثر من ألف من جماعات الضغط اليهودية!!

***

كانت صورة بوش على الساحة الدولية في ذلك الوقت أكثر من رائعة، ففي عهده تم هزيمة الاتحاد السوفييتي في الحرب الباردة، وخرج الاتحاد السوفييتي من هذه الحرب منهارا إلى دويلات عدة،و من قبله انهار جدار برلين (9  نوفمبر من عام 1989 ) وغدت ألمانيا في طريقها للتوحد مجددا والانتقال إلى المعسكر الغربي من جديد!!

و عسكريا وقبل ثمانية شهور كان جورج بوش قد قاد قوات التحالف في "عاصفة الصحراء"، وانتصر على صدام حسين، وتحقق حلم الأمريكان وتوصية كيسنجر بوجوب التواجد عسكريا قرب منابع النفط في الخليج!! (وهذا ما حققه صدام حسين دون أن يدري)

وداخليا: وبرغم الاقتصاد الراكد كانت شعبية بوش الأب قد وصلت 70% !! وهو يفوق شعبية أي رئيس أميركي سابق خلال نفس عمر رئاسته..وكان قد استخدم الفيتو الرئاسي ضد الكونجرس 22 مرة حتى ذلك الحين!  وكان الديمقراطيين خارج البيت الأبيض لمدة عشر سنوات (فترتي رئاسة الرئيس الجمهوري رونالد ريجان وسنتين من رئاسة بوش الأب الأولى والوحيدة) وكانوا مشتتين منقسمين تسيطر عليهم مشاعر الاحباط وانخفاض الروح المعنوية، في انتظار المنقذ الذي يعيد لهم حيويتهم وبهائهم (وهو ما تحقق لهم على يد حاكم ولاية أركنساس الشاب ويليام جيفرسون كلينتون الملقب ببيل كلينتون)

***
قبل ذلك اليوم (12 -9-1991) بأسبوع واحد كانت الحكومة الإسرائيلية قد طلبت ضمانات قروض بقيمة 10 مليار دولار لتمويل بناء مستوطنات للتيار المتدفق من اليهود القادمين من الاتحاد السوفييتي بعد انهياره..

ومع أن إسرائيل حتى هذه اللحظة هي أكبر متلق للمساعدات الخارجية الأميركية، وبالرغم من أن بوش أحد أبطال الدفاع عن قضية المهاجرين اليهود السوفييت، إلا أن توقيت الطلب الإسرائيلي كان خاطئا من وجهة نظره، فبوش كان يأمل في عقد مؤتمر سلام عربيا إسرائيليا لأول مرة في مدريد جلال عدة اسابيع يتوج به انتصاراته ليحفر اسمه في كتب التاريخ كمنتصر الحرب والسلام..  ولم يكن بوش الأب راغبا في ذلك الحين من إغضاب الزعماء العرب الذين دفعوا فاتورة حرب الخليج الثانية ماليا وعسكريا بمنح إسرائيل دفعة مساعدات بالغة الكرم على هذا النحو.. وبتاء عليه فقط طلب جورج هربرت ووكر بوش من الكونجرس تأجيل المسألة 120 يوما فقط حتى ينتهي من الأمر..

ولكن إسرائيل لم تكن ترضى بهذا الدور الذي رسمه لها بوش الأب في السيناريو الذي وضعه.. فإسحاق شامير رئيس الوزراء الإسرائيلي رفض مجرد مناقشة فكرة الأرض مقابل السلام، وعاش مكرسا حياته كلها من أجل إسرائيل الكبرى!!

الجميع كان يعلم أن الكونجرس منحاز تماما لجماعات الضغط اليهودية، التي كانت عبارة عن ألف وثلاثمائة من زعماء المنظمات اليهودية من كل أنحاء الولايات المتحدة، وحشد من الحاخامات والأساتذة والمحامين والعاملين بالحقل الاجتماعي ورجال المال والأعمال والإعلام.. كل هؤلاء جاءوا إلى واشنطن ليناقشوا مع نواب الكونجرس المنتخبين ضمانات القروض..

إلا أن بوش قرر أن يتخطى زعامات الكونجرس وأن يخاطب الشعب الأميركي مباشرة حول تلك القوى السياسية التي يقف في مواحهتها وحيدا..ظهر  الرئيس بوش على شاشاة التلفاز غاضبا، ودق بكفه بقوة على المنصة التي كان يقف عليها، وقال بصوت عال قوي غاضب كان حكرا على الزعماء الديكتاتوريين أو نواب الحزب الديمقراطي: "لقد سمعت أن هناك حوالي ألف من جماعات المصالح يعملون على إقرار ضمانات القروض، ولدينا الآن رجل وحيد في البيت الأابيض يعمل من أجل السلام"
وقد أحدثت خطة بوش وكلماته المؤثرة الأثر المرجو منها، فتبخر تأييد نواب الكزنجرس لضمانات القروض ووافق الكونجرس على تأجيل ضمانات القروض أربعة أشهر.. إلا أن هذا النجاح-كعادة النجاحات السياسية- لم يكن بلا ثمن!!

فقد ساءت العلاقات بين الرئيس بوش الأب وجماعات الضغط اليهودية، وقالت جاكلين ليفين وهي زعيمة بارزة في المجلس اليهودي الأميركي: "سنعتبر يوم 12 سبتمبر في تاريخ اليهود هو يوم الخيانة الكبرى، وإذا لم تكن كلمات الرئيس إشاراة واضحة ومقززة لمعاداته للسامية (!!) فهي على الأقل قريبة جدا من ذلك"
(لمزيد من التفاصيل يمكن مراجعة كتاب: Jewish power inside American Jewish establishment   للكاتب الأميركي جوناثان جولدبيرج والذي ترجم إلى العربية بعنوان: قوة اليهود في أميركا، ترجمة نهال الشريف - دار الهلال)

كان من الواضح انصراف جماعات الضغط اليهودية عن بوش الأب وأنهم قرروا أن يولوه ظهورهم.. وكان أول مؤشر على ذلك يوم 5 نوفمبر 1991 أي بعد سبعة اسابيع من مؤتمر بوش الصحفي، حيث ذهب الناخبون لصناديق الاقتراع في انتخابات تمهيدية في ولاية بنسلفانيا على مقعد مجلس الشيوخ. (أحد غرفتي الكونجرس).. وكان أحد المرشحين الجمهوري حليف بوش حاكم الولاية السابق والنائب العام الحالي فيها ريتشارد ثورنبره الذي استقال من منصبه ليخوض غمار الانتخابات..وكان منافسه الديمقراطي فكان أستاذا جامعيا غير مشهور بما فيه الكفاية هاريس وودفورد..  

كان ريتشارد ثورنبره متقدما في ال 17 من سبتمبر على منافسه بفارق 44 نقطة!! ولكن في يوم 27 من نفس الشهر أجرت جريدة فيلادلفيا انكويرز نتائج مذهلة لاستطلاعات الرأي حيث هبطت شعبية ثورنبره جدا وكانت مستمرة في الهبوط، حتى انتصر وودفورد فعلا!! والسبب كما حاول البعض أن يفسره كان دعمه وتأييده لبرنامج قومي للرعاية الصحية، ولكن كثير من المحللين قالوا أنهم لاحظوا أنه في الفترات القليلة التي سبقت الاقتراع حدث تغيير واضح في اتجاه التمويل وحملات جمع التبرعات، حيث اتجهت الأموال من حملة ثورنبره إلى حملة وودفورد، وتحديدا الأوال اليهودية التي تمثل 10% من إجمالي المتبرعين!!

وبعد الهزيمة ذهب ثورنبره إلى البيت الأبيض ليناقش الأمر مع صديقه بوش، وقال له: "حيثما نشأت في بنسلفانيا وهي بلد الفحم، كان العمال يضعون عصفور كناريا في قفص عند فتحة المنجم، فإذا كان هناك تسريب لغاز الميثان فإن العصفور يموت أولا.. الآن أنا العصفور سيدي الرئيس!! وأنت لديك مشاكل قادمة، وما لم تتخذ الإجراءات اللازمة ستحصل على نفس النتائج"

أدرك بوش خطورة الأمر، إلا أن شعبيته كانت لا تزال قوية، ومنافسه الديمقراطي الشاب الذي أعلن الحزب الديمقراطي ترشيحه كان مغمورا.. وعندما هددته بعض جماعات الضغط اليهودية بأنهم سيجعلون "بيل" يخرجه من البيت الأبيض ضحك مستهزئا وقال أن كلبته تفهم في السياسة الخارجية أفضل منه.. إلا أن المحظور قد حدث، ودخل بيل وهيلاري البيت الأبيض لأول مرة في 1992!!
***
ما أريد قوله:
ضربت مثالا بما حدث لبوش الأب عندما عمل في مناخ لا يساعده على العمل، وجماعات ضغط لا تريد له النجاح، رغم ستقلال مؤسسات الدولة بشكل مذهل، وعدم تدخل العسكر في السياسة.. فما بالكم بالرئيس مرسي ورئيس وزرائه قنديل وهناك من يهاجمهم ليل نهار، فقط لأنه من الإخوان أو لأن الثاني بلحية!! إعلام كاذب لا يراعي حدوداولا حرمات، وقضاء مخترق أصبح ورقة في جيب العسكري..
لا يعني كلامي هذا دفعي نحو الصدام مع الدولة العميقة الآن، فمن ناحية الصدام غالبا قادم لا محالة، ومن ناحية أخرى لا زلت عند رأيي أن الطرفين ليس من مصلحتيهما الدخول في صدام الآن.. ولتبقى معادلة لكم دينكم ولي دين قائمة حتى يرسخ مرسي قدمه في الدولة ويقدم للمواطنين مكاسب ملموسة على الأرض، ويقوم قنديل ببعض التغيرات الجوهرية والمفصلية على جهاز الدولة الإداري..

هناك هدف استراتيجي أوحد في هذه المرحلة في رايي وهو الانتهاء من التاسيسية والاستفتاء على الدستور الجديد في أسرع وقت بحيثينص على أن دور المؤسسة العسكرية حماية الحدود فقط دون لعب أي دور سياسي.. وفي نفس الوقت يقوم رئيس الوزراء بابعاد العناصر الفاسدة في جهاز  الدولة الإداري والمحافظين ورؤساء المدن والأحياء ثم التفرغ للانتخابات البرلمانية الجديدة (والتي أدعو من الآن أن تكون بالقائمة وأن نتخالف مع السلفيين وبعض القوى الثورية فيها).. إذا حدث ذلك فأنا أضمن إن شاء الله أن ننتصر في أي صدام مع الدولة العميقة وعلى راسها بعض جنرالات المجلس العسكري..

أما إذا فشل قنديل لا قدر الله – وكثيرون يريدون إفشال الرجل قبل أن يبدأ- فسيكون مثل عصفور الكناريا الذي مات مبكرا تمهيدا لوجود قتلى سياسيين آخرين لا قدر الله..

إن مصر تمر بمرحلة هامة من تاريخها الحديث، والوقوف خلف مرسي وقنديل الآن ضرورة وطنية، لتخليص الوطن من ندخل العسكري وتخليص المواطن من أعباء الحياة.. إن ترك مرسي الآن ورئيس وزرائه رغبة في الفوز في الانتخابات القادمة لهي مصلحة وقتية قاصرة، وانتهازية سياسية شديدة بعيدة كل البعد عن الوطن والوطنية... المعركة الآن ليست معركة مرسي أو قنديل.. المعركة معركة وطن بأكمله يريد أن يرى النور وأن يأخذ مكانا تحت الشمس!! 

السبت، 21 يوليو 2012

نظرة على الوضع في سوريا !!



نظرة على الوضع في سوريا

#روسيا لديها قاعدة عسكرية في سوريا.. والصين لديها علاقات اقتصادية قوية مع النظام السوري.. 






#الجميع بما فيهم روسيا والصين يدرك أن ايام النظام في سوريا باتت معدودة، ولكنهم يريدون دور ما 





في مرحلة "ما بعد بشار".. وقد حاولت روسيا استضافة المعارضة السورية أكثر من مرة ولكن أمريكا 





تضغط لمنع ذلك..



#الولايات المتحدة ترفض إعطائهم أي نصيب في الكعكة، وتريد أن تملأ هذا الفراغ الجيوسياسي بعد 





سقوط النظام.. وتقول لهم على بلاطة: (كان راجلكم وسقط)



#لذلك نجد أن روسيا والصين متمسكتان حتى اللحظة الأخيرة بحق النقض (الفيتو) للمرة الثالثة 





منذ يومين ضد أي عقوبات على سوريا حتى يحدث اتفاق مقبول، وهذا ما يبدو أنه لم يحدث حتى 





الآن..



#حافظ الأسد - ومن بعده بشار- صنع لنفسه دورا في المنطقة لتثبيت أركان حكمه بطريقة 





(مكعبلة).. فأقام قاعدة عسكرية لروسيا وتعاون في نفس الوقت مع الأمريكان لحماية حدود العراق.. 





ودعم حزب الله اللبناني وأقام علاقات مع إيران وفي نفس الوقت عقد اتفاقية ضمنية مع إسرائيل 





لتأمين حدودها الشمالية.. طرد الإخوان وأعطاهم أحكاما بالإعدام، وفي نفس الوقت أتى بالفصائل 





الفلسطينية وعلى رأسها حماس!






#التفجير الذي حدث في مبنى الأمن القومي في دمشق كان خلال اجتماع على درجة عالية من 





السرية.. فالانفجار حدث في حي الروضة وهو حي راق يحوي قصرا رئاسيا ومعظم السفارات الأجنبية 





وبيت حافظ الأسد الذي كان يعيش فيه فضلا عن مبنى الأمن القومي ووزارة الدفاع.. لذا فإن 





التسريبات تقول أن الفاعل أحد الحراس القريبين جدا من بشار..



#لثاني مرة ربما منذ اندلاع الثورات العربية تختلف الأجندة الإسرائيلية عن الأجندة الأميركية.. 




فإسرائيل التي تريد الإبقاء على نظام الأسد وعدم وجود نظام ديمقراطي على حدودها الشمالية 


وقفت بجانب الأسد كما وقفت بجانب مبارك.. عكس أمريكا التي ترى في سقوط الأسد مزيدا من 


النفوذ لها..








#وفاة عمر سليمان وضابط كبير في الشاباك في ظروف غامضة تجعلنا نصدق التسريبات أن إسرائيل 





أرسلت هذين الرجلين لدعم الأسد وإنقاذ ما يمكن إنقاذه.. لا ننسى أن أحد السفارة أعلنت أنها لم 





تعلم بدخول عمر سليمان للولايات المتحدة، ومصدر صرح أن عمر سليمان جاء متفحما!! ونحن لم 





نسمع أن عمر سليمان يعاني من أي مشاكل صحية أو أنه غادر الإمارات..



#خلاصة القول: الولايات المتحدة وإسرائيل يتحملان مسؤولية كل قطرة دم تسيل في سوريا مثل 





روسيا والصين تماما ويمكن أكثر!



#كل المؤشرات تقول أن الثورة ستنتصر.. قريبا جدا.. إن شاء الله

الأربعاء، 18 يوليو 2012

هل ما يجري في مصر حرب باردة؟؟


هل ما يجري في مصر حرب باردة؟؟

(بقلم: أحمد نصار)




 









الصورة من مجلة تايم الأميركية

هذه نظرة على طبيعة الصراع البارد المستعر، الخفي المعلن، والذي تدور رحاه الآن بين الثورة المصرية ممثلة في أول رئيس منتخب ديمقراطيا منذ آلاف السنين وبين الدولة العميقة ممثلة في "بعض" أفراد المجلس العسكري، والذين يشكلون رأس الحربة في هذه الدولة التي أنشأها النظام البائد، والتي ما زالت موجودة في الكثير من أركان مصر حتى اليوم، على الرغم من الإطاحة "برأس النظام" في 11 فبراير 2011!!

***
مفهوم الحرب الباردة:
­­­­­
لشد ما يشبه الصراع -بين الثورة المصرية الآن والدولة العميقة - التي أنشأها مبارك- الحرب الباردة التي دارت بين الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفيتي السابق، بعيد انتهاء الحرب العالمية مباشرة منتصف الأربعينات من القرن الماضي، وحتى أوائل التسعينات، حين سقط جدار برلين وانهار الاتحاد السوفيتي..


والحرب الباردة مصطلح يستخدم لوصف حالة الصراع والتوتر والتنافس التي كانت توجد بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي في الفترة سابقة الذكر، على الرغم أن القوتين العظميين كانا حلفاء خلال الحرب العالمية الثانية ضد دول المحور (ألمانيا واليابان وإيطاليا)!! إلا أن القوتين اختلفتا في كيفية إدارة مرحلة ما بعد الحرب وإعادة بناء العالم. وعاد الخوف من الشيوعية يطل برأسه بقوة في أوروبا وأمريكا. ولا ننسى أن بريطانيا و فرنسا كانا قد دعما هتلر النازي بكل أفكاره العنصرية في بداية حكمه (1933- 1939) رغبة منهما في أن يكون حائط صد ضد الشيوعية الخطر الجديد القادم عليهما بالأساس. (راجع كتاب" كيف نصنع المستقبل؟" للمفكر الفرنسي الكبير الراحل حديثا روجيه جارودي- الباب الرابع: هتلر كسب الحرب)

صاحبت فترة الحرب الباردة عدة أزمات دولية مثل أزمة حصار برلين 1948-1949 والحرب الكورية 1950-1953 وحرب فيتنام 1956-1975 والغزو السوفييتي لأفغانستان، والأازمة الأشهر والأعنف كانت أزمة الصواريخ الكوبية1962 .. عندها شعر العالم أنه على حافة الانجراف إلى الحرب العالمية الثالثة. شهدت الحرب الباردة أيضا ً فترات من التهدئة عندما كانت القوتين تسعيان نحو التهدئة. كما تم تجنب المواجهات العسكرية المباشرة لأن حدوثها كان سيؤدى إلى دمار محتم لكلا الفريقين بسبب الأسلحة النووية.

***

لماذا التشبيه بالحرب الباردة؟؟

من هنا يمكننا أن نرى وجه الشبه الكبير بين الصراع في مصر والحرب الباردة.. فالمجلس العسكري المصري وجد الثورة المصرية فرصة مناسبة جدا - وغير متوقعة- للتخلص من مشروع التوريث الذي كان يثير حساسية كبير في داخل القوات المسلحة.. وبالفعل عندما تيقن المجلس العسكري من انهيار النظام وحصول الثورة على التأييد الشعبي اللازم لنجاحها، أعلن أنه شريك فيها عبر شعار الجيش حمى الثورة، والجيش والشعب ايد واحدة ....إلخ. مستغلا حالة لاحترام الكبيرة التي يكنها المصريون لجيشهم العظيم.. ثم اتضح مع الوقت أن تحالف وقتي مرحلي تكتيكي من أجل التخلص من عدو مشترك (التوريث) بالضبط كالتحالف بين الولايات المتحدة والسوفييت (العدو اللدود) من أجل التخلص من عدو مشترك (هتلر)

ولم يضيع المجلس العسكري وقتا بعد الثورة فقام بالقبض على جميع أفراد مشروع التوريث (جمال وعلاء مبارك و حبيب العادلي وزكريا عزمي وصفوت الشريف وأحمد عز الذي قبض عليه في المطار!!...إلخ) وأودعهم السجن وأعطاهم أحكاما قوية في وقت قصير للغاية، لتهدئة الثوار من ناحية، وللقضاء على رجال هذا الملف من ناحية أخرى..

ثم ما لبث أن فطن الثوار إلى المآرب الحقيقة للمجلس العسكري، عندما تعامل مع المتظاهرين بنفس العنف والغباء الذي كان يتعامل به مبارك وأكثر، ثم محاولاته المتكررة التملص من تسليم السلطة، والإعلان عن نيته البقاء حتى 2013!! ولم يعط اي شيء إلا بضغط ثم وضح كل شيء للعيان عندما وقف "بعض" أعضاء المجلس العسكري بكل قوة قلبا وقالبا مع رئيس وزراء مبارك وموقعة الجمل الفريق أحمد شفيق لذبحة الثورة نهائيا و بسكين الديمقراطية هذه المرة . تلكم السكين الملطخة بتوجيه الناخبين وشراء الأصوات والتشويه الإعلامي وحملات التفزيع والتخوين والمقاطعة كذلك!!

وعليه فهذا أول ملمح يجعلنا نشبه الصراع الدائر الآن بالحرب الباردة، اتفاق مرحلي ينهار سريعا عندما تختلف الأجندات وتظهر النوايا الحقيقية للسيطرة على الصراع!!

***

الملمح الثاني الذي جعلنا نذهب لهذا التشبيه هو معرفة طرفي الصراع جيدا لمدى قوة الطرف الآخر، والآثار المترتبة على الاصطدام.. فكما كانت القوتين العظميين تخشيان المواجهة المباشرة، المباشرة لأن حدوثها كان سيؤدى إلى دمار محتم لكلا الفريقين بسبب الأسلحة النووية كما أشرنا – حتى في أزمة الصواريخ الكوبية توصل الفريقان في النهاية إلى اتفاق سياسي بعد أيام ساخنة من التصعيد والتصعيد المتبادل ظن الجميع أن الحرب العالمية الثالثة ستقوم حينها.


كذلك فإن الطرفين يريدان تحقيق مكاسب حقيقية على الأرض دون الصدام المباشر لأنه ليس في مصلحة أي من الطرفين حتى الآن على الاقل، فالمجلس العسكري يدرك أن حالة الترصد بالمؤسسات المنتخبة بعد الثورة (البرلمان- الرئيس- التأسيسية) بهذا الشكل الفج، تخصم منه آخر ما تبقى من رصيده في الشارع، والرئيس المنتخب حديثا يريد فرصة لتثبيت قدميه وزرع رجال جدد يتميزون بالوطنية والانتماء للثورة حتى يكون موقفه اقوى في أي صراع قادم – وما أكثرها – مع "بعض" قادة المجلس العسكري!!

                                                                 ***

نقاط القوة لدى طرفي الصراع:
وحتى تكون الأمور أكثر وضوحا أحب هنا أن أستعرض نقاط القوة والأوراق الرابحة التي بحوزة كل طرف من طرفي الصراع
أ‌- معسكر الثورة المصرية ممثلة في الرئيس المنتخب:
1- الشرعية:
 يجب ألا ننسى في خضم هذا الصراع السياسي أننا نملك الشرعية، وأنه لا يوجد شخص ولا كيان مدني آخر منتخب غير الدكتور مرسي (والبرلمان من قبله بالطبع) فضلا عن العسكريين.. وهذه نقطة قوة في غاية الخطورة يريد العسكري إضعافها، شعبيا بإحراق الرئيس وإظهاره بمظهر العاجز، وسياسيا عبر الإعلان الدستوري المكمل..

2- الشارع:
 من الواضح أن الدكتور مرسي نجح  خلال فترة قليلة للغاية بفضل الله عز وجل أن يصل إلى قلوب المصريين الأذكياء الذين يشعرون جيدا بحاكمهم إذا كان صادقا أو مخادعا.. نجح الدكتور مرسي في سحب البساط من تحت المجلس العسكري وخطف الأنظار في خطابات قليلة محدودة (خطاب ميدان التحرير التاريخي وخطاب جامعة القاهرة) وخطف الأنظار، أو كما يقول الأمريكان To steal the camera..
(ملاحظة : أزمات الحياة اليومية من خبز وبنزين وكهرباء ومياه تخصم من رصيدنا في الشارع)

3- الاصطفاف السياسي:
 لا شك أن نجاح الإخوان في كسر العزلة التي كانت مفروضة عليهم لشهور، والذي توج بالمؤتمر الصحفي التاريخي يوم الجمعة قبل إعلان النتيجة بيومين في لمحة من لمحات ميدان التحرير أثناء الثورة، حيث ظهر الدكتور مرسي بجوار حمدي قنديل بجوار إسلام لطفي وأحمد ماهر ووائل غنيم وشادي الغزالي ....إلخ.. لا شك أن هذا النجاح أبرز الصراع على أنه صراع بين الثورة بمختلف اتجهاتها وبين الدول العميقة.. ولا شك أن هذا التحالف سيقوي من شوكة الرئيس المقبل في صراعه مع العسكر وسيعطيه عمقا استراتيجيا يمنع أي أحد من تصوير الأمر على أنه استئثار من "فصيل" واحد على الوطن ....إلخ
(ملاحظة: هناك تسريبات أن هذه القوى تمارس ضغوطا هي الأخرى على مرسي في تشكيل الحكومة كما (عددها) وكيفا (نوعها)

4- الموقف الدولي:
أشرت من قبل أن الموقف الدولي يريد استقرارا في مصر ولا يريد المزيد من الثورة.. فالولايات المتحدة – وكذلك أوروبا-لديها أزمة اقتصادية طاحنة، ونجحت بصعوبة بالغة عبر تحالفات مع بعض الجنرالات في احتواء الثورة وتهدئتها، ولا تدري إذا قامت ثورة جديدة ذات سقف طلبات عال جدا ماذا سيمكنها أن تفعل..

وكلمة ثورة عند الأمريكان
Revolution اسم له فعلان.. الأول Revolute بمعنى يثور ثورة سياسية.. والثاني Revolt بمعنى يثور ثورة جيولوجية للبركان.. وبالتالي فأنا أرى أن الأمريكان يتعاملون مع الثورة السياسية كما يتعاملون مع ثورة البركان الهائج الذي تريد له له أن يسكن ويستقر ولحممه أن تهدأ وتبرد.. ثم تتعامل معها بعد ذلك بالضغط أو التشويه أو الاحتواء..إلخ وقد طبقت الولايات المتحدة هذه الإستراتيجية في التعامل مع مجلس الشعب المنتخب، ونجحت في تشويه صورته في أعين الكثير من المصريين، الذين أفاقوا للعية بعد فوات الأوان..

ولا يعني هذا أن أمريكا تريد خيرا للثورة أو تريد نجاح مرسي، بالطبع لا، ولكنها تريد للأمور أن تهدأ وتستقر وأن تستغل كل السبل "السياسية" الممكنة لتطويع الوافد الجديد على منصب الرئاسة في مصر في مشروعها القديم في المنطقة، وأن فكرة الانقلابات أو الاعتقالات أصبحت من الماضي.. ومعنى الاستقرار في المفهوم الأميركي كما يقول الدكتور معتز عبد الفتاح (أن يوجد عنوان واحد لمصر يمكن مراسلتها عليه وهو الحكومة المصرية).. فبالنسبة للولايات المتحدة عدو مستقر خير من حليف متزعزع وأفضل بالطبع من عدو متزعزع!!

 ولا يعني هذا أيضا أننا يمكننا أن نعول على صراع ما بين الأمريكان وحلفائهم من الجنرالات!! كل ما أريد قوله أن هناك تقاطع مصالح في هذه المرحلة في هذه النقطة يجب علينا وضعه في الحسبان..

تقول مجلة التايم الأمريكية تعليقا على زيارة هيلاري كلينتون الأخيرة لمصر:

" ونقلت كلينتون خلف الأبواب المغلقة دعوة إلى الرئيس المنتخب حديثا محمد مرسي من رئيس الوزراء نتانياهو يدعوه فيه إلى أن يجتمعا.. ومهما كان رد مرسي فإن خلاصته هو حقائق جديدة على الأرض لم تكن متصورة قبل حقبة ميدان التحرير.. ولا ننسى أن الإخوان هم بمثابة الأب والأم لفصيل فلسطيني مسلح (حماس) و ملتزم ولو نظريا بالقضاء على إسرائيل.. مما جعل كلينتون تعلق على التحول الديمقراطي المتزعزع في مصر: ليس القادة فقط الذين يتوجب علينا التعامل معهم، الآن علينا التعامل مع المواطنين أيضا، فلأول مرة لديهم منذ 5000 عام يقفون على مفترق طرق بين اعتنام فرصة أو مواجهة التحدي.. سنراقب ما ستسفر عنه الأيام القادمة.."

                                                                    ***
ب‌- معسكر الدولة العميقة يمثل رأس الحربة فيه "بعض" جنرالات المجلس العسكري:

ومصطلح الدولة العميقة مصطلح ذو أصول تركية (باللغة لتركية ((derin devlet ، تشير إلى مجموعة من التحالفات النافذة والمناهضة للديمقراطية داخل النظام السياسي التركي، وتتكون من عناصر رفيعة المستوى داخل أجهزة المخابرات (المحلية والأجنبية)، والقوات المسلحة التركية والأمن والقضاء والمافيا، وتمثل دولة داخل الدولة.. ونقاط القوة حيثما نرى وبناء على هذا المصطلح تتمثل في الآتي:

1- "بعض" جنرالات المجلس العسكري:
 و أقول "بعض" لأنه جاءت تسريبات كثيرة حول وجود انقسام داخل المجلس العسكري في مصر، أكدته تصريحات قائد القوات الجوية أن الرئيس مرسي جاء بانتخابات حرة ونزيهة شهد لها العالم، وأنه سيقف مع الشرعية (ضد من؟؟) وكذلك تصريحات قائد القوات البحرية وآخرين.. كما أخبرني شاهد عيان أنه في لحظة دخول طنطاوي لقاعة الاحتفالات في جامعة القاهرة ودوى الهتاف: يسقط يسقط حكم العسكر، فإن "بعض" أعضاء المجلس العسكري كانوا يصفقون تأييدا لهذا الهتاف (!!)

لذا أعتقد أنه من غير الدقة والإنصاف أن نضع كل قيادات المجلس العسكري في خندق واحد.. الآن نحن متأكدين أن حسين طنطاوي وسامي عنان والرويني وشاهين والفنجري ليسوا مع الثورة بأي حال من الأحوال (ويضيف عليهم البعض العصار).. وبعضهم يؤيد الشرعية كما أشرت، والباقي غير معلوم لنا مواقفهم بدقة (وإن كان ما قلت يكفي لشل أي تحرك يريد المجلس أن يقوم به ضد الرئيس المنتخب)

2- القضاء:
 لا شك أن رجب طيب أردوغان زعيم حزب العدالة والتنمية التركي AK Party قد عانى من القضاء ومن قضاة المحكمة الدستورية بقدر ما عانى من الجنرالات المهيمنين على مفاصل الدولة التركية.. وكنا نرى أن المحكمة الدستورية كان يجب أن يعطل عملها إثر تعطيل العمل بالدستور (!!) لكن المجلس العسكري - كما تقول النيويورك تايمز - استغل ساحات المحاكم التي يسيطر عليها بقايا نظام مبارك لاستعادة شرعيته.. وقد سرب موقع ويكيليكس وثيقة منذ حوالي أسبوع يظهر أن قاضية بالمحكمة الدستورية العليا (تهاني الجبالي) عميلة للمخابرات الأميركية!!

3- الإعلام:
لطالما كان الإعلام وسيلة هامة لتضليل قطاعات من الشعب وقلب الحقائق!! وأظن أن هذا واضح للقارئ بشكل يغني عن أي تفصيل!! أضرب مثالا فقط بالصحفية المصرية شيماء عادل التي أرسلها مجدي الجلاد (صديق جمال مبارك) إلى السودان لتغطية الأحداث بدون تصريح، وعاد بها الرئيس مرسي على متن طائرته الرئاسية، فقامت قناة الحياة المملوكة للسيد البدوي بلإعلان أن جهود رئيس حزب الوفد هي التي أسهمت في الإفراج عن الصحفية، بينما شكر حمدين صباحي مجدي الجلاد (!!!)

وقد قالت النيويورك تايمز أيضا أن الإعلام الحكومي يتحالف مع العسكري ضد الرئيس المنتخب (ولا يقولن أحد أنه أخبار مضللة لدق أسافين بين الشعب، لأن هذه التحليلات موجهة أساسا للقارئ الأميركي وليس للقارئ العربي عبر قنوات مدعومة خليجيا أو أميركيا كالعربية أو الحرة!!

4- التحالف الخفي مع الولايات المتحدة:

صحيح أن المجلس العسكري يملك قوة مسلحة إلا أنه لا يستطيع أن يستخدمه قدر أنملة، للسببين اللذين أشرنا إليهما من قبل (الانقسام داخل المجلس وتأييد بعض القيادات للشرعية، والرفض الأميركي لمثل هذه الطريقة في إدارة الصراع، وتصريح كلينتون كان واضحا أنها ستتعاون مع السلطة "المنتخبة")
إلا أن هذا لا يعني أنه الولايات المتحدة لديها استثمارات هامة للغاية مع بعض جنرالات المجلس العسكري بشكل مخيف أشار له أحد كتاب الأعمدة في صحيفة الديلي تليجراف البريطانية في مقال بعنوان: أحمد شفيق: رجل المخابرات الأميركية المرشح للرئاسة في مصر (أتعجب من وضوح هذه الحقيقة في الخارج كالشمس وغفلة بعض المصريين عنها!!)..

يقول الكاتب في رد على سؤال يطرحه: لماذ يأخذ الجنرالات أوامرهم من الولايات المتحدة الأميركية (!!) :
"أنه وبدون الأسلحة الأميركية والإمدادات والتمويل وقطع الغيار سيصبح الجيش المصري بلا غطاء..(يا للخزي!!) إن المعونة الأمريكية ساعدت جنرالات المجلس العسكري في السيطرة على مساحة شاسعة من الصناعات والتي يقدرها الخبراء ب 20% من مجمل الاقتصاد المصري (!!).. إنهم يعيشون أغنياء كأمراء السعودية، مما يجعلهم حريصين على هذه العلاقات وهذه التبعية (ياللخزي ثانية!!) للولايات المتحدة!! هل يمكنهم الاستغناء عن السلاح والمال الأميركي؟؟ لا.. فلديهم القليل من النفط والغاز الطبيعي.. إنهم معتمدون على الولايات المتحدة بالضبط مثل حكومة حامد كرزاي الأفغانية، باستثناء أنهم ليس لديهم حركة طالبان المتمردة ليعقدوا صفقات معها.. وعندما "أمرت" (!!) الولايات المتحدة المجلس العسكري بالتخلي عن مبارك ، كانت قد أعدت ايضا خططا أخرى لإيقاف الثورة والقضاء عليها"

***

وماذا بعد؟؟

قد يجد القارئ نفسه في حيرة من أمره بعد هذا السرد.. إلا أنني أعود وأكرر أنني أرى الطرفين لا يريدان الصدام – الآن على الأقل- وإن كانا لا يخشيانه إذا اضطرا إليه.. أعتقد أن المخرج المناسب من هذه الأزمة -مرحليا- يتمثل في معادلة سياسية جديدة مفادها: "لكم دينكم ولي دين"، بمعنى أن تبقى المسائل العسكرية والجيش بيد المجلس العسكري، في حين يبتعد المجلس العسكري عن السياسة ويترك الثورة تشق طريقها نحو الديمقراطية الحقيقية وبناء المؤسسات.. وبمرور الوقت تقل سيطر الجنرالات الذي تعدوا السبعين على الأمور، وتبقى دولة المؤسسات.. مشكلة هذا الحل أن المجلس لا يفكر بعقلية win-win ، وإنما يريد الاستحواذ على كل شيء، وهناك أيضا ارتهان قراره بالإرادة الأميركية التي تجعل قراره غير مستقل.. وقد رأينا أن وزيرة الخارجية الأميريكة تقوم بزيارة لوزير الدفاع المصري والقائد العام للقوات المسلحة(!!) بالضبط كما كانت كونداليزا رايس تجتمع مع عمر سليمان ومدراء المخابرات في الدول العربية !! وهذا يعني ببساطة أن المجلس العسكري المصري ورقة هامة في ملف وزارة الخارجية الأمريكية وليس وزارة الدفاع حسبما كان يتصور!! وإزاء هذا التحدي ليس أمام الرئيس الدكتور مرسي إلى إحكام الخناق على المجلس العسكري بمزيد من الضغوط السياسية حتى يجئ مضطرا للاتفاق ويرضى بثمن بخس في المقابل.. وإلا فإن الدكتور مرسي لا قدر الله سيتحول إلى نسخة أخرى من تجربة الدكتور مصدق في إيران عقب ثورة الخمسينات..

الخميس، 12 يوليو 2012

اللحظات الأخيرة قبل فوز مرسي

بسم الله الرحمن الرحيم.. والحمد لله رب العالمين.. والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.. وبعد..

فهذا أول مقال أكتبه بعد الانتخابات الرئاسية في محاولة من ناحية لقراءة ما جرى في الساعات والأيام القليلة التي سبقت إعلان نتيجة الانتخابات، ومن ناحية أخرى لاستقراء تطورات الصراع الدائر حاليا بين الثورة ممثلة في الرئيس الشرعي النتخب والدولة العميقة ممثلة في "بعض" أعضاء المجلس العسكري..

*** 

كان من الواضح توحد كل أطراف الثورة المضادة خلف شفيق رئيس وزراء مبارك؛ لذبح الثورة نهائيا و بسكين الديمقراطية هذه المرة . تلكم السكين الملطخة بتوجيه الناخبين وشراء الأصوات والتشويه الإعلامي وحملات التفزيع والتخوين..

إلا أنه اتضح لهم جميعا بعد انتهاء اليوم الأول للتصويت (السبت) أن نسبة الناخبين التي ذهبت للجان أكبر مما كان متوقعا.. فقد كان مقدرا أن يذهب للانتخابات في اليومين 35 % تقريبا، فجاءت نسبة التصويت في اليوم الأول فقط 31%.. وهذا أزعج المجلس العسكري بشدة..

فالمجلس العسكري كان يعلم أن شفيق شخصية غير مقنعة، ومن الصعب إقناع شخص معارض له أو حتى محايد بانتخابه.. لذا كان يعتمد في المقام الأول على كتلته التصويتية المنظمة التقليدية، مستخدما الخريطة التصويتية في المحافظات، والمعروفة جيدا لرجال أمن الدولة والتي كانت محفوظة في ملفاتهم التي اختفت معهم قبل ترك مقراتها..

  والكتلة التصويتية المنظمة للثورة المضادة كما أشرنا من قبل هي 1-2 مليون قبطي ، 1-2 مليون صوفي، 1-2 مليون ريفي، 1-2 مليون فلول ومنتفعين، زاد عليهم في جولة الإعادة الأصوات المكررة وأصوات بعض ضباط الجيش والشرطة والشراء المكثف للاصوات في محافظات ذات كثافة تصويتية عالية (مثل المنوفية والشرقية والغربية والدقهلية)..

وعندما جاءت المؤشرات بعد اليوم الأول بتقدم الدكتور مرسي، قام المجلس العسكري بأول بادرة تشير لتراجع مرشحهم بأن طلب مقابلة الدكتور سعد الكتاتني رئيس مجلس الشعب.. وقد قلت حينها أن هذا دليل قوي على تقدم الدكتور مرسي، لأن شفيق لو كان متقدما ما طلب المجلس العسكري الجلوس معنا ولقال لنا: اضربوا دماغكم في الحيط..

ثم جاءت التسريبات أن الدكتور الكتاتني رفض بشدة  طلبات المجلس العسكري مجددا بأن يكون دولة داخل الدولة بعد فوز الدكتور مرسي، عبر مادة أو اثنتين في الدستور الجديد تعيد إلى الأذهان وثيقة السلمي..

ثم جاء المؤشر الثاني لتقدم الدكتور مرسي  بأن قام المجلس العسكري باستدعاء يحيي الجمل وكمال الجنزوري وآخرين على عجل لسلق إعلانا دستوريا مكملا ليكبل الرئيس الجديد الذي بات واضحا أنه مرسي، وكان هذا واضحا من صياغته..

ثم جاءت الضربة القاصمة التي وجهتها حملة الدكتور مرسي بإعلان فوزها في الانتخابات في الرابعة صباحا من فجر الإثنين، والدفع بأنصارها للاحتشاد في الميادين تعبيرا عن فرحتهم بهذا النصر.. فأسقط في أيدي الطرف الآخر وظلو 36 ساعة عاجزين عن الحركة!!

***  

الأجندة الأميركية والإسرائيلية:

هنا ولأول مرة ربما منذ الثورة اختلفت الأجندة الأميركية عن الأجندة الإسرائيلية.. ومن المهم في هذا الصدد أن نفهم الطريقة الأميركية  في التعامل مع الثورة والطريقة الإسرائيلية في التعامل معها.. 

وكلمة ثورة عند الأمريكان Revolution اسم له فعلان..  الأول Revolute بمعنى يثور ثورة سياسية.. والثاني Revolt بمعنى يثور ثورة جيولوجية للبركان.. وبالتالي فأنا أرى أن الأمريكان يتعاملون مع  الثورة السياسية  كما يتعاملون مع ثورة البركان الهائج الذي تريد له  له أن يسكن ويستقر ولحممه أن تهدأ وتبرد.. ثم تتعامل معها بعد ذلك بالضغط أو التشويه أو الاحتواء..إلخ وقد طبقت الولايات المتحدة هذه الاستراتيجية في التعامل مع مجلس الشعب المنتخب

ومن هذا المنطلق وبعد فشل جميع المحاولات الأميركية للإصلاح من داخل النظام أثناء الثورة بدء بإقالة الحكومة ثم تعيين نائب ثم الإعلان عن عدم الاستمرار في الحكم أكثر منم ستة أشهر ...إلخ.. وعندما فشلت كل هذه المحاولات وتيقن الولايات المتحدة أن النظام لم يعد ممكنا له أن يستمر، استخدمت الولايات المتحدة المجلس العسكري ليهدئ الثورة والتعامل معها بسياسة الاحتواء.. فطلبوا من مبارك التنحي وخيروه بين البقاء في منفاه الاختياري لا يمسه أحد untouched كما تقول الجارديان وبين السجن..  

والآن وبعد تأكد فوز الدكتور مرسي، والحشود التي ملأت الميادين، كانت الرسالة التي قرأتها أمريكا جيدا أن إعلان أي نتيجة أخرى غير فوز الدكتور مرسي نتيجتها ثورة ثانية ذات سقف عال جدا لا تدري أمريكا كيف ستحتويها وتتعامل معها هذه المرة!!

أما الأجندة الإسرائيلية فكانت قاصرة  رعناء مفادها "احييني النهاردة وموتني بكرة".. فقد كانت إسرائيل ورجالها في مصر يسعون لإعلان فوز شفيق وعدم ترك البلد للإخوان حسب تعبيرهم..

ومن هنا، وبعد إعلان فوز مرسي فإنني أرى أن كل من هاجم المجلس العسكري وقتها ودعا لإنقلاب عسكري هو إسرائيلي الهوى، بينما من يسعى للتشويه والإفشال فهو ينفذ الأجندة الاميركية.. 

وبعد أن قضي الأمر وتم إعلان فوز مرشح الثورة، سافر على الفور شفيق وعمر سليمان ليلحقا برشيد ودحلان وضاحي خرفان في الإمارات.. وقد قلت ةقتها أنهم ربما يسعون لتأسيس حزب الشياطين الخمسة، وأن تصريحات خرفان إنما تاـي لأن الإمارات (محروقة) على المليارات التي أنفقتها على المرشح الخاسر أحمد شفيق..

أحب فقط هنا أن أتوقف أمام سطر من الخطاب الممل الذي ألقاه رئيس اللجنة العليا حين قال:
"كنا نتمنى أن يكون هذا اليوم يوم فرح، لكن تنأتي الرياح بما لا تشتهي السفن"!! ماذا كان يقصد بذلك؟؟ ما الذي عكر صفو هذا اليوم في رأيه؟؟ فوز مرسي؟ أظن الرسالة وصلت..

***    
الكل كان ينتظر ماذا سيفعل مرسي بعد إعلان فوزه.. وبرز رأيان فقهيان فيما يخص مسألة حلف اليمين..بين الدستورية والبرلمان ثم خطاب ميدان التحرير التاريخي!! ولا أريد أن أتوقف كثيرا أمام التفاصيل وإنما أريد أن التركيز على استراتيجية التعامل بين الرئيس المنتخب والمجلس العسكري..

في رايي أن ثمة حلا وسطا بدأ يلوح في الأفق مفاده "لكم دينكم ولي دين" بمعنى أن تظل شؤون الجيش والمسائل العسكرية بيد المجلس العسكري بينما يظل المجلس العسكري بعيدا عن السياسة ويتركها للمؤسسات المنتخبة (رئيسا وبرلمانا) ويتفرغ لحماية حدود البلاد..

وقد عبر الدكتور مرسي عن هذا التوجه في الخطاب الذي ألقاه في جامعة القاهرة حين قال: " سوف تعود المؤسسات المنتخبة لممارسة دورها، وسوف يعود الجيش المصري العظيم لدوره في حماية الحدود"  

إلا أن المجلس العسكري يبدو أنه مصر على لعب دور سياسي في المرحلة المقبلة، وسعى جاهدا لإحراق الرئيس منذ اليوم الأول برفضه  العلاوة التي اقترحها الرئيس ورفض العفو العام الذي أراده الرئيس عن المعتقلين سياسيا والمدنيين المحاكمين عسكريا، زعما أنه يملك سلطة التشريع وفقا للإعلان الدستوري المكبل.. مما اضطر الرئيس لتفجير قتبلة في وجه المجلس العسكري بإصداره قرار بعودة البرلمان وضح من تطوراتها أن الهدف منها إقرار أن سلطة التشريع ليست بيد المجلس العسكري.. وقد كانت ضربة موفقة للغاية فضحت اذناب المجلس العسكري في الإعلام والقضاء وفرقت القوى السياسية في مصر إلى ثلاثة أصناف: 1- صنف مع الثورة وضد المجلس العسكري ويريد ضرب الدولة العميقة بغض النظر عن اليد التي تضرب هذه الدولة.. 2- صنف يقف مع المجلس العسكري والثورة المضادة قلبا وقابلا.. 3- صمف لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ويريد فقط توظيف الأحداث لصالحه..

الواضح الآن أن كلا الطرفين يقوم بحشد أوراقه استعداد لحل سياسي للأزمة، أو استعدادا لمعركة كسر عظم جديدة سترسم مشهد خريطة القوى في المرحلة المقبلة..
  
لا ندري ماذا ستؤول إليه الأمور!! وهل حقا سيغلب الحل السياسي لهذه الأزمة أم يقوم طنطاوي وعنان بحماقة جديدة ستكون عواقبها وخيمة عليهما وخاصة مع تصريحات قائد القوات الجوية والبحرية المؤيدة للشرعية ممثلة في رئيس الجمهورية.. هناك الكثير من المعلومات الغائبة، وننتظر الكثير مما سيظهر من خلف الكواليس الفترة المقبلة.. المؤكد أن الثورة تخطو بخطوات وئيدة نحو الأمام وقد أصبح لديها الشرعية الثورية وشرعية المؤسسات المنتخبة معا، وشعبية هذه المؤسسات في ازدياد بفضل الله.. هناك أخذ للأسباب حتى آخر مدى.. والله عز وجل سيرعى هذه الثورة وسينصر الثوار إن شاء الله 

الاثنين، 9 يوليو 2012