(الآراء الواردة في المدونة تعبر عن رأي صاحبها فقط)
عن المستبد المنقذ
تعالت في الفترة الماضية دعوات بنقل السلطة من المجلس العسكري إلى رئيس منتخب، إما بتعجيل انتخابات الرئاسة أو نقلها إلى رئيس مجلس الشعب المنتخب.. وتباينت ردود الأفعال حول هذا المطلب بين مؤيد ومعارض شأننا في ذلك شأن جميع الموضوعات المطروحة سياسيا منذ استفتاء مارس حتى الآن!

قبل أن نناقش إيجابيات وسلبيات الفكرة أحب أن أؤكد على عدة نقاط:
1- المجلس العسكري صدع أدمغتنا بأنه "أمين" على الثورة!! ولم يخبرنا أحد - كما يقول أحد أصدقائي - هل هو "أمين" ولد الطحاوي أم "أمين" ولد أبو جليل؟؟ نظرا لأن ما صدر عن المجلس العسكري من أفعال منذ فوضه مبارك بادارة شؤون البلاد حتى الآن لا ينم عن أنه أمين حقا على الثورة!! بل على العكس، أثبت المجلس أنه ما هو إلا امتداد لنظام مبارك يفكر بنفس عقليته، ويتبع نفس أساليبه، ويعتمد خطاب التخوين، ويتبع سياسة فرق تسد..
بل وتبرأ المجلس فجأة من الشئ الوحيد الذي أعطاه مبررا لكي يكون شريكا في الثورة، وهو رفضه الأوامر بضرب الثوار في الميدان، فأعلن وزير دفاع مبارك لما يزيد عن عشرين عاما "طنطاوي" أن مثل هذه الأوامر لم تصدر!! ووقف في المحكمة بصوت جهوري، وعيون الثوار وأسر الشهداء تتابعه عبر فيسبوك وتويتر بعد أن تخلى عن علانية المحاكمات، وعاد للسرية بحجة الحفاظ على الأمن القومي!! ولا أدري هل علنية المحاكمات أخطر على الأمن القومي أم هروب رئيس المخابرات العامة في عهد مبارك ونائبه أثناء الثورة "عمر سليمان" ليعمل بكل ما لديه من معلومات أمنية واستراتيجية عن مصر مستشارا أمنيا لدى دولة خارجية!! دولة معلوم للجميع أنها تفعل ما بوسعها لاجهاض الثورة وابقاء مصر في معسكر "الاعتلال" العربي!! وقف "المشير" في المحكمة في مشهد شكسبيري دراماتيكي ميللودرامي ضخم جعل "أبناء مبارك" متأثرون لدرجة البكاء، ومنفعلون لدرجة الهياج، فآثروا التنفيس عن مشاعرهم بالتعدي بالضرب على أمهات الشهداء!! وقف "الأمين" ليقول كلمة حق يحاسب عليها أمام الله يوم القيامة.. وقف ليقول: لم تصدر لنا أوامر!!
***
أصبح كل وطني مخلص في هذا الوطن يتمنى ترك المجلس العسكري للسلطة اليوم قبل الغد.. وكلنا شكوك أقرب إلى اليقين أن المجلس العسكري يسعى لسرقة الثورة، وأن المجلس قد "استغل" الثورة فقط لاجهاض قضية التوريث، وأن اللواءات التسعة عشر وجدوا أنفسهم فجأة في صدارة حكم مصر! وانهم لن يتخلوا عن ذلك "بسهولة"!!
***
2- أدعو الجميع بصدق للتروي والتجرد عند مناقشة أمر هذا الوطن..إنها مصر أيها الإخوة.. مصر العزيزة..مصر الغالية.. مصر الأزهر والحسين.. مصر حطين وعين جالوت.. مصر النيل.. مصر أكتوبر والقناة.. مصر عرابي وسعد زغلول وحرب فلسطين.. مصر الدلتا والصعيد والساحل.. مصر الثورة..
أدعو الجميع للتخلي –ولو قليلا- عن تقديم مصلحتهم الشخصية على حساب هذا الوطن.. أدعوهم للتخلي عن أية أزمات نفسية أو خصومات فكرية بينهم وبين أي أحد.. ولكم أتمنى أن يأتي اليوم نكوّن فيه تحالفا مصريا وطنيا يضم أطيافا من اليمين واليسار والوسط.. ومن الاشتراكيين والليبراليين والأقباط والإسلاميين يكون حائط صد وطني مصري أمام ذيول نظام مبارك، وعملاء أميريكا والمستنجدين بها في السر والعلن.
بدأت بنفسي، وحاولت أن أتحلى بهذه الروح وأنا أطلق هذه الدعوة.. بالله عليكم فكروا في مستقبل مصر من هذا المنطلق.. فإن رفضتم، فلا أقل من أن تجربوا ذلك ولو دقائق، تزنوا الأمور بهذا الميزان، وتنظروا إليها من تلك الزاوية!!
وفيما يخص نقل السلطة سريعا أقول - وأجري على الله فيما أقول:
لعلكم تعلمون جيدا أننا قبل غيرنا أحرص الناس على ترك العسكر للسلطة اليوم قبل الغد.. وأننا اخترنا طريق "الانتخابات أولا" لتقصير المرحلة الانتقالية إلى أقل وقت ممكن.. وأننا عارضنا منذ البداية الدعوات التي أطلقت -جهلا أو عمدا- لاطالة الفترة الانتقالية بدعاوى مختلفة..وأن أول رقاب ستطير لا قدر الله غذا فشلت الثورة هي رقابنا نحن!!
ولكن في نفس الوقت تولي رئيس للجمهورية دون وضع دستور فيه خطر كبير لأنه سيتولى بنفس صلاحيات الدستور القديم الذي صرح أحد لواءتهم من قبل أنه "لم يسقط باكامل"!! كما أنه سيكون فاعلا في عملية صياغة الدستور بشكل أو بآخر وهو ما قد يريده المجلس العسكري بعد فشله في التدخل في صياغة الدستور بشكل مباشر..
أما الفكرة التي تقترح تولي رئيس مجلس الشعب القادم للسلطة فهي مبهرة شكلا ولكنني لا أخفيكم خوفي من الفخ التالي:
المجلس العسكري يقسم المصريين إلى ثوار بطبيعتهم وإلى أغلبية صامتة –ولا عجب ان مظاهرات العباسية المؤيدة له حملت ذلك الاسم. تلك الأغلبية هي بطبيعة الحال منكبة على هموم الحياة ولقمة العيش وهذا بديهي جدا وطبيعي في أي دولة.. فقط أصبح اهتمامهم بالشأن العام أقوى نوعا ما..
هذه الأغلبية واضح من اسمها أنها "صامتة" إلا أنها إذا تحركت أسكتت الجميع، واستطاعت اسقاط مبارك رغم جبروته وأزاحته عن الحكم..
لا شك أن مجلس العسكري يعلم جيدا أنه ما من سبيل للاستمرار في الحكم دون موافقة هذه الأغلبية- أو تحييدها على أقل تقدير- فلا يتدخلون أو يهبّون لنجدة القوة الثورية إذا ما دخل في صدام معها، فيصبح الصراع كما كان من قبل: صراع سلطة باطشة ضد نخبة ثائرة، والنتيجة معروفة بالطبع!!
ولكن كيف السبيل للمجلس العسكري إلى هذه الأغلبية؟؟
أرى أن المجلس العسكري أرهق طويلا خلايا مخه الرمادية، واستعان بكل ما لديه من مؤسسات أمنية (مخابرات عامة ومخابرات حربية وأمن دولة وأمن وطني وداخلية) بالاضافة إلى علاقاته الإقليمية (السعودية والإمارات وإسرائيل) والدولية (الولايات المتحدة) فلم يجد إلا طريق واحد اتبعه مبارك طويلا من قبل!! معادلة واضحة وبسيطة يفهما المواطن المصري جيدا مفادها: إما أنا وإما الفوضى!!
بمعنى: أن تحدث أعمال عنف مكثفة وممنهجة في مناطق حساسة في مصر يشعر معها المواطن أن هناك خطر على حياته الشخصية وأمنه وأمن أولاده، فيضطر للقبول "بالمستبد القوي"، الذي قبل أن يحمل الأمانة في هذا المنعطف التاريخي وهذا الظرف الدقيق، رغم أنه زاهد في ذلك!! بل سترجو هذه الأغلبية الصامتة هذا المستبد القوي بالبقاء حتى يعود الهدوء والاستقرار للوطن..
وحيث أن هذه المحاولات تكررت أكثر من مرة قبل الانتخابات وأثنائها خاصة مع تأكدهم أن نتائج الانتخابات ليس لصالح فئات يمكن أن توافقه على أهدافه، فانا أخشى أن تعود هذه المحاولات بشكل مختلف، يمكننا صياغته كالتالي:
نتيجة ما حدث من أحداث ,وأعمال قتل وحرق وتخوين ومؤامرات (دون تحديد أسماء المتورطين فيها أو تقديم أدلة عليها أو الإعلان عن الوسائل التي اتخذت لمنعها!!!) ؛ تتعالى الأصوات بسرعة تسليم السلطة لرئيس منتخب أو رئيس مجلس الشعب، وهي فكرة مبهرة كما قلت.. فيستجيب المجلس للشرعية الجديدة المتمثلة في البرلمان ويسلم السلطة، فيظهر المجلس العسكري داخليا وخارجيا بمظهر الوطني حقا، الزاهد في الحكم، الذي سلم السلطة قبل موعدها.. (وسننسى أنه كان من المفترض أن يسلمها منذ أربعة أشهر اساسا!!) ولا مانع من بعض الخطابات المؤثرة عن التفاني في حب الوطن وتحمل المسؤولية وتسليم الأمانة والإيمان بروح هذه الثورة العظيمة والتحية لدماء الشهداء (بس مش الفنجري المرة دي) إلخ..
وتستقر الأوضاع قليلا (أتحدث عن أسابيع قليلة) ثم يحدث ما حدث لإخواننا في حماس عندما فازت في الانتخابات التشريعية 2006.. كان الوزراء في حماس الواحد منهم "وزير بلا وزارة"!! بمعنى أنه وزير منتخب إلا أنه لا أحد في وزارته ينفذ أوامره أويتبع تعليماته.. ويظهر وزير داخلية مثل العيسوي من جديد، لا يعلم أي شئ عن أي شئ.. ويصرح على الملأ أنه أعطى أوامره بعدم اطلاق النار على المتظاهرين بينمت صور الشهداء تملأ شاشات التلفاز!!وسنرى نسخا مكررة من شيوخ وأطباء وطلبة وفتيات يضربون ويسحلون في الشوارع. وتقف الحكومة عاجزة أمام سيناريو الفوضى المعد سلفا، وتظهر بمظهر العاجز الذي لا يستطيع تغيير شئ..
وهنا ستتعالى الاصوات مجددا منادية "بالمنقذ" الذي أنقذ الثورة سابقا (مش عارف أنقذها من ايه؟ إذا لم تكن هناك أوامر بالضرب!!) وكان زاهدا في السلطة بدليل دامغ أنه سلمها طواعية استجابة لمطالب الشعب.. ستتعالى الاصوات بالعودة مجددا، والبقاء في السلطة "قليلا" لاعادة الهدوء إلى البلاد، وسيتمنع المجلس العسكري في البداية - مثل الفتاة التي يعرض عليها أبوها الزواج فتتمنع وهي راغبة، ثم يعلنون أنهم كما استجابوا لنداء الشعب سابقا، فإنهم مستعدون لخدمة الوطن مجدد!! وساعتها؛ لو أراد طنطاوي عمل استفتاء حقا على بقائه لحصل على اصوات الأغلبية الصامتة بدون شك!!
***
طيب أيه العمل؟؟
هل يعني ذلك قبولنا ببقاء المجلس العسكري في السلطة خوفا من هذا السيناريو؟
بالطبع لا.. لكني أقول إنه من الظلم أن تتحمل الحكومة الجديدة مسؤولية حفظ الأمن في البلاد.. يجب أن تتسلم الحكومة الجديدة عملها والمجلس موجود فإذا حدث أي شئ من هذه الأفعال الشيطانية يدفع ثمنها المسؤول الحقيقي وهو المجلس العسكري، لأن فشل الحكومة والرئيس الجديدين هو فشل للثورة ككل.
وفور الانتهاء من انتخابات مجلس الشعب يجب الشروع فورا في تطهير المؤسسات الحيوية (كالداخلية) من جهة، والبدء فورا في انتخابات مجلس الشورى ورئيس للجمهورية من جهة أخرى.. ويا حبذا لو كانت الحكومة المقبلة توافقية، وأن يكون الرئيس المقبل توافقي أيضا (انظر تونس) حتى لا يتحمل فصيل بعينه أو مؤسسة واحدة مسؤولية أية أعمال عنف، بل سيبدو ساعتها أن الثورة في ناحية والثورة المضادة في ناحية، وعلى المجلس أن يحسم أمره أمام الجميع إلى أي طرف سينحاز!!
وسيصبح وقتها الحديث عن مؤامرات خارجية و"طرف ثالث" دون تحديد المتورطين في هذه المؤامرات وتقديم الأدلة على ذلك لعبة مكشوفة من الجميع؛ رغم وجود أشخاص على الأرض قد تدفعهم عاطفتهم للتورط في دوامات العنف هذه إن حدثت، أو الدعوة إليها ابتداء!!
أسأل الله السداد والتوفيق للجميع..
وأن يحفظ هذا البلد وشبابه الطاهر النبيل..
ودمتم متحدين..
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
هذا ما لدي.. فماذا ترون؟