
وقام الملا عضو المجلس العسكرى أمس الأربعاء بالادلاء بتصريحات لتسعة صحفيين غربيين، ثمانية أمريكيين وبريطانى أكد فيها "أن البرلمان القادم لن يكون ممثلا بدرجة كافية تجعله يشرف بشكل مستقل على صياغة الدستور."
وأوضح اللواء الملا -في تصريحات لصحيفة واشنطن بوست الأمريكية- "أن المجلس العسكري سيعين مجلسا استشاريا؛ مهمته مراجعة تأثير "المتطرفون الدينيون" على عملية صياغة الدستور."
وأضاف: "نحن نعيش أولى مراحل الديمقراطية، والبرلمان المُقبل لن يكون ممثلا لكل أطياف المجتمع"، مؤكدا أن المجلس الاستشاري الجديد سينسق مع البرلمان والحكومة؛ لضمان تمثيل أعضاء اللجنة التأسيسية لوضع الدستور لجميع الأديان، والأطياف، والأحزاب السياسية.
وأشار عضو المجلس العسكري إلى أن البرلمان ليس كالكونجرس الأمريكي، قائلا: "لدينا مشكلات اقتصادية وأمنية، والظروف هنا تختلف"، موضحا: "حينما يكون البرلمان مستقرا وممثلا لجميع أطياف الشعب؛ حينها يمكنه اختيار ما يريد، لكن بالنسبة للوضع الراهن لا بد لقطاعات الشعب كافة المشاركة في وضع الدستور المُقبل".
وقال اللواء الملا في تصريحاته التي نشرتها عدة صحف غربية من بينها الغارديان البريطانية ان "البرلمان المقبل لن يكون ممثلا لكل الشعب المصري ومن سيتم اختيارهم (من قبل البرلمان) لكتابة الدستور الجديد يجب ان تتم الموافقة عليهم من قبل الحكومة الانتقالية والمجلس الاستشاري" الذي سيتم تشكيله من مثقفين وشخصيات سياسية مدنية وممثلين لوسائل الاعلام".
وقال الملا، إنه رغم توالى المستعمرين على مصر إلا أن أحدا منهم لم يستطع أن يغير الملامح الأساسية للشعب المصرى، لذا فمهما كان شكل الأغلبية البرلمانية، فإنها لن تكون قادرة على تغيير الميزات الأساسية للمصريين، لأن الشعب لن يسمح بذلك.
وأصر الملا فى مقابلة مع جريدة الجارديان على بقاء ميزانية الجيش بعيدا عن الرقابة البرلمانية، وقال، إن ذلك سببه الحالة غير المستقرة للبلاد حاليا، بالإضافة إلى أن البرلمان لا يمثل الشعب المصرى كله، فلا يمكن أن نترك له العنان.
من جانبها قالت "نيويورك تايمز" الأميريكية: "إنه عقد مؤتمر صحفى لتوجيه رسالة إلى واشنطن مفادها الكف عن المطالبة بالحكم المدنى، وتولى المجلس العسكرى زمام التحكم فى عملية كتابة الدستور والحفاظ على سلطة الحكومة المؤقتة للتحقق من قوة الإسلاميين الذين تمكنوا من الهيمنة على الانتخابات البرلمانية.
***
مما سبق - وهي تصريحات وليست افتراضات ولا تخمينات - يمكننا بسهولة أن نستنتج التالي:
1- المجلس العسكري لايريد تسليم السلطة بشكل كامل في موعدها، ومازال مصرا على المشاركة في وضع الدستور الجديد على الرغم من أنه لا شرعية له تخوله ذلك (حتى موضوع حماية الثوار تبرأ منه). هذه الرغبة أصيلة لدى المجلس العسكري للمشاركة في الحياة السياسية وجمع خيوط اللعبة في يده وعدم التفريط فيها لأي أحد كان حتى لو كان برلمانا منتخبا من قبل الشعب في أكثر الانتخابات نزاهة في تاريخ مصر منذ عهد توت عنخ آمون حتى الآن بحجة أنه لا يعبر "بدرجة كافية" عن الشعب المصري!! هذه الرغبة عبرت عن نفسها في وثيقة يحي الجمل ثم وثيقة السلمي ومؤخرا تصريحات الملا.
2- المجلس يتبع ذات سياسة الفزاعة من الإسلاميين "المتطرفين" بنفس الطريقة التي كان ينتهجها مبارك للتحجج بعدم الاسراع في خطوات الديمقراطية.
3- المجلس توجه بهذه التصريحات لوسائل الإعلام الغربية تحديدا - وليست الوطنية- لأنه يعتقد - مثلما كان يعتقد مبارك - أن الدعم الغربي هو مفتاح البقاء في الحكم، متناسيا أن هذا الدعم الغربي لم يغن عن مبارك ولا الشاه ولا زين العابدين ولا علي صالح شيئا حين ثارت الشعوب!
4- تأمين المجلس الانتخابات بهذا الشكل التام - لدرجة الاستعانة بقوات خاصة من الصاعقة والبحرية وفض الاشتباك والاستعانة بطائرات حربية لنقل القضاة والصناديق- يوضح أن المجلس كان يستطيع -على أقل تقدير - وقف المذبحة التي استمرت على مدى أربعة أيام في شارع ضيق من شواره القاهرة اسمه محمد محمود. واختياره لهذا التوقيت بالذات لمغازلة الغرب هو رسالة مفادها أن الديمقراطية ستأتي بالإسلاميين وإن لم تكونوا تصدقون فها هي المرحلة الأولى تكشف عن ذلك.
5- الشرط الذي وضعه الملا لاختيار لجنة صياغة الدستور وهو "يجب ان تتم الموافقة عليهم من قبل الحكومة الانتقالية والمجلس الاستشاري" هو شرط مناف للاعلان الدستوري الذي صوت عليه المصريون بنعم في التاسع عشر من مارس الماضي، والذي نص على "تتولي جمعية تأسيسية من مائة عضو، ينتخبهم أغلبية أعضاء المجلسين من غير المعينين في اجتماع مشترك، إعداد مشروع الدستور في موعد غايته ستة أشهر من تاريخ تشكيلها" مادة 189 أي أن الاعلان ترك اختيار اللجنة للبرلمان ولم يشترط موافقة احد، أي أن المجلس بهذا الشكل يقيد واسعا بشكل لا يحق له.
6- من خول المجلس العسكري غير المنتخب الحكم على برلمان شعبي منتخب أنه لا يمثل الشعب المصري بشكل كاف؟؟!! وما هو حد الكفاية الذي يعنيه المجلس؟؟
7- المجلس العسكري تحدث عن نتائج الانتخابات في المرحلة الأولى وكأنها النتائج النهائية للانتخابات ونسى أو تناسى أن هناك مرحلة ثانية وثالثة يمكن أن تتغير فيها النتائج تماما. هذا يؤكد فرضيتنا أن المجلس ترك الجولة الأولى من الانتخابات تمر نزيهة لينجح الإسلاميون فيخاطب الغرب لاعبا على وتر الفزاعة دون حتى انتظار بقية النتائج!
8- المجلس مازال مصر على موضوع ميزانية الجيش، بشكل يؤكد الكثير من علامات الاستفهام حول هلع أعضاء المجلس العسكري التسعة عشر من فتح هذا الملف، إما خوفا على ماض مضى، أو حرصا على بقاء أوضاع ما يحبون استمرارها على حساب مقدرات الشعب المصري.
9- القول "إن الاستعمار لم يستطع تغيير المزات الأساسية للشعب المصري و لذا فمهما كان شكل الأغلبية البرلمانية، فإنها لن تكون قادرة على تغيير الميزات الأساسية للمصريين" فيه خلط كبير بين الاستعمار الذي هو احتلال أجنبي وبين الأغلبية التي انتخبها الشعب بصورة ديمقراطية!! ثم الحديث أن الشعب لن يسمح لهم بذلك مردود عليه بأن الشعب إذا أراد أن يمنعهم لما اختارهم في الانتخابات!! هذا بديهي.. السؤال هنا: من حدد هذا "الميزات الأساسية".. والسؤال الأكثر إلحاحا: وأنت مالك؟؟
10- من غير المستبعد أن تكون هذه التصريحات سياسة الهدف منها جس النبض شعبيا وإخوانيا في محاولة لتفريق صف الجماعة الوطنية مجددا وخاصة أن هناك قوى علمانية عديدة تلملم جراحها في المرحلة الأولى واستمرارا في سياسة "فرق تسد" Divide and rule!
***
إن الحديث عن أن البرلمان غير مخول باعداد الدستور هو انقلاب صريح على الارادة الشعبية التي عبر عنها استفتاء مارس، وهذا ليس غربا عن المجلس، فلطالما فعل وأراد أن يفعل!! فلم ننس أنه قطع على نفسه وعدا باجراء الانتخابات في سبتمبر منذ ثلاثة أشهر ولم يفعل! لم ننس أن وعد بادارة المرحلة الانتقالية ستة أشهر فقط ولم يفعل!! لم ننس أنه وعد باجراء الانتخابات الرئاسية في 2011 ولم يفعل!! لم ننس أنه مد الطوارئ حتى يونيو القادم دون موافقة الشعب بشكل جعل رئيس لجنة صياغة الدستور "المستشار طارق البشري" يصفه بأنه غير دستوري ولا يحق له. لم ننس أنه مارس كل الحيل لامرار وثيقة تحكم عمل لجنة صياغة الدستور القادم مرة عبر يحيي الجمل ومرة عبر وثيقة السلمي، تلك الوثيقة التي عبر عنها القيادي الكبير في حزب الحرية والعدالة الدكتور جمال حشمت أنه "دخول آمن للسلطة".. لم ننس أنه تسبب - بقصد أو بدون قصد - في قتل العشرات من الشباب المصري في ميدان التحرير رغبة في الاستمرار بالحكم.. لم ننس أنه أطلق غازا كيماويا محرم دوليا على أبناء شعبه!! ومن يفعل ذلك لا أمان له.
إن المجلس العسكري غير متردد في البطش بالجماعة الوطنية والزج بها في السجون أو دفنها في القبور كما فعل ناصر ومبارك!! المشكلة هي الرأي العام الداخلي والدعم الغربي الخارجي.. نفس العقلية التي حكمت جميع الطغاة الفراعين منذ فرعون مصر الأول حتى الآن حين قال: "
(وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ) (غافر:26)
أي أنه يصنع رايا عاما سابقا على هذا الفعل الإجرامي حتى لا يبدو معه أنه قاتل مجرم بل وطني مخلص يريد حماية مصر من "الإسلاميين المتطرفين"!!
***
وعليه، فقد جاء موقف حزب الحرية والعدالة الرافض للانضواء في هذا المجلس اللذي يعبر التفافا على ارادة الشعب المصري العظيم الذي قام بهذه الثورة العظيمة، وعبر عن ذلك القيادي البارز في الحزب الدكتور محمد البلتاجي قائلا "رأينا ان هناك محاولة لتهميش البرلمان او تقليص صلاحياته لصالح كيانات غير منتخبة".!!
***
أرى أن نستمر في التركز في الانتخابات البرلمانة بنفس قوة المرحلة الأولى، وألا نجعل هذه الأمور تشغلنا عن اكمال مسيرة الديمقراطية.. ولنكن على وعي أنه من الوارد جدا أن يحدث صداما مع المجلس العسكري - وأنا كنت أستغرب أنه لم يحدث حتى الآن - ولكن وقتها سنواجه المجلس وهولا يستطيع أن يتهمنا بأننا لا نمثل الشعب فهو من اختارنا عبر الصناديق!! وإن استمر في ترديد هذه "الخزعبلات" عن أن البرلمان لا يعبر عن الناس "بشكل كاف" فسنقوم بعمل زيارة طويلة الأمد لمقر المجلس العسكري في العباسية مصطحبين معنا الملايين التي وكلتنا لتمثيلهم والحديث باسمهم لنسمع المجلس صوت هذا الشعب فردا فردا مرددين شعارات ثورية اشتقنا إليها كثيرا منذ أحد عشر شهرا على غرار: مش حنمشي .. هو يمش. و: ارحل يعني امشي.. ياللي مابتفهمش..!! وكما أن البرلمان لا يمثل الشعب فإن المجلس لا يمثل الجيش!!
إن الشعب اختارنا لنكون برلمانيين إلا أننا لم نفقد طبيعتنا الثورية قط، فنحن نؤمن أن النزول للميدان كالدخول للبرلمان، كلاهما وسيلة وليس غاية، نفعل أحدهما أو كلاهما من أجل غاية واحدة هي بناء وطن حر ديمقراطي مستقل غير عسكري ما استطعنا إلى ذلك سبيلا!!
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
هذا ما لدي.. فماذا ترون؟