"من الخطير أن تكون على صواب في الأمور التي تكون الحكومة فيها على خطأ" (فولتير)
***
بات من المؤكد أن محاولات عزل قطر، وإضعاف تركيا، وتدويل مضيق العقبة بتسليم تيران وصنافير لإسرائيل عبر السعودية، مجرد حلقات متوازية ضمن مخطط أكبر لإتمام صفقة القرن والإعلان عن إسرائيل الكبرى، رغم الرفض الشعبي الواصع لجميع هذه الخطوات.
لكن هذا المشروع الذي يواجه صعوبات عدة ليس الوحيد الذي يحاول تسوية أزمات المنطقة لصالحه، بل يمكننا أن نلخص المشروعات الأيديولوجية التي تتصارع لإعادة رسم خريطة منطقة الشرق الأوسط إلى ثلاثة مشاريع رئيسة:
***
1- المشروع الأول: حل الدولتين
وهو المشروع الذي مُهد له باتفاقية كامب ديفيد بين مصر وكيان الاحتلال الصهيوني، وبدأ أولى خطواته العملية في اتفاقية أوسلو بين الصهاينة والسلطة الفلسطينية.
هذا المشروع يتلخص في الاعتراف بما يسمى "دولة إسرائيل" كدولة يهودية (دينية) ودولة لليهود (فصل عنصري = أبارتهايد)، وبحقها في الوجود، جنبا إلى جنب مع دولة فلسطينية في حدود الرابع من حزيران 1967 يقاتلان الإرهاب (المقاومة) معا.
إلى هذا المشروع ينتمي كل من:
1- المؤسسات التقليدية في الغرب (حتى ترامب)
2- مصر منذ كامب ديفيد (حتى السيسي)
3- السلطة الفلسطينية وحركة فتح.
4- المعارضة الإسرائيلية الحالية.
5- جميع الدول العربية التي ألغت قرار المقاطعة مع مصر لتوقيعها كامب ديفيد، والتي وافقت على مبادرة السلام العربية التي قدمتها السعودية في عام 2002، ومن بينها قطر، ويضاف إليها تركيا. (يستثى الآن من هذه الدول: السعودية والإمارات والبحرين)
***
2- المشروع الثاني: تحرير كامل فلسطين:
ينتمي إلى هذا المحور كل المؤمنين بوجوب تحرير كامل فلسطين وعودة الخلافة الإسلامية (اتحاد الدول الإسلامية) وعلى رأسهم "جماعة الإخوان المسلمين"، وفرعها في فلسطين المتمثل في حركة المقاومة الفلسطينية "حماس"، ومن يدور في فلكهم.
رفض أصحاب هذا المشروع مبادرة كامب ديفيد واتفاقية أوسلو من بعدها، ورأو فيهما خيانة للأمة، وظلوا متمسكين بخيار المقاومة السياسية والعسكرية والفكرية لهذا الكيان الصهيوني الاستيطاني، وخاضوا معه جولات انتصروا في كثير منها، ونجحوا في طرده من غزة، ومنعه من إعادة احتلالها وتنصيب زعامات من أصحاب المشروع الأول (السلطة الفلسطينية وحركة فتح) على رأس السلطة فيه.
***
3- المشروع الثالث: حل الدولة الواحدة (صفقة القرن أو إسرائيل الكبرى)
وإلى هذا المشروع ينتمي أساسا المستوطنين اليهود (المتشددين دينيا) والذين تشكل أحزابهم ائتلافا حكوميا مع نتنياهو (العلماني) بزعامة كل من أفيجدور ليبرمان وزير الحرب الصهيوني وزعيم حزب إسرائيل بيتنا (كان يعمل نحو نصف عمره حارس ملاهى ليلية في روسيا)، ونفتالي بينيت (أميركي المولد والجنيسة بالمناسبة) زعيم حزب البيت اليهودي ووزير التعليم.
ويؤمن هذا المشروع بوجوب استيلاء إسرائيل على القدس والضفة الغربية، ومن ثم هدم المسجد الأقصى، وبناء الهيكل، وطرد الفلسطينينن إلى سيناء وغزة في أكبر عملية تبادر أراض بين مصر وإسرائيل والسعودية الأردن (صفقة القرن).
نجح هذا المشروع في ضم كل من:
1- ترامب وإدارته (دون باقي مؤسسات أميركا المؤمنة بحل الدولتين حتى الآن)
2- السيسي.
3- عبد الله الأردن، وأولاد زايد في الإمارات، ومحمد بن سلمان في السعودية (موقف محمد بن نايف رجل أميركا السابق غير واضح من هذا الأمر حتى الآن)، والبحرين، ومحمد دحلان الذين يسعون لتنصيبه على رأس السلطة لتنفيذ هذا المخطط.
***
4- مخاوف من انهيار حل الدولتين:
المشروع الأول (حل الدولتين) هم الأكثر قوة حتى الآن، وشعر أصحاب هذا المشروع مدى الخطورة التي يتعرض لها هذا المشروع بانتخاب ترامب، المؤمن بحل الدولة الواحدة، وبوعوده المتكررة عن وجوب نقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس، بما يعني ذلك من اعتراف بشرعية الاستيطان في الضفة الغربية، والقضاء بالتالي على فكرة إنشاء دولة فلسطينية تعيش جنبا إلى جنب مع إسرائيل.
فقام أصحاب هذا المشروع فور انتخاب ترامب، وفي الفترة البسيطة التي تفصل انتخابه عن تسلمه السلطة (شهرين) إلى عدة خطوات لإنقاذ حل الدولتين:
1- مؤتمر #باريس للسلام قبيل استلام ترامب السلطة بوقت قصير، وهو المؤتمر الذي أكد مجددا على حل الدولتين، (رقم 1 في المصادر) .. في هذا المؤتمر صرح فيه وزير الخارجية الفرنسي السابق جان مارك ايرولت أن عدم إقامة دولة فلسطينية سيكون أكبر هدية للمتطرفين (المقاومين). (رقم 2 في المصادر)
2- امتناع الولايات المتحدة الأميركية عن التصويت على قرار تاريخي من مجلس الأمن يدين الاستيطان في الضفة الغربية، (رقم 3 في المصادر)
3- قرار من اليونسكو باعتبار #القدس مدينة فلسطينية خالصة لا سيادة لإسرائيل عليها، ورفض الاستيطان في الضفة والقدس، ثم إعادة التأكيد على هذا القرار في اليوم التالي لإعلان وثيقة حماس (رقم 4 في المصادر)
4- طلب من حركة حماس إعلان قبولها بحل الدولتين فرفضت، فطلب منها أن تعلن على الأقل أنها ستقبل بدولة فلسطينية على حدود 67 دون الاعتراف بالضرورة بحل الدولتين أو حق إسرائيل في الوجود، فابتسم خالد مشعل وهو يقول: نقبل بدولة فلسطينة على حدود 67 مع عدم الاعتراف بإسرئيل، لكننا ندرك تماما أن إسرائيل لن تعطينا لا دولة على حدود 67 ولا أي شيئ إلا بالمقاومة، لكنه الاستفادة من التقاطعات الدولية والمرونة دون التفريط في الثوابت، كما قال، ومن هنا خرجت وثيقة حماس الأخيرة.
***
5- محاولات لنقل أصحاب مشروع حل الدولتين إلى حل الدولة الواحدة:
الآن يريد أصحاب المشروع الجديد تثبيت أوضاعهم، ويرون أن الفرصة مناسبة، بعد توجيه ضربات قوية للثورات العربية، قبل أن يؤدي سوء الأوضاع الاقتصادية أو تعاظم قوة حماس إلى إستحالة تنفيذ هذا المشروع فاقترح السيسي صفقة القرن وأقرها نتنياهو وترامب في البيت الأبيض كما صرح الوزير الصهيوني أسوب قرا (رقم 5 في المصادر)
لكن تنفيذ هذا المشروع يستدعي في البداية التخلص من أصحاب مشروع تحرير كامل فلسطين (حماس والإخوان) وهما (رغم تمسكهما بخيار المقاومة) يقدمان نهجا وسطيا للإسلام، فكان لابد من صنع فزاعة يرى العالم كله فظاعتها وإرهابها (داعش) وأن تلصق أعمال داعش بحماس والإخوان، رغم أن داعش في الأصل تكفر حماس وتكفر الإخوان، وتتعاون مع الأنظمة العربية العميلة في العراق وسوريا ومصر وليبيا، بل مع إسرائيل ذاتها كما صرح موشي يعلون وزير الدفاع الإسرائيلي من قبل. (رقم 6 في المصادر) وهذا التصريح يستهدف نتنياهو شخصيا وائتلافه الحكومي الاستيطاني المؤيد لمشروع الدولة الواحدة.
وحين نتحدث عن يوشى يعلون فنحن نتحدث عن المعارضة الإسرائيلية المنتمية لحل الدولتين كما أسلفنا، والراغبين بخبث في أن تتولى الدولة الفلسطينية الجديدة محاربة المقاومة نيابة عنهم. لهذا قال وزير الدفاع المستقبل "موشي يعلون" في خطاب الاستقالة من منصبه كوزير للحرب أن: "عناصر متطرفة وخطيرة استولت على الدولة والحزب"، في إشارة لنتنياهو وليبرمان.
نفس الأمر يمكن أن نراه في تصريح يعلون أن السيسي سلم تيران وصنافير للسعودية مقابل 16 مليارر دولار (رقم 7 في المصادر)، وكذلك تصريح زعيم المعرضة الإسرائيلية إسحاق هيرتزوغ الذي كشف فيه عن لقاء جمع بنتنياهو والسيسي في القاهرة بدعم من "جهات دولية وإقليمية" في محاولة لإشراكه في الكعكة وتشكيل حكومة وحدة وطنية مع نتنياهو لكنه رفض لأن نتنياهو في رأيه "غير جاد في عملية السلام" = حل الدولتين).
(رقم 8 في المصادر)
***
الخلاصة:
لا يملك المرء إلا أن يجد نفسه متعاطفا بقوة مع المحور الجديد الذي بدأ يتبلور في المنطقة (المحور القطري التركي)، في وجه مشاريع #ترامب المجنونة لإقامة إسرائيل الكبرى (#صفقة_القرن)، وهي مشاريع تمر بالضرورة عبر إضعاف #تركيا، ومحاولات لتفتيت الدولة التركية (من خلال دعم الأكراد بالسلاح الثقيل - رقم 9 في المصادر)، وكذلك عبر إسكات صوت #الجزيرة (القناة الوحيدة التي تتحدث عن فلسطين)، عبر محاولات تحجيم دور #قطر والتهديد بعزلها لتغيير سياساتها. أي أن ما يجري محاولة لنقل أطراف في مشروع حل الدولتين (قطر وتركيا) إلى خانة مشروع الدولة الواحدة (إسرائيل الكبرى) وهما ما يرفضانه حتى الآن.
لكن التحالفات القديمة والوثيقة لكل من قطر وتركيا مع الولايات المتحدة الأميركية تجعل الكثيرين من مؤيدي هذا المحور الجديد في حيرة من أمرهم، وتجعلهم يواجهون أنفسهم ويُواجهون من قبل غيرهم بأسئلة عن عضوية تركيا في النيتو، وعن وجود أكبر قاعدة جوية عسكرية للأمريكان في قطر، مما يخلط الأوراق في ذهن هؤلاء، ويصيرون غير قادرين على تحديد موقف واضح من كلا الدولتين، ومن ثم بالمحور الجديد الذي يتشكل. وهو ما يمكن تفسيره بسهولة بان كلا الدولتين ينتميان تاريخيا لمشروع حل الدولتين من ناحية، ويرفضان مشروع إسرائيل الكبرى من ناحية أخرى، فنختلف معهما في شيء، ونتفق معهما في أشياء، دون أن تختلط الأمور، أو تفريط في الثوابت.
والله أعلم..
ملاحظة1:
المشروع الإيراني في المنطقة استمد مشروعيته في وقت من الأوقات بدعمه لحركات المقاومة، لكنه أراد أن يؤسس مشروعا طائفيا خاصا به، فتحالف مع أصحاب حل الدولتين سياسيا واقتصاديا (الاتفاق النووي) وعسكريا (في سوريا والعراق واليمن) لكنه خسر مصداقيته عند أصحاب مشروع التحرير، وأثار مخاوف أصحاب مشروع الدولة الواحدة.
ملاحظة 2:
أصحاب مشروع حل الدولة الواحدة يرون جميع الإخوان "إرهابيين" لتمسكهم على تحرير فلسطين كاملة، بينما أصحاب مشروع حل الدولتين يرون أن ذلك التعميم يعرض مصالحهم مع دول تعترف بالإخوان لمشكلات، وهذا سبب تصريح وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلسرون بصعوبة إعلان جماعة الإخوان كلها إرهابية، وتصريح رئيس لجنة العلاقات الخارجية باكونجرس أن سبب الخلاف الخليجي هو الموقف من بعض الجماعات كالإخوان.
ملاحظة 3:
هناك خلاف واضح بين ترامب وبقية المؤسسات في أميركا حول الانتقال من حل الدولتين إلى حل الدولة الواحدة، وقد انعكس هذا الخلاف على الموقف من الأزمة مع قطر.
#أحمد_نصار
***
#مصادر:
1- مؤتمر باريس.. محاولة لإنقاذ ربع قرن من الخداع!
https://goo.gl/TrIyUg
2- وزير الخارجية الفرنسي جان مارك أيرولت سيكون أكبر هدية للمتطرفين (المقاومين).
https://goo.gl/DvtuIe
3- في قرار تاريخي مجلس الأمن يدين الاستيطان وأمريكا (أوباما) تمنتع عن التصويت
https://goo.gl/cD6uJU
4- ترحيب فلسطيني بقرار “اليونسكو” اعتبار القدس مدينة محتلة لا سيادة لإسرائيل عليها
https://goo.gl/ZNCJT2
5- وزير إسرائيلي: نتنياهو وترامب ناقشا في البيت الأبيض خطة السيسي لإقامة دولة فلسطينية في سيناء
https://goo.gl/LZHfhV
6- موشي يعلون: إسرائيل تتحالف مع داعش في سوريا
https://goo.gl/fVAQfc
7- موشي يعلون: السيسي سلم تيران وصنافير للسعودية مقابل 16 مليارر دولار
https://goo.gl/fdBstH
8- إسحاق هيرتزوغ الذي كشف فيه عن لقاء جمع بنتنياهو والسيسي في القاهرة في محاولة لإشراكه في الكعكة لكنه رفض
https://goo.gl/sca9Sw
9- بعد تعهُّد ترامب بتسليح أكراد سوريا.. ماذا يمكن أن يفعل الأتراك للرد على هذه الخطوة؟
https://goo.gl/hz5tFs
10- صفحة الكاتب على فيسبوك:
https://goo.gl/Av8XUE