مرحبا بك في مدونة شيء في صدري يمكنك اختيار المقال الذي تبحث عنه من القائمة على اليمين.. ومهما كان انتي مصر.. وكل خطوة بنصر.. الله أكبر وتحيا مصر

Welcome to the personal blog of the Egyptian Writer and political analyst Dr. Ahmed Nassar. You can choose the article you need from the list lower right

الجمعة، 18 نوفمبر 2016

مشهدان من مصر!

 في أسبوع واحد يأتي مشهدان من مصر، متناقضان متضاربان، ويعبران عن حالة الاستقطاب المروعة التي أصبحنا نعيشها الآن!!

المشهد الأول جاء من مهرجان القاهرة السينمائي، حيث عجائز شمطاوات في غاية الابتذال، وقمة الانحلال، ينشرن التبرج والسفور، ويتباهين بالعري والفجور، فصرن رمزا للفوضى الأخلاقية والدناءة الروحية!

والمشهد الثاني جاء من معتقل برج العرب، حيث نساء مرابطات، يواجهن قمع الأمن وبطشه، ومر الأسر وذله! يُمنعن من زيارة ذويهم، الذين يُضربون داخل الزنازين بالهراوات وقنابل الغاز، فصرن بحق عنوان البطولة ورمزها، في زمن عز فيه الرجال!

ولا عجب أن ضرب الله مثلا للذين آمنوا بالنساء، وأن ضرب مثلا للذين كفروا بالنساء! فما بال هؤلاء النسوة، كل فريق في واد، وكأنهن لا يعشن في بلد واحد!

***

1- مشهدان نرى فيهما صنفان من أهل النار!

والغريب أن المشهدين السابقين ورد ذكرهما في حديث واحد معجز للنبي صلى الله عليه وسلم، عن علامات الساعة!

فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

"صنفان من أهل النار، لم أرهما، قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات، مميلات مائلات، رءوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا" (رواه مسلم)

وطبعا الكاسيات العاريات رأيناهم في مصر، حيث المهرجان سيء الذكر، والسياط التي كأذناب البقر رأيناها في مصر أيضا، حيث العصي التي تعتدي على معتقلي برج العرب وتعتدي ذويهم!

***

2- استقطاب يعيشه المجتمع!

إلا أن للحكاية بعد آخر، فالظلم والانحلال موجودان منذ زمن، ويحدثان جهارا نهارا منذ زمن، لكن ما استوقفني هو حالة التزامن، فالمشهدان السابقان وقعا في عام واحد، وفي شهر واحد، وفي أسبوع واحد، وفي يوم واحد، مما يؤكد على وجود حالة استقطاب شديدة!

والمجتمع المصري مثل أي مجتمع، قابل للاستقطاب! والقابلية للاستقطاب polarizabilty ،كما تعلمنا في الفيزياء، هي خاصية جزيء أو ذرة لانزياح الشحنة السالبة والشحنة الموجبة عن بعضهما البعض، فيصبح الجزيء أو الذرة له قطبين.

وهذا الاستقطاب يحدث عند تتعرض المادة إلى مجال كهربائي خارجي، وهذا المجال الكهربي الصادم في حالة المجتمع المصري هو احتلال أجنبي مقنع، وانقلاب عسكري مروع، وغزو فكري، وانحلال خلقي، فصار القضاء يتاجر في الحشيش، وصار البزنس حكرا على الجيش، ورأينا انحلال الثقافة، وثقافة الانحلال، وفساد السياسة، وسياسة الفساد!

***

2- ثلاثة أنواع من الاستقطاب: أصابت جسد المجتمع وعقله وروحه!

لكن الاستقطاب الذي حدث في مصر لم يكن حدثا مفاجئا، وعلى حين غرة، بل حدث على مدار عقود، ببطء قاتل، وتدمير ممنهج! فشهدنا الاستقطاب الاقتصادي، والسياسي، والمجتمعي، ثم رأينا جميعا مؤخرا الاستقطاب الأخلاقي، وهو أسوأ أنواع الاستقطاب على الإطلاق!

إذا افترضنا أن جسم المجتمع كجسم الإنسان، مكون من جسد وعقل وروح، فإن نوع العطب الذي يصيب كل جزء من أجزاء المجتمع الثلاثة ينتج عنه نوع معين من أنواع الاستقطاب التي ذكرناها سالفا:

أ- استقطاب اقتصادي: في جسد المجتمع
ب- استقطاب سياسي: في عقل المجتمع
ج- استقطاب اجتماعي: في روح المجتمع

***

أ- الاستقطاب الاقتصادي: في جسد المجتمع

وهو يصيب "جسد" الإنسان في هذا المجتمع، فنجد أناسا يلبون احتياجات أجسادهم وأناس لا يستطيعون ذلك!

نجد الشحنة الموجبة في هذا الاستقطاب عبارة عن أناس يأكلون أفضل أكل، ويلبسون أفضل لبس، ويركبون أفضل مركبات، ويتزوجون الجميلات، وربما لهم علاقات خارج نطاق الزواج، وربما أيضا يجاهرون بذلك، ويفاخرون به كذلك، في الوقت الذي لا تجد فيه الشحنة السالبة ما يسدون به رمقهم، ولا يجدون منزلا يقيمون فيه باحترام، ولا وظيفة تكفل لهم حياة كريمة، وطبعا لا يمكنهم الزواج، رغم ما يعانونه من الفحش الإعلامي الضاغط والمكثف!

باختصار: الاستقطاب الاقتصادي يركز على "الجسد واحتياجاته"، ويدمر الفعل "يعيش" عند الإنسان، وهذا واقع منذ أواخر أيام مبارك!

***

ب- الاستقطاب السياسي: في عقل المجتمع

وهذا النوع من الاستقطاب يصيب "عقل" المجتمع، فيدمر فيه الفعل "يفكر"!

نجد هنا هذا المجتمع قد انقسم إلى شحنتين، شحنة موجية تفكر في قيم ثورية حالمة، كالحرية والعدالة، والالتزام الخلقي والديني، بينما الشحنة السالبة فيه تركز على السلطة والسطوة، والشهرة والشهوة، والنفاق السياسي والأخلاقي، ومعاداة الدين بدعوى محاربة التطرف والإرهاب.

هذا الاستقطاب واقع في المجتمع بفوز الرئيس مرسي بالرئاسة!

***

ج- الاستقطاب الاجتماعي: في روح المجتمع

وهذا النوع من الاستقطاب يصيب "روح" المجتمع، ويدمر فيه الفعل "يشعر".

نجد المجتمع مع هذا النوع من الاستقطاب قد تغير إدراكه، وأصيب في وعيه، فنجد شحنة موجبة تعتصم في رابعة، لا تشعر بحر الصيف ومر العطش وتعب النوم على الأرصفة، وتتجاهل تماما شعورا متناميا بالخطر الذي قد يصل حد القتل أو الاعتقال، في سبيل منع زيادة الاستقطاب، في مقابل شحنة سالبة تتجاهل البقية الباقية من القيم والمشاعر الإنسانية، والضوابط الأخلاقية، والقواعد الفكرية، وتصر على مصادمة ذلك كله، بالانقلاب على تلك المشاعر، لتؤيد انقلابا عسكريا، يضيف نوعا جديدا من الاستقطاب إلى تلك الأنواع السابقة!

هذا النوع من الاستقطاب وقع في الثالث من يوليو 2013!

***

3- المحصلة: استقطاب أخلاقي!

ورغم أن الاستقطاب، كما أوضحنا، يجعل الجزيء أو الذرة لها قطبين، فإن الاستقطاب الأخلاقي (أو إنساني) يجعل هذه الذرة غير قادرة - أو غير راغبة-  في الحياة بهذين القطبين معا. وتفكر، كنتيجة طبيعية لأنواع الاستقطاب الثلاثة الماضية، التي أصابت جسد المجتمع وعقله وروحه، في أن يطغى أحد هذين القطبين على الآخر، فيصبح للنواة قطب واحد، وتظن أنها بذلك ستحصل على الاستقرار! (تذكر كلام حلمي النمنم عن المجزرة التي ستستفيق مصر بعدها)

ورغم أن زوال الاستقطاب في الذرات سيؤدي إلى انقطاع التيار الكهربي فيها، ورغم أن زوال الاستقطاب في المجتمع سيؤدي إلى قطب واحد، عسكري غاشم، لا يقبل النقد ولا يحب الشريك، ولا يثمر ولا يغني من جوع، ولا يأتي ولم يأت بخير فقط، فقد هلل أنصار القطب السالب كي يزيح سريعا القطب المخالف، بالقوة المسلحة، والمذبحة والمجزرة، وغنوا له تسلم الأيادي، التي خربت الذرة والنواة، وقطعت التيار الكهربي الذي ولد النور الذي جاء مع الثورة!

هذا النوع من الاستقطاب وقع مع المذبحة، في الرابع عشر من أغسطس 2013، وما تلاها!

***

لقد بدا الاستقطاب الأخلاقي جليا في المشهدين سالفي الذكر في بداية هذا المقال. فمشهد مهرجان القاهرة كان يعبر عن شريحة من المجتمع، أصابها أنواع العفن طيلة عقود، في جسدها وعقلها وشعورها، فرأينا الاستقطاب الاقتصادي متمثلا في رفاهية لا يستحقوها، والاستقطاب السياسي متمثلاي في التفافهم حول سلطة مستبدة،  والاستقطاب المجتمعي بانقلابهم على كل القيم الروحية والأخلاقية والإنسانية!

في مقابل شريحة أخرى رأيناها أمام معتقل برج العرب، تحملت الظلم الاقتصادي والسياسي والمجتمعي طيلة عقود، رغبة في أن يزول هذا الاستقطاب أو يقل!

ولعل هذه هي المحاولة الأخيرة لإنقاذ هذا المجتمع، وإعادة اللحمة إليه، وإلا فإن مجتمعا بهذا الكم من الاستقطاب غير قادر على الحياة، وسيصبح معرضا للانهيار.

***

الخلاصة:

من المهم أن يدرك الناس أن انقطاع التيار سببه أن قطبا سالبا أراد أن يستحوذ على كافة النواة، وأن شريحة سالبة الأخلاق والفكر أرادت أن تهيمن على كافة المجتمع، وأن هذا لن يؤدي أبدا أو يقود إلى أي خير.

فمن قوانين الطبيعة والفيزياء أن يظل في المجتمع الموجب والسالب معا، وأن يظل الأمر بيد الناس، يختارون فيما بينهما، فيصيبون ويخطئون، لا أن يقضوا على حقهم في الاختيار بأيديهم، ويُقصون المخالفين لهم، ويشاهدون شريحة تتلذذ وتُفاخر، وشريحة تتعذب وتُهاجر، ويظنون أن ذلك قد يأتي بخير! ثم يسألون بعد ذلك كما سأل الشاويش في فيلم البريء لماذا لم ننتصر؟؟ وكيف ننتصر أو كيف نمضي بهذا الكم من الاستقطاب والانهيار! فأفيقوا!

#مجزرة_سجن_البرج
#مهرجان_القاهرة_السينمائي_الدولي
#أحمد_نصار

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

هذا ما لدي.. فماذا ترون؟