مرحبا بك في مدونة شيء في صدري يمكنك اختيار المقال الذي تبحث عنه من القائمة على اليمين.. ومهما كان انتي مصر.. وكل خطوة بنصر.. الله أكبر وتحيا مصر

Welcome to the personal blog of the Egyptian Writer and political analyst Dr. Ahmed Nassar. You can choose the article you need from the list lower right

الخميس، 17 ديسمبر 2015

الثورات العربية على خطى السادات وياسر عرفات!

الثورات العربية على خطى السادات وياسر عرفات!
_____________________________________

أجد نفسي مضطرا للربط بين "التحالف الإسلامي" الذي تقوده السعودية "ضد الإرهاب" الآن، وبين توقيت تفجر أزمة جماعة الإخوان في مصر مجددا!

فلا يحتاج الأمر إلى كثير من الذكاء كي نستنتج أن جماعة الإخوان المسلمين في مصر قد طلب منها أن تكون مع أو ضد التحالف الجديد! ولعل هذا سبب توقيت خروج بعض التصريحات واللقاءات التلفزيونية لقيادات من الجماعة في الخارج يطالبون "شرفاء الجيش والشرطة" بالانضمام للثورة، مما يعني ضمنا اختزال القضية في شخص السيسي وبعض القيادات، رغبة ربما من جناح داخل الإخوان في إعادة تموضع الجماعة في مواجهة الانقلاب، بحيث يكون للثورة سقف أقل، وطلبات أسهل، بهدف عدم إدراج الجماعة في قائمة المنظمات الإرهابية.

أصبح الأمر أكثر وضوحا بعد خروج تقرير الحكومة البريطانية الذي اعتبر الانتماء للإخوان مؤشر "محتمل" على التطرف (يذكرني ذلك بالإرهاب المحتمل الذي تحدث عنه السيسي!) كما أكد التقرير أن الحكومة البريطانية ستقوم تجميد أصول وأموال حركة المقاومة الإسلامية حماس في أوروبا! وأن النصوص المؤسسة للإخوان تحدثت عن التطهير الفردي وهدفهم النهائي هو الوصول للخلافة الإسلامية!

***

لا يعني ذلك أنه لا توجد مشكلة إدارية داخل جماعة الإخوان! لكن هذه المشكلة شديدة الضبابية إلى الدرجة التي تجعل القواعد - حتى الآن - غير قادرين على حسم خيارهم تجاه هذا الفريق أو ذاك!

طبعا لذلك عدة أسباب منها التضييق الأمني وتوقيت إغلاق القناة، لكني أزعم أن أكثر ما أحزن أفراد الإخوان ليس الخلاف في حد ذاته؛ فأفراد الإخوان بعض الانقلاب العسكري وفض رابعة أصبحوا أكثر نضجا، ومستعدين لتقبل وجود أي ظرف سيء! ما أحزن أفراد الإخوان هو طريقة نشر هذه الخلافات على الفضائيات، والإقالات التي تتم على الهواء مباشرة، والقرارات التي تنشر على "ورقة كراسة" أو على صفحة فيسبوك!

كل هذه الممارسات - من الطرفين - تقزم من جماعة الإخوان المسلمين، ولا تليق بها، وهي جماعة كبيرة، وتجعلنا نتحدث عن أفراد (محمد منتصر- محمود عزت - محمود حسين- محمد كمال) بعد أن كنا نتحدث عن جماعة اعتبرها الكثيرون أمل الأمة. الغرب لن يرضى عن الإخوان مهما حدث، وعلى الجماعة أن تكون على قدر المسؤولية، وعلى مستوى الحدث!  

***

الثورات العربية جميعا في موقف صعب، وعليها الثبات على مواقفها مهما كانت الضغوط! فلقد صار مطلوبا من الثوار في سوريا ومصر، وباقي الدول العربية، التصالح مع الأنظمة المستبدة التي ثاروا عليها، لمحاربة "الإرهاب"، وإلا صار الثوار أنفسهم جزء من هذا "الإرهاب" المزمع محاربته!

حتى المعارضة السورية، التي اجتمعت مؤخرا في الرياض، صار مطلوبا منها أن تلقي السلاح وتجلس لتحاور النظام ليقبل بها "المجتمع الدولي" وحتى لا تكون إرهابية! صارت مشكلتهم فقط مع بشار الأسد كشخص، وحتى هذه النقطة غير مضمونة، ومن الممكن أن نرى بشار في المرحلة الانتقالية! وإن قبل ثوار مصر وسوريا بذلك صاروا على خطى السادات وياسر عرفات!

***

علينا في هذه الأزمة، وعلى كل من يحب جماعة الإخوان، ويرفض الانقلاب العسكري، ألا نقع في خطأين مريرين:

1- علينا ألا ننحاز إلى أحد الفريقين، لأننا حتى الآن لا نرى أي مؤشر واحد على صحة موقف أحد الفريقين دون الآخر. وفي اعتقادي إذا شكلت لجنة تحقيق مستقلة ستجد أن الفريقين قد أصابا وأخطئا

2- علينا ألا نندفع بحماس على صفحات التواصل الاجتماعي منكرين وجود أزمة إطلاقا، فهذا غير منطقي وغير عقلاني ويستفز الناس ويفقدنا مصداقيتنا! فحديث الإخوان عن عدم وجود انقسام داخل الجماعة شبيه بحديث الحكومة عن عدم وجود عمل إرهابي وراء إسقاط  الطائرة الروسية!

الثلاثاء، 8 ديسمبر 2015

حرب سوريا.. ونهاية البداية!!

حرب سوريا.. ونهاية البداية!!
_________________
للحرب تعريفات كثيرة، منها أنها أعلى قرار سياسي، وأنها تحقيق للسياسة بأدوات أخرى! أدوات قد تشمل قتال الغرب للتنظيمات الإسلامية في سوريا حتى النهاية، وضمان مرور الفن الروسية في المضايق التركية مهما تكلف الأمر، ومنع قيام دولة كردية في سوريا بأي ثمن.

بوتين شخص عنيف، اكتسب شهرته من إبادة جروزني عاصمة الشيشان في الحرب الشيشانية الثانية، عندما كان بوتين رئيسا للوزراء عام 1999!
وتاريخ روسيا ينبيء أنها تفضل الحلول العسكرية الدائمة على التفاهمات السياسية المتقلبة. ومثال القرم ليس ببعيد!

سقوط طائرة عسكرية روسية بطائرات F-16 الأميركية التي تملكها تركيا هو عمل من أعمال الحرب، حتى وإن كانت الطائرة قد اخترقت المجال الجوي التركي، وحتى وإن أخفى الطيار هويتها، وحتى وإن تم تحذيره عشر مرات، وحتى وإن امتلكت تركيا الأدلة على ذلك!

للأسف؛ الأزمة في المنطقة تسير نحو الاشتعال وليس نحو الخفوت والانكفاء.. فلدى كثير من الأطراف الدوافع التي تجعله يستمر حتى النهاية في الحرب مهما تكلف الأمر

ومنذ مئة عام دخلت تركيا العثمانية الحرب العالمية الأولى لأسباب تبدو أتفه من ذلك، بعد أن سمحت لبارجتين ألمانيتين كانتا تطوفان البحر المتوسط، بعبور مضيق الدردنيل نحو البحر الأسود هربًا من مطاردة السفن البريطانية! ثم حاولت تركيا استعادة الأراضي العثمانية التي احتلها روسيا ، فهاجم الأسطول العثماني الموانئ الروسية في البحر الأسود، فأعلن الحلفاء الحرب على الخلافة العثمانية، ورد العثمانيون بالمثل!

وإن فشلت محاولة احتلال موانيء البحر الأسود؛ فإنه ينبيء أن حرب الروس الرئيسية كانت مع الأتراك، وأن حرب الأتراك الاولى كانت مع الروس!
موضع آخر يشير إلى الأهمية الاستراتيجية للمضايق التركية: تقول المصادر التاريخية أن وجهة نظر الحكومة الإنجليزية لكسب الحرب تتلخص في احتلال المضايق التركية في القرن الذهبي، مما يخرج العثمانيين من الحرب، ويسمح للحلفاء بمد يد العون للروس ضد الألمان. وقد لاقت الخطة استحسان الروس الذين طالبوا الحلفاء بحقهم في المضايق التركية، لضمان حرية الملاحة نحو المياه الدافئة (المتوسط). يذكر أن روسيا قامت باحتلال هذه المنطقة بالفعل منذ 1828 وحتى 1879، وترى موسكو هذا الوضع هو المثالي في تاريخها!

قام الحلفاء بمحاولة فاشلة لاحتلال المضايق التركية عبر إنزال في مدينة جاليبولي (المقابلة لمدينة طروادة التي قامت فيها الحرب التاريخية الشهيرة)، وبعد انتهاء الحرب دخلت أساطيل بريطانيا وفرنسا وأميركا إلى المضايق التركية. وطبعا تم إقصاء روسيا التي خرجت فعليا من الحرب بعد الثورة البلشفية في 1917.

الخلاصة:
لطالما كان الموقع الجغرافي المميز لتركيا سببا لاندلاع الحروب فيها، منذ حرب طروادة للسيطرة على التجارة في المنطقة، وحتى الحرب العالمية الأولى للسيطرة على المضايق التركية!

إسقاط تركيا للطائرة الروسية أثبت أن تحالف تركيا مع النيتو أقوى من أي علاقات اقتصادية بين موسكو وأنقرة، وهذه رسالة فهمها بوتين جيدا، ولن يهنأ حتى يطمئن على مصالح مملكته الصغيرة، وهي مصالح تمر بالضرورة عبر المضايق التركية!

الحرب في سوريا تحولت إلى ما يشبه حربا عالمية، بدخول بريطانيا وفرنسا وأميركا وتركيا من جهة؛ إضافة إلى روسيا وإيران وحزب الله وفصائل شيعية عراقية من جهة أخرى، وتطور الأمر لحدوث اشتباكات بين هذه الأطراف، التي كانت حتى وقت قريب جهاد داعمة، ثم أصبحت في خط المواجهة بالاشتباك المباشر بين هذه الأطراف.

حرب سوريا ليست النهاية، ولا بداية النهاية.. إنها فقط نهاية البداية!

ثلاثة أسئلة من أحد شباب الإخوان إلى وائل غنيم!

"المدافع دائما ضعيف".. هذه قاعدة يعرفها كل من يدرس الإعلام! هاجم ثم هاجم ثم هاجم، وإذا كان الخطأ فيك لا محالة؛ فقط اعتذر ولا تجادل، فالناس عموما ولاسيما في مصر يتعاطفون مع المعتذر، ويعتبرون القضية قد انتهت والصفحة قد أغلقت.

وحيث أن داعمي الانقلاب من العلمانيين يعرفون عظم الخطيئة التي ارتكبوها، والجريمة التي اقترفوها بدعمهم انقلاب عسكري دموي، وإعطائهم له غطاء سياسيا، محليا وخارجيا، مراهنين على ديمقراطية تأتي بها دبابة، خلصتهم من خصم سياسي، يفوز في كل الانتخابات، فإنهم لم يرهقوا أنفسهم بتبرير موقفهم، ولجئوا إلى الاعتذار.

ودوافع العلمانيين في الاعتذار ومحاولة ارتداء ثوب الثورة واضحة، فلقد وجدوا أنفسهم خارج السلطة، منذ حكومة الببلاوي الثانية، كما حرموا من المعارضة، بقانون انتخابات مفصل على مقاس الفلول، ولم يعودوا ثوارا بمباركتهم الانقلاب العسكري! لقد خسروا كل شيء، وأصبحوا لقطاء بلا هوية!

وحيث أنهم تأكدوا أن أبواب السلطة والمعارضة مغلقة بدبابة أتوا بها، فلم يبق أمامهم إلا الجعجعة المجانية، ومحاولة ارتداء ثوب الثورة من جديد، لعله يواري سوأتهم المفضوحة! ونرصد هنا محاولتين رئيسيتين لمحاولة العلمانيين ارتداء ثوب الثورة من جديد:

***

1- اعتذار 6 إبريل: اعتذار أقرب إلى الاعتراف!

أتت اعتذارات العلمانيين في وقت مبكر، منذ أن قدم أحمد ماهر رسالته الشهيرة - التي لا يعرف أحد كيف خرجت من السجن - بعنوان "للأسف كنت أعلم"!
وللتذكير، فإن حركة 6 إبريل هي أبرز حركة علمانية محسوبة على التحرير دعمت انقلاب 3 يوليو، وقالت ممثلة الحركة لكاترين أشتون أثناء اعتصام رابعة أن الإخوان جماعة إرهابية! وقامت الحركة بفصل عضوين فيها فقط لأنهما صعدا على منصة رابعة!

جاءت رسالة ماهر لتوضح أن الحركة كانت على علم - قبل الانقلاب بشهور - أن انقلابا سيجري، وأن دماء غزيرة ستراق، وأن الجيش يستعد للانقضاض على الثورة، ليذبحها بسكين تلم، ويطيح - ليس فقط بأول رئيس منتخب في تاريخ مصر، وإنما بكامل المسار السياسي الذي أتى به، ويغلق باب الانتخابات الحرة في مصر!

لكن رسالة أحمد ماهر أبطلت دون قصد حجج العلمانيين أنهم شاركوا في 30 يونيو ولم يشاركوا في الانقلاب، وبينت بجلاء أنهم كانوا على علم مسبق أن مظاهرات 30 يونيو كانت مجرد "كوبري" أعطى غطاء سياسيا لانقلاب الجيش، الذي كان يحرك في المشهد منذ البداية.
فشلت رسالة أحمد ماهر، ولم نعد نسمع عنه شيئا، لأن الباب الوحيد المتاح لعودته إلى صفوف الثوار - وهو الاعتذار - أدانه ولم يبرئه، فاعتذاره أتى أقرب إلى الاعتراف!

***

2- اعتذار وائل غنيم: كنا سذجا ولم نكن خائنين!

هذا الخطأ حاول وائل غنيم تفاديه في رسالته التي خرجت علينا فجأة! فوائل - أحد أبرز وجوه العلمانيين في التحرير- قدم رسالة عاطفية اعتمدت على وصف أنفسهم بالسذاجة، وهي صفة تستدر التعاطف، بعكس الإقرار بالذنب الذي أكدته رسالة أحمد ماهر!

نفى غنيم في رسالته تأييد النظام وتوقيع تمرد في محاولة بائسة يائسة لخلع يده من انقلاب 3 يوليو! واعتذر عن جملة لم يجد لها تبريرا، في منشور كتبه عبر صفحته في 2 يوليو 2013 عندما قال إن "من يعتقد بعودة النظام السابق واهم"

ومع ذلك فقد أتت رسالة وائل الأولى مليئة بالكبر والتعالي! لم يطلب من الرئيس الشرعي محمد مرسي ومن مؤيدي الشرعية الاعتذار، أو أعلن أنه سيأتي إلى المربع الذي يقفون فيه منذ عامين ونصف، ليقف في آخر الصف، يرفع نفس مطالبهم، نادما على ما بدر منه! بل على العكس؛ اتهم وائل الإخوان بصفاقة، أنهم مثل العسكر لا يعترفون بالديمقراطية، ويريدون احتكار أدوات السلطة! رغم أن مرسي لم يعتقل صحفيا واحدان ولم يمنع مظاهرة واحدة، ولم يحتكر القوانين بمعدل قانون كل 36 ساعة؛ كما فعل السيسي!

ولقد ترك وائل رسالته الأولى تثير زوبعة كما أراد، وانتظر! وبعد شهر بالتمام والكمال انتقل من مرحلة الدفاع إلى الهجوم، وطرح رسالته الثانية، يطلب من الإخوان الإجابة على ثلاثة أسئلة.

وأنا لن أدخل في مناقشة هذه الأسئلة ولا في الإجابة عنها، فالإخوان ليسوا ملزمين بالإجابة على أية أسئلة مسبقة خاصة من انقلابي كوائل! كما أنهم ليسوا متهمين حتى يجيبوا على أسئلة افتراضية تبدأ كلها بـ "ماذا لو" ! بل الحقيقة أن وائل هو المتهم!

وإني سأطرح على وائل ثلاثة أسئلة، وهي أسئلة واقعية وليست افتراضية، وأتحداه أن يجيب عنها، لأنه - كما أرى - يعرف الحق جيدا ويحيد عنه!
السؤال الأول: هل ما جرى في 3 يوليو انقلاب أم لا؟؟

وإذا لم يرى وائل - بعد كل ما جرى - أن ما جرى كان انقلاب، فهو إما أعمى البصر أو أعمى البصيرة!

السؤال الثاني: إذا كان ما جرى انقلاب، على رئيس منتخب وبرلمان شرعي ودستور مستفتى عليه شعبيا، فكيف نسقط هذا الانقلاب؟؟

أليس بإعادة الأوضاع إلى ما قبل 3 يوليو؟؟ أليس بإعادة الرئيس الشرعي إلى القصر، والقائد العسكري المنقلب إلى المحاكمة؟؟ أم بتلميع بعض مشاركي الانقلاب وداعميه، وإعادة طرحهم على الناس بصفتهم ثوارا؟؟

السؤال الثالث: كيف يتوب من أخطأ ودعم الانقلاب، ويريد التكفير عن جريمته؟؟
أقول لوائل وأمثاله؛ باب التوبة مفتوح، وإن الله يغفر الذنوب جميعا، بشرط أن تبين للناس خطأك دون كبر أو تدليس، وتعلن على الملأ أن ما جرى كان انقلابا وتعود إلى صفوف الثوار تابعا وليس قائدا، ترفع ذات شعاراتهم، بدلا من أن تمارس التنظير والفلسفة عليهم!

إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَٰئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ ۚ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (160 البقرة )

لهذه الأسباب على تركيا أن تبدأ في القلق!


1- تاريخ تركيا كدولة حاجز في وجه روسيا

النظر إلى خريطة تركيا مهم جدًّا لفهم صعوبة الموقف الذي تجد أنقرة نفسها فيه الآن! يفصل تركيا عن روسيا فقط البحر الأسود، مما جعل موقعها الجغرافي مهمًا للغاية بالنسبة للغرب؛ الذي يراها كـ”دولة حاجز” في وجه التمدد الروسي، الراغب منذ القدم، منذ روسيا القيصرية، في التمدد عبر المضايق التركية (البوسفور والدردنيل) نحو المياه الدافئة (البحر المتوسط) والذي يمثل عنق الزجاجة بالنسبة لروسيا نحو العالم الخارجي.
كان الغرب يتفهم دومًا أهمية موقع تركيا الجغرافي، إلى الدرجة التي جعلت بريطانيا وفرنسا يتدخلان لمنع انهيار الإمبراطورية العثمانية على يد محمد علي باشا والي مصر، حين قرر اجتياح الأستانة، فقط لأن المستفيد الأول من ذلك هو روسيا القيصرية! تدخلت الجيوش الغربية وأنقذت الباب العالي، وفرضت على محمد علي التراجع في اتفاقية لندن 1840.
وانتظر الغرب بعدها خمسة وثمانين عامًا، حافظوا فيها على الخلافة العثمانية ضعيفة كما هي، وأسموها رجل أوروبا المريض، حتى قاموا بتقسيم التركة العثمانية في اتفاقية سايكس بيكو 1916، لكي تسقط الإمبراطورية العثمانية في حجر الغرب لا في حجر الروس، الذين كانت أعينهم على المضايق التركية في الحرب العالمية الأولى، وصرحوا بذلك علنًا لحلفائهم الإنجليز والفرنسيين.

2- دور تركيا الخفي في أزمة الصواريخ الكوبية

في عام 1961، قامت أميركا بنشر 15 صاروخ جوبيتر باليستيًّا متوسط المدى بمدينة أزمير التركية ومداها 1,500 ميل (2,410 كم) مستهدفة المدن الغربية للاتحاد السوفيتي بما فيهم موسكو التي تبعد عنها بـ15 دقيقة فقط!
وفي 1962، وفور علم الاتحاد السوفيتي السابق بوجود صواريخ أميركية في تركيا وإيطاليا موجهة نحو روسيا التي يفصل بينهما وبين تركيا تحديدًا البحر الأسود فحسب؛ قام السوفييت بنصب صواريخ نووية في جزيرة كوبا التي يفصلها عن الساحل الشرقي للولايات المتحدة مرمى حجر. وهي أول صواريخ توضع خارج الاتحاد السوفيتي، كردة فعل على وجود الصواريخ النووية الأمريكية بالأراضي التركية.
وحين علمت الولايات المتحدة حاصرت الجزيرة برًّا وبحرًا وجوًّا، فيما عرف بأزمة الصواريخ الكوبية (تعرف في كوبا باسم أزمة أكتوبر)، ولم تنته الأزمة إلا بعد تعهد أميركا بعدم غزو كوبا، واتفاق الطرفين على مقايضة، تقضي بسحب السوفييت صواريخهم من كوبا، مقابل سحب الأمريكان صواريخهم من تركيا، واشترط الأمريكان فعل ذلك في الخفاء وبعدها بستة أشهر حتى لا يتم الربط بين الأمرين، وبضمان رئاسي شفهي من الرئيس جون كينيدي، والذي اشترط على الروس إبقاء الأمر سرًّا، وإلا تنصل من الاتفاق.

3- الجغرافيا أيضًا ليست في صالح تركيا:

وإذا كان هذا هو قدر تركيا تاريخيًّا؛ فإن الجغرافيا أيضًا ليست في صالح تركيا، فجميع الدول التي على حدود معها أو قريبة منها تكن العداء لها، وفي العلن في بعض الأحيان.
شرقًا: توجد إيران التي تدعم النظام السوري دعمًا مطلقًا.
جنوبًا: يوجد شبه دولة مستقلة للأكراد في شمال العراق، كما يوجد النظام السوري الذي يرى في تركيا عدوًا بلا شك.
في أقصى الجنوب: يوجد إسرائيل التي تشهد علاقتها مع تركيا تدهورًا ملحوظًا، كما يوجد على الضفة الأخرى من المتوسط مصر التي يحكمها نظام ما بعد 3 يوليو شديد اللحمة مع إسرائيل، وشديد العداء مع تركيا.
في الغرب: يوجد اليونان وقبرص وكلاهما لديه عداء تاريخي مع أنقرة منذ احتلال العثمانيين للبلقان إبان الإمبراطورية العثمانية، وفي الأذهان من وراء ذلك بقرون طويلة يكمن عداء تاريخي يعود إلى معركة طروادة بين الأتراك واليونانيين، والتي أرّختها ملحمتي الإلياذة والأوديسا،  وقد شهدت العلاقات بين كل من مصر واليونان وقبرص تقاربًا مؤخرًا، بدعم إسرائيلي واضح، وهو تقارب لا يجمعه شيء إلا عداء تركيا.
في الشمال: توجد روسيا، التي انضمت مؤخرًا -بسبب أزمة الطائرة الأخيرة التي أسقطتها طائرات F16 التركية- إلى حلف أعداء تركيا، وروسيا تدعم الأكراد في العلن، واستقبلتهم استقبالًا رسميًّا في موسكو، وتشن غارات غير مبررة على جبل التركمان، الذي يحوي سوريين تركمان من أصول تركية في سوريا.

 4- من يقف مع تركيا؟؟

أ- من الدول العربية:
لا يقف مع تركيا إلا دولتان اثنتان:
  • السعودية التي تتفق مع تركيا في العداء المطلق لنظام الأسد.
  • قطر، التي تسخر إمكاناتها الإعلامية لدعم الشعب السوري في ثورته.
لكن التأييد السعودي مؤقت وجزئي؛ مؤقت لأنه مرتبط بوجود الملك سلمان، ولم يكن الحال بهذه القوة وقت الملك عبد الله، كما أن التأييد السعودي لتركيا جزئي، بمعنى أنه لا يتعدى الملف السوري إلى ملفات أخرى. وقد رفضت تركيا التدخل عسكريًّا لصالح السعودية في اليمن، ومن غير المحتمل أن تنضم السعودية لصالح تركيا في أي نزاع مع روسيا أو حلفائهم المستقبليين من الأكراد، وقطر دولة صغيرة العدد والمساحة، فهل يمكن لهاتين الدولتين أن يُكوّنا جبهة توازن الجبهة الأخرى التي تعادي تركيا؟
في المقابل فإن عداء الأكراد –سواء في سوريا أو العراق- للأتراك هو عداء مطلق، وكذلك إيران والنظام السوري، ومن ورائهم مصر والإمارات وإسرائيل، كلهم لا يريدون أن يروا أردوغان وحزبه على هرم السلطة في تركيا!
ب- حلف النيتو:
وهو الداعم الحقيقي الذي تعول عليه تركيا، فوجود تركيا قوية أهمية إستراتيجية قصوى للغرب في وجه التمدد الروسي كما أسلفنا، ويبقي على الصواريخ الغربية على مرمى حجر من موسكو. (15 دقيقة فقط)
وبالفعل فقد دعم النيتو موقف أنقرة في الأزمة الأخيرة، وأكد أمين الحلف رواية تركيا بشأن إسقاط الطائرة الروسية، وصرح أوباما (رئيس أكبر قوة عسكرية) أن لتركيا الحق في الدفاع عن نفسها، وصرحت ميركل (أكبر قوة اقتصادية في أوروبا) بذات التصريح.

5- إلى أي مدى يمكن للنيتو أن يدعم تركيا؟؟

الآن فقط يمكننا أن نقول إن الغرب رد صفعة القرم إلى بوتين! واختار الغرب أن يرد على بوتين في نقاط ضعفه وليس في نقاط قوته، وانتظر سنتين كاملتين بعد احتلاله لشبه جزيرة القرم الأوكرانية، وضمها بالقوة للاتحاد الروسي، كي يرد عليه، ولكن بعيدًا جدًّا عن مجاله الحيوي، بإسقاط طائرة مقاتلة من نوع سوخوي 24 فوق تركيا، بما يحمله من دلالات عسكرية وسياسية هامة!
فهذا الحادث يقطع على بوتين خط الرجعة في تدخله العسكري في سوريا، ويجعله مضطرًا لكي يستمر، ويكمل مغامرته العسكرية، حتى لا يعود خائبًا مهزومًا بلا نصر سياسي. بالضبط كلاعب القمار الذي خسر مبلغًا من المال، فيقرر الاستمرار في اللعب، والمقامرة بمزيد من الأموال كي يعوض خسارته، لكنه لا يعوضها أبدًا؛ بل تتعمق خسارته.
استدرج الغرب الروس إلى المستنقع السوري، بالضبط كما استدرجوه سابقًا إلى المستنقع الأفغاني. وكالعادة بدأ الأمر بقوات رمزية، ثم يتطور الأمر سريعًا إلى حرب شاملة، تقصم ظهر من يحكم الكريملين.
لكن من غير المتخيل أن يصمت بوتين على ما حدث، ولا يرد على هذه الصفعة. لا يمكنه الآن إلا بعض القرارات الاقتصادية وبعض التصريحات السياسية التي يغلب عليها لغة التلاوم (تلقينا طعنة في الظهر)، لكنه لا يستطيع -الآن على الأقل- أن يرد عسكريًّا!
فقد فهم بوتين أنه إذا قام بالتصعيد مع أنقرة فإنه لن يواجه تركيا وحدها، بل سيواجه من ورائها الغرب كاملًا، متمثلًا في حلف النيتو التي تعد تركيا من أهم أعضائه.
لذلك فإن بوتين غالبًا سيختار أن يرد على تركيا وحده متجنبًا التصعيد مع حلف النيتو. لذا لن يقوم غالبًا بأي مغامرات عسكرية ضد تركيا، وأعلنت روسيا ذلك صراحة، لكن من قال إنه بالحرب المباشرة وحدها تتحقق الأهداف السياسية؟؟ ماذا لو دعم الروس الأكراد، واضطرت أنقرة للتدخل عسكريًّا في شمال سوريا؛ هل سيبقى موقف النيتو داعمًا لتركيا كما هو الآن؟؟

خيارات بوتين في الرد على تركيا:

مبدئيًّا، أي انتهاك روسي مستقبلي لأجواء تركيا -إذا حدث- سيكون غالبًا بطائرات مقاتلة من نوع سوخوي 30 التي يمكنها القتال في الجو، وليست سوخوي 24 المخصصة لضرب الأهداف الأرضية فقط، مما مكن المقاتلات التركية من إسقاطها بسهولة.
وبما أن الأسوأ قد حدث -بإسقاط طائرة روسية بالفعل- فإن تركيا غالبا سترد، وسيكون عليها هذه المرة إسقاط أي طائرة روسية بصواريخ أرض جو، وليس بطائرات الـ F16 التي يمكن لسوخوي 30 التعامل معها. وستكون تركيا وقتها في مأزق، بعد سحب الولايات المتحدة بطاريات باتريوت المضادة للطائرات من تركيا مؤخرًا. ماذا سيكون الحال لو أسقطت السوخوي 30 الروسية المقاتلة الـ F16 التركية؟؟
وإذا استبعدنا الخيار العسكري المباشر، للأسباب التي أسلفناها، فإنه من المرجح أن يختار بوتين أن يضرب تركيا في نقاط ضعفها هي الأخرى، وليس في نقاط قوتها، وليس لدى تركيا خاصرة أضعف من ورقة الأكراد، الحالمين بإنشاء دولتهم المستقلة شمالي سوريا والعراق، مما يهدد الدولة التركية في الصميم، لتلقائية انضمام أكراد تركيا إلى الدولة الكردية الناشئة عبر فتح الحدود بينهما، وتفتت الدول التركية بالتبعية.
ستحاول تركيا منع ذلك بكل الطرق، بما فيها التدخل العسكري المباشر، لكن إلى أي مدى يمكن للنيتو أن يدعم تركيا في هذه الحال؟؟ ستكون تركيا والحال هكذا دولة معتدية وليست متعرضة للاعتداء، وغالبًا ستجد تركيا نفسها وحدها وسط بيئة معادية لها Hostile Media، وسيجد الأكراد دعمًا من كل من إسرائيل ومصر والإمارات وآخرين. لذا ليس من سبيل المصادفة أن تعلن الإذاعة العبرية بعد إسقاط المقاتلة الروسية بيوم واحد فقط أن إقامة دولة كردية شمال سوريا مصلحة إسرائيلية روسية مشتركة!! وليس من سبيل المصادفة أيضًا أن يعلن بوتين أن مشكلة الحكومة التركية أنها تتبع سياسة “أسلمة الدولة”، وهو تصريح يغازل في الواقع كلّ0ًا من إسرائيل والإمارات ومصر.
لذلك فإن نشر روسيا أقوى صواريخ للدفاع الجوي في العالم (إس 400) في اللاذقية شمال سوريا، وإرسال البارجة الروسية (موسكو) إلى السواحل السورية، لا ينبئ أن هدف التواجد العسكري الروسي في المنطقة هو ضرب تنظيم الدولة! فلا وجود لهذا التنظيم في جبل التركمان ولا في قرى شمال حلب، غرب نهر الفرات.
وبعد استقبال موسكو وفدًا رسميًّا كرديًّا، وبعد إسقاط أنقرة طائرة عسكرية روسية، يمكننا أن نجد دعمًا روسيًّا كبيرًا لأكراد سوريا، وسط قيود على سلاح الجو التركي من التدخل في شمال سوريا خوفًا من صواريخ الدفاع الجوي الروسية.

الخلاصة:

موقف تركيا صعب، صحيح أنها كسبت هذه المعركة على المدى القريب، إلا أنها تواجه خطرًا داهمًا على المدى البعيد، على تركيا أن تتأكد من مواقف حلفائها في النيتو (وفي الولايات المتحدة تحديدًا عقب الانتخابات الرئاسية المقبلة) في حال إذا ما قدم الروس دعمًا عسكريًّا مباشرًا للأكراد! وعليها أن تقنع حلفاءها في النيتو أن صواريخ إس 400 تمثل خطورة على طيران التحالف بقدر ما تمثل خطورة على الطيران التركي! وعليها أن تحصل على بطاريات دفاع جوي بأي شكل!
وعلى تركيا أن تستعد لكافة الاحتمالات، بما فيها التدخل عسكريًّا في شمال سوريا، والاشتباك بشكل مباشر أو غير مباشر مع الروس! فجميع الحروب بدأت بشرارات صغيرة، ولا أحد يمكنه التنبؤ بما يمكن أن تؤول إليه الأمور.

أي دور تلعبه قناة مكملين؟؟

أي دور تلعبه قناة مكملين؟؟
________________

أصبح الدور الذي تلعبه قناة "مكملين"، المحسوبة على "قنوات الشرعية"، وبرنامجها الرئيسي "مصر النهاردة" الذي يقدمه مذيع مصر الآن سابقا محمد ناصر، مثيرا للحنق، وليس فقط مثيرا للجدل، بعد تعمد استضافة الرموز العلمانية أغلب الوقت، سواء العلمانيين المؤيدين للانقلاب، أو حتى الرافضين له، وسط غياب شبه تام لممثلين رسميين الإخوان أو حزب الحرية والعدالة.

استضافة العلمانيين المؤيدين للانقلاب يؤدي بصورة مباشرة، عن قصد أو دونما قصد، إلى خلط الأوراق في عقل المشاهد، الذي من المفترض أنه مؤيد للشرعية بالأساس، ف5هذه القناة لا تخاطب مؤيدي السيسي أو مؤيدي انقلاب 3 يوليو بشكل عام.

وخلط الأوراق المقصود هنا هو محاولة خادعة لئيمة للالتفاف على عقل المشاهد وتبرئة كثير من رموز الانقلاب، عبر أبواب كثيرة كلها غير شرعية وغير شريفة، بالضبط على طريقة غسيل الأموال!

فإذا افترضنا أن شخصا اغتصب مالا، أو تَربَّحه بطريقة غير شرعية، وأراد التوبة مما فعل، ماذا عليه أن يفعل؟؟ عليه شرعا وقانونا أن يعيد المال لأصحابه، وأن يتحمل المسؤولية القانونية والأخلاقية عن الجرم الذي ارتكبه، لا أن يعلن فقط على الملأ أنه كان مخطئا، وأنه نادم على ما فعل! فالندم وحد – بافتراض حتى أنه صادق - لا يكفي!

وعندما أتت واحدة من الصحابيات إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقرت بجريمة الزنا، وأرادت أن تتطهر من جريمتها، لم يكفها الندم، رغم محاولات النبي صلى الله عليه وسلم الذي أرسل رحمة للعالمين بإعطائها الفرصة كي تتمهل وتراجع نفسها، لأن النتيجة المباشرة لإقرارها بالذنب هو الموت رجما، إلا أنها أرادت أن تلاقي ربها وليس عليها خطيئة، فلم يملك الرسول صلى الله عليه وسلم إلا أن يأمر برجمها! ثم قام صلى الله عليه وسلم ليصلي عليها، فقال له الفاروق عمر رضي الله عنه: يا رسول الله أتصلي عليها وقد زنت؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد تابت توبة لو قسمت على سبعين من أهل المدينة لوسعتهم (النسائي والترمذي وأبي داوود وابن حبان والإمام أحمد في مسنده)

أما حين سرقت المرأة المخزومية فقد كان الأمر مختلفا، وأصر النبي صلى الله عليه وسلم على إقامة الحد فورا، ورفض جميع محاولات الوساطة، بل وغضب منها غضبا شديدا لسببين رئيسيين:

1- أن ذنب الغامدية التي زنت بينها وبين ربها، بينما ذنب المرأة المخزومية بينها وبين الناس، وإذا كان على العبد أن يتوب إلى الله من ذنوبه في حق الله بالتوبة والندم والإصرار على عدم العودة، فإن الذنوب في حق الناس لا تغفر إلا بإعادة الحقوق لأصحابها!

2- أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرد أن ترجم المرأة وهي حبلى، فيموت الطفل الذي لا ذنب له، أو أن ترجم المرأة بعد الولادة مباشرة، فيولد الطفل بلا مرضعة له: (إذاً لا نرجمها وندع ولدها صغيراً ليس له من يرضعه) الحديث
***

ما يفعله محمد ناصر في قناة مكملين – وأرجو أن يكون موضوعيا معي فالأمر ليس شخصيا على الإطلاق - هو أنه يبرئ بطريقة غير مباشرة ساحة من شارك في سفك دماء آلاف المصريين، وفرح بها، وحرض عليها، واستمتع برؤيتها، ورقص على جثثها، وأخرج من النظريات الفلسفية لتبرير ذلك ما عجز عنه سقراط، وأعجب به أفلاطون، وانتحر بسببه ألبير كامو، وجن بسببه جان بول سارتر!

لنكن صريحين؛ لا فارق بين 30 يونيو و 3 يوليو، ولا فارق بين من أيد الأولى وفرح بالثانية، ليس فقط لأن انقلاب 3 يوليو نتيجة مباشرة لـ 30 يونيو، وأنها لم تكن لتحدث لولا التمهيد الذي أحدثته، ولكن لأنه اتضح للجميع بما لا يدع مجالا للشك، أنه كان معلوما قبل 30 يونيو بشهور أن الجيش خلف كل ما يجري، وأنه يستخدم هذه الحركات لدفع الناس للتظاهر، مستغلا أزمات موجودة بالفعل، وأخرى افتعلها بنفسه، بهدف الانقضاض على السلطة، إزالة المسار الدستوري كاملا، بإراقة الدماء في الشوارع أنهارا، للوصول إلى السلطة التي سيتقاسمونها بعدئذ!

وليس هذا كلامنا؛ وإنما اعتراف كتابي من أحمد ماهر مؤسس 6 إبريل في رسالته الشهيرة التي حاول من خلالها غسل يده من الانقلاب، "للأسف كنت أعلم"، فأثبت التهمة عليه أكثر دون أن يدري!

ومع ذلك؛ إذا افترضنا أن شخصا ما كان جاهلا بما جرى من الإعداد للانقلاب، أو كان على دراية ولم يحصل على شيء من الكعكة، أو كان يظن في السيسي خيرا، ثم اكتشف غباء فكره وخسارة رهانه، وأراد الآن أن يتوب من ذنبه ويكفر عن خطئه؛ هل الباب مغلق في وجه هؤلاء؟؟

الإجابة قطعا لا، ليس مغلقا، ولكن عليهم أن يتوبوا توبة الشرفاء، وليس على طرقة غسيل الأموال القذرة! عليهم أن يعلنوا على الملأ خطأهم، وأن يبينوا ذلك بصراحة وليس على طريقة حنجلة البرادعي، ورقص وائل غنيم، وأن يصلحوا ما أفسدوه، بالتبرؤ تماما من معسكر الانقلاب، والانضمام - بلا قيد أو شرط - لمعسكر الثوار للعودة إلى ما قبل 3 يوليو!

والعودة إلى ما قبل 3 يوليو لا يعني بالضرورة استئثار الإخوان بالحكم، فلقد دعاهم الدكتور مرسي مرارا للحوار ورفضوا، ودعاهم الجيش للحوار فهرولوا! لنفترض الآن أن هذه الدعوة لا تزال موجهة، من الدكتور محمد مرسي إليهم، بصفته رئيس الجمهورية المنتخب، بعد أن يساهموا في إسقاط الانقلاب الذي تسببوا فيه!

لكن بهذا الشكل قناة مكملين مثل قناة الشرق، ومحمد ناصر مثل معتز مطر، يسهمون - حتى لو افترضنا حسن نية - في خلط الأوراق وتسطيح الأمورواختذال القضية، فلا يصبح بالضرورة كل عضو في تمرد انقلابي، ولا كل مؤيد لـ 30 يونيو مؤيد لـ 3 يوليو، مع دعوات كثيرة لـ "الاصطفاف" مع هؤلاء، حتى لو لم يطرقوا الباب الطبيعي للتبرؤ من جريمتهم أو حتى الاعتراف بها!
" إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم" البقرة 160