تقدير موقف.. ما بعد الاتفاق النووي:
__________________________
(أميركا بين السعودية الغاضبة .. وإيران الطامحة!)
1- خمسة أسباب غلبت الحل السياسي في أزمة الملف النووي الإيراني:
حين جاء باراك أوباما إلى البيت الأبيض في 2008؛ ورث عدد من المشكلات الكبرى من سلفه جورج بوش الابن، ومن بينها الملف النووي الإيراني.
وهناك عدد من الأسباب جعلت أميركا في 2015، ومعها الحكومات الغربية، تغلب الحل السياسي الدبلوماسي على الحل العسكري:
1- عدم جدوى الحل العسكري:
وبخاصة مع منشأة فوردو النووية التي تعمل علی تخصيب اليورانيوم والمبنية داخل الجبال المحيطة بمدينة قم، فهذا الموقع بحكم بنائه يجعل استهدافه بالقنابل شبه مستحيل.
2- التخوف من الرد الإيراني:
فرغم الشكوك Uncertainty التي تكتنف الضربة العسكرية الغربية ضد المواقع النووية الإيرانية، وقدرة هذه الضربة على تقويض القدرات النووية لإيران بالشكل المرجو، فإن الغرب كان متخوفا من رد الفعل الإيراني "الانتقامي" على هذه الضربة.
فقد صرحت إيران على لسان العديد من المسؤولين العسكريين أنها إذا تعرضت لهجوم عسكري ستستهدف على الفور القواعد الأميركية الموجودة في الخليج، كما أن استهداف إسرائيل بالتبعية لن يكون مستبعدا.
3- عدم رغبة الدول الخلييجية في الدخول في حرب ضد إيران:
فالقواعد الأميركية سالفة الذكر موجودة على أراضي دول عربية خليجية حليفة لواشطنن، وهذه الدول أعلنت طهران أنها ستكون مستهدفة إذا تم ضرب إيران من القواعد الأميركية الموجودة فيها.
4- الكلفة الاقتصادية الباهظة:
فبوش الابن ورث أوباما أكبر عجز في تاريخ الولايات المتحدة، وقد استغل الديمقراطيون ذلك في الانتخابات الرئاسية 2008 بوصف خليفة بوش، المرشح الجمهوري "جون ماكين"، بأنه امتداد لبوش ولسياساته More of the same . وقد حذر خبراء اقتصاديون كثر أن ميزانية الولايات المتحدة لا تستطيع تحمل كلفة الدخول في حرب ثالثة.
5- خسارة الديمقراطيين في الانتخابات التشريعية الأخيرة:
وقد حللنا بالتفصيل نتائج هذه الانتخابات التي جرت في نوفمبر الماضي. وتنبأنا بعدها مباشرة أن الخسارة الفادحة للديمقراطيين في ولايات عرفت تاريخيا بتصويتها لهم سيدفعهم إلى عدة قرارات لمصالحة قواعدهم التصويتية من ناحية، (كقانون الهجرة الذي أصر عليه أوباما قبل انعقاد الكونجرس الجديد، والمصالحة مع كوبا بعد مقاطعة نصف قرن، وأخيرا الاحتفال بزواج المثليين)، ولقطع الطريق على الجمهوريين في استغلال بعض القضايا ضدهم في الانتخابات الرئاسية (وعلى رأسها ملف إيران النووي).
وها قد صدق توقعنا واتجه الديمقراطيون قدما لعقد صفقة مع الولي الفقيه في إيران بدلا من توريث هذه القضية لخلفهم في البيت الأبيض والذي غالبا سيكون من الجمهوريين! وقد رأى الديمقراطيون أنهم إن أجلوا هذا الملف، فسيستغل الجمهوريون هذه القضية ضدهم والهجوم بشدة والمزايدة عليهم لتساهلهم مع إيران في ملفها النووي. أما الآن صار الجميع أمام أمر واقع!
***
2- قلق إسرائيلي معلن:
لاشك أن هذا الاتفاق أغضب كلا من السعودية وإسرائيل، اللتين رأتا أن هذا الاتفاق يمثل اعترافا رسميا بإيران كشريك للولايات المتحدة في المنطقة، وطبعا سيتم هذا – ولو جزئيا - على حساب الحليفتين الكبريين لأميركا منذ أربعينيات القرن الماضي.
فيما يخص إسرائيل فإنها صاحبة النفوذ الأقوى في الولايات المتحدة، وعلاقة اليمين الإسرائيلي بقيادة نتنياهو في الليكود شديدة القوة باليمين الأميركي الذي يمثله الجمهوريون ويحظى بالأغلبية في الكونجرس الآن.
هذه العلاقة الخاصة بينهما جعلت نتنياهو يتوجه قبيل انتخابات الكنيست الأخيرة إلى الكونجرس لإلقاء خطاب يدعوه فيه إلى عدم الموافقة على أي اتفاق مع إيران، رغم عدم إخطار نتنياهو لرئيس الدولة "أوباما" بهذه الزيارة وعدم لقائه كذلك، مما اعتبر استفزازا وتبجحا غير مسبوق، ودعاية انتخابية رخيصة كذلك.
هذه العلاقة الخاصة بين أميركا وإسرائيل تجعل الأخيرة مطمئنة إلى حد ما من حماية الغرب لها، حتى وإن أبدت استيائها من الاتفاق، رغم أنها حصلت على نسخة منه قبل توقيعه! ومن غير المستبعد أن تحصل إسرائيل على عدة صفقات سلاح لاسترضائها وإسكات الأصوات الغاضبة فيها.
***
3- غضب سعودي مكتوم:
أما السعودية فقد خرجت من قمة كامب ديفيد مايو الماضي خالية الوفاض! هذه القمة - التي أرادت أميركا فيها طمأنة حلفائها الخليجيين - يراها كثيرون قد ولدت ميتة، بسقف توقعات منخفض للغاية، جعلت العاهل السعودي الملك سلمان يعزف عن حضورها، مما فُسر على أنه "توبيخ" لأوباما.
ويأتي فشل هذه القمة متمثلا في رفض واشنطن توقيع اتفاقية دفاعية مكتوبة مع الخليج بالتوازي مع الاتفاق المزمع عقده مع إيران، أو تقديم أي ضمانات أمنية مكتوبة لدول الخليج، كما رفضت أميركا تزويد دول الخليج بأسلحة متطورة للتوازن مع إيران، خوفا من اهتزاز ميزان القوة في المنطقة الراجح لصالح إسرائيل!
هذه السياسة الأميركية، التي بدت غير مكترثة، دفعت الخليج للبحث عن حلفاء جدد غير واشطن، وليس بالضرورة بديلا عنها، ولتنويع مصادر السلاح لديها.
قام نجل العاهل السعودي محمد بن سلمان الذي يشغل أيضا منصب وزير الدفاع بزيارة روسيا (الخميس 18 يونيو) قبل 10 أيام فقط من المفاوضات النهائية بين الغرب وإيران، وأثمرت هذه الزيارة حسب موقع CNN بالعربية عن 6 اتفاقيات بين روسيا والسعودية، لتتجاوز الصفقات الـ 10 مليارات دولار.
كما قام محمد بن سلمان بعدها مباشرة بزيارة فرنسا (الأربعاء 24 يونيو)، حيث استقبله في الإليزيه الرئيس الفرنسي فرانسوا أولاند بنفسه، بحفاوة بالغة، ليقوما بتوقيع 10 اتفاقيات بين البلدين. وحسبما أعلن وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس فإن قيمة الاتفاقيات بلغت حوالي 12 مليار دولار.
هذا غير صفقة قطرية فرنسية يقتني بموجبها سلاح الجو القطري 24 طائرة فرنسية مقاتلة من طراز "رافال" بقيمة سبعة مليارات دولار! هذه التحركات الخليجية تنبئ - بعد توقيع الاتفاق النووي بالفعل - بتفجير سباق تسلح في المنطقة!
وبعد زيارة محمد بن سلمان لموسكو بيوم واحد فقط قام موقع "ويكليكس" بنشر ما يزيد عن 50 ألف وثيقة تخص السعودية وأحرجتها بعض الشيء، فهل يا ترى هناك ارتباط بين هذتا الأمر وذاك؟؟
***
4- الموقف الأميركي المحتمل من السياسة الإيرانية في المنطقة بعد الاتفاق:
___________________________________________________
لاشك أن الدول الخليجية تضع يدها على قلبها، وتفتح عيونها على انعكاسات هذا الاتفاق النووي الأخير مع إيران.
وهناك ثلاث احتمالات رئيسية فيما يخص هذا السؤال الهام:
1- الإذعان الأميركي لطموح إيران التوسعي في المنطقة:
__________________________________________
يغذي هذا التخوف أن إيران ستحصل على 100 مليار دولا على الأقل من أرصدتها المجمدة حسبما صرح وزير الخارجية الأميركي جون كيري. وإذا عرفنا أن إيران دعمت بشار الأسد - وفق دراسة لصحيفة صحيفة كريستيان ساينس مونيتور أبريل الماضي - طيلة أربعة سنوات بـ 35 مليار دولار، فماذا يمكن أن تفعل إيران إذا حصلت على ضعفي هذا المبلغ!
هذا التوجه سيجعل دول الخليج تفقد الثقة تماما في الحليف الأميركي الذي طرح نفسه كحامي لعروش هذه الدول، منذ الغزو العراقي للكويت والتهديد بغزو السعودية كذلك في 1990.
كما أن هذا التوجه سيعزز من تقارب السعودية مع دول كروسيا، وهي الدولة التي اعتبرت السعودية منذ شهور فقط مسؤولة - بتوجيهات من أميركا - عن التسبب في أزمة للاقتصاد الروسي نتيجة انخفاض أسعار النفط.
كما أن احتياج أميركا من النفط السعودي لا يزال كما هو، فالنفط الصخري الأميركي لا يزال أمامه وقت حتى يغني واشنطن عن النفط الخارجي.
2- النكوص عن الاتفاق:
__________________
ويعول البعض في هذا على الكونجرس ذي الأغلبية الجمهورية المعارضة كي يقف أمام هذا الاتفاق، فالكونجرس أمامه شهران لمناقشة الاتفاق والموافقة عليه أو رفضه. يذكر أن الكونجرس سن في وقت سابق قانونا يلزم الرئيس أوباما بعرض أي اتفاق نووي مع إيران عليه للتصديق على هذا الاتفاق أو رفضه!
وفي هذا الصدد يهدد الرئيس أوباما باستخدام حق النقض (الفيتو) لتعدي الكونجرس على ما يراه أوباما شأنا خاصا به كرئيس، ويبقى لدى أوباما أيضا خيار الذهاب بالاتفاق إلى الأمم المتحدة لصدور قرار دولي بشأنه، للحصول على مشروعية دولية لهذا الاتفاق.
كما يعول البعض على الرئيس الجديد الوافد إلى البيت الأبيض بداية العام القادم أن يفعل شيئا ما لإيقاف هذا الاتفاق. وأقول أن ذلك إن حدث سيقوض مصداقية الولايات المتحدة بالكامل، ولن تفلح أي مفاوضات دولية مستقبلية تكون واشنطن طرفا فيها. كما سيحسم ذلك الصراع داخل إيران لصالح المحافظين بعد فشل الإصلاحيين بقيادة روحاني في سياستهم التفاوضية مع الغرب.
3- رأب الصدع مع الخليج:
___________________
وهو الخيار الذي أرجحه، فلأسباب كثيرة أميركا لا تزال تحتاج إلى الخليج، كما أن الاتفاق سيكون مفيدا جدا لإيران إذا استمر حصولها معه (فوق البيعة) على نفوذها في العواصم العربية الأربعة! (بغداد - دمشق - بيروت - صنعاء). أما إذا تقلص نفوذ إيران في هذه الدول - ولو جزئيا - لصالح السعودية؛ فإن أميركا ستكون قد خرجت من الأزمة وهي تمسك العصا من المنتصف: منعت إيران من الحصول على سلاح نووي، وأرضت السعودية بشيء من تعزيز مصالحها.
ونعتقد أن سياسة أميركا تجاه نفوذ إيران في العواصم العربية الأربعة سالفة الذكر ستكون كما يلي:
أ- بغداد:
سيظل النفوذ الإيراني كما هو؛ فحسب تصريحات إيرنية فإن إيران قد منعت تنظيم الدولة من الوصول إلى بغداد. كما أن إيران سبق وأن صرحت أنها ستتدخل عسكريا إذا اقترب تنظيم الدولة مسافة 40 كم من حدودها!
يمكن فقط أن نرى ضغوطا أميركية لتحجيم نفوذ الميليشيات الشيعية في العراق التي تعيث في الأرض فسادا هناك، خاصة وأن رئيس الوزراء العراقي حيد العبادي قد صرح بنفسه عن الانتهاكات التي تقوم بها ميليشات الحشد العشبي هناك!
ب- صنعاء:
أعتقد أن هذه هي الترضية الحقيقية للسعودية، التي أصبح الحوثيين يقصفون مدنها الحدودية الجنوبية (جازان ونجران) بالصواريخ والمدفعية بصورة شبه يومية!
ولا أعتقد أن عملية "السهم الذهبي"، التي أعلن عن انطلاقها في اليوم التالي مباشرة لتوقيع الاتفاق النووي، لتحرير مدينة عدن قد جاءت مصادفة.
وهذه العملية حققت نجاحا ملحوظا وبدأن نرى العميد أحمد عسيري المتحدث باسم التحالف العربي بعد اختفائه عن الأنظار عقب انتهاء عملية عاصفة الحزم. هذا النجاح دفع مدير مكتب الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي الذي يقيم حاليا في السعودية إلى الإعلان أن الرئيس اليمني سيؤدي صلاة عيد الفطر في عدن.
جـ - دمشق:
هذه ستكون الضربة القاصمة للإيرانيين، وسيشعرون - إذا سقط بشار- أنهم قد تم استدراجهم من قبل الغرب، لسحب نقطة تفوقهم الأقوى، وورقة تفاوضهم الرئيسية "الملف النووي" مقابل لاشيء!
كما أن أوباما سبق وأن أعلن أن استخدام بشار الأسد للسلاح كيماوي خط أحمر، ومع هذا تم استخدام الكيماوي أكثر من مرة! وأعلن أوباما نيته التدخل في سوريا لنزع سلاح بشار الكيماوي، ثم عاد ونكص عن ذلك، وتحول بدلا من ذلك للتدخل ضد تنظيم الدولة.
هذه المواقف تسبب حرجا بالغا للرئيس أوباما الديمقراطي المدافع عن حقوق الإنسان الذي كان أحد وعوده الانتخابية إغلاق معتقل جوانتنامو! كما سيشكل الملف السوري نقطة هجوم شديدة من قبل الجمهوريين في الانتخابات الرئاسية نهاية العام.
أعتقد أنه ستحدث تسوية في سوريا لا تتضمن بشار الأسد، لحفظ ما وجه الديمقراطيين من الانتهاكات غير المسبوقة التي يقوم بها الأسد منذ أربع سنوات! وإن حدث ذلك ستتجه إيران بالضرورة للبحث عن حليف إقليمي بديل يرمم نفوذها المتآكل.
هذا الحليف المحتمل هو السيسي في مصر، القريب بالفعل من روسيا، والذي يمسك العصا من المنتصف الآن، فتخرج منه تصريحات مؤيدة للسياسة السعودية في اليمن، وفي نفس الوقت يستقبل وفودا من الحوثيين في القاهرة.
وأكاد أجزم أنه إذا حدث تقارب بين إيران والسيسي فإن السعودية - الممول الرئيس لانقلاب السيسي- ستحسم أمرها بحدوث تسوية في مصر لا تتضمن وجود السيسي، وإن بالضرورة لا تلقي بجميع الأوراق في حجر الإخوان، الذين تحتاجهم السعودية الآن أكثر من أي وقت مضى!
د - بيروت:
لا أعتقد أن تغيير كبيرا سيحدث في التركيبة السياسية اللبنانية، فحزب الله - ذراع إيران هناك -منهك أصلا جراء في الحرب في سوريا، وأمامه سنوات لتجديد قوته المستنزفة ، ويحتاج لعقود لترميم مصداقيته المتآكلة، والتي لا يبدو أنه سيستعيدها على الإطلاق.
ملخص:
نعتقد أن أميركا ستسعى لاسترضاء الخليج وطمأنته وعدم الظهور وكأنها رضخت للإيرانيين في فيينا، إلا أن دول الخليج إذا لم تر تغييرات حقيقية على الأرض - وخاصة في الملفين اليمني والسوري - فإنهم سيشرعون في التقارب مع حلفاء جدد ليسوا بالضرورة على وفاق مع واشنطن كروسيا.