مرحبا بك في مدونة شيء في صدري يمكنك اختيار المقال الذي تبحث عنه من القائمة على اليمين.. ومهما كان انتي مصر.. وكل خطوة بنصر.. الله أكبر وتحيا مصر

Welcome to the personal blog of the Egyptian Writer and political analyst Dr. Ahmed Nassar. You can choose the article you need from the list lower right

الثلاثاء، 30 يونيو 2015

السيسي يمهد لإعدام الرئيس!

السيسي يمهد لإعدام الرئيس!
_______________________

لم يمض يومان فقط على نشرنا مقال "إستراتيجية التوتر .. وسيلة الغرب في الامتداد، والعسكر في الاستبداد" حتى حدث ما توقعناه. تفجير في قلب القاهرة استبق نظاهرات الـ 30 من يونيو استهدف النائب العام الذي عينه السيسي عقب الانقلاب.

تحدثنا عن استخدام الإستراتيجية تاريخيا في إيطاليا والجزائر والخليج، لكننا  لم نتطرق لاستخدامها في مصر، وهي التي عرفت طريقها إلى المصريين من قبل الاحتلال الإنجليزي في حريق القاهرة، ومن العسكر عقب انقلاب يوليو في حادثة المنشية الشهيرة، التي اتخذت ذريعة لإلغاء الحياة السياسية، وكذلك الانفجارات الستة التي حدثت في الجامعة وجروبي والسكة الحديد، لإرهاب الناس وإثنائهم عن الديمقراطية.

يقول الرئيس محمد نجيب في مذكراته التي صدرت تحت عنوان «كنت رئيسا لمصر»:

 «وقعت ستة انفجارات في ذلك اليوم، لكن في أماكن متفرقة منها السكة الحديد والجامعة وجروبي، ولم يقبض على الفاعل، وقد عرفت بعد سنوات أن هذه الانفجارات كانت بتدبير من جمال عبد الناصر، كما اعترف البغدادي في مذكراته، وذلك لإثبات أن الأمن غير مستقر ولابد من العودة بالبلاد إلى الحالة غير العادية».

ويكمل الرئيس نجيب قائلا «وأنا في الحقيقة شممت هذه الرائحة القذرة في اجتماع اليوم التالي، فقد تعالت الصيحات التي تطالب بالضرب على أيدي المخربين، وقلت لهم صراحة أقرب للاتهام : لا يوجد صاحب مصلحة في التخريب إلا هؤلاء الذين يبتغون تعطيل مسار الشعب إلى الديمقراطية».

وذكر خالد محيي الدين أن عبد الناصر قال له بالحرف الواحد هذا الإضراب (إضراب العمال مارس 195) كلفني أربعة آلاف جنيه وهي تساوي أثناء كتابة هذه المذكرات 400.000 جنيه وبسعر اليوم ما يقرب من 4 ملايين جنيه.

***

هناك نصائح إسرائيلية قدمت للسيسي بسرعة التخلص من الرئيس مرسي وقيادات الإخوان لعدة أسباب، أهمها أن هناك تحركات دولية تتم الآن لوقف أحكام الإعدام، مع العلم بحساسية هذه المسألة لدى الرأي العام العالمي، كما أن الفرصة مواتية من وجهة نظرهم لاختزال قضية الشرعية في الرئيس مرسي، وإجبار الإخوان على القبول بتسوية على أساس الوضع القائم الجديد.

لقد بات مؤكدا أن قيادات الإخوان صاروا غير قادرين - فضلا عن أنهم غير راغبين أصلا - على القبول بتسوية على أساس الوضع الجديد، فالثورة الآن في الشارع تقودها القواعد، وأي قيادي سيقدم أي تنازل سيتم إقصائه وإحراقه سياسيا وإعلاميا.

وعليه فإن التخلص من قيادات الإخوان الحاليين وعلى رأسهم الرئيس مرسي يشبه إلى حد كبير التخلص من عبد الناصر بعد أن أيقن الغرب أن آخر ما يمكن أن يعطيهم إياه هو القبول بمبادرة روجرز لوقف إطلاق النار، وليس القبول بالسلام وفق الشروط الإسرائيلية، فتم الإطاحة به وأتى السادات الذي أعطاهم ما يريدون في كامب ديفيد!

تعليمات عباس كامل اليوم لجميع القنوات الفضائية بالامتناع عن عرض أي مسلسلات - رغم الأثمان الباهظة التي اشترت بها هذه الفضائيات تلك المسلسلات- ليس نابعا عن رغبة في الاحتفاء بالنائب العام وتعظيمه وإعطائه قدره والحداد عليه، بقدر ما هو رغبة حثيثة في إعطاء الناس جرعة الشحن والحقد المطلوبة لتمهيد الطريق للقرارات القادمة التي يحاول بها السيسي القفز إلى الأمام وعلى رأسها أحكام الإعدام المتوقعة.

كما أن الهاشتاج الذي تم تدشينه عقب ساعات فقط من الحادثة والمطالب بإعدام الإخوان في السجون ليس محض صدفة كذلك، فأيادي عباس كامل تلعب في جميع الاتجاهات.

***

لكن الشيء الوحيد الذي قد يوقف عمليات الإعدام هو النتائج المترتبة على هكذا أحكام. فداخليا في جماعة الإخوان المسلمين سيتم حسم الصراع القائم الآن داخل الجماعة لصالح تيار الشباب الأكثر راديكالية، كما أن سقف المطالب سيرتفع كثيرا، وستتعدى الرغبة في القصاص حدود الدولة ليشمل القصاص كل الدول المساندة للسيسي والداعمة له، وعلى رأسها الولايات المتحدة.

فالكل يعلم أن قرارا كقرار إعدام مرسي بيد أميركا وحدها، وأن السيسي إذا فعلها سيقطع بذلك الطريق على الولايات المتحدة لأي محاولة لإمساك العصا من المنتصف، والتي تعودت أن تفعلها مع تغيير الإدارات في كل انتخابات رئاسية هناك.

الاثنين، 29 يونيو 2015

الحرب الباردة بين السعودية وإيران!

الحرب الباردة بين السعودية وإيران!
__________________________

هناك مثل أميركي شهير يدرس لضباط الشرطة هناك يقول: إذا آمنت بالمصادفات فعليك ألا تكون شرطيا!  ونحن نقول إذا لم نلتفت إلى الروابط بين تواريخ التحركات السياسية على الساحة الدولية فلن نصل أبدا إلى مساحة أعمق من التحليل السياسي.

ما يحدث الآن من صراع بين السعودية وإيران لم يكن خافيا على أحد، لكنه امتد الآن للضرب تحت الحزام، وتبادل في التحالفات وتغير المواقف الدولية المساندة لكلا الطرفين، نرصدها في النقاط الآتية:

***

1- زيارة محمد بن سلمان لروسيا (الخميس  18 يونيو)
________________________________________

قبيل عشرة أيام من اجتماع جينيف المرتقب بين طهران والغرب لصياغة اتفاق نهائي لحل مشكلة الملف النووي والعقوبات على طهران، توجه نجل العاهل السعودي ولي ولي العهد وزير الدفاع السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى الحليف الإيراني الأكبر: روسيا.

كانت الزيارة دسمة بالصفقات التي تسيل اللعاب الروسي وتنعش الاقتصاد الروسي المأزوم بسبب خفض أسعار النفط في فترة سابقة والتي كانت السعودية أيضا وراءه.

أسفرت الزيارة حسب موقع CNN بالعربية عن 6 اتفاقيات بين روسيا والسعودية، شملت صفقة دبابات تي 90 روسية الصنع، وعربات مصفحة، وطائرات عمودية مقاتلة (هليكوبتر)، ومنظومة أس400 دفاع الجوي بعيد المدى، لتتجاوز الصفقات الـ 10 مليارات دولار.

***

2- زيارة محمد بن سلمان لفرنسا (الأربعاء 24 يونيو)
______________________________________

ومن المدينة التي كانت العاصمة الروسية في وقت سابق "سان بطرسبرج" حيث استقبله الرئيس بوتين بحفاوة، طار الأمير الشاب محمد بن سلمان إلى باريس حيث استقبله في الإليزيه الرئيس الفرنسي فرانسوا أولاند بنفسه، بحفاوة أيضا، ليقوما بتوقيع 10 اتفاقيات بين البلدين.

وحسبما أعلن وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس فإن قيمة الاتفاقيات بلغت حوالي 12 مليار دولار. جاءت أهم الاتفاقيات بين المملكة وفرنسا، وفق ما نقلته وكالة الأنباء السعودية: إنشاء مفاعلين نوويين، توقيع عقد تزويد حرس الحدود السعودي بعدد 23 طائرة هيلكوبتر من شركة ايرباص بقيمة 470 مليون دولار، مذكرة تفاهم بين الخطوط الجوية العربية السعودية وشركة ايرباص بخصوص سرعة تسليم 50 طائرة ايرباص منها 20 طائرة (ايرباص 330)، و30 طائرة (ايرباص 320) ، وغيرها.

***

3- وثائق ويكليكس السعودية (الجمعة 19 يونيو)
___________________________________

وبمجرد أن حط الأمير الشاب الرحال في روسيا، حتى نشر موقع ويكيليكس في اليوم التالي وثائق ومستندات زعم أنها مسربة من وزارة الخارجية السعودية، تحتوي على مراسلات سرية من مختلف السفارات السعودية حول العالم.

كشفت الوثائق الهيكل البيروقراطي للمملكة ذا المركزية الشديدة، كما كشفت النقاب عن دور المملكة السافر في شأن العديد من الدول العربية ولاسيما الشأنين المصري واليمني.
 
الوثائق سببت حرجا كبيرا للمملكة، الأمر الذي دفع وزارة الخارجية إلى مناشدة المواطنين إلى عدم الالتفات إلى هذه الوثائق التي وصفتها بالمزيفة.  وبدأت الأصوات تتعالى أن إيران وراء هذه التسريبات.

***

الخلاصة: الخليج يبحث عن حليف جديد
______________________________

اعتبر الكثير من المحللين أن السعودية تقدم رشى مقنعة لكل من روسيا وفرنسا، للضغط على إيران في مفاوضات الملف النووي من ناحية، وفي الحرب الدائرة في اليمن من ناحية أخرى، خاصة بعد فشل مفاوضات جينيف بين الحكومة والحوثيين، وطبعا الملف السوري ليس بعيدا عما يجري.

ومنذ فشل قمة كامب ديفيد بين أوباما وقادة الخليج (لم يحضرها الملك سلمان)، والتي يراها كثيرون ولدت ميتة، فإن الخليج بدأ يبحث عن خيارات أخرى بعيدا عن الحليف الأميركي الذي يبدو أنه غير متحمس لتغيير النظام في سوريا، بينما هو راغب في المقابل في إنجاز الاتفاق النووي مع إيران، رغم التخوفات الخليجية، ورفض أميركا توقيع اتفاقية دفاعية مكتوبة مع دول الخليج، ورفضها كذلك تزويد الخليج بأسلحة نوعية خوفا من اهتزاز ميزان القوة في المنطقة الراجح لصالح إسرائيل.

بوادر البحث الخليجي عن حليف جديد إضافي (لا يلغي الشراكة مع أميركا) بدأت منذ فترة، فالرئيس الفرنسي أولاند سبق وأن حضر كضيف شرف قمة التشاور الخليجية التي عقدت في الرياض يوم الثلاثاء 5 مايو الماضي.

وقبلها بيوم واحد فقط وقعت في الدوحة بحضور أمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني والرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند اتفاقية يقتني بموجبها سلاح الجو القطري 24 طائرة فرنسية مقاتلة من طراز "رافال" بقيمة سبعة مليارات دولار. وهي الصفقة التي سبق وأن رفضتها قطر وعدة دول أخرى لارتفاع سعرها مقارنة بإمكانياتها.

لهذه الأسباب يمكننا أن نفهم التصدر الفرنسي لمشهد المفاوضات مع إيران في جينيف، واشتراط لوران فابيوس ثلاثة شروط قبل بدء المفاوضات: الشرط الأول هو الحد الدائم للقدرات النووية الإيرانية في مجالي الأبحاث والإنتاج، والثاني هو تحقق صارم من المواقع الإيرانية، بما فيها العسكرية إذا استدعت الحاجة، (وهو ما سبق وأن رفضته إيران رفضا قاطعا وجدد رئيس الأركان الإيرانه رفضه) أما الثالث فعودة العقوبات بطريقة آلية في حال انتهاك إيران لالتزاماتها، وهذا الشرط الأخير أيضا رفضته إيران سابقا، إلا أن الغرب يعيد طرحه الآن!

وزير الخارجية الإيراني فوجئ فيما يبدو باللهجة الغربية الجديدة، فقرر العودة إلى بلده اليوم الأحد بداعي التشاور. ورغم محاولة البعض التقليل من مغادرته المفاوضات، فإن آثار اللهجة الغربية الفوقية لا تزال واضحة، ومفاجئة للجانب الإيراني.

ويبدو أن الإيرانيين فوجئوا أيضا من عدم الاكتراث الغربي لعدم الالتزام بمهلة الثلاثين من يونيو المتفق عليها سابقا في مباحثات لوزان التي شكلت الأساس للمفاوضات الحالية. وبات من المؤكد الآن أن هذه المهلة سيتم كسرها.

***

هل ستثمر التحركات السعودية حقا في حصار إيران؟؟ وفي أي الملفات سينجح هذا الحصار أكثر: الملف السوري أم الملف اليمني أم ملف الاتفاق النووي مع الغرب؟؟ أعتقد أن هذا ما ستسفر عنه الأسابيع القليلة القادمة!

السبت، 27 يونيو 2015

إستراتيجية التوتر .. وسيلة الغرب في الامتداد، والعسكر في الاستبداد!

إستراتيجية التوتر .. وسيلة الغرب في الامتداد، والعسكر في الاستبداد!
____________________________________________________

في يوم واحد شهد العالم ثلاثة هجمات إرهابية في ثلاث قارات! تفجير مسجد في الكويت، وفندق في تونس ومصنع في فرنسا.

استبعد البعض أن يكون هناك تنسيقا بين هذه الهجمات الثلاثة التي تبناها جميعا تنظيم داعش. وأنا أميل إلى أنه ليس هناك تنسيقا بين هذه الهجمات من قبل داعش، إنما التنسيق فيمن يتبع إستراتيجية التوتر ويتخذها وسيلة لفرض هيمنة عسكرية وأمنية وسياسية واقتصادية معينة!

***

إستراتيجية التوتر:  (بالإيطالية strategia della tensione)

هي إستراتيجية اتبعتها كل الأنظمة الاستبدادية تقريبا، بل وبعض الأنظمة الديمقراطية، لتخويف قطاعات عريضة من الشعب واستثمار هذا الخوف والهلع إما للرضوخ والقبول بالإجراءات القمعية التي تمارسها الأنظمة السلطوية، أو لانتخاب تيار بعينه في الأنظمة الديمقراطية.

هذه الاستراتيجية تعني باختصار قيام الأنظمة المراد تدعيمها بعمل عمليات عنف دموية، ونسبتها إلى تيارات إرهابية وهمية أو مصطنعة False flagged terrorist ، بغرض إحكام هذه الأنظمة السيطرة على الحكم عبر سياسات قمعية متشددة تروج لها حملات دعائية ضخمة ونشر معلومات مغلوطة ومضللة واعتماد تكنيكات الحرب النفسية كي يؤيد الرأي العام هذه الأفعال، أو على الأقل يقف على الحياد..

استخدامها في إيطاليا:

وقد تبنى حلف النيتو هذه الإستراتيجية في إيطاليا في القرن الماضي لإقصاء الشيوعيين الذين كانوا يشكلون أغلبية في البرلمان دون أن يسمح لهم ذلك بتشكيل الحكومة! وذلك عبر تشويههم ووصفهم بالإرهاب جراء العمليات التي تقوم بها منظمة الألوية الحمراء السرية المتطرفة الإرهابية، وهي المنظمة التي وصل بها الأمر إلى اختطاف رئيس الوزراء الإيطالي وقتل خمسة من حراسه الشخصيين، في اليوم الذي كان ذاهبا فيه إلى البرلمان ليعقد صفقة تاريخية مع الشيوعيين.

وفي مارس 2001، ألمح الجنرال جيانديليو ماليتي، القائد الأسبق لمحاربة الجاسوسية في إيطاليا، إلى أن الاغتيالات التي أفقدت الشيوعيين الإيطاليين الثقة، تلقت كذلك موافقة البيت الأبيض وجهاز المخابرات الأمريكية، علاوة على موافقة الشبكة السرية الإيطالية، والمصالح السرية العسكرية الإيطالية، والفرق الإرهابية اليمينية المتطرفة.


استخدامها في الجزائر:

وقد اعتمدت هذه السياسة نظما قمعيا أخرى عدة أشهرها الجيش الجزائري عقب الانقلاب الذي قام به على الانتخابات والمسار الديمقراطي عام 1992 بعد أن أثمرت الجولة الأولى عن فوز الإسلاميين.. حيث اتضح بعد ذلك أن كثيرا من أعمال القتل والعنف التي حدثت في الجزائر كانت بتدبير من الجيش نفسه!! والذي نسبها بطبيعة الحال للمتطرفين الإسلاميين..

جاء في مقدمة كتاب الحرب القذرة الذي يروي فيه حبيب سويدية - وهو ضابط سابق في القوات الخاصة في الجيش الجزائري 1992 -2000- أساليب الجيش الجزائري في القمع والتنكيل بالمعارضين تحت عنوان فرعي باسم "إستراتيجية التوتر" ص 16 :

"غداة انقلاب كانون الثاني (يناير) عام 1992 بدأت هجمات ضد رجال الشرطة والعسكريين، وكان القمع الحكومي فظا. لم يكن لجنود وضباط القوات الخاصة في الجيش الوطني الشعبي خبرة بمكافحة الإرهاب مما جعلهم مادة سهلة للتلاعب، ولم يكن للسكان أي ثقة بهذه الوحدات التي تتدخل دون أي احترام لحريات المواطنين. عمليات توقيف وتمشيط وتفتيش واسعة تطول أشخاصا بمجرد اشتباه بشراكتهم مع الإرهابيين، وليس بناء على حجج قانونية.. ومنذ عام 1992 استهدف جوهر عمليات القمع السكان المدنيين الذين يفترض أنهم يدعمون الجماعات المسلحة أكثر مما استهدف هذه الجماعات (!!).."

"وفي الحقيقة كانت هذه الإستراتيجية أداة في أيدي الهرم العسكري ونخبة قليلة من أصحاب الامتيازات للاحتفاظ بالسلطة. إنها تشبه على نحو فريد تلك الإستراتيجية التي تبنتها في إيطاليا سلطة خفية ولكن حقيقية.. عندما راحت الألوية الحمراء تعيث فسادا، فلجأت هذه السلطة الخفية إلى عمليات قتل جماعية (هجمات عمياء يشك بمرتكبيها) من أجل تعزيز أركانها بفضل عدم الاتزان العام الناتج عن انعدام الأمن المعمم، ومن أجل منع أي تغيير عن طريق تحويل اهتمام البلاد عن المشكلات الاجتماعية التي لم تحل"
الحرب القذرة – ص 16 و 17 بتصرف

***

###  استخدامها في الشرق الأوسط:

وبمجرد خروج مصر من معادلة الصراع العربي الإسرائيلي، كانت الولايات المتحدة بحاجة لعدو جديد تنصرف إليه أنظار العرب عن إسرائيل لتثبيت اتفاق السلام الجديد من ناحية، ولإيجاد موطئ قدم لقواعدها العسكرية في المنطقة من جهة أخرى بعد أن تم استخدام النفط كسلاح استراتيجي في حرب أكتوبر، والقرار الأميركي بوضع أيديهم على منابع النفط، حتى لا يتكرر هذا الأمر مجددا!

***

### الثورة الإيرانية: العدو في الثمانينات

كان هذا العدو هو إيران، فمع قيام الثورة الإيرانية شجعت الولايات المتحدة العرب - وعلى رأسهم صدام حسين - في دخول حرب مع إيران، بدعوى التخوف من تصدير الثورة. من جهة أخرى كانت الولايات المتحدة تمد إيران بالسلاح بما يسمح  دوما باستمرار المعركة واستنزاف العرب. وصدق الدكتور عزمي بشارة حين قال أن حرب الخليج الأولى (مع إيران) هي الحرب الوحيدة التي خاضها العرب مجتمعين!

***

### العراق: العدو في التسعينات

وعند انتهاء الحرب في نهاية عقد الثمانينات، كانت الولايات المتحدة بحاجة إلى عدو جديد، وكان هذا العدو هو صدام حسين الذي أوعزت له أميركا باجتياح الكويت، بدعوى أنه لا توجد اتفاقيات دفاع مشترك بين واشنطن والكويت! وفي ظل ثلاثة أشهر تحول صدام حسين من أكبر حلفاء واشنطن إلى أكبر عدو لها، وعليه أتت القوات الأميركية لتحتل منابع النفط بتوسلات عربية.

***

### القاعدة: العدو في الألفينات

وبعد عشر سنوات أخرى كانت أميركا في حاجة إلى عدو جديد، يضمن استمرار حملتها العسكرية على المنطقة، وبعد انتهاء تمثيلية تصدير الثورة واستنزاف العراق جاء الدور على تنظيم القاعدة! أصبح الجميع في العالم يتحدثون عن القاعدة ومخططات القاعدة وعمليات القاعدة...إلخ.

الآن داعش: عدو هذا العقد
واستمر التستر خلف قتال القاعدة عشر سنوات أخرى حتى أفل نجمها، وهنا كانت الحاجة لمنظمة إرهابية جديدة يحاربونها False flagged terrorist ، وهنا جاء الدور على داعش!

***

ختاما: هناك الكثير من الأقاويل حول داعش، ودورها المشبوه في العراق وسوريا وليبيا، لكن الأكيد أن ضباطا سابقين في الجيش المصري نفذوا عمليات لصالح داعش، منها عملية اختطاف الزورق الحربي في دمياط. (اعترف بذلك المتحدث العسكري نفسه)  والأكيد أن ضباطا سابقين في الجيش العراقي وحزب البعث أعضاء في داعش. والأكيد كذلك أن أحمد قذاف الدم ابن عم معمر القذافي قد دافع عنهم مرارا وتكرارا،  منها مرة على فضائية مصرية أمام وائل الإبراشي.

ومن المعروف أن هذه الأنظمة وهذه الجيوش جميعها صنيعة غربية، والغرب لا يضمن انتشاره وهيمنته العسكرية إلا بوجود هذه الأشباح التي ينسب لها أعمال عنف تسلط عليها الكاميرات الأضواء، بينما يتم سحق الجماعات الأكثر وسطية ونبذا للعنف "الإخوان المسلمين" من ناحية، لأنهم يفسدون إدعاءات الغرب ويقوضون مصداقية ومشروعية الأنظمة الاستبدادية التابعة له، والتي تروج بضاعتها فقط أوقات الخوف والتوتر والإرهاب! ومن ناحية أخرى يتم غض الطرف عن إرهاب الصهاينة في فلسطين المحتلة أو بشار الأسد في سوريا، رغم استخدامهما أسلحة كيماوية وعنقودية وفسفورية محرمة دوليا!


لذا فلا عجب أن تم إعلان جماعة الإخوان في مصر إرهابية، وروابط الألتراس الكروية إرهابية، وحركة حماس إرهابية، وكل ذلك على خلفية ما تقوم به جماعة أنصار بيت المقدس في سيناء، والتي تكفر الجميع بما فيهم الإخوان، ويا للمفارقة فإن النظام المصري لم يعلنها جماعة إرهابية إلا منذ وقت قريب!

اللا سلم.. واللا عنف!

#خاص #مقالات د. #أحمد_نصار يكتب:
#خاص #مقالات د. #أحمد_نصار يكتب:

اللا سلم.. واللا عنف!
________________

ملخص:

نصوغ في هذا المقال مصطلحا جديدا لتوصيف الصراع بين أنصار الشرعية والانقلابيين في مصر هو مصطلح: اللا سلم والاعنف، وهو مصطلح مشتق من مصطلح آخر "اللا سلم واللا حرب"، لتوصيف الصراع بين العرب وإسرائيل، والذي نشأ بعد قبول العرب المبادرة الأميركية لوقف إطلاق النار عام 1970  "مبادرة روجرز"
نحاول في ذكرى العاشر من رمضان أن نستلهم  أفكار الفريق سعد الشاذلي رحمه الله – وهو من وضع خطة الحرب - في مواجهة العدو الذي يفوقه قوة، ومن ثم الطريقة المثلى في مواجهة هذا الانقلاب الصهيوني الغاشم.

***

في العام 1970 بدأ مصطلح "اللا سلم واللا حرب" No peace No war في الشيوع في الأوساط السياسية والإعلامية، كتوصيف لحالة الصراع بين العرب وإسرائيل، بعد أن قبل عبد الناصر مبادرة وقف إطلاق النار الأميركية "مبادرة روجرز" واستمرار الوضع على ما هو عليه!

كان "اللاسلم" نابعا من رفض العرب الأمر الواقع الناشئ عن حرب يونيو/حزيران 1967 (حرب الأيام الستة) ورفضهم شروط إسرائيل التي تريد إملائها عليهم بالقوة، تحت مسمى السلام!

يقول المشير عبد الغني الجمسي مدير العمليات في حرب أكتوبر في مذكراته:

" كان واضحا أمامنا، في القيادة العامة للقوات المسلحة، أن إسرائيل وضعت لنفسها هدفا استراتيجيا - بعد حرب يونيو - هو منع الدول العربية من تحرير أرضها بالقوة حتى ترضخ الإرادة العربية للإرادة الإسرائيلية، فيتحقق السلام بشروط إسرائيل" مذكرات الجمسي - الميدان للنشر والتوزيع صـ 217. (وهو عين ما فعله السادات في كامب ديفيد بالمناسبة)

أما حالة "اللا حرب" ناشئة من عدم قدرة العرب - في ذلك الوقت - على القيام بعملية عسكرية لتحرير أراضيها التي احتلت في حربي 1948 و 1967، لعدة أسباب منها التفوق العسكري الإسرائيلي على العرب، ووصول القوات الصهيونية لمناطق إستراتيجية تعد موانع طبيعية يصعب مهاجمتها (قناة السويس في مصر - هضبة الجولان في سوريا - نهر الأردن في الأردن)

استمرت هذه الحالة عدة سنوات حتى تم اتخاذ قرار "الحرب بما لدينا من أسلحة"، وقد وضع خطة الحرب الفريق الركن سعد الدين الشاذلي، والذي كان ملما بنقاط القوة والضعف قي جيشه وجيش العدو.

أعد الشاذلي خطة الحرب وأسماها الخطة "بدر" ، ثم تغير اسمها ليصبح "المآذن العالية". وكانت هذه الخطة تقضي بمباغتة إسرائيل، وعبور قواتنا لقناة السويس، والتمركز في سيناء بعمق 5 كم تقريبا، وتأمين جوانبنا من أي هجوم إسرائيلي، والتمترس في نقاط دفاعية تحت غطاء من منظمة الدفاع الجوي القوية (صواريخ سام 6 المضادة للطائرات)

كانت هذه الخطة لا تؤدي إلى تحرير كافة سيناء، وقد كان الفريق الشاذلي يعلم أننا لا نستطيع - بما توفر لدينا من سلاح - أن نحرر كافة أراضينا المحتلة، لكن كانت وجهة نظره أن إسرائيل لا تستطيع البقاء إلى مالا نهاية في حالة الحرب، كما أنه لا يمكنها البقاء في أراضي مفتوحة في سيناء من غير تحصينات أو نقاط دفاعية، مما سيدفعها لتكبد خسائر فادحة، وستضطر في النهاية للقبول بالفرار أو على الأقل التفاوض وفق الشروط المصرية ومن منطق ضعف.

لأسباب كثيرة لم يحدث ما كان مقررا، وتم مخالفة التعليمات العسكرية للفريق الشاذلي، لخصها هو في مذكراته قائلا:

"لقد كان في استطاعتنا أن نحقق الكثير لولا تدخل السادات المستمر، وإصدار سلسة من القرارات الخاطئة التي كانت تجهض قدراتنا العسكرية!"

مذكرات حرب أكتوبر - الفريق سعد الشاذلي دار بحوث الشرق الأوسط الأميركية - صـ 408 -409

***

إن الوضع الحالي بالنسبة لأنصار الشرعية ومعارضي الانقلاب في مصر يشبه إلى حد كبير وضع مصر في الفترة التي سبقت حرب أكتوبر، ليس فقط لأننا نواجه عدوا لا يتورع عن استخدام سلاح لا نمتلكه، ولكن لأن هذا العدو (الانقلابيين في مصر) قد شربوا حتى النخاع من خمر العمالة الصهيونية، فصارت الصحافة الإسرائيلية تحتفي بهم علنا دون مواربة ليل نهار، بعد أن دعى وزير دفاعهم السابق إيهود باراك - عقب الانقلاب مباشرة - الغرب إلى مساندة السيسي والبرادعي لأن مساندة إسرائيل لهم ستضر بسمعتهم وتحرجهم (اتضح لاحقا أنهم لا يخجلون من ذلك بل يفاخرون به!)

إن الاستراتيجية التي يجب إتباعها في مواجهة الانقلاب العسكري في مصر هي استراتيجة اللاسلم واللاعنف. لا سلم بمعنى أن إستراتيجيتنا لم تعد تعتمد - فقط - على مظاهرات سلمية تنزل إلى الشوارع والميادين فيقابلها البلطجية وقوات الجيش والشرطة فتقتلهم وتعتقلهم بكل سهولة! لم أعرف ولم أقرأ في التاريخ عن ثورة نجت بهذه الوسيلة، ولا انقلاب كسر بهذا الشكل!

ولا عنف بمعنى أن المواجهة المفتوحة مع الانقلاب مرفوضة، وأن عسكرة الثورة مرفوضة، وأن المبادرة بالعنف مرفوضة، لكن يظل استخدام القوة ضد النظام وفق الإمكانيات المتاحة من ناحية، وخاضعا لضوابط كثيرة من ناحية، تجعل استخدام القوة رد فعل وليس فعل، في إحدى حالات ثلاثة فقط: (الردع في المظاهرات - الدفاع عن النفس - القصاص لمن ثبت عليه يقينا ارتكاب القتل أو الاغتصاب)

***

إن الإحباط المتولد في نفوس الكثيرين من رافضي الانقلاب ليس نابعا من الثمن الذي دفعوه من شهداء ومعتقلين ومطاردين، بقدر ما هو نابع من إحساسهم أن كل هذا الثمن لم يؤد حتى الآن إلى إسقاط الانقلاب، ولا يرون في المستقبل المنظور سبيلا واضحا لذلك!

والخطأ الاستراتيجي الذي يقع فيه هؤلاء أنهم يريدون القضاء على الانقلاب بالضربة القاضية، وهم لا يمتلكون القوة أو القدرة على ذلك. عليهم أن يفهموا أن إسقاط الانقلاب يأتي بسياسة النفس الطويل.

إن النجاح هو التقاء منحنى الفرصة مع منحنى الاستعداد. وما علينا فعله أن نستعد أكثر وأكثر لإسقاط الانقلاب وللحظة ما بعد سقوط الانقلاب، ولننتظر الفرصة المناسبة واللحظة المواتية لتغيير موازين القوة بما يسمح لهذه الثورة أن تحقق أهدافها. علينا أن نستمر في إنهاك السيسي وانقلابه وقارعته سياسيا وإعلاميا وقانونيا وأمنيا (بالضوابط السابقة) دون تسرع باتخاذ قرارات متسرعة تضر بالثورة (كما فعل السادات أثناء حرب أكتوبر) أو القبول – تحت ضغط الانقلاب والإقليم- بمباردات لا تلبي مطالب الثوار (كما فعل السادات أيضا في اتفاقية كامب ديفيد!!)

الثلاثاء، 23 يونيو 2015

شهر العسل بين مصر وإسرائيل!

شهر العسل بين مصر وإسرائيل!
_________________________

ترددت في الكتابة حول هذا الموضوع، موضوع تعيين سفيرا مصريا في تل أبيب، ليس لعدم أهميته، ولكن لأنه ليس النقطة الرئيسية في تقييم العلاقة بين الجيشين المصري والإسرائيلي من ناحية، والجيش المصري والولايات المتحدة من ناحية!

السؤال الرئيسي في هذا الأمر في اعتقادي هو هل يعتبر السيسي ومن معه من جنرالات في الجيش إسرائيل عدوا من الأساس؟؟

لعله من أبواب الكوميديا السوداء أن نسأل هذا السؤال! عن علاقة مصر صلاح الدين والأزهر والشافعي بإسرائيل! ومن باب الكوميديا السوداء أيضا أن السيسي أجاب على ذلك علنا بكل صفاقة ودون أي مواربة!

 "لن نسمح لأراضينا أن تستغل لمهاجمة إسرائيل! نحترم اتفاقية السلام منذ اليوم الأول الذي وقعت فيه! أتحدث مع رئيس الوزراء نتنياهو يوميا! إسرائيل سمحت لنا بنشر قوات إضافية على أراضينا في سيناء وهذه إشارة على زوال حالة العداء بين البلدين!" وكل ذلك طبعا برعاية أميركية!

 فمصر منذ توقيعها اتفاقية كامب ديفيد في العام 1979 مع كيان الاحتلال برعاية أميركية، صارت ملفا حصريا بيد وزارة الدفاع الأميركية "البنتاجون"، تأخذ مساعدات سنوية بقيمة 1.3 مليار دولار مقابل شيئين لا ثالث لهما: حماية أمن إسرائيل وقناة السويس.
 
ومنذ أيام وافق الكونجرس على استئناف المساعدات العسكرية لمصر بـ1.3 مليار دولار" وقالت رئيسة لجنة الاعتمادات في الكونجرس النائبة كاي جرانجر  قد أشارت في كلمتها الافتتاحية، إلى أنه في الوقت الذي يشهد فيه الشرق الأوسط حالة من الاضطرابات، تحتاج الولايات المتحدة لمصر كحليف مستقر لديها.

***
خروج مصر من دائرة الصراع شكل صدمة وخسارة كبيرة لجميع المقاومين في الوطن العربي والعالم الإسلامي، وبعد أقل من عشر سنوات فقط على زيارة القدس الآثمة في 1979 التي قام بها السادات، كانت حركة المقاومة الإسلامية حماس قد بدأت في التشكل في فلسطين.

وقد شنت إسرائيل الحرب تلو الحرب على القطاع في محاولة للتخلص من حركة حماس، إلا أن الحركة ورغم التضييق الخانق من النظام في مصر، قد استطاعت الصمود وصد جميع محاولات اجتياح القطاع.

كان آخر هذه الحروب حرب أواخر 2008  أوائل 2009 "الرصاص المصبوب" (أو معركة الفرقان كما تسميها المقاومة)، وهي المعركة التي انتهت بفشل إسرائيلي آخر، دفع وزير الخارجية الإسرائيلية تسيبي ليفين ونظيرتها الأميركية كونداليزا رايس إلى توقيع اتفاقية أمنية لتشديد الخناق على حركات المقاومة في قطاع غزة، عرف هذا الاتفاق باسم "ليفيني -رايس"

***

يبدو أن كل هذا لم يكن كافيا، وأن حركة حماس استطاعت التغلب على كل هذه المعوقات، ولا سيما بعد وصول الرئيس محمد مرسي لمنصب الرئاسية منتصف العام 2012. رأت إسرائيل في ذلك خطرا داهما وتم إعداد خطة لإقامة منطقة عازلة Buffer zone في قلب سيناء لمسافة 5 كيلومترات، لمنع كافة محاولات تهريب المال والسلاح والغذاء لأهل غزة المحاصرين والمقاومين.

السيسي أبدى موافقته بل وتحمسه على تنفيذ هذه الخطة، وكان هذا هو العربون الذي دفعه من أجل تأييد الانقلاب العسكري الذي قام به، هذه الخطة التي يعمل الجيش المصري وفقا لها حسبما قالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الأميركية، جين ساكي، التي قالت "إن بلدها يؤيد خطة الجيش المصري في سيناء. نحن نؤمن بحق مصر في اتخاذ خطوات للحفاظ على أمنها، ونتفهم الخطر الذي يواجهونه من سيناء، ولهذا السبب، قدمنا طائرات الأباتشي، وهم يعملون وفقًا لخطة، ونحن مستمرون في دعم جهودهم، لاتخاذ خطوات للدفاع عن حدودهم".

إن القضية أكبر من مجرد تعيين سفير بين البلدين، فلقد كان تهجير أهل سيناء وخنق المقاومة وسحق الإخوان لصالح إسرائيل هو المهر الذي دفعه السيسي ليخطب ود أميركا وإسرائيل، ولدعم انقلابه الدموي والتغاضي عن جرائمه. وهذا ما أثنى عليه قادة الكيان الصهيوني في مؤتمر هيرتزليا منذ أسبوعين!

وربما لا نجد تصريحا أكثر دقة في توصيف هذه العلاقة الآثمة إلا تصريح نبيل فهمي وزير الخارجية السابق لنظام الانقلاب في مصر والذي قال فيه: العلاقة بين الولايات المتحدة ومصر ليست نزوة لليلة واحدة، وإنما زواج كاثوليكي! والغريب أنه نفس التعبير الذي استعملته الصحافة الإسرائيلية، حين وصفت صحيفة معاريف والقناة العاشرة الإسرائيلية العلاقة بين إسرائيل والسيسي بأنها شهر عسل بعد توتر شاب العلاقة إبان حكم مرسي! وطبعا نعرف من العريس ومن العروسة!

قوة الحق .. وحق القوة !

قوة الحق .. وحق القوة !
__________________

لقد أوضحت قضية احتجاز الزميل أحمد منصور لعدة أيام في ألمانيا رغم قصرها الزمني لمحة لمن لم يفهم بعد عن المنطق الذي يستند إليه أتباع الانقلاب العسكري في مصر!

لا تخطئ وتظن أن أتباع الانقلاب يتبعون السيسي لأنهم يرون أن ذلك خيرا لمصر، أو لأنهم تخوفوا فعلا من سياسة حكم الرئيس مرسي!

الأمر يا سادة أبسط ذلك! إنهم يتبعون السيسي لأن مصلحتهم في ذلك، ويرون أن من السهل حسم الخلاف بالبنادق والدبابات بدلا من حسمه بصناديق الاقتراع!

الناس صنفان؛ صنف كالقاضي يبحث في الأدلة ثم يقضي بحكمه فيما استقر في نفسه وضميره أنه الحق. وهناك صنف آخر كالمحامي، اتخذ قرارا مسبقا ببراءة موكله، ويبحث في الأدلة جميعها، فما كان موافقا لرأيه اتخذه، وما كان ضده مهما كان واضح السطوع تجاهله وأنكره!

أتباع الانقلاب وعلى رأسهم السيسي تعودوا أن يأمروا فيطاعوا، ولا يرد أحد أمرهم! ولعلنا هنا نتذكر السيسي في تسريبه الشهير الذي حذر فيه ضباطه من أن البرلمان قد يستدعيهم لطلبات إحاطة واستجوابات فماذا يفعلون!

منطق هؤلاء الناس هو منطق فرعون: "ونادى فرعون في قومه قال ياقوم أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي أفلا تبصرون 51 أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين 52 فلولا ألقي عليه أسورة من ذهب أو جاء معه الملائكة مقترنين 53" (الزخرف)

منطق من يرى نفسه فوق الناس، ويقيس خصمه ليس بما يقول - ولكن يأخذ بالمظاهر، ومعياره ليس بالقيمة وإنما بالثمن!

وبالتالي فغضب فرعون من وقوف نبي الله موسى أمامه وانتصاره على سحرته، كغضب إمرأة العزيز من نبي الله يوسف لما رفض إغرائها، كغضب سالومي لما رفض نبي الله يحيي إغوائها، كغضب قوم نوح من اتباع "الذين هم أراذلنا" له، كغضب قوم نبي الله إبراهيم عليهم جميعا السلام إذ تجرأ وأظهر للعالم أن أصنامهم هي أصنام لا تضر ولا تنفع!

***

بنفس المنطق؛ فإن الغضب الذي أثاره قرار الإفراج عن الزميل أحمد منصور في نفوس أراجوزات الانقلاب سببه أنهم يعلمون علم اليقين أن القضية سياسية وليس قانونية من الأساس. وقد صرح الزميل أحمد منصور نفسه أنه لم يقابل المدعي العام الألماني وأن قرار الإفراج عنه كان سياسيا! اي أنهم غلبوا في ميدان السياسة بعد أن غلبوا في معركة الأخلاق والقيم والقانون من قبل!

أما هنا في مصر، وقد تعودوا  بحكم توغل الجيش في السياسة، يمكن بمكالمة تليفون من عباس للنائب العام إخراج مجرم من السجن، أو حبس بريء وتلفيق التهم له، حتى لو كان رئيسا منتخبا بأصوات المصريين!

ومن اعتاد على هذا المنطق - منطق حق القوة - من الصعب عليه أن يصطدم بالمنطق المقابل - قوة الحق -  التي تؤمن أنه لا بد لحق من قوة تحميه وتسانده، وتجعل تنفيذ أماني الظالم مستعصية، وأدواته غير صالحة، وأسلحته غير نافذة، فيرى المظلوم أمامه وقد خرج منتصرا، وتفشل خططه في وضح النهار!

ليتنا نتوقف عن نقاش هؤلاء الأراجوزات، فلقد مضى وقت النقاش! هؤلاء لا يفهمون إلا لغة واحدة، لغة القوة والأمر الواقع، وهو ما يجب أن نسعى لامتلاكه.

الاثنين، 22 يونيو 2015

هتلر ومنصور.. وعبد الفتاح السيسي!


هتلر ومنصور.. وعبد الفتاح السيسي!
______________________________

نزل خبر إطلاق سراح الإعلامي أحمد منصور دون توجيه أي تهمة له في ألمانيا بردا وسلاما على أنصار الحق والشرعية في كل مكان في العالم ومحبطا كئيبا على أتباع الانقلاب!

عامان فقط من الانقلاب كانا كافيين لتسقط كافة الأصنام الإعلامية والسياسية والدينية في مصر! عامان فقط كانا كفيلين بتمايز المجتمع المصري في كل قطاعاته؛ لنرى شبابا يضحون بزهرة حياتهم لأجل القيم والمبادئ التي يؤمنون بها والمستقبل الذي يتمسكون به، ونرى في المقابل شيخ ديوث أو سياسي خائن أو إعلامي عميل أو عسكري منقلب!

إلا أن الانقلاب في مصر لم يكشف كافة الأصنام على المستوى المحلي فقط في مصر، وإنما امتد ليكشف بعضا من الأصنام الخارجية على المستوى الدولي! والذي كان آخر تداعياته اعتقال الإعلامي أحمد منصور في برلين!

فمنذ اليوم الأول كان هناك تعتيم إعلامي عالمي على غلق القنوات وتكميم الأفواه والانقلاب العسكري المسلح بدعوى الاستجابة للجماهير في مصر.

وطوال عامين شهدت مصر أكبر عملية قتل جماعي في تاريخ مصر في رابعة والنهضة وامتد القمع ليشمل الصحفيين والإعلاميين وكل من يجرؤ على انتقاد السلطة الجديدة حتى لو كان من مؤيدي 3يوليو، دون أدنى اعتراض من دول الغرب التي تدعي التمسح بقيم الحرية والديمقراطية، اللهم إلا يعص التصريحات الخجولة جدا، وغالبيتها من منظمات حقوقية غير حكومية، بينما استقبلت حكومات هذه الدول قائد الانقلاب وفردت له السجادة الحمراء.

***

 الخطأ ليس خطأ الغرب، وإنما خطأ من ظنوا فيه خيرا أو انتظروا منه الانتصار لقضيتهم العادلة. وليس هذا الخطأ راجعا إلى حقيقة أن السيسي قام بانقلابه بدعم وتأييد وتوجيه غربي فقط، ولكن لأن ارتباط الغرب بالحرية والديمقراطية محض دعاية تحتاج للكثير من التدقيق!

صحيح أن في الغرب هناك فقط حدود لتغول السلطة التنفيذية على باقي السلطات ولاسيما القضائية، إلا أن العقلية واحدة، والتركيبة النفسية غالبا واحدة، نفس المادية والبراجماتية والرغبة في الفوز والانتصار للمصالح ولو على حساب المبادئ!

لا فارق بين هتلر وأيزنهاور، بين روميل ومنونتجمري، بين برلين ولندن، بين أميركا واليابان! بل إن من أطلق قنبلتين نوويتين على مدينتين آهلتين بالسكان هي الولايات المتحدة وليس هتلر النازي، والذي إن توصل لهذا السلاح ما تردد في استخدامه بنفس القسوة، فلا فارق بينهما إذن!

***

يقول روجيه جارودي  في كتابه المهم "كيف نصنع المستقبل" موضحا أن الحلفاء في الحرب العالمية الثانية لا يختلفون كثيرا عن هتلر، تحت فصل بعنوان "هتلر كسب الحرب" :

"لقد تم تطبيق البرنامج الهتلري في السيطرة على العالم نقطة نقطة؛ بدء من انهيار الاتحاد السوفيتي ثم تبعية أوربا ومحاولة غزو الأجناس الأدنى في كل أنحاء العالم.

وقد تم ذلك بواسطة خصوم هتلر المؤقتين في الغرب، والذين كانوا قد حبذوا صعوده إلى السلطة حتى عشية الحرب لأنهم كانوا يرون فيه حاجزا ضد الاتحاد السوفيتي (إمداد بالحديد والصلب من فرنسا، قروض من انجلترا، والإعداد في عام 1939 لحرب إنجليزية فرنسية ضد الاتحاد السوفيتي من فنلندا إلى القوقاز)

وفي أعقاب الحرب تم استخدام خبراء هتلر كي ينجزوا بوسائل أخرى خطط هتلر للسيطرة على العالم"

كيف نصنع المستقبل.. طبعة دار الشروق صـ 76 و 77 بتصرف

أي ما يريد روجيه جارودي قوله أن الغرب دعم هتلر وهم يعلم  بما يحمله هذا الأخير من أفكار نازية عنصرية دموية، ولا مشكلة في ذلك طالما أن سهام هتلر موجهة نحو الاتحاد السوفيتي، لا نحو الغرب! فلما عقد هتلر معاهدة عدم اعتداء مع ستالين (رسميا كانت معاهدة عدم اعتداء فقط، لكن سرياً كانت تنص على اقتسام أوروبا الشرقية بين الاتحاد السوفيتي وألمانيا النازية) وبدأ هتلر باجتياح غرب بولندا ثم لوكسمبورغ وهولندا وبلجيكا ولا حقا فرنسا، وبدأ في مهاجمة الجزر البريطانية وحصارها، أصبح هتلر نازيا خطرا على البشرية!

لذا فلا تستغرب إذا عرفت أن روجيه جارودي نفسه تعرض للاعتقال وحكم عليه بالسجن سنة مع إيقاف التنفيذ لتجرئه على التشكيك فقط في عدد ضحايا المحرقة اليهودية "الهولوكوست"

***
الغرب إذن يعرف السيسي جيدا، لأنه ابن القيم الغربية التي تؤمن بتفوق أحد الأعراق على بقية الأجناس، وأن الناس خلقوا طبقات، ووجوب استمرار الأقوى بالقوة! السيسي يمثل النفاق الغربي والاستعلاء على الغير والبراجماتية اللامتناهية وازدواج المعايير والرغبة في الحصول على أكبر قدر من المصالح مهما كان الثمن، حتى ولو كان الثمن دهس جميع الشعارات التي يتشدقون بها والمبادئ التي يرفعونها!

وصدق أحمد منصور حينما قال عقب اعتقاله في ألمانيا: كل الدول يحكمها سيسي إذا مست مصالحها!
هنيئا للزميل أحمد منصور حريته.. والعقبى لكل معتقلي الرأي إن شاء الله!


الأحد، 21 يونيو 2015

جلد الذات.. وفن إلقاء اللوم على الضحية!


 جلد الذات.. وفن إلقاء اللوم على الضحية!
______________________________

لم يتوقع الإعلامي أحمد منصور رغم حنكته وخبرته أن تخضع ألمانيا لابتزاز اللوبي الصهيوني لهذه الدرجة أو لإغراءات عقود استثمار حكومة الانقلاب وعلى رأسها  4 اتفاقيات مع شركة (سيمنز) الألمانية لتنفيذ استثمارات بقطاع الطاقة في مصر بقيمة 10 مليار دولار!

فلقد بات مؤكد الآن أن توقيف منصور في مطار برلين في ألمانيا لم يكن بناء على طلب من البوليس الدولي "الانتربول" الذي سبق وأن أعطى منصورا وثيقة بتاريخ 21 أكتوبر 2014 أنه ليس مطلوبا على خلفية أي قضية!

أصبح الأمر الآن بيد الشرطة الجنائية الألمانية التي لا تزال تحتجز الإعلامي الأبرز في الوطن العربي، وهناك تكهنات باحتمال ترحيله إلى مصر، مما يعني أن القاهرة ستقوم مجددا بعميلة استجواب من تلك العمليات التي اعتادت عليها بعض العواصم العربية لصالح المخابرات المركزية الأميركية CIA أثناء فترة الرئيس بوش الابن.

ويبدو أن أميركا وإسرائيل حريصتان للغاية على هذه العملية التي سيسمح فيها للقاهرة باستخدام كل وسائل التعذيب للحصول على أي معلومات عن اللقاء قبل الأخير الذي أجراه منصور مع أبي محمد الجولاني زعيم جبهة النصرة، فرع القاعدة في سوريا، وعن الأشخاص الذين قابلهم، وأرقام الهاتف التي تحدث إليها، والأماكن التي زارها...إلخ

***

لكن ما يستوقفني هنا أن أحدا لم يتوقع أن تنحط ألمانيا لهذا المستوى، بالضبط كما لم يتوقع أحد من الإخوان أن يقوم الجيش بفض رابعة بهذا القدر من السادية والحيوانية وهذا القدر من الضحايا والجثث، للدرجة التي قام فيها الجنود بفرح الجثث وجرفها إلى مقالب الزبالة وإحراقها أحياء وأمواتا!

والغريب أن البعض لم يجد في كل هذه الجرائم وكل هذا التحريض إلا انتقاد الإخوان! نعم، انتقاد سياستهم وأدائهم وحكومتهم والقرارات التي كان يمكن أن يتخذها مرسي ولم يفعل، أو القرارات التي اتخذها مرسي وما كان له أن يفعل، أو القرارات التي اتخذها مرسي وتراجع عنها وما كان له أن يفعل!

ويتناسى هؤلاء أن الانقلاب لا يصده إلا انقلاب، وأن النية كانت مبيتة لقتل الإخوان وذبحهم في سراريهم كما جاء في تسريب السيد البدوي، ردا على مشاركتهم في الثورة المصرية.

وقد ذكر الفريق الركن سعد الدين الشاذلي في مذكراته القيمة "مذكرات حرب أكتوبر" أن الجيش حصل على دبابات سوفيتية جديدة قبيل حرب أكتوبر أطول مدى من تلك الموجودة في الجيش بالفعل، لكن السادات آثر بها الحرس الجمهوري ولم يعطها للجنود على جبهة القتال، خشية من أن يحدث ضده انقلاب عسكري، وأنه لو كانت هذه الدبابات ضمن الأسلحة التي يمتلكها الجيش الثالث المحاصر في السويس جراء الثغرة، لما استفحل الأمر بهذا الشكل!.

السادات خشي من انقلاب إذا حصل الجيش على دبابات أقوى من تلك الموجودة في الحرس الجمهوري، فما بالك إذا كان الجيش والشرطة والحرس الجمهوري جميعا ضد الرئيس المنتخب، وقد عقدوا النية على الانقلاب عليه واستعادة السلطة تحت غطاء مظاهرات "ماتينيه" لبضع ساعات؟؟.

صحيح أن الإخوان كان بإمكانهم تعرية هذا الانقلاب أو فضحه أكثر، أو التعامل معه قبل أن يقع بشكل أفضل، لكن في اعتقادي أنه مهما حاول الإخوان فإن الانقلاب كان سيحدث! لسبب بسيط أيضا؛ أن النية للقيام بانقلاب عسكري كانت منعقدة قبل ذلك بشهور، كما تبين بعد ذلك بأدلة كثيرة.

***

كان يمكن أن يتخذ الرئيس مرسي قرارات تعري الانقلاب أكثر، أو تجعل مناورة الإخوان أكبر، لكن الانقلاب كان قادما قادما، بالضبط كما كان اعتقال أحمد منصور مبيتا!

أرجو أن نتوقف قليلا لنفكر، ونتوقف نهائيا عن لوم الضحية. صحيح أن جزء من الخطأ أن أحمد منصور لم يأخذ حذره أكثر من ذلك ، لكن لا يجب لوم أحمد منصور على جريمة كهذا، فمهما سبح بخياله لم يكن يتوقع أن تنزلق السلطات الألمانية لهذا المستوى. وأعتقد أنه إذا تم ترحيل أحمد منصور إلى مصر فستكون أحد الأسباب التي تعجل بنهاية ميركل السياسية!

 لست ضد أخذ الحذر دائما، ومحاسبة المخطئين دائما، لكن لنضع الأوزان النسبية للجرائم والأخطاء، ولا نساوي بين الجاني والضحية! فقد أكد الاستشاري النفسي الدكتور مروان المطوع أن مجتمعاتنا العربية تحتل المقدمة في «جلد الذات»، ورأى أن %80 من أبناء الشعوب العربية يسعون بل يتلذذون بجلد ذواتهم لدرجة تصل أحيانا إلى اختلاق أخطاء لم ترتكب فعليا حتى يبكوا على أنفسهم ويبكي عليهم الآخرون!

احتجاز أحمد منصور .. وتعريض أحمد موسى!

احتجاز أحمد منصور .. وتعريض أحمد موسى!
________________________________

لم أر سفالة مثل سفالة جريدة الوطن التي كان يكتب فيها الصحفي أحمد منصور مقالا يوميا فيها بعد الثورة، وهي تنقل بكل تشفي خبر احتجاز السلطات الألمانية له؛ على خلفية اتهامات من حكومة الانقلاب العسكري في مصر  يعلم القاصي والداني أنها كيدية.

أحمد منصور - ذو الجذور الإخوانية فيما مضى - رفض منذ اليوم الأول الانقلاب العسكري في مصر، ورأيته في ميدان رابعة العدوية يوثق مجزرة الحرس الجمهوري، لكنه حرص على إبقاء مسافة بينه وبين جماعة الإخوان المسلمين التي كان يكيل لها سياط كلماته في مقالات أغضبت بعض الإخوان منه وأنا كذلك أحيانا. و الجميع تقريبا قرأ مقالات أحمد منصور التي ينتقد فيها الرئيس مرسي أثناء حكمه، وعلى صحيفة معارضة كالوطن، وهو يرى أن لا قيمة تعلو على قيمة الرأي والرأي الآخر. لكن ذلك لم يمنعه من الصدع بكلمة الحق ضد السفاح السيسي في برنامجه الذي يعد أحد أكثر البرامج مشاهدة في الوطن العربي.

لكن يبدو أن اللقاء الذي أجراه أحمد منصور مع زعيم جبهة النصرة في سوريا "الجولاني" قد أغضبت الغرب ولا سيما الولايات المتحدة كثيرا، مما دفع أميركا للانتقام من منصور بيد عميلهم السيسي، وتنفيذ السلطات الألمانية الخاضعة منذ عقود للابتزاز الإسرائيلي!

هذا الانزعاج الأميركي دفع الولايات المتحدة لإيقاف منصور في ألمانيا على خلفية مذكرة مصرية إلى البوليس الدولي بتاريخ 2 أكتوبر 2014، رغم أن منصور لديه وثيقة رسمية من البوليس الدولي (الانتربول) بتاريخ 21 أكتوبر 2014 تؤكد أنه ليس مطلوبا على ذمة أي قضية! ورغم أن منصور سبق لها زيارة ألمانيا عدة مرات قبل هذه الواقعة ولم يوقفه أحد!

***

أما عجب العجاب، وما لا يحدث إلا في شريعة الغاب، أن يسافر شخص محكوم عليه بالفعل - وليس مطلوبا فحسب - بالسجن عامين، حكما باتا نافذا في مصر إلى ألمانيا! ولم يكن سفر هذا الشخص على متن شركة الطيران الألمانية لوفتهانزا، ولا مصر للطيران، وإنما على متن طائرة مصر الرئاسية!

أحمد موسى الذي ارتكب جرائم يعاق عليها القانون الدولي والمحلي ببث أخبار كاذبة، والقيام بعمليات تحريض وحث على القتل وسفك الدماء، لم تجد السلطات الألمانية مشكلة في دخوله أراضيها، فقد سبق وأن استقبلت السيسي نفسه!

وفي الوقت الذي كان ضيوف أحمد منصور في برامجه هم صناع القرار والمفكرين والباحثين وزعماء الدول والحكومات في العالم أجمع، كان ضيوف أحمد موسى اللواءات والضباط والإعلاميين من منافقي وعملاء أمن الدولة المقتنعين أن هناك علاج بالكفتة!

أحمد منصور الذي صدر له أكثر من 20 كتاباً منها ( معركة الفلوجة، تحت وابل النيران في أفغانستان، تحت وابل النيران في سراييفو، النفوذ اليهودي في الإدارة الأميركية، قصة سقوط بغداد وغيرها) يتم توقيفه في ألمانيا، بينما من يؤمن أن السيسي أسر قائد الأسطول السادس الأميركي، وأن الإخوان أسقطوا الأندلس!
 
***


أتمنى أن يتم الإفراج عن الزميل أحمد منصور قريبا، وأن تتوقف ألمانيا عن كسب معاداة المصريين والعرب، وأن تنظر إلى الأمام قليلا، ولتعلم أن الأيام دول، وأنه لا يجب الرهان على سيسي خاسر! وأتمنى أن يراه يكتب ويقد برامجه من جديد رغم خلافنا الشديد معه أحيانا!

الجمعة، 19 يونيو 2015

كيف يصوم عبد الفتاح السيسي؟؟

كيف يصوم عبد الفتاح السيسي؟؟
_________________________

جاء في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم : { الصوم جنة، فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يفسق ولا يجهل، فإن سابّه أحد فليقل إني امرؤ صائم } [أخرجه البخاري ومسلم]

وروي عن ابن عمر وعطاء، وروي عن ابن عباس أيضا أن الرفث: الجماع، وهو قول مجاهد والزهري، وقال ابن عباس: الفسوق: السباب. وقال مجاهد والزهري: الفسوق: المعاصي. وقال ابن عباس: الجدال أن تماري صاحبك حتى تغضبه. وقال طاووس: هو جدال الناس.

***

تأملت هذا الحديث في بداية الشهر الكريم، ودار بخلدي مما يقوم به السيسي وجنوده من جرائم!

النبي صلى الله عليه وسلم نهى المسلم أن يجامع زوجته "الحلال" في نهار رمضان، فما بالك بمن يغتصب بنات المسلمين العفيفات ويهتك أعراضهن في مدرعات الشرطة والجيش وفي سجون ومعتقلات العسكر! ترى هل يجوز له صيام؟؟

وإذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم نهى المسلم عن جدال الناس في رمضان حتى لا يخرج المسلم من الحالة النفسية الراقية والصفاء الروحي  والرقة القلبية التي يكون عليها الصائم، إلى مادية الجدل والمراء والسفسطة بغير حق؛ فما بالك بمن يرمي الناس بالباطل، ويتهمهم بما ليس فيهم، ويفتري عليهم بالتهم الباطلة، ويحرض على قتلهم، فيسجنون ويعدمون!

بل ما بالك بمن يقتل الناس في الشوارع، ويمنعهم من أن يُعبّروا عن رأيهم في حرية وأمن وأمان، رغم أنه نظام أتى إلى الانقلاب على خلفية تظاهرات تمسّح بها، ثم أخذا سلم المظاهرات معاه فوق!

هل ياترى يجوز للسيسي وجنده صيام؟؟ وهل يجوز صيام من يحرض يوميا على قتل المسلمين وسفك دمائهم؟؟

هل يجوز صيام من يفرح به اليهود ويحتفون به رسميا وشعبيا ويدعون أنه بطل قومي لكل اليهود في العالم؟؟

هل يجوز صيام من اعترف بعظمة لسانه أن الولايات المتحدة لم تكن بعيدة قط عما يجري وأنه أمدها بمعلومات تفصيلية عن مجريات الأمور في مصر، وسلمها بنفسه لمسؤولين أمريكيين رفيعي المستوى؟؟

هل يا ترى يجوز صيام من يحاصر المقاومة ويتآمر عليها، ويحكم قبضته على الرئة الوحيدة التي يتنفسون بها، ويمنع عنهم الدواء والغذاء حتى يستسلموا للصهاينة ويسقطوا راية المقاومة؟؟

هل يا ترى يجوز صيام من يهجر المسلمين من أرضهم وبيوتهم في سيناء، ويقيم منطقة عازلو فقط لحفاظ أمن إسرائيل، ومن يعترض يتم قتله أو اعتقاله أو هتك عرضه وعرض زوجته وبناته؟؟

هل يا ترى يجوز صيام من سعى خلف ورقة مكتوب عليها هل صليت على النبي محمد اليوم؟؟ بينما من يضع صليبا يسير بلا خوف آمنا في بلاد المسلمين؟؟

هل يجوز صيام من ملأ معتقلاته بالمعتقلين، حتى صار المستقبل اسم معتقل في الإسماعيلية؟؟ وهل يجوز صيام من رفع الدعم عن الفقراء وتركه للأغنياء، يأخذون الكهرباء والغاز إلى مصانعهم بلا رقيب ولا حسيب؟؟

وهل يجوز صيام من أصدر حكما بالإعدام ضد ستة من شباب المسلمين في قضية اعتقلوا فيها قبل أن تحدث أصلا؟؟ ثم يتم تنفيذ حكم الإعدام قبل أن يتم النظر في الاستئناف؟؟


***

لا أرى أن السيسي قد خرج من الإسلام لينظر إليه من الخارج، وفي هذه الأثناء فهو ليس ببحاجة إلى صيام أو قيام، وهل رسول مثل السيسي قابل الله مرتين وتجسد فيه المسيح بحاجة إلى أن يصلي أو يصوم!!


يا راجل.. كبر مخك!

الأربعاء، 17 يونيو 2015

فارق بين النصر والتمكين.. يا عمرو!

فارق بين النصر والتمكين.. يا عمرو!
_______________________

طالعت فيديو للمدعو عمرو أديب يكيد فيه أنصار الشرعية بقوله: لو الحق معاكم ربنا منصركوش علينا ليه؟؟ وهذا سؤال يعبر عن جهل تام من قبل هذا الإعلامي بمعنى النصر والتمكين، والفارق بينهما، نحاول إيضاحه هنا والأجر على الله.

1- هذا السؤال يذكرني بما قيل أثناء فض رابعة وما بعدها؛ حين قال البعض: ألم يكن بين المعتصمين رجل واحد - رجل واحد فقط - يتقبل الله منه ويستجيب دعاءه فينجي المعتصمين من هذا المصير المؤلم؟

والجواب على هذا التساؤل بسيط؛ فحين آمن السحرة أمر فرعون بقتلهم، وتصليبهم على جذوع النخل، وقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، وتحدى ربهم ورب موسى وهارون الذي آمنوا به بقوله:

"قال آمنتم له قبل أن آذن لكم إنه لكبيركم الذي علمكم السحر فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم في جذوع النخل ولتعلمن أينا أشد عذابا وأبقى" طه 71.

إذا قتل فرعون هؤلاء السحرة جميعا - وقد بلغ عددهم سبعين ألفا في بعض الروايات - وبجوارهم اثنين من الأنبياء، فلم لم يستجيب الله لدعاء أنبيائه وينجي المؤمنين به؟؟

هذا ليس معيارا يا عمورة!

***

2- النصر غير التمكين؛ فالنصر قد كتبه الله للمؤمنين به بمجرد إيمانهم به:

"إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد 51 يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار 52" (غافر)

ويقول النبي الأعظم محمد صلى الله عليه وسلم:

"عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله خير وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له" رواه مسلم

فنصر المؤمن يكون بإتباع منهج الله، والبعد عن معصيته، والثبات على الحق، بغض النظر عن النتيجة المترتبة على قول كلمة الحق، سواء كانت نتيجة ذلك دولة إسلامية كدولة نبي الله سليمان عليه السلام، أو الإحراق في الأخدود وهي القصة التي ذكرها الله في سورة البروج.

***

3- وعليه يا عمرو، يكون ثبات الرئيس مرسي على الحق وهو خلف القضبان أو حتى مشنوقا، أو بقاء أي شاب محبوسا أو مطاردا وهو على الحق، أفضل له ألف مرة من جلوسك تحت أقدام الراقصات تلقي عليهن من مال الله الذي آتاك، أو من مداهنة حاكم ظالم منقلب قاتل.

***

4- ثم من قال لك أن المعركة انتهت؛ وأن النصر قد تحقق لكم أو للسيسي. فعلاقاتك غير الخفية بالمخابرات الإنجليزية من المؤكد قد أخبرتك بأن موقف السيسي ليس على ما يرام، للدرجة التي اضطرته بعد عاميين من انقلابه إلى الاعتراف بشرعية الرئيس مرسي في قلب ألمانيا. وأن جذوة الثورة لا تزال مشتعلة، وتكسب أرضا كل يوم.

وحين وقفت مع مبارك حتى النخاع يا عمرو لم تكن تتوقع أن يسقط، وقد سقط أسرع مما تتصور، وحين خرجت تبكي كالنساء التي تجالسهن في الكباريهات بعد الثورة كنا نعلم أنك تنافق العهد الجديد، فلم يكن مستغربا أن عدت أدراجك لتمارس هوايتك الأثيرة لديك في قلب الحقائق وبث الأكاذيب وتشويه كل شيء جميل. أوقد نسيت كذبة أن لاعبي المنتخب قد استضافوا فتيات ليل في غرفهم بالفندق في بطولة كأس القارات في 2010 في جنوب إفريقيا، وتبين كذبك أمام الجميع.

***

خامسا يا عمورة لو نصرنا الله منذ البداية لانتصرنا على السيسي وحده، بدلا من أن يتبين لنا حجم التعريض والفساد والخيانة والعمالة الضاربة في جذور الدولة، بالضبط كما لو نصر الله سيدنا موسى عليه السلام يوم الزينة. فلو حدث هذا لكان النصر على فرعون فقط، بينما أراد الله عز وجل أن يحدث النصر على فرعون وهامان وكل جنودهما:

"إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين" (القصص:8)

***

وأخيرا يا عمرو الخطأ ليس خطؤك، فالخطأ خطأ الثورة التي تركت أمثال وأمثال زوجتك لميس - بتاعة حملة جمال مبارك - تنفثان سمومكما للشعب الغلبان. لكن اطمئن، الثورة كانت قريبة جدا من مدينة الإنتاج الإعلامي، وقطعت عنكم الكهرباء فاسودت شاشاتكم، ومن اقترب لهذه المسافة اعلم أنه يمكنه الاقتراب أكثر.

وأدعوكم أن تقرءوا هذه الآيات من سورة الشعراء التي تتحدث عن الإعلام، لتعلموا كم يحذر الله عز وجل من خطورة هؤلاء الذين يأكلون على كل الموائد ويضللون الناس:

"هل أنبئكم على من تنزّل الشياطين(221)
تنزل على كل أفّاك أثيم(222)
يلقون السمع وأكثرهم كاذبون(223)
والشعراء يتبعهم الغاوون(224)
ألم تر أنّهم في كل واد يهيمون(225)
وأنهم يقولون ما لا يفعلون(226)
إلاّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا لله كثيرا وانتصروا من بعد ما ظلموا وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون (227)"

سترى آية قريبة إن شاء الله يا عمرو.. أعدك بذلك.

الأحد، 14 يونيو 2015

أفلام الجيش!

أفلام الجيش!
__________

المخابرات العسكرية أحد أهم فروع الجيش في مصر، والشؤون المعنوية أحد أهم أقسام المخابرات العسكرية.

والشؤون المعنوية في الجيش تستند إلى رصيد سينمائي ودعائي من الأفلام والمسلسلات التي أنتجت عقب حرب أكتوبر، والتي قام ببطولاتها ممثلون  ربما أكثر براعة  في مهنتهم - التمثيل - مثل عادل إمام ومحمود عبد العزيز، من ضباط وعملاء المخابرات الذين يقودهم أشخاص كأحمد علي جاذب الستات، والرجل اللي ورا عمر سليمان، وعباس كامل بتاع الترامادول، وممدوح شاهين الذي يخاف على قضية التخابر أن "تبوظ"

والشؤون المعنوية في هذا الإطار تقفز على المراحل الأخيرة في الحرب، والتي أدت - بسبب تعنت السادات وتنحية الشاذلي - إلى حدوث الثغرة وحصار السويس والجيش الثالث بالكامل فيها،  وقطع طريق القاهرة السويس، ووقوف الجيش الإسرائيلي على مسافة 100 كم فقط من العاصمة.

كما تقفز الشؤون المعنوية على زيارة السادات للقدس، واعترافهم بإسرائيل، وموافقتهم على اتفاقية كامب ديفيد بطل ما تحمله من بنود تنزع سيادة مصر على سيناء وتبقيها فارغة حماية لأن إسرائيل. بل ربما ذهب البعض بهم أحيانا إلى الافتخار بذلك ووصف السادات ببطل الحرب والسلام.

الأفلام التي أقامها عبد الناصر لزيادة شعبية الجيش في الخمسينات (سلسلة أفلام إسماعيل ياسين في الجيش - الأسطول - الطيران ...إلخ) تشبه الأفلام والمسلسلات التي أقامها الجيش عقب الحرب لإعادة الاعتبار للجيش (إعدام ميت - رأفت الهجان - دموع في عيون وقحة ...إلخ). بينما الواقع أن السيسي يتصل يوميا بنتنياهو كما صرح بنفسه، وأن المحاكم المصرية لا ترى في إسرائيل إرهابية!

***

الآن نحن أمام نوع آخر من الأفلام، وهو الادعاء بأن هناك ضبطا ثوريين شاركوا المتظاهرين في الثورة، أو موضوع الضباط الملتحين الذي ثبت أنه "زقة" من أمن الدولة وحزب النور لإحراج الرئيس مرسي.

آخر حلقات هذه الأفلام هو الادعاء بالقبض على 26 ضابطا في الجيش بينهم لواء وعميد بمحاولة الانقلاب على السيسي! وطبعا سيسمح الخبر لخيالك أن يسبح وأن تظن أن هناك "قطاع" في الجيش مؤيد للشرعية، وأن  فرصة رجوع مرسي وعودة الشرعية تكون في استخدام نفس الطريقة التي استخدمها السيسي وهو الانقلاب على الانقلاب!

هذا الخبر تحديدا ومنذ البداية غير مستساغ، لعدة أسباب، أهمها أن مصدر الخبر هيثم أبو خليل على قناة الشرق، وهو نفس الشخص الذي أذاع قصة فاطمة التي ادعت أنه تم اغتصابها واتضح أنها "أمنجية".. ولا شك أن هناك حوادث اغتصاب في السجون لفتيات الشرعية لكن هذه القصة وادعاء كذب صاحبتها يضرب مصداقية المتضررات الحقيقيات في السجون.

***

أيها الثوار.. أيها الصامدون في السجون والطرقات:

الانقلاب على الانقلاب حتى وإن صدق لا يلبي الكثير من مطالبكم، ويشخصن الانقلاب في شخص السيسي وبعض القيادات القليلة المحيطة به كعباس كامل وغيره. كما أنه من ناحية أخرى ينطوي على مخاطر جمة، أهمها أنه يبقي المبادرة بيد الجيش، ويسحب نقطة ارتكاز الإخوان الرئيسية "الشرعية" دون أي مكاسب حقيقية ودائمة، حتى وإن شمل ذلك بعض المكاسب التي نسميها Reversible (أي يمكن للنظام أن يتراجع عنها لاحقا): مثل الإفراج عن المعتقلين مع إمكانية إعادة اعتقالهم لاحقا، أو الاعتراف بشرعية الجماعة ثم اعتبارها إرهابية مجددا ...إلخ.

بل أن هذا الخيار - مع عدم تكوين حرس ثوري أو أجهزة أمنية خاصة بالثورة - لا يضمن حتى عدم تكرار مجازر أخرى كمجزرة رابعة أو حدوث انقلاب جديد! فالسلطة مفسدة والسلطة المطلقة مفسدة مطلقة، والقوة مغرية، فمن يردعهم عن تكرارها مجددا؟؟

السبت، 13 يونيو 2015

ثلاثة احتمالات بخصوص رسالة يوسف ندا

ثلاثة احتمالات بخصوص رسالة يوسف ندا
________________________________

أثارت الرسالة التي خص بها السيد يوسف ندا - مفوض العلاقات الدولية السابق في جماعة الإخوان المسلمين - وكالة الأناضول التركية جدلا واسعا وتساؤلات حول توقيت الرسالة. إلا أن المداخلة الهاتفية التي أجراها مع قناة الجزيرة الفضائية أثارت زوبعة إن صح التعبير.

الرسالة بدت غريبة في مضمونها وتوقيتها، ولنا عليها عدة ملاحظات:

1- الرسالة إجمالا لم تعجبني، فهي تعبر عن تيار أقلية داخل صفوف معارضي الانقلاب يرى أن الحل الوحيد المعقول والممكن لكسر الانقلاب هو انقلاب على الانقلاب!

هذا خيار لا يلبي الكثير من مطالب الثوار، ويشخصن الانقلاب في شخص السيسي وبعض القيادات القليلة المحيطة به كعباس كامل وغيره. كما أنه من ناحية أخرى ينطوي على مخاطر جمة، أهمها أنه يبقي المبادرة بيد الجيش، ويسحب نقطة ارتكاز الإخوان الرئيسية "الشرعية" دون أي مكاسب حقيقية ودائمة، حتى وإن شمل ذلك بعض المكاسب التي نسميها Reversible (أي يمكن للنظام أن يتراجع عنها لاحقا): مثل الإفراج عن المعتقلين مع إمكانية إعادة إعتقالهم لاحقا، أو الاعتراف بشرعية الجماعة ثم اعتبارها إرهابية مجددا ...إلخ.

بل أن هذا الخيار - مع عدم تكوين حرس ثوري أو أجهزة أمنية خاصة بالثورة - لا يضمن حتى عدم تكرار مجازر أخرى كمجزرة رابعة أو حدوث انقلاب جديد! فالسلطة مفسدة والسلطة المطلقة مفسدة مطلقة، والقوة مغرية، فمن يردعهم عن تكرارها مجددا.

2- رغم اعتراضاتي السابقة؛ لكن استوقفني كلمة الأستاذ يوسف ندا التي ختم بها رسالته "أنا جاهز ومستعد لاستقبال من يريد الخير لمصر وشعبها وقادر على ذلك إن شاء الله" .. واستوقني كذلك مجئيء رسالته بعد كلام الأستاذ راشد الغنوشي وعرضه للوساطة (الذي تجاهله الجميع تقريبا) .. كما استوقفني الهجوم الشديد علي يوسف ندا من أتباع السيسي للدرجة التي دفعتهم لتدشين هاشتاج مليء بالإساءات للرجل، وكل هذا يؤشر أن هناك ما يقلقهم بالفعل.

3- النقطة الأبرز في هذا الموضوع كله كان تصريح الأستاذ ندا "الصادم" في مداخلته على قناة الجزيرة والذي قال فيه أنه هو لم يكتب هذه الرسالة، وأنه طلب منه أن يكتبها، بل وأنه لا يعرف من خلفها! وعندما سألته المذيعة عمن طلب منه ذلك رفض الإجابة وقال أنها ليست موجهة للإعلام. (رغم أنه استخدم وكالة أنباء لذلك!!)

هذا التصريح في غاية الخطورة لأنه ينقل الأمر برمته من اجتهاد شخصي من رمز ذي قيادة تاريخية في الإخوان، إلى "طرف" أو "جهة" أرادت أن توصل رسالة ما إلى جهة ما، فاختارت أن تفعل ذلك عبر الأستاذ يوسف ندا - وربما بعد أن فشل في إيصالها عبر الأستاذ راشد الغنوشي!

***

وهنا تتجه الأنظار تجاه هذا الطرف، وتكثر التساؤلات من هو. برأيي أننا أمام أحد ثلاثة احتمالات:

1- أن يكون الإخوان أنفسهم - أو تيارا داخلهم - هم من طلبوا من الأستاذ يوسف ندا توجيه هذه الرسالة، وهذا التيار هو الذي يرى أن الحل ربما في انقلاب على الانقلاب، وهي الرسالة ربما التي أرادوا إيصالها عبر مقال الدكتور محمود غزلان فك الله أسره وأسر إخوانه قبل اعتقاله.

هذا الخيار أستبعده تماما، لأن من يستمع لمداخلة الأستاذ يوسف على الجزيرة (الرابط أول تعليق) يفهم منها أنه عندما طلب منه ذلك كتب رسالة قبل هذه الرسالة المنشورة ولكن بصيغة أخرى لما رآها الإخوان اعترضوا عليها بشدة، وأنهم قالوا أنه سيفهم منها أنهم مستعدون للتفاوض مع السيسي، وهذا غير صحيح.

من جهة أخرى إذا أراد الإخوان دعوة قيادات في الجيش للانقلاب على السيسي فمن الأكيد أنهم لن يفعلوا ذلك عبر وسائل الإعلام!!

2- الاحتمال الثاني أن تكون دولة إقليمية (السعودية تحديدا) هي من أرادات من الأستاذ يوسف ندا أن يوجه هذه الرسالة، نظرا لرغبتها الشديدة في احتواء الأزمة في مصر، وحاجتها المتزايدة لمد جسور تواصل مع الإخوان المسلمين كأكبر جماعة سنية في المنطقة في حربها الباردة والساخنة ضد إيران.

هذا الاحتمال يؤيده تصريح العاهل السعودي الملك سلمان في تركيا والذي قال فيه أنه لا يرى أحدا يصلح لقيادة مصر غير العسكر.

لكن تغريدة الكاتب جمال خاشقجي المقرب جدا من دوائر الحكم السعودية قبل الرسالة بأيام والتي أعلن فيها  أن "الحل في مصر لا يكون باستبدال رجل بآخر من المؤسسة العسكرية، وإنما في الديمقراطية" تجعل هذا الاحتمال أيضا مستبعدا، وإن ظل هذا الاحتمال أقوى من الاحتمال الأول.

3- الاحتمال الثالث - والراجح في رأيي - أن هناك قيادات عسكرية من داخل الجيش نفسه تدرس فكرة التضحية بالسيسي وبعض القيادات القريبة منه في سبيل الحفاظ على مصالح المؤسسة، والتي من الواضح أن أصبحت مهددة في حال استمر السيسي في سياسة الصدام الحالية.

وإذا صح هذا الاحتمال تكون هذه القيادات أرادت كلمة من الإخوان يؤكدون فيها أن خصومتهم ليست مع الجيش ككل، وإنما مع السيسي وبعض القيادات الفاسدة في الجيش، وهي الجملة الأبرز التي حملتها رسالة يوسف ندا. فتم التواصل مع بعض القيادات في الإخوان بهذا الشأن، وهم بدورهم طلبوا من الأستاذ يوسف توجيه هذه الرسالة، فلما رأوا الصيغة الأولى منه اعترضوا وطلبوا منه أن يعيد صياغتها.

وفي ضوء ذلك يمكن فهم كلام الأستاذ ندا أن هذه الرسالة ليس هو مصدرها، وسيفهمها فقط  الجهة التي وجهت إليه.

***

وأنا إذ أؤكد أن هذا هو الراجح عندي فقط والله أعلم فأحب أن أؤكد كذلك أنني لا أميل مطلقا لهذا الخيار لما يتضمنه من مخاطر جمة أوردتها أعلاه.

الشاهد أننا دخلنا فيما يبدو مرحلة محاولة إيجاد حلول من داخل النظام، وهي نفس المرحلة التي عايشناها في الثورة المصرية 2001 ، في الفترة التي أعقبت انكسار الشرطة في 28 يناير وموقعة الجمل حتى تنحي مبارك. (تفويض عمر سليمان - الاستمرار 6 أشهر فقط ...إلخ)

ولهذا بدأ التواصل يتم مع شخصيات كأحمد شفيق، وخرجت تصريحات من إعلاميين مؤييين للانقلاب - مثل عمرو أديب - يتحدثون عن شخصيات داخل وخارج مصر كانوا من مؤيدي الانقلاب صدرت أوامر سيادية بتصفيتهم أو كما نقول في مصر "اتقرت فاتحتهم".

الجمعة، 12 يونيو 2015

"المنطقة العازلة" .. المهر الذي دفعه السيسي لإسرائيل!

"المنطقة العازلة" .. المهر الذي دفعه السيسي لإسرائيل!
___________________________________________
 
إذا عدت إلى بيتك بعد صلاة الجمعة، وفتحت هاتفك الذكي أو حاسوبك النقال للتعرف على آخر الأخبار والمستجدات، ووجدت هذا الخبر فلا تنزعج ولا تستغرب: "الكونجرس يوافق على استئناف المساعدات العسكرية لمصر بـ1.3 مليار دولار"

أما في متن الخبر فستجد رئيسة لجنة الاعتمادات في الكونجرس النائبة كاي جرانجر  قد أشارت في كلمتها الافتتاحية، إلى أنه في الوقت الذي يشهد فيه الشرق الأوسط حالة من الاضطرابات، تحتاج الولايات المتحدة لمصر كحليف مستقر لديها.

ستحاول أن تجهد عقلك باحثا عن تفسير، وعن حل للتضارب بين التصريحات والانتقادات التي تصدر من الجانب الأميركي بخصوص سجل حقوق الإنسان "الزفت" في مصر، وبين التصريحات العسكرية التي تؤكد على العلاقة مع النظام في مصر.

ولكي تريح بالك وعقلك، فالأمر ليس له علاقة لا من قريب ولا من بعيد للوضع السياسي أو الاقتصادي في مصر، ولا بقمع المعارضين، ولا بتزوير الانتخابات الرئاسية، أو بإلغاء انتخابات البرلمان.. الأمر فقط يتعلق بحماية أمن إسرائيل!

***

حين نقيم العلاقة المصرية الأميركية يجب أن نفهم جيدا وضع مصر بالنسبة للولايات المتحدة. فمصر منذ توقيعها اتفاقية كامب ديفيد في العام 1979 مع كيان الاحتلال برعاية أميركية، صارت ملفا حصريا بيد وزارة الدفاع الأميركية "البنتاجون"، تأخذ مساعدات سنوية بقيمة 1.3 مليار دولار مقابل شيئين لا ثالث لهما: حماية أمن إسرائيل وقناة السويس.

خروج مصر من دائرة الصراع شكل صدمة وخسارة كبيرة لجميع المقاومين في الوطن العربي والعالم الإسلامي، وبعد أقل من عشر سنوات فقط على زيارة القدس الآثمة في 1979 التي قام بها السادات، كانت حركة المقاومة الإسلامية حماس قد بدأت في التشكل في فلسطين.

وعلى مدار ثلاثة عقود صارت الحركة تسبب صداعا مزمنا للاحتلال الإسرائيلي، جعل جنرالها الأكبر شارون يقرر الانسحاب من قطاع غزة، ليكون القطاع بذلك أول قطعة فلسطينية محررة من الأرض التي ضيعتها مصر في حرب 1967.

شنت إسرائيل الحرب تلو الحرب على القطاع في محاولة للتخلص من حركة حماس، إلا أن الحركة ورغم التضييق الخانق من النظام في مصر، قد استطاعت الصمود وصد جميع محاولات اجتياح القطاع.

كان آخر هذه الحروب حرب أواخر 2008  أوائل 2009 "الرصاص المصبوب" (أو معركة الفرقان كما تسميها المقاومة)، وهي المعركة التي انتهت بفشل إسرائيلي آخر، دفع وزير الخارجية الإسرائيلية تسيبي ليفين ونظيرتها الأميركية كونداليزا رايس إلى توقيع اتفاقية أمنية لتشديد الخناق على حركات المقاومة في قطاع غزة، عرف هذا الاتفاق باسم "ليفيني -رايس"

***

شمل هذا الاتفاق ثلاثة عدة بنود لتشديد الخناق على قطاع غزة، أهمها:

1- نشر كاميرات مراقبة  متطورة جدا موردة من السي آي ايه  على طول الحدود المصرية مع القطاع ، إلى جانب أدوات الكشف الأمريكية الحديثة جداً والتي تستهدف الأنفاق.

هذه الكاميرات أتاحت صوراً يومية وعلى مدار الساعة للجانب الإسرائيلي ، ناهيك عن أنها وضعت حافري وعمال الأنفاق تحت عين الرقيب الصهيوني ، مما أدى إلى القصف الإسرائيلي المتقطع على طول المنطقة الحدودية ، والذي أدى لاستشهاد وإصابة العشرات من الفلسطينيين، وأحيانا المصريين!

وأما أجهزة الكشف  فقد أدت إلى  تمكين الجيش المصري "الحليف" من كشف مئات الأنفاق وتدميرها ( أحياناً على رؤوس من فيها ، وباستخدام الغاز في بعض الأحيان)

2- التعاون الاستخباراتي النشط ، والذي جعل المخابرات الأمريكية والإسرائيلية يستبيحان الجغرافيا المصرية ( براً وبحراً ) والتحرك فيها بدون قيود ، بما يؤدي إلى تضييق الخناق على " حركة التهريب " إلى قطاع غزة
المحاصر ، والذي يعاني تشديداً متصاعداً للحصار ، من خلال إحكام إغلاق معبر رفح " المصري ، أسوة بالمعابر التي تربط القطاع مع الأراضي المحتلة عام ثمانية وأربعين.

3- بناء الجدار الفولاذي على امتداد عشرة كيلو مترات ( هي طول الحدود المصرية مع القطاع ) ، وبعمق أكثر من ثمانية عشر متراً ، مجهزاً بأحداث التكنولوجية ، وخاصة على صعيد المراقبة والإنذار المبكر ( الجدار الفولاذي مزود بحساسات تستطيع مبكراً كشف أي محاولة لاختراقه أو صهره ، مع تحديد مكان حدوثها بدقة عالية ). هذا الجدار الذي دفاع عنه الإعلاميون على التلفزيون المصري، ووصفوه بأنه "منشأة هندسية" لحفظ أمن أمصر.

***

يبدو أن كل هذا لم يكن كافيا، وأن حركة حماس استطاعت التغلب على كل هذه المعوقات، ولا سيما بعد وصول الرئيس محمد مرسي لمنصب الرئاسية منتصف العام 2012. رأت إسرائيل في ذلك خطرا داهما وتم إعداد خطة لإقامة منطقة عازلة Buffer zone في قلب سيناء لمسافة 5 كيلومترات، لمنع كافة محاولات تهريب المال والسلاح والغذاء لأهل غزة المحاصرين والمقاومين.

السيسي أبدى موافقته بل وتحمسه على تنفيذ هذه الخطة، وكان هذا هو العربون الذي دفعه من أجل تأييد الانقلاب العسكري الذي قام به، هذه الخطة التي يعمل الجيش المصري وفقا لها حسبما قالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الأميركية، جين ساكي، التي قالت "إن بلدها يؤيد خطة الجيش المصري في سيناء. نحن نؤمن بحق مصر في اتخاذ خطوات للحفاظ على أمنها، ونتفهم الخطر الذي يواجهونه من سيناء، ولهذا السبب، قدمنا طائرات الأباتشي، وهم يعملون وفقًا لخطة، ونحن مستمرون في دعم جهودهم، لاتخاذ خطوات للدفاع عن حدودهم".
"
وافقت تل أبيب، ضمن خطة التهجير، على نشر قوات مصرية من فرقتي 777 و999 في مدينتي رفح والعريش، بالإضافة إلى قوات من المظلات وقوات أخرى.. هذه الموافقة الإسرائيلية على نشر قوات مصرية على أرض مصرية افتخر بها السيسي وعدّها دليلا على زوال حالة العداء التي كانت بين البلدين!

لقد كان تهجير أهل سيناء لصالح إسرائيل هو المهر الذي دفعه السيسي ليخطب ود أميركا وإسرائيل، ولدعم انقلابه الدموي والتغاضي عن جرائمه.
وربما لا نجد تصريحا أكثر دقة في توصيف هذه العلاقة الآثمة إلا تصريح نبيل فهمي وزير الخارجية السابق لنظام الانقلاب في مصر والذي قال فيه: العلاقة بين الولايات المتحدة ومصر ليست نزوة لليلة واحدة، وإنما زواج كاثوليكي! وطبعا عارفين مين العريس ومين العروسة!

الأربعاء، 10 يونيو 2015

بارانويا السيسي!

  

بارانويا السيسي!


"الأحداث الأخيرة تؤكد نموذج البارانويا الذي يمثله السيسي.. هذا النمط الذي يتسم بالبارانويا يبدو أنه نتاج رؤية متماسكة بين أجهزة الأمن المنقسمة في مصر، التي تجمعها وحدة الهدف في شن حملة ضد كافة أطياف المعارضة السياسية، ويتضافر  الجيش والشرطة والمخابرات والقضاء لتنفيذ رؤية الحكومة السياسية، وهو إنجاز بيروقراطي مثير للإعجاب، لكنه ينذر بسوء فيما يتعلق بالإصلاح الديمقراطي"

كانت هذه الجمل عبارات مقتبسة من تقرير لمجلة فورين بولسيي الأميركية الشهيرة في تقرير لها عن مصر والصادر يوم السبت 23 مايو الماضي، بعد أحكام الإعدام الجماعية بحق الرئيس مرسي ومعارضي الانقلاب العسكري، وحكم حظر روابط الألتراس واعتبارها إرهابية!

وحين تصف مجلة متخصصة بحجم الفورين بوليسي عبد الفتاح السيسي بأنه مصاب بالبارانويا، وتذهب إلى تعميم ذلك على نظامه بالكامل، بل وتؤكد أنها الشيء الذي وحد الأجهزة الأمنية المنقسمة في مصر، فإن ذلك لا شك ليس نابعا عن وصف مجازي أو بلاغي، بل على قدر كبير من العلمية والموضوعية.

وأعتقد أنه ينبغي هنا أن نتناول المصطلح بشيء من التفصيل، في محاولة لاستخدامه كنموذج تفسيري يساعدنا على فهم تصرفات السيسي، وعباراته الأثيرة وتصريحاته الغريبة المثيرة للسخرية في كثير من الأحيان (مثل تصريحه الصادم أنه طبيب كل الفلاسفة، وأن مصر كانت على الحرف وحد زقها وهي بتقع راح حد ماسكها،  وأنه كان يتعرض للضرب مرارا وهو صغير).
كذلك يساعدنا تناول هذا المصطلح في فهم قراراته التي تبدو غريبة وغير منطقية (كأحكام الإعدام الجماعية التي صدرت حتى على شهداء أو أسرى في سجون الاحتلال، أو اتهام أعمى بقنص ضابط، أو مريض شلل أطفال بقطع طريق، وحظر روابط الألتراس، والإصرار على استمرار الدوري بدون جمهور، واصطحابه الممثلين والممثلات والإعلاميين الموالين له في كل زيارة خارجية له)

***

تعريف البارانويا
____________

على غير الشائع فإن البارانويا لا تعني جنون العظمة، وإنما جنون الارتياب، والحقيقة أن جنون العظمة هو أحد أنواع جنون الارتياب.

البارانويا مرض نفسي مزمن يتسم بالتوهم (Delusion) وهي أفكار يعتنقها المريض، ويؤمن إيمانا وثيقا بتعرضه للاضطهاد أو الملاحقة، والخوف من كل شيء وكل شخص تقريبا.

من أهم أعراض هذا المرض النفسي الخطير الخوف دوما من حصول شيء سيىء، والظن دائما أن المسئولية تقع على الآخرين، والاعتقاد والإيمان المبالغ فيه بشيء ما رغم أنه غير مبني على أسس واقعية. 

لذا نجد مريض البارنويا يعاني من حالة مرضية ذهنية يعتنق فيها اعتقادا باطلا لكنه راسخ، يتشبث به المريض بالرغم من سخافته، وقيام الأدلة الموضوعية على عدم صوابه.

وتختلف البارانويا عن الهلوسات في أن المريض الذي يعاني من هلاوس يتخوف من أشياء غير واقعية أو منطقية (مثل أن كائنات من المريخ تطارده وتريد قتله)، بينما مريض البارانويا (كالسيسي) تتسم مخاوفه بالمنطق، لكنه منطق لا يقوم على أساس صحيح (مثل أن حربا أهلية كانت ستقوم في مصر لو أكمل الرئيس مرسي مدته، وأنه لولا الانقلاب لكنا لاجئين نتلقى المعونات بالطائرات، أو أننا كنا سنصبح مثل سوريا والعراق...إلخ).

وللمرض أسباب كثيرة، مثل مشكلات وضغوط الحياة التي قد تؤدي إلى القلق والاكتئاب ومن ثم إلى البارانويا، ومنها أيضا البيئة المحيطة عندما تكون غير قائمة على الألفة والترابط، وكذلك المواقف التي يتعرض لها الطفل وهو صغير والتي تجره للاعتقاد بأن العالم مكان غير آمن البتة وأن الناس غير جديرين بالثقة (بكرة أكبر وأضربكم). هناك أيضا أسباب أخرى مثل العقاقير والكحول، والنوم السيئ، وبعض الأمراض الجسدية كآلزهايمر والأشكال الأخرى من الخرف.

***

وهناك أنواع عدة من البارانويا أهمها:

- هذاء الاضطهاد: كأن يعتقد المريض أنه مضطهد وأن الناس من حوله يتآمرون عليه ويريدون إلحاق الأذى عن عمد.

- هذاء العظمة : كأن يعتقد المريض أنه شخصية مرموقة بالغة الأهمية أو النفوذ. (وهو النوع الأقرب للسيسي، ويتماشى مع ما صرح به من أحلام رأى فيها السادات وأخبره فيها أنه سيصبح رئيسا، وأنه سيُعطى ما لم يأخذه أحد)

- هذاء توهم المرض : كأن يعتقد المريض أنه مصاب بمرض عضال رغم كل التحاليل والفحوصات التي تثبت له عكس ذلك.

- هذاء التلميح: والهمس والغمز ممن حوله، إذ يتوهم أن كل ذلك موجه ضده بنية سيئة، مما يدفعه إلى اعتزال الناس.

- الهذاء السوداوي: يعتقد المريض في هذه الحالة أن مصائب الناس والكوارث البيئية والحروب، كلها حدثت بسببه، أي أنه يشعر بالذنب والإثم، لذا يرى أنه يستحق أي عقاب ينزل به.


***
بهذا الشكل يمكن فهم الكثير من قرارات السيسي وأفعاله، والأسباب التي جعلته مصابا بهذا المرض النفسي "البارانويا".
 فالطفل الذي نشأ في مدينة كبيرة كالقاهرة حيث العلاقات فيها غير مترابطة كالريف، مع تعرضه لأشكال متكررة من الاضطهاد على يد أقرانه الذين كانوا يضربونه، (هذه الذكرى التي جعلته يذكرها بعد عشرات السنين ، ويذكرها على الملأ وعلى الهواء مباشرة) وكأنها ضاغطة عليه وعلى أعصابه، على الشعور واللاشعور عنده، للدرجة التي دفعته لذكرها وهو في زيارة لأكبر دولة في العالم "الولايات المتحدة" كرئيس وليس كشخص عادي. وكأنه يقول لمن كانوا يضربونه في صغره: أرأيتم؟؟ أين أنتم الآن وأين أنا؟؟ كل هذه عوامل ساعدت ربما في تقوية شعوره بالاضطهاد والارتياب والخوف الدائم.

والسيسي لأنه تربى على يد قيادات الجيش التي تبنت خيار السادات في الالتحاق بالمعسكر الصهيو أميركي، والقبول بمعاهدة كامب ديفيد بكل ما تحمله هذه الاتفاقية من نزع لسيادة مصر على سيناء وخروجها من دائرة الصراع العربي الإسرائيلي، أو لمجرد حرصه المادي البحت على استقرار نظام حكمه وعلمه اليقيني من عمله في المخابرات الحربية أن رضا تل أبيب هو بوابة ذلك، فقد تكوّن لديه اعتقاد باطل راسخ أنه لا يجب أن نسمح لأراضينا أن تستخدم كمنطقة خلفية لتهديد أمن إسرائيل، وأن من لا يؤمنون بحق إسرائيل في الوجود هم إرهابيون وليسوا مقاومين، وأن الأيديولوجيا الإسلامية خطر على الدولة المصرية، وأن الرئيس مرسي إذا استمر في فترته الرئاسية فسنصبح مثل سوريا والعراق، حيث يقتل الجيش الناس في الشوارع والمساجد، ويعتقل أبناءهم ويغتصب نساءهم، وللمفارقة هو عين ما يفعله السيسي الآن!

***

السيسي وزمرته ليسوا مجرد منتفعين! هناك منتفعون من هذا الانقلاب بلا شك، وهم الفئة التي وضعتها الظروف السياسية والتاريخية في أماكن ومناصب ما كان لها أن تحلم - مجرد الحلم - بها، وهي إزاء ذلك تحاول أن "تكبش" أكبر قدر ممكن من الثروة قبل أن تتغير هذه الظروف الطارئة وغير الطبيعية!

لكن قيادات هذا الانقلاب وعلى رأسهم السيسي و "الملأ" الذي يحيط به نفسه دائما مؤمنة أشد الإيمان بما تقوم به! السيسي يؤمن حقا أنه أنقذ مصر ومن حوله مؤمنون بقدر لا محدود من الخرافات!

منهم من يؤمن حقا أنه لا يوجد شيء اسمه عذاب قبر (إبراهيم عيسى)، وأنه لا يوجد فريضة اسمها الحج (نوال السعداوي - فاطمة ناعوت) ولا يوجد حدود في الإسلام و ينكر كتب السنة الصحيحة (إسلام البحيري) أو أن الإخوان خوارج كلاب أهل النار رائحتهم نتنة (علي جمعة) أو أننا اخترعنا جهازا يعالج الإيدز وفيروس سي (عبد العاطي)  أو أن الزنا قبل الزواج ليس حراما (إيناس الدغيدي)، وأن كلام الأنبياء غير صحيح (إيناس الدغيدي)، وأن المرأة إذا وجدت زوجها يصلي عليها أن تخاف (دينا)، وأن الحجاب ليس فريضة (فريدة الشوباشي)، ويتبنون الدعوة لمليونية خلع الحجاب (شريف الشوباشي)، وأن القضاة هم السادة وغيرهم العبيد (أحمد الزند)، أو أن الشرطة هم السادة وغيرهم العبيد (مدير أمن سابق) أو يأخذون على عاتقهم تعريف الناس بالإسلام الوسطي الجميل والبعد عن مواطن التطرف والإرهاب (إلهام شاهين). 

لا يجب أن ننظر إلى هؤلاء على أنهم مجرد منتفعين يريدون البقاء في السلطة أو حولها! هؤلاء مؤمنون إيمانا راسخا بهذه الخرافات التي توصف اجتماعيا بالعنصرية وتوصف دينيا بالفسق أو الإلحاد.

والعجيب أن القرآن الكريم ذكر في أكثر من موضع هؤلاء المتشبثين بالباطل وهم مقتنعون أنه الحق، يقول تعالى: "قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا 103 الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا 104" الكهف.

والغريب أن تشبثهم بهذا الباطل لا يتوقف على الدنيا فقط، وإنما يرافقهم هذا الباطل في الحياة الآخرة، حتى يلقوا الله عز وجل به:
"يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم ويحسبون أنهم على شيء ألا إنهم هم الكاذبون"

إنهم "الملأ" الذين ذكرهم القرآن الكريم عندما يتحدث عن كل طاغية، ولا سيما فرعون. والملأ - من الفعل ملأ - الذي يملأ الفراغ الذي حول الطاغية، فلا يراه الناس وحيدا أبدا بل محاطا دائما بما يسحر أعين الناس كالأغنياء والممثلات (هل عرفت الآن لم يصطحبهم معه في كل زيارة؟؟)، أو بما يرهبهم (الحرس والجنود). وصدق الله العظيم إذ يقول: "  إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين" القصص 8

وكذلك فإنهم "الملأ" الذين يملئون آذان السيسي ويطربون سمعه بما يجب سماعه من عبارات الإطراء والمديح، لذكائه وحنكته وعظمته وعظمة أفعاله، وهي العبارات التي تقوي جنون العظمة المصاب به وتغذيه، حتى رفعه أنصاره مرة إلى مكانة المسيح ومرة إلى مكانة الرسل والأنبياء، ولا يعلم جنود ربك إلا هو!