مرحبا بك في مدونة شيء في صدري يمكنك اختيار المقال الذي تبحث عنه من القائمة على اليمين.. ومهما كان انتي مصر.. وكل خطوة بنصر.. الله أكبر وتحيا مصر

Welcome to the personal blog of the Egyptian Writer and political analyst Dr. Ahmed Nassar. You can choose the article you need from the list lower right

الأحد، 24 مارس 2013

الجمهورية الثانية ودولة البلطجة

الجمهورية الثانية ودولة البلطجة


  


إن المرحلة التي تمر بها مصر الآن جديرة بالتوقف عندها والدراسة حقا، لا من قبل المصريين فحسب بل لكل شعوب الأرض الراغبة في التخلص من الديكتاتورية والانتقال إلى الديمقراطية والاستقرار والتقدم!


فالمعركة الدائرة في مصر منذ الخامس والعشرين من يناير - بل وقبل ذلك - اتخذت عدة أسماء في محاولة لفهم وتفسير طبيعة الصراع الدائر! ففي البداية أطلق البعض على هذه المعركة أنها معركة بين الثورة والنظام "نظام مبارك".. واستمر هذا الوصف طيلة أيام الثورة الـ18. وبعد سقوط النظام طفا على السطح مصطلح جديد وهو "الثورة المضادة" ليصف البعض المعركة بأنها معركة بين الثورة والثورة المضادة..

 
إلا أنني الآن أطلق عليها مسمى أرى أنه يصف بوضوح طبيعة المعركة التي تدور رحاها الآن! إنها ببساطة معركة بين الجمهورية الثانية التي يسود فيها النظام أو "سيادة القانون" من جهة وبين دولة البلطجة!

ومن البديهي أنني لا أقصد كلمة النظام بمعناها السياسي Regime وإنما بمعناها العام Order حتى لا يظنن أحد أنني أتحدث عن النظام الحالي بالذات!

ومن البديهي أيضا أن يحاول أي نظام محترم في أي دولة محترمة أن يقضي على أي مظاهر للبلطجة وانتهاك القانون violation of rule ..وأن يعلي من قيم المساواة وسيادة القانون rule of law!  لكن كما نعلم جميعا فإن دولة مبارك والعادلي وجمال وعلاء وعز وسرور وصفوت ..إلخ استخدموا البلطجة بشكل ممنهج وأحضروا البلطجية في كل استحقاق، من انتخابات مجلس الشعب إلى النقابات إلى الجامعات إلى أي مظاهرة تحدث في أي شارع هنا أو هناك!


لقد بدت كل مظاهر البلطجية في عصر مبارك في كل المجالات بلا استثناء تقريبا، سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا، حتى جاءت الثورة وسقط رأس النظام، وأقيل المجلس العسكري، لنرى أن للبلطجية في مصر زعيما يسكن القصور ويربي الأسود واسمه صبري نخنوخ! متعهد بلطجية وأسلحة!

***

فسياسيا: رأينا مبارك الأب يفرض نفسه علينا بالقوة لمدة ثلاثة عقود! 30 عاما وهو في سدة الحكم ناحيا بمصر منحى لايرضي أحدا من ابناء هذا الوطن! أليست هذه بلطجة سياسية؟ بل ومارس مزيدا من البلطجة السياسية بدفعه بمبارك الابن "جمال" إلى صدارة المشهد  تمهيدا ليرث دولة البلطجة التي أنشأها! أبعد هذا بلطجة؟

واقتصاديا: رأينا البلطجة تفصح عن نفسها بشكل شديد الصفاقة! بضع من رجال الأعمال تركزت في أيديهم كل ثروات البلاد! توكيلات عالمية تؤخذ حصريا ومئات الآلاف من الأفدنة تباع بلا مقابل تقريبا واحتكار لكثير من السلع الأساسية مثل الحديد والأسمنت والخدمات كالاتصالات والترفيه وتسهيلات نذهب لمصانعهم ومشاريعهم بلا مقابل ولا أحد يدفع ضرائب على الإطلاق إلا ما ندر...إلخ أليست هذه بلطجة؟

واجتماعيا: وجدنا ابن القاضي يصبح وكيل نيابة، وابن أستاذ الجامعة يصبح معيدا في الجامعة، وابن الفنان يصبح فنانا! لم لا وابن الرئيس يريد أن يصبح رئيسا! بل ودافع الزند عن ذلك قائلا أن أحدا لن يستطيع إيقاف هذا الزحف المقدس!! أليست هذه بلطجة؟

وثقافيا: وجدنا أنواع بعينها من الأفلام تعرض علينا لا حياء فيها ولا دين، ولا تفعل شيئا إلا إثارة الغرائز وهدم للقيم النبيلة التي يحملها المجتمع المصري العظيم! وجدنا أغاني تمدح الخمر والحشيش والفاحشة وتغنلى في المناسبات ومدفوعة دفعا من رجال أعمال مدعومين من النظام! أوبعد ذلك بلطجة؟

***                          

إن الثورة المصرية وفي محاولة منها لتجنب أخطاء الثورات السابقة جميعا - والتي أشرت إليها في مقال سابق بعنوان "المسألة المصرية.. ديمقراطية بلا ديمقراطيين" - تحاول ترجمة العمل الثوري على الأرض والذي يمكن محاصرته وتشويهه بل وإنهائه وفض الناس عنها - كما حدث في ثورة مصدق - إلى مؤسسات دستورية قائمة يصعب اقتلاعها إلا بالديمقراطية وعبر الصناديق، وهو شيء صعب للغاية على دولة البلطجة! وخاصة مع الشعب المصري العظيم الذي يتهمونه بالجهل والبلطجة

فهل تنجح الثورة المصرية المجيدة في زعزعة أركان دولة البلطجة في مصر؟ أم تستمر المعادلة التي يحاول البلطجية فرضها على المصريين بالقوة(عنف في الشارع + تهييج إعلامي + تخاذل أمني) = الوصول للسلطة!

على كل القوى السياسية الاختيار الآن بين سيادة القانون وبين دولة البلطجة.. ولا أبالغ إذا قلت أنه لا خيار ثالث! مع التنويه أن من يختار سيادة القانون لا يعني بالضرورة اتفاقه مع سياسات الرئيس أو الحكومة بكل تأكيد! بينما لا مبرر على الإطلاق لإعطاء غطاء سياسي للعنف وتبريره بل والحث عليه والتحالف المقيت بين بلطجية دولة مبارك وبين من يزورون انتخابات أحزابهم للبقاء في السلطة
 ن يتم تطهير هذا "الدمل" الآن حتى تكون خياطة الجرح 

سليمة.. تقليص سن القضاة إلى 60 عاما هو الحل"



كما يجب أن نصارح أنفسنا فالتشخيص السليم نصف العلاج! كثير من  "البهاوات" السياسيين يزعجهم كثيرا مشهد الدكتور مرسي ممثلا لمصر  وملقيا لكلمتها في المحافل الدولية أكثر مما يزعجهم نسبة البطالة  المرتفعة أو ارتفاع معدلات العنف وغيرها من الأزمات التي ورثتها البلاد!

وكما قال غاندي: كثيرون حول السلطة .. قليلون حول الوطن!

  إن هذا الوطن ماض إلى الأمام إن شاء الله! وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون!


الجمعة، 22 مارس 2013

إنهم يبحثون عن الحرب الأهلية..

 إنهم يبحثون عن الحرب الأهلية..

مصطلح الحرب الأهلية غريب على مصر والمصريين.. لم ولن يحدث إن شاء الله.. فالشعب المصري بتماسكه وتسامحه وسلميته وعزوفه عن العنف نموذج يضرب لطلبة العلوم السياسية للتفريق بين مصطلح "الشعب" القاصر ومصطلح "الأمة" الأقوى دلالة!

لكن للأسف أصبحت الحرب الأهلية الحل الوحيد للتيار العلماني في مصر على أمل إغراء الجنرالات بالانقلاب أو الغرب بالتدخل! 

لذلك نجدهم يذهبون في كل مرة إلى نقاط مثيرة ويبدأون بالعنف "وزارة الداخلية - الاتحادية - مديرية أمن بورسعيد سجن بورسعيد العمومي - وأخيرا المقر العام لجماعة الإخوان المسلمين!)

والخطة واضحة: (عنف في الشارع + تهييج إعلامي + تخاذل أمني) والهدف الوصول للسلطة!

هؤلاء الزعماء الذين يرون أنفسهم كأنصاف آلهة ويزورون انتخابات الحزب الداخلية للبقاء في مناصبهم كما قال حسام عيسى نفسه ليسوا حريصين على شيء سوى الوصول للسلطة.. فشهوة السلطة هي الشهوة الأقوى كما يقول علماء النفس! وهي التي تجعلهم يفعلون أي شيء حتى ولو كان التحالف مع الفلول أو مغازلة الجيش أو استجداء التدخل الخارجي..

وكما قال غاندي: كثيرون حول السلطة .. قليلون حول الوطن! أقول: إن هذا الوطن ماض إلى الأمام ولن نسمح لأحد بالعبث به أو تفجيره أو تفكيكه أبدا إن شاء الله..

رحلتي إلى كوريا ..مقدمة


رحلتي إلى كوريا
 (مقدمة)*



لا أستطيع أن أقول أن رحلتي إلى كوريا لم تكن كأي رحلة خارجية لي من قبل، لسبب بسيط وهو أن هذه الرحلة هي الأولى لي خارج موطني مصر في سنوات عمري السابعة والعشرين! أي أنه لم تكن لي رحلة خارجية من قبل؛ إلا أنني استطيع أن أقول أنها ستكون مختلفة بكل تأكيد عن أي رحلة قادمة لي إن شاء الله!


هل وقعت في حب الجميلة كوريا؟ لا أدري في الحقيقة! ربما! لكنها بلد تحبها بكل تأكيد! البشر والتصنيع الذي لا يتوقف والبساطة والقلة في كل شيء تقريبا من العوامل التي تساعدك على حب هذا البلد! ولعل مقالي هذا ومقالاتي القادمة ستحمل لك بعض الأسباب الأخرى بالتفصيل إن شاء الله!



لكنني - لو كنت تعرفني - لم أذهب إلى كوريا للوقوع في حبها هي! لا يا سيدي! وهل يُشغل القلبُ المشغول؟ أو يهتم الفؤاد المهموم؟ حتى وإن أحببتها؛ فلا أعتقد أنها تهتم كثيرا لهذا الحب من ذلك الغريب الآتي من بلد بعيد يأكل الناس فيه كثيرا ويضعون ثلاث ملاعق سكر على الشاي! ربما لن أدهش لو نظرت لي نظرة استغراب، أو نصحتني في شفقة مثلما فعلت معي نادلة ذلك المطعم في مدينة يانج بي يونج عندما تجرأت وطلبت ملعقتين من السكر على القهوة بدلا من واحدة مثل الجميع! ابتسمت النادلة في خجل وطلبت من صديقي الكوري المهذب السيد "كارسون"  أن يخبرني أن ملعقتين من السكر على القهوة ليس جيدا لصحتي! فارتسمت على عيني ذات نظرة الدهشة وعلى شفتي ذات ابتسامة التعجب الموجودتين على وجهك الآن!
لم أقع في حب كوريا رغم إعجابي بها، وبالطفرة التي حدثت في العشرين سنة الأخيرة! لم أقع في حبها لأنني ببساطة هائم حتى النخاع بمعشوقة أخرى، أحبها كثيرا! حب من ذلك النوع الذي قد يضر بالصحة! رغم أن الكثيرين غيري أحبوها فلست وحدي حبيبها؛ إلا أنني أشعر أنني أحبها بصدق من كل قلبي! ليتها تعلم كم أحبها! وحيث أنني أؤمن أنه في الجنة إن شاء الله سيكون كل شيء مجابا، فإنني سأسأل الله عز وجل إذا أكرمنا وجعلنا – إن شاء الله – من أهل الفردوس أن التقي مصر وجها لوجه، وأحدثها لأناقشها في بعض الأمور! فهناك بعض الأمور أريد أن أعرفها منها هي، وأسمع رأيها فيها! وهناك كما تعلمون بعض الأمور التي تحدث في مصر وربما لن تفهمها إلا يوم القيامة J


إن زيارتي إلى كوريا كانت للتدرب على موديل جديد من جهاز طبي تنتجه شركة كورية، وبالتالي فقد كانت زيارة عمل في المقام الأول. لكنني على المستوى الشخصي كنت متشوقا كي أرى ما الذي يمكن أن ألخصه وأعطيه لمصر من هذه التجربة!

وحتى تفهم قضية التلخيص سأحكي لك مهارة تعلمناها في التسويق! قاعدة تقول تحدث مع العميل عن الفائدة ولا تتحدث عن الخاصية! بمعنى: إذا كنت تبيع تلفازا ذا شاشة 32 بوصة، فلا تخبر العميل أن هذا التلفاز به شاشة 32 بوصة! ربما لن يفهم ماذا يعنيه ذلك! بل قل له أن هذا يعني رؤية واضحة ويسر في قراءة الكلمات ومتعة أكبر في المشاهدة ورؤية كافة التفاصيل ووضوح الألوان....إلخ! بنفس المنطق؛ ماذا كان الموظفون في شركتي سيستفيدون من رحلتي إذا قلت لهم لقد أعطوني كتابا يفوق ثلاثمائة صفحة، وفلاش ميموري مساحتها 2 جيجا بايت ملأى بملفات التشغيل والمساعدة! أريدكم جميعا أن تذاكروها! الفائدة الحقيقية أن تلخص هذا كله في 18 نقطة فقط تخبرهم بها ليخبروا العملاء بها، ولا مانع من الاستزادة!

لهذا كنت أحاول منذ البداية الإجابة على سؤال ماذا يمكن أن أفيد مصر من هذه التجربة؟ (غير التجارة والبعد الاقتصادي) أعتقد أنني وضعت يدي على بعض المفاتيح!

وقد يقول قائل، وهل تعتقد أنك أتيت بالديب من ذيله؟ أظننت حقا انك أول من يسافر للخارج، أو أول من يفكر فيما تحتاجه مصر؟ ربما كنت لأقول ذلك لو لم أكن درست سيرة النبي صلى الله عليه وسلم جيدا، ورحم الله الإخوان الذي علمونا سيرته صلى الله عليه وسلم وأوصونا بدراستها بعناية! ففيها تعلمنا أن جنديا من صحابته صلى الله عليه وسلم أتى من آخر الجيش اسمه الحباب بن المنذر، لم يكن معروفا في السيرة قبل هذه الواقعة مما يدل على أنه لم يكن مشهورا بين الناس كأبي بكر وعمر مثلا رضي الله عنهما! جاء هذا الجندي الصحابي رضي الله عنه وقال له: "يا رسول الله: أهذا منزل أنزلكه الله فلا يجوز لنا أن نتقدم عنه أو نتأخر، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟" يعني: هل النزول في هذا المكان خلف بئر بدر وحي من الله فسأعود مكاني وأطيع وأنفذ الأمر، أم هو اجتهاد من حضرة النبي صلى الله عليه وسلم! فقال النبي صلى الله عليه وسلم مشجعا: "بل هو الرأي والحرب والمكيدة" وفي رواية: "بل هو الرأي والحرب والمشورة!" أي أشر علي إن كنت ترى غير ذلك أو أفضل منه، فقال الصحابي الملهم رضي الله عنه: فإن هذا ليس بمنزل! ارى أن ننزل امام بئر بدر فنشرب ولا يشربون (يعني الكفار) ونسقي ولا يسقون (يقصد الخيل والبعير)، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم عموم الجيش بالنزول على رأي سيدنا الحباب رضي الله عنه وفعل ما أشار عليهم به!

وحيث أنني أقل شأنا من سدينا الحباب رضي الله عنه، ومن اتهمني بأنني لن آتي بالذئب من ذيله أقل شأنا بكل تأكيد من النبي صلى الله عليه وسلم، والقضية موضع النقاش اقل شأنا من غزوة بدر الكبرى في الإسلام، فسأسمح لنفسي أن أدلو بدلوي وأعبر عن رأيي وأبدي نصيحتي لمحبوبتي الغالية مصر!

وكما وضع صحفي نمساوي يهودي شاب اسمه "تيودور هرتزل" أفكاره الخاص حول الدولة التي يريد اغتصابها وإنشائها في كتاب أسماه "الدولة اليهودية" لم تتعد صفحاته الـ 65 صفحة! فإنني أجد أنه من حقي – وربما من واجبي أن أن أكتب أفكاري الخاصة أيضا!
 صحيح أنني وضعت يدي على مفتاحين رئيسيين تحتاجهما مصر الفترة المقبلة، يعتبران توصيفا لحالة النجاح المنشودة ويمكنني وضعها هنا وينتهي الأمر؛ إلا أنني سأحكي باختصار - إن شاء الله- تفاصيل هذه الرحلة الشيقة التي أعتقد جازما إن شاء الله أنها أيضا ستفيد المصريين! 

أسأل الله عز وجل أن تنال المقالات الخمسة القادمة إعجابكم!        
(نشر موقع جريدة المصريون هذا المقال بتاريخ 24 مارس 2013: 
(http://almesryoon.com/permalink/112443.html#.UU9NrhdYPNI)

الثلاثاء، 12 مارس 2013

المسألة المصرية.. ديمقراطية بلا ديمقراطيين



التشخيص السليم يؤدي إلى علاج سليم، والعكس بالعكس! قاعدة طبية يتعلمها كل طبيب يعالج مريضا أو مديرا يواجه مشكلة!

ولا أجد مشكلة أهم ولا أخطر من التي تعيشها مصر هذه الأيام! فمن الواضح للجميع أن مصر على مفترق طرق، وأن هذا الوطن يشق طريقه في بحر لجي متلاطم تأتيه رياح غربية أمريكية وشرقية إيرانية وحدودية إسرائيلية وداخلية إنقاذية! هذا غير موجات وموجات من المشكلات اليومية التي يعاني منها هذا الشعب نتيجة ثلاثين عاما عجاف من حكم كنز إسرائيل الاستراتيجي مبارك! 

وحيث أنني أفضل تعريفا أثيرا للسياسة لدي، صرحت به أكثر من مرة، وهو "فن معرفة العدو من الصديق"، فإنني أؤكد على هذا التعريف كمنطلق لتشخيص الوضع المصرية أو ما أسميه "المسألة المصرية"!

قبل الثورة - وكعادة كل ثورة - اجتمعت كل أطياف المعارضة على معاداة النظام الحاكم وعلى رأسه عائلة مبارك، باستثناء طبعا المعارضة التي اصطنعها مبارك لنفسه! ولكن ما كاد أن يسقط رأس النظام - وكعادة كل ثورة أيضا - حتى اختلف الشركاء الثوار! ليس خلافا في وجهات النظر فقط فهذا طبيعي "ولا يزالون مختلفين ولذلك خلقهم" هود، ولكن اختلاف أجندات ومشاريع يريد أحدها أن يزيح الآخر من الساحة ويأخذ مصر في الاتجاه الذي يريد هو!

وحتى لا تصاب بالإحباط، وتظن أن ذلك من حصري على المصريين ومن سوء أخلاقهم دون غيرهم، فلك أن تعلم أن هذا حدث في جميع الثورات بلا استثناء تقريبا!

فالثورة الشيوعية وهي واحدة من الثورات العنيفة في التاريخ اجتمع عليها كل أطياف الشعب لما وجدوا فيها من شعارات براقة، الأرض للفلاحين والمصانع للعمال والسلام على الجبهة (يعنون إنهاء الحرب)! ثم لم تمض شهور على وفاة زعيم الثورة لينين تولي ستالين السلطة بعدها وضم قبضته عليها، وأطاح برفاق الأمس ومن بينهم واحد من أهم رفقاء لينين وهو "ليون تروتسكي" الذي كان يلقب "بعقل البلاشفة" فأصدر حكما غيابيا ضده وضد ولده بالإعدام، ولم يهنأ له بال حتى دبر اغتياله في المكسيك عام 1940! 
وعبد الناصر الذي وضع يده في يد الجميع من ضباط وإخوان وشيوعيين، لم يكد يصل إلى السلطة حتى حل جماعة الإخوان المسلمين وحل الأحزاب جميعها ونفى كل ضابط في مجلس قيادة الثورة رفض أن يستمر العسكر في إدارة البلاد والحنث بالوعود التي رفعوها للشعب وعلى رأسها "إقامة حياة ديمقراطية سليمة"! ومذكرات اللواء محمد نجيب والطيار عبد اللطيف البغدادي وغيرهم من ضباط الثورة مليئة بما يخجل منه كل ثوري! 

والخميني الذي استقبله الإيرانيون استقبال الأبطال الفاتحين، لم يكد الأمر بعد سقوط الشاه يستتب له حتى انتهى الكلام المعسول عن الديمقراطية والحرية وبدأت أفكار الخميني الحقيقية تظهر في أن الفقيه معصوم ويجمع فعليا بين جميع السلطات – التشريعية والتنفيذية والقضائية - وبدأت الإعدامات تطال رفقاء الثورة بالأمس، والتهم جاهزة! وبعد انتخاب أول رئيس للجمهورية أول الحسن بني صدر بشهور أقاله الخميني وأجرى انتخابات رئاسية جديدة!

***

والثورة المصرية ليست بدعا عن هذه الثورات! فالخطأ الرئيسي الذي وقعت فيه هذه الثورات السابق ذكرها - وغيرها من الثورات كالثورة الفرنسية أيضا – أن الشعوب انتقلت من ديكتاتوريات ثاروا عليها إلى ديكتاتوريات أخرى براقة أحبوها وهللوا لها! وإني لأزعم أن ستالين ولينين لم يكونا على الإطلاق أقل سوء من القيصر، وأن عبد الناصر لم يكن أقل ديكتاتورية من فاروق – بل أكثر – وأن الخميني لم يكن أقل دموية من الشاه، بل أشد! 

وإذا أردنا جميعا بهذا الوطن خيرا، وبهذه الثورة نجاحا، فإن حجر الزاوية الرئيسي يجب أن ينطلق من بناء مؤسسات منتخبة ديمقراطيا! دون النظر إلى من تأتي به الانتخابات! ويمكنني أن أحصر هذه المؤسسات في أربعة مؤسسات رئيسية: (رئيس منتخب – دستور مستفتى عليه – برلمان منتخب – حكومة منتخبة) وقد قطعنا بفضل الله في عامين نصف المسافة ويتبقى النصف الثاني بمشيئة الله!

وإنني أزعم أن كل من يعارض بناء المؤسسات هو شخص عينه على السلطة وليست عينه على الوطن! بل ربما امتزجت قيمة الوطن بذاته فأصبح يرى أن صالح الوطن في مصلحته، ومن يخالفه لا يريد خيرا بالوطن!

ولا يعني ذلك أن من يؤيد بناء المؤسسات المنتخبة يؤيد بالضرورة سياسات الحزب أو الشخص الذي تم انتخابه! فالاختلاف سنة من سنن الكون كما قلنا! وقد ضربت أحزاب مصرية مثالا راقيا على اختلافهم مع الرئيس أو حزب الحرية والعدالة في بعض السياسات دون رغبتهم في نقض الغزل وهدم المؤسسة القائمة!! (مثل حزب الوسط وحزب الراية والجماعة الإسلامية وغد الثورة وغيرها). ولكن إذا اختلفنا فإلى من نحتكم؟؟ وإذا تعارضنا فإلى من نعود؟ وأستطيع أن أقول أن أي إجابة أخرى غير الديمقراطية ممثلة بالصناديق هي إجابة تريد الصالح الخاص وليست صالح الوطن! أو تعبر عن التباس ذات بقيمة كما سبق وأن أشرت، ذات الفرد بقيمة الوطن!

للأسف وجدنا من يخرج علينا زاعما أننا نختلف مع الإخوان حكما وأفرادا وأننا لن نتبع سبيل الديمقراطية للوصول للسلطة لأن الصناديق ستأتي بالإخوان مهما حدث! (وكأن الهدف هو السلطة ذاتها وليس الديمقراطية!)، وصرح بعضهم أن أي عملية أولها انتخابات آخرها إخوان! وبالتالي لا سبيل لإزاحة الإخوان من المؤسسة المنتخبة سوى الدم والعنف في الشارع، حتى ولو أدى ذلك إلى سقوط المؤسسة المنتخبة ذاتها لا سقوط من انتخبته الصناديق ليكون على رأس المؤسسة فقط!

وبدا أن ميكافيللي له أتباع هنا في مصر، يرون نفس ما كان يرى من أن الغاية تبرر الوسيلة! حتى ولو كانت هذه الوسيلة هي الإعلان عن قبول عودة حكم العسكر - بعد أن ناضل الثوار لإبعادهم عن السياسة!! فقط لتيقنهم أنه الوسيلة الوحيدة لإزاحة الإخوان! وتحالفوا مع النظام السابق الذي ثاروا أصلا عليه، ليصبح الفلول ثوارا ويدخلوا التحرير مرفوعين على الأعناق! وطلبوا المعونة الخارجية صراحة وعلى الهواء مباشرة وفي مقالاتهم المنشورة - في جرائد يديها الفلول- لمواجهة الإسلاميين! الإسلاميون الذين أثبت الشعب في خمس انتخابات متتالية أنهم يحظون بثقة الشعب وإن كان بنسب متفاوتة!

لقد حصلنا على الديمقراطية بعد الثورة، إلا أننا التفتنا حولنا فلم نجد ديمقراطيين! بل مشاريع متنازعة متصارعة يريد أحدها أن يزيح الآخر من الوجود، ويعلم أصحابها - أو من يقف وراءهم - تاريخ الثورات جيدا وطبيعة شعوبها، وأن الأوطان في مراحل ما بعد الثورات تكون مثل العجينة اللينة الطرية التي يسهل تشكيلها وإلباسها بلباس علماني أو إسلامي أو عسكري أو ديكتاتوري، وأن الوقت ليس في صالحهم أبدا وأن المهمة الآن أصعب من أمس، واليوم أيسر من الغد!

وعلى هذا تبدو المسألة المصرية شديدة البساطة وشديدة التعقيد في آن واحد! فالمشكلات التي ورثتها الثورة جمة، والتحديات التي تواجه الثوار لإقامة الجمهورية الثانية كبيرة! وبالرغم من ذلك فإن الحل قد يكون سهلا وبسيطا للغاية لو أعلن القادة السياسيون جميعهم احترامهم الكامل لنتيجة الانتخابات، مع معارضتهم للسياسة القائمة وهذا حقهم، وإدانتهم لأعمال العنف بشتى أنواعها، مع حقهم في التعبير السلمي عن آرائهم وهذا حقهم أيضا!


أما لو استمر هؤلاء على نهجهم وغدوا متمسكين بمعادلة (عنف في الشارع + تهييج إعلامي + تخاذل الشرطة= الحكومة أو إجراء انتخابات رئاسية مبكرة) ،فإن الطريق الوحيد لنجاح هذه الثورة يبقى استكمال بقية المؤسسات (برلمان +حكومة منتخبة) حتى تستقر المعادلة السياسية في مصر ونتفرغ لحل مشكلات هذا الوطن الذي يئن شعبه تحت صراعات لا تهمه كثيرا، ويتربص به الأعداء في الداخل والخارج!


الأحد، 10 مارس 2013

مصر إلى أين بعد حكم بورسعيد؟



مصر إلى أين بعد حكم بورسعيد؟

(د. أحمد نصار)






على الرغم من حكم المحكمة الذي أدان قيادات الشرطة في بورسعيد وسجن بموجبه مدير الأمن لمدة خمسة عشر عاما،
إلا أننا وجدنا أعمال عنف تحدث – كالعادة!!- في القاهرة!! حريق في اتحاد الكرة وسرقة كأس الأمم، وحريق آخر في ثلاثة مبان كبرى في نفس الوقت في نادي الضباط في الجزيرة!

وهنا سؤال يطرح نفسه؛ هل سيحرق اتحاد الكرة أهالي بورسعيد على بعد 220 كم؟ أم أهالي الشهداء وأولتراس أهلاوي السعداء (في البداية) بالأحكام؟؟ غير معقول طبعا! أحداث العنف مدبرة مسبقا!

الخطة الآن يا سادة: (عنف في الشارع + تهييج إعلامي + تخاذل الشرطة) والهدف الوصول للحكومة!

نعم يا سادة: الهدف تغيير الحكومة وتشكيل حكومة ائتلافية تشارك فيها جبهة الإنقاذ بعشر وزراء على الأقل يحدث بعدا أمر من اثنين: إما المطالبة بوزارات تمس حياة المواطنين أو وزارات يؤدي فيها الإخوان جيدا بهدف عمل أي إنجاز في الشارع قبل الانتخابات يرفع من شعبيتهم المقتولة! أو السيناريو الآخر الذي تسرب في الفترة الماضية، أن ينسحب وزراؤهم بعد الجولة الأولى من الانتخابات بدعوى وجود تزوير شديد وانتهاكات ...إلخ والمطالبة بانتخابات برلمانية ورئاسية جديدة!! وطبعا سيسعد هذا الأمر أطرافا كثيرة وستؤيد هذا الخيار وسط أعمال عنف في الشارع تجعل قطاعا من المواطنين ترى الحل في ذلك!

العمل: أتوجه بالنصح إلى عموم الشعب المصري ومؤيدي الرئيس على وجه الخصوص وأقول:

 • العنف في الشارع:
العنف في الشارع ليس جديدا، وهو أداتهم الوحيدة بعض فشلهم في جميع الانتخابات بعد الثورة ( استفتاء مارس – انتخابات الشعب – انتخابات الشورى – انتخابات الرئاسة – استفتاء الدستور). ولا تعتقدوا أن الاستجابة لهذه الضغوط ستنهي العنف!

التهييج الإعلامي:
 والهدف منه بث الرعب عبر نشر شائعات واستغلال ما يحدث لتوجيه الرأي العام لتكوين قطاع من المصريين مؤيدا لطلباتهم التي لا يؤيدها أحد مهما بدت غريبة، رغبة في الانتهاء من المشكلة وحل الأزمة! وفي نفس الوقت النيل من الرئيس والإخوان والإسلاميين وإحراقهم شعبيا! أنصحكم جميعا بقراءة الأخبار مجردة عبر المواقع والابتعاد عن برامج التوك شو لأنها تؤثر في النفوس لا محالة! (أنصح بالعودة لمقال استراتيجية التوتر)

تخاذل الشرطة:
 الشرطة كانت من أكثر أدوات النظام القديم! ولا زالت! للأسف معظم الأطروحات التي طرحت والمقترحات التي اقترحت إما عاطفية أو متأثرة بالإعلام أو لم تبحث في تاريخ الثورات والنتائج التي ترتبت على هذه القرارات

جميع الدول التي قامت بها ثورات ولجأت إلى تصفية الأجهزة الأمنية التي كانت موالية للنظام السابق نهائيا وجذريا؛ نجحت الثورة المضادة فيها بعد فترات وجيزة!! (مثل جورجيا وأوكرانيا( لأن الثورات في هذه الدول فتحت جبهات مع كل أعضاء الجهاز، وخلقت عداوات مع الجميع في نفس الوقت!

بينما الدول التي اعتمدت سياسة النفس الطويل والإقصاء الجزئي لقيادات بعينها شديدة الفساد في هذا الجهاز مع إغراء بقية أفراد الجهاز بالالتزام بالقيم والمبادئ التي أتى بها النظام الجديد (مثل فنزويلا وتركيا)، حتى تدخل لك دفعات جديدة تشربها قيم الثورة والحريات..إلخ.

ما أراه أن وزير الداخلية الحال يؤدي جيدا، وهناك رغبة في إقالته لمنع أي إنجاز يحدث في الجهاز من الداخل! بيننا خلاف مع "أفراد" في الشرطة، بينما الحفاظ على "المؤسسة" واجب وطني! من أجل ذلك يمكننا أن نفهم لما كل أحداث العنف تحدث أمام مديريات الأمن والرغبة في إحراق مبناها، والمطالبة بإخلاء الشرطة لمدينة وتسلم القوات المسلحة للمدينة! وذهاب شعار يسقط حكم العسكر وعودة شعار الجيش والشعب إيد واحدة

ومع ذلك أقول: هذا الشعب من أعرق شعوب الأرض.. وبرغم ما فعلته الداخلية فيه قبل الثورة وبرغم ما فعله فيها أثناء الثورة أعطاها فرصة للتصالح بعد الثورة إلا أن بعضهم أبوا! وأصروا على العودة للشارع بذات الممارسات القديمة ولم يقتنعوا أن ثمة تغييرا قد حدث! ! هذا الشعب طيب ولكنه ليس ساذجا.. أقول لكل الضباط الفاسدين: مرت فترة السماح وأتى وقت الحساب!


خلاصة: اصبروا وصبروا ورابطوا واتقوا الله.. إياكم والشائعات.. احذروا التأثر بالإعلام دون أن تنفصلوا عن متابعة الأخبار من مصادر موثوقة! ثقوا أن كل الاقتراحات تدرس وكل خطوة محسوبة بدقة.. لكننا لسنا وحدنا في الساحة، وهم لديهم أوراق ضغط كما نحن لدينا أوراق ضغط! ويريدون دفعنا دفعا تحت الضغوط لاتخاذ قرارات يعلمون ونعلم سابقا من قراءة التاريخ واستقراء الواقع أنها خاطئة!

السبت، 9 مارس 2013

سيناريوهات الثورة المضادة.. من 54 إلى مصدق


سيناريوهات الثورة المضادة!
(من سيناريو 54  إلى مصدق)
(لماذا لن يكون مرسي مصدق آخر!)





سيناريو 1954:

أصبح المصريون نهاية عام 2011 على يقين بأن المجلس العسكري الذي عينه مبارك غير جاد في تسليم السلطة! رغم تحديده موعدا للانتخابات الرئاسية! ثم جاءت تسريبات كثيرة أن المجلس العسكري سيحل السلطة الوحيدة المنتخبة شعبيا (البرلمان)، وفي طريقه لدعم أحد مرشحي النظام السابق (عمر سليمان – عمرو موسى – أحمد شفيق) والقضاء بشكل نهائي على الثورة وبسكين الديمقراطية هذه المرة!


ولاح في أذهان الكثيرين شبح سيناريو عام 1954، حيث حنث الجيش بوعده بالعودة إلى الثكنات، وإقامة حياة ديمقراطية سليمة، وقام بحل جميع الأحزاب وجماعة الإخوان، وألقى الجميع في السجون أو نفوا خارج البلاد! هذا غير ممن أُعدموا رفضا للمسار الذي اتخذه العسكر!


فشل تكرار سيناريو 1954:

ونستطيع أن نقول أن هذا السيناريو فشل بفضل الله عز وجل بقرار الإخوان ترشيح مرشح في انتخابات الرئاسة بعد رفض القوى السياسية دعوة الإخوان للالتفاف حول مرشح "توافقي" فيما بينها، بغية التصدي للقوة التصويتية المؤيدة للنظام السابق والموالية له (الفلول)! وهي للأسف - بعد الإخوان - الكتلة التصويتية المنظمة الوحيدة في مصر!


(يمكن الرجوع لمقالات سابقة فصلنا فيها الحديث حول القواعد التصويتية والأصوات المتأرجحة swimming votes والفارق بينهما، مثل "استراتيجيات مرشحي الرئاسة" و "لست وحدي المتسبب في الاستقطاب يا صديقي" و "اللحظات الأخيرة قبل فوز مرسي")


لقد وعي الإخوان الدرس جيدا ولم يضعوا البيض كله في سلة واحدة!


***

ولكن هل توقفت ألاعيب الثورة المضادة بعد فشل السيناريو السابق؟ بالقطع لا! فرغم كل محاولات إنجاح مرشح المجلس العسكري والثورة المضادة؛ ما أن نجح مرسي حتى سعوا لتفجير الأوضاع في وجهه ، وإحراق هذا الوافد الجديد إلى القصر الجمهوري بأصوات الجماهير شعبيا تمهيدا للتخلص منه نهائيا! حتى استطاع مرسي بفضل الله عز وجل أن يقوم بخطوات حاسمة في خمسة أشهر فقط من حكمه وهي: إقالة المجلس العسكري- إقالة مدير المخابرات- إقالة النائب العام- إقالة رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات- إقالة رئيس الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة- إقالة رؤساء الصحف القومية الموالية للنظام القديم.)


هنا بدأت الثورة المضادة برجالها في الداخل وحلفائها الإقليميين والدوليين في الخارج تفكر في تغيير استراتيجيتها، ووتعتقد أنه لابد من إفشال الرئيس بنفس الطريقة التي تم بها إفشال تجربة الدكتور مصدق من قبل في إيران!


***

من هو الدكتور مصدق:

كان الدكتور مصدق سياسيا إيرانيا لامعا، اكتسب شهرته وشعبيته من وقوفه ضد الضغوط السوفيتية في العام 1946 للحصول على امتيازات تنقيب النفط شمال إيران، ثم دعوته في البرلمان الإيراني إلى تأميم شركة النفط الأنجلو- إيرانية، حتى تحقق له مراده بتبني البرلمان قرارا بتأميم الشركة شهر مارس من العام 1951! فأصبح مصدق نجم إيران الأول، مما أرغم الشاه على تعيينه رئيسا للوزراء!


وطبعا وجدت دعوة مصدق كل ترحيب من الولايات المتحدة (في البداية) حيث رأت واشنطن في مصدق الرجل الذي سيصفي نفوذ بريطانيا في إيران، ويقف بحزم متصديا للنفوذ السوفيتي هناك! كما وجدت ترحيبا من رجال الدين الشيعة الذين أرادوا التخلص من علمانية الشاه!


زادت شعبية مصدق فأصدر الشاه قرارا عام 1953 بإقالته من منصبه، فرفض مصدق القرار ولجأ للشارع فاكتسحت المظاهرات شوارع طهران وبقية المدن الإيرانية، ووقف الجيش مترقبا وامتنع عن التدخل خشية انقسامه، وهو السبب الرئيسي الذي دفع المجلس العسكري في مصر لفعل نفس الشيء أثناء الثورة، وعندما تكرر الأمر في نهاية السبعينات أثناء ثورة الخميني، وقرر الجيش التدخل لصالح الشاه انقسم الجيش بالفعل، وحدثت معركة شهيرة بين قوة للجيش في وحدة جوية قرب طهران والحرس الإمبراطوري. اضطر الشاه للهرب، وسافر خارج البلاد، تاركا البلد لمصدق وجبهته الوطنية، إلا أنه سرعان ما تهاوى مصدق وسقطت تجربته!

***

لماذا فشل مصدق؟

بمجرد هروب الشاه ظن كثيرون أن الأمر قد استقر لمصدق، فالتفوا حوله ظنا منهم أنه الفرس الرابح والنظام القادم! من ناحيتها لم تمتنع الجبهة الوطنية عن ضم المتملقين والمنتفعين! وما زاد الطين بله أن انضم لجبهة مصدق "الجبهة الوطنية" - بدعم من الاتحاد السوفيتي - شيوعيون وفوضويون يتمتعون بكل شيء إلى العقل! فرأى التيار المحافظ أنهم يستبدلون علمانية الشاه بليبرالية مصدق وشيوعية أتباعه! ورأت الولايات المتحدة أن مصدق صفى بالفعل نفوذ حليفتها بريطانيا، لا لحسابها الخاص وإنما لحساب العدو اللدود الاتحاد السوفيتي! فصدر قرار من الولايات المتحدة بالتخلي عن مصدق فأرسلت واحدا من أشهر رجال مخابراتها "كيرمت روزفلت" لتحضير انقلاب يعود بالشاه، وتصادف ذلك مع انحسار تأييد التيار الديني له (وخاصة آية الله الكاشاني) للأسباب السابق ذكرها! كل هذا طبعا مع وجود حلفاء للشاه في مؤسسات إيران وجيشها ينتظرون الهجوم المضاد لإسقاط مصدق حتى حانت لهم الفرصة وحدث الانقلاب!


***

الفارق بين مصدق ومرسي:

هل من الممكن تكرار الأمر مع مرسي؟ بالطبع لا.. فثمة فارق كبير بين مرسي ومصدق رغم اعتماد الثورة المضادة نفس الأسلوب تقريبا ضد مرسي مع أدوات جديدة، ورغم أن ما يحدث الآن يبدو كأنه تمهيد للجيش حتى يأخذ زمام الأمور ويعود للحكم مجددا وسط دعوات من بعض مدعي الثورية بالأمس ترحب بذلك!!

ويتمثل هذا الفارق بين مرسي ومصدق في نقطتين رئيسيتين:

1- الرئيس مرسي له قواعد منظمة منتشرة في طول البلاد وعرضها، وجاهزون للدفاع عنه وعن شرعيته! البعض ينسى هذه الحقيقة للأسف! غير مصدق الذي اجتمع له في وقت من الأوقات مئات آلاف الأنصار في الشوارع، ثم انفضوا من حوله بتغير الأوضاع! ولقد أثبت يوم الاتحادي أن الإخوان قادرين على حشد ما يقرب من 100 ألف رجل في أقل من ساعتين! جاءوا لحماية الشرعية مستعدين للذود بحياتهم للدفاع عنها! وهذه رسالة رصدها كل من يهمه الأمر في الداخل والخارج!


2- أنه رغم الخلاف الذي حدث مؤخرا بين حزب النور والرئاسة، ورغبة البعض في توظيفه ليقوم من حيث يدري أولا يدري بالدور الذي قام به آية الله كاشاني ضد مصدق! إلا أنه حتى بحدوث هذا الخلاف فإن الكثير من التيارات الإسلامية الأخرى مازالت تساند الرئيس (الوطن - الراية - الجماعة الإسلامية)! - حتى قواعد حزب النور لم يعلنوا طعنهم في شرعية الرئيس قط – وقد أعلنت هذه التيارات أنه في حال إسقاط مرسي ستقوم ثورة إسلامية خالصة في مصر مما دفع الجيش على الفور إلى إصدار بيان يعلن فيه الوقوف مع الشرعية بعد أيام من التردد!


لذلك؛ حتى إذا حدث توافق بين بعض العسكريين وبعض خصوم مرسي، أو بينهم وبين فلول النظام السابق، أو حتى مع البعد الخارجي وعلى رأسه الولايات المتحدة، فإنه يبقى الإسلاميون الرقم الأصعب في المعادلة وعلى رأسهم جماعة الإخوان المسلمين بانتشارها المنظم على الأرض.


لقد بدا واضحا الآن للثورة المضادة والمتحالفين معها من مدعي الثورية بالأمس، أنه لا بديل عن الإخوان إلا الجيش! بالضبط كما لم يكن هناك بديل لمصدق إلا الجيش الإيراني الذي أعاد الشاه في النهاية! وعندما وضعت هذه النخب أمام اختيار بين الرئيس الشرعي المدني المنتخب، وبين عودة حكم العسكر الذي زايدوا علينا بالوقوف ضده بالأمس القريب، وجدناهم ينادون بتدخل الجيش وأنه "ضرورة وطنية" !!!


على ثقة بأن مخططاتهم ستفشل إن شاء الله! فلا مؤيدي الرئيس سيسمحون بذلك، ولا الجيش سيتورط هذا الورطة وهو يعلم أنه سينقسم لا محالة بالضبط كما انقسم الجيش الإيراني حين وقف مع الشاه ضد الخميني في السبعينات! جل ما يمكنهم فعله هو تأجيل ثمار الثورة وجعل ثمنها أبهظ وكلفتها أعلى! إلا أننا سنترجم إن شاء الله الفعل الثوري في النفوس إلى مؤسسات دستورية من الصعب اقتلاع جذورها، وغني عن القول أهمية بناء هذه المؤسسات، بغض النظر عن خريطة الأحزاب السياسية التي تتصدر الساحة السياسية في مصر الآن أو في المستقبل طالما أنها تحترم حقا كلمة الشعب ولا تراه جاهلا أو غبيا!
 — ‎with ‎‎‎‎غادة عبد 

الأحد، 3 مارس 2013

الجبهة الزئبقية!


الجبهة الزئبقية!



حاولت أن أجد شيئا واحد يجمع جبهة الإنقاذ غير كراهية الإخوان والرغبة في الوصول للرئاسة فلم أجد!

الليبرالي مع اليساري مع الفلول يقفون يدا واحدة ضد رئيس مدني منتخب لأول مرة في التاريخ! United  بحسب تعبير البرادعي في الفاينانشال تايمز!

ولأن الغاية عندهم تبرر الوسيلة وجدناهم لا يتركون ثابتا إلا وداسوا عليه بدم بارد! استعانوا بالفلول، وأدخلوهم التحرير مرفوعين على الأكتاف، وغازلوا العسكر مطالبين إياهم بالانقلاب على الشرعية بحجة حماية البلد من الفوضى التي افتعلوها! وقابلوا المستثمرين مطالبين إياهم بعدم ضخ أموالهم في مصر، أو بناء مصانع أو إقامة مشاريع تخدم المصريين جميعا على أرضها! وصرحوا علنا أن على القوى الأجنبية أن تقف بجانبهم وتساعدهم في الضغط على الرئيس المنتخب! بدون خجل أو حياء أو مراعاة لشعور المصريين، من مؤيدي الرئيس أم حتى ممن وثقوا بهم من الشباب الثائر!   

ولاشك أن هذه المواقف تناقض مواقف سبق وأن تشدقوا بها طويلا! حتى عرف الناس بحق من يهتف يسقط حكم العسكر بحلقه، ومن يسقطه بأفعاله وقراراته!

لم أجد لجبهة الإنقاذ خطا مستقيما  يمشون فيه! بل فعل الشيء ونقيضه دون أي احترام لمن يشاهد أفعالهم! مثل الزئبق الذي تجده أحيانا سائلا، وأحيانا مجمدا! يتفقون على المواد المثارة حول الدستور ويوقعون عليها ثم ينسحبون إثر لقاء مريب بين قطب من أقطابهم "عمرو موسى" وتسيبي ليفني رئيسة الوزراء الإسرائيلية السابقة أكدتها وزارة الخارجية الصهيونية رسميا! يعلنون مقاطعتهم للاستفتاء ثم يقررون المشاركة في آخر لحظة!  وعندما جاءت النتيجة متقاربة في المرحلة الأولى هللوا فرحا بأن احتكار "الإسلاميين للسلطة" تبدد وأن الشعب عرف حقيقة الإخوان وأهدافهم! وعندما ارتفعت النسبة في المرحلة الثانية لما يقرب الثلثين اتهموا نفس لشعب بالجهل والأمية والرشوة!

ثم جاءت أحداث العنف أمام القصر الرئاسي فأعلنوا أنهم سيسيرون المظاهرات السلمية "وقد رأى العالم أجمع قبحها وعنفها وكم الأسلحة المستخدمة فيها حتى أراد بعضهم بهمجية وبلطجة نزع باب القصر الرئاسي بونش!" ثم ما لبثوا أن تبرأوا من هذه الأعمال وقاول لا يوجد أحد هناك يمثلنا!
ثم أعلنوا أخيرا أنهم سيقاطعون الانتخابات البرلمانية المقبلة، رغم أنها فرصتهم الوحيدة لإسقاط تجربة الإخوان بالطرق الديمقراطية! وعندما أدركوا أن ذلك لا يصب في مصلحتهم أعلنوا أغرب شيء عرفته في عالم السياسة حتى الآن! وهو أنهم سيقاطعون الانتخابات؛ لكن أعضاءهم سيخوضونها كمستقلين! وكم كنت أود أن يحترموا عقولنا جميعا مؤيدين ومعارضين وهم يدلون بهكذا تصريح!

ثم بدأ يتضح مع الوقت سبيل جبهة الإنقاذ لعدم استكمال مؤسسات الدولة وعلى رأسها البرلمان..  إقالة الحكومة الحالية وتشكيل حكومة جديدة تشارك فيها جبهة الإنقاذ بعشر وزراء وربما يشارك فيها أحزاب أخرى بعدد آخر من الوزراء .. ثم يقوم هؤلاء الوزراء بالانسحاب بعد الجولة الأولى من الانتخابات بدعوى وجود تزوير.. ويطالبون بانتخابات برلمانبة ورئاسية جديدة وطبعا سيعجب هذا الأمر كثيرين.. فهل نتركهم يعيقون بناء الوطن؟؟

                                                                             ***

وسواء قاطعوا الانتخابات أم لم يقاطعوها فستكون هناك انتخابات ساخنة الصيف المقبل في رأيي! فالكتلة الإسلامية تشارك بخمسة أحزاب كبرى عي الحرية والعدالة والنور والجماعة الإسلامية والوطن والراية! والكتلة العلمانية تشارك بأحزاب الوفد وغد الثورة وعدد آخر من الأحزاب.. ولدينا يمين الوسط ويسار الوسط ممثلا بتحالف حزب الوسط مع بعض الأحزاب الإسلامية الأخرى وحزب مصر القوية وحزب مصر..

مصر تتجه لأن يكون فيها لأول مرة منذ الثورة سلطة تشريعية بجانب سلطة تنفيذية كلاهما منتخبتين! وقد حرص المجلس العسكري على عدم السمح بوجود السلطتين معا بالانتخاب في المرحلة الانتقالية! سمح بانتخابات برلمانية فمنع الحزب الأكبر من تشكيل الحكومة! وعندما قرر الإخوان الدفع بمرشح للرئاسة حلوا البرلمان حتى لا يجتمع للطائرة جناحيها أبدا وهذا ما نحن في سبيلنا لفعله إن شاء الله!

إن مصر بحاجة إلى برلمان.. بحاجة إلى المؤسسة بغض النظر عن تشكيلته أو خريطة الأحزاب فيه! وما هذا إلا لاستكمال مؤسسات الدولة! وهذا هام إذا أردنا لهذا الوطن أن يقوم من كبوته! وكالعادة فإن الجبهة لا ترى في ذلك إلا مزيدا من إبعادها عن صدارة المشهد، حتى وإن كان هذا في مصلحة الوطن!