مقدمة:
لم يعد خافيًا أن السعودية ترى في إيران عدوها الأول وربما الوحيد! وهذا يفسر كل التحركات السعودية الأخيرة:
- دعم جيش الفتح في سوريا، واستضافة مؤتمر للمعارضة السورية، لإسقاط النظام السوري الموالي لطهران.
- قمع احتجاجات البحرين بقوة السلاح (قوات درع الجزيرة) لأنها مظاهرات في أغلبها شيعية.
- شن عاصفة الحزم على الحوثيين الموالين لإيران.
- تصنيف حزب الله كمنظمة إرهابية.
- منع مساعدات مقدمة للبنان تقدر بـ4 مليارات دولار.
ولا شك أن لإيران مشروعًا طائفيًّا توسعيًّا في المنطقة، وباعترافات القادة الإيرانيين أنفسهم فإنهم صاروا إمبراطورية عاصمتها بغداد، وأنهم صاروا يسيطرون على أربع عواصم عربية! «سوريا والعراق ولبنان واليمن» بل ويرى كثيرون أن إيران أداة أمريكية لإعادة تقسيم المنطقة في سايكس بيكو جديدة على أساس مذهبي!
لكن السياسات السعودية لمواجهة هذا الخطر الإيراني ليس نابعًا من خوف على الأمة من التشيع، ولكنه نابع من خوف على استمرار حكم آل سعود، والتخوف من كل من ينازعه القوة والنفوذ في المنطقة! خاصةً بعد توقيع الاتفاق النووي بين إيران والغرب، وهو الاتفاق الذي أهمل التخوفات الخليجية ولم يضعها في الاعتبار!
1- حاجة السعودية إلى حليف عربي في مواجهة إيران:
ولقد فهمت السعودية أن عليها -إذا أرادت حقًّا مواجهة إيران- أن تضربها في نقاط قوتها وليس في نقاط ضعفها! ونقطة تفوق إيران الرئيسية كما أسلفنا هو تغلغلها في محيطها العربي من الشرق حيث الخليج إلى الغرب حيث البحر المتوسط!
فقد استطاعت إيران أن تصل هذه الإمبراطورية ببعضها البعض، بعد الانسحاب الأمريكي من العراق في 2011، وسيطرة إيران التلقائية عليه! مما جعل لإيران -عبر العراق- حدودًا بريةً مع سوريا، ومنها إلى لبنان، محاصرة السعودية، وعازلة إياها عن محيطها السني «تركيا ومصر والحوثيون في خاصرتها في اليمن جنوبًا».
كان موقف السعودية المعارض لبشار الأسد إذن موقفًا إستراتيجيًّا يخص أمن السعودية الراغبة في كسر الطوق الشيعي من حولها، قبل أي حديث عن معاناة للشعب السوري!
وفهمت السعودية كذلك أن أي محاولة لمواجهة النفوذ الإيراني بالتقارب مع باكستان مثلًا ليس له جدوى! فبرغم القوة النووية الباكستانية، فإن السعودية وجدت أن التقارب مع باكستان لمواجهة النفوذ الإيراني هو تحالف خارج السياق، ولعب خارج الملعب، وجهود لا طائل منها! وربما هذا هو السبب في جهود السعودية الأخيرة لإحداث تقارب مع الدول السنية في الإقليم «مصر – تركيا»، وفي ضغوطها على الإخوان للتصالح مع النظام.
2- محاولة السعودية احتواء مصر وتوظيفها في الصراع مع إيران:
اصطدمت السعودية بموقف أردوغان الرافض لأي تقارب مع السيسي في ظل الانقلاب الذي قام به، كما اصطدمت برفض الإخوان الرضوخ للأمر الواقع وإصرارهم على مطلب عودة الشرعية! ورغم المراهنة على عامل الوقت في تليين المواقف، إلا أن السعودية وجدت نفسها ما تزال تبارح مكانها، وأنها بدون دعم مصري تركي مشترك ستبقى قدرتها على دحر النفوذ الإيراني مشكوكًا فيها!
وبعد حوالي عام من زيارة السيسي للسعودية عقب تولي سلمان الحكم، وهي الزيارة التي رفض أردوغان لقاء السيسي فيها رغم تزامن وجودهما معًا في الرياض، جاءت زيارة سلمان للقاهرة، وسط إشاعات كثيرة أن سلمان سيصطحب السيسي معه إلى تركيا، لحضور القمة الإسلامية، وهو ما لم يحدث!
استبق السيسي الزيارة بوقف بث قناة المنار التابعة لحزب الله على النايل سات، وأسفرت الزيارة عن تنازل السيسي للسعودية عن جزيرتين مصريتين على بعد 8 كم من الساحل الشرقي لسيناء (تيران وصنافير)، وهو ما رفضه الرئيس مرسي منذ أربعة أعوام، وكذلك عن إعلان تشكيل قوة عربية مشتركة لمحاربة «الإرهاب».
هذه الخطوات تشير إلى نوع العلاقة الجديدة التي ترغب السعودية في بنائها مع مصر! إنها ليست علاقة الند للند، بين شركاء أكفاء، بل علاقة التوظيف السياسي والعسكري، واستثمار الفراغ الجيوسياسي الناتج عن الافتقار إلى الشرعية في مصر، والاحتقان السياسي فيها، والأزمات الطاحنة التي تمر بها القاهرة عقب الانقلاب العسكري!
فعلاقة الند بالند تجعل مصر عصية على تنفيذ الأجندة السعودية، الراغبة في استغلال مكانة مصر، وهي الدولة العربية السنية الأكبر، في مواجهة النفوذ الإيراني، وفي استغلال جيشها ضد الأخطار التي تهدد المملكة. (إيران وداعش)
وحيث إنه في السياسة لا مكان إلا لقدم واحدة، تقدمت السعودية واستغلت حالة الضعف الذي عليه الدولة المصرية، واشترت جزيرتين تتحكمان في مضيق تيران، ومن ثم خليج العقبة بالكامل، وقد كان هذا المضيق أحد أهم أسباب حربي 1956 و1967، وبذلك تفقد مصر إحدى أهم أوراق الضغط التاريخية لصالح السعودية.
ومن جهة أخرى تكون الخطة الصهيونية قد اكتملت بتضييق هامش المناورة أمام أي حكومة قادمة حتى لو كان يقودها مرسي بنفسه، مدعوماً بأكبر زخم ثوري يمكن تخيله، بقص أظافر مصر التي يمكن أن تستغل لاحقًا في حال سقوط السيسي ضد إسرائيل! وبنود هذا الخطة الصهيونية تتضمن: تهجير أهل سيناء وهدم الأنفاق مع قطاع غزة، إضافة مانع مائي جديد بحفر تفريعة جديدة للقناة التي لا تعاني أصلًا من اختناق مروري بل من تراجع حركة التجارة العالمية، وضمان عدم إغلاق مضيق تيران في وجه الملاحة الإسرائيلية، بفقدان مصر جزيرتي تيران وصنافير! (راجع مقال: تخوف إسرائيلي من سقوط السيسي)
كل هذا كي تضمن السعودية أن تبقى مصر دولة وظيفية، تحارب تحت إمرة السعودية فقط، ضد النفوذ الإيراني فقط، قاطعة الطريق على إمساك مصر بزمام المبادرة في المنطقة، وإعادة بوصلة الصراع إلى أن إسرائيل هي العدو! (وهذا سر تصريح عادل الجبير وزير الخارجية السعودي أن السعودية ملتزمة بالمعاهدات التي أبرمتها مصر بخصوص الجزيرتين، ويقصد بالطبع معاهدة كامب ديفيد مع الكيان الصهيوني!).
مصر، بهذا الشكل، يمكنها القبول بأن تكون عماد أي قوة عربية سنية لمحاربة الإرهاب (الذي سيكون في الحقيقة أي عدو للسعودية)، مما يحول الجيش المصري إلى مرتزقة بالأجر، يقومون بمهمات عسكرية مقابل المال (كما صرح عباس كامل في تسريبه الشهير)، وإلى ذراع عسكرية سعودية تخيف بها خصومها!
3- خطة السعودية البديلة إذا فشل السيسي:
لكن ماذا لو استمر الرفض التركي للتحالف مع مصر في وجود السيسي؟ وماذا لو أصر الإخوان على رحيل السيسي وعودة الشرعية؟ الأوضاع في مصر تنبئ بانفجار وشيك، لن يستفيد منه إلا الثوار على الأرض، بموجة ثورية جديدة، تطالب بالتداول السلمي للسلطة، وهو ما تتخوف منه السعودية ودول الخليج كثيرًا! مما يعني فشل الأجندة السعودية في تحويل مصر إلى دولة وظيفية. لقد صار الصراع الصفري إذن عبئًا على السيسي، بعد أن كان يراد به أن يكون عبئـًا على الإخوان! فأي سقوط للسيسي أو فشل له، هو مكسب للإخوان ولمؤيدي الشرعية!
الخطة السعودية البديلة فيما يبدو تتمثل في تغيير السيسي دون عودة الشرعية، وهذا يتطلب وجود معارضة داخلية للسيسي، ليس على أساس أنه قائد عسكري قام بانقلاب على رئيس شرعي، ولكن لأنه فرط في أمن مصر ببيع الجزيرتين للسعودية. ومن ثم فإن أي مظاهرات قد تندلع في الشوارع، لن تهدف بالضرورة إلى عودة الشرعية، بل سيتهم الإخوان حينها، إذا رفعوا شعار عودة الشرعية، أنهم يركبون هذه الموجة من الثورة أيضًا!
ومن هنا يمكن أن نرى التوظيف السياسي الداخلي لقضية الجزيرتين، وهي القضية التي صارت طوق النجاة للكثير من الرموز التي أيدت انقلاب 3 يوليو، (بيان شفيق، تهكم باسم يوسف… إلخ) وصاروا من خلال معارضتهم لقرار السيسي بيع الجزيرتين، يصنعون طبقة عازلة Buffer zone بين السيسي والإخوان.
ويراد لهؤلاء ليس قط أن يشاركوا في المشهد الجديد، بل أن يتصدروه! ولا معنى للقاء سلمان بتواضروس إلا ضمان تأييد الكنيسة لترتيبات جديدة، تواكب الفشل الذي حدث، وتمنع من تدهور الأوضاع ووصولها إلى حافة الانفجار، بشكل لن يستفيد منه إلا الإخوان فقط!
الخلاصة:
من المتوقع أن تنزل مظاهرات ضد السيسي بسبب بيع الجزيرتين، ومن المتوقع عدم التعامل الأمني العنيف مع هذه المظاهرات.
أي مظاهرات ضد السيسي هي في صالح الثورة، لكن يجب على الثورة أن تضع هذه المظاهرات في إطار كسر الانقلاب وعودة الشرعية، فالانقلاب هو المشكلة الرئيسية التي بني عليها كل المشكلات الأخرى، وكسر الانقلاب هو الضمانة الوحيدة لنجاح الثورة، ولا يمكن كسر الانقلاب إلا بعودة الشرعية. وقتها ستصبح مصر دولة حرة تملك قرارها، لا دولة وظيفية تابعة للسعودية!