مرحبا بك في مدونة شيء في صدري يمكنك اختيار المقال الذي تبحث عنه من القائمة على اليمين.. ومهما كان انتي مصر.. وكل خطوة بنصر.. الله أكبر وتحيا مصر

Welcome to the personal blog of the Egyptian Writer and political analyst Dr. Ahmed Nassar. You can choose the article you need from the list lower right

الجمعة، 29 يناير 2016

الدولة الإسلامية في القرآن الكريم: سورة النمل

الدولة الإسلامية في القرآن الكريم: سورة النمل

السورة التي تتحدث عن الدولة الإسلامية في القرآن هي سورة النمل.. في هذه السورة عرض لنا القرآن الكريم ثلاثة نماذج لقيام الدولة الإسلامية:

1- السعي إلى قيام دولة إسلامية في مواجهة "دولة" قوية قائمة بالفعل:

وهو أصعب النماذج، لأن الداعين إلى الله في هذه الحالة يواجهون دولة مستقرة، راسخة الأركان، لها مؤسسات قائمة ومصالح متشاكة، وهذه الدولة تتخذ خيار الصدام والمواجهة.

يمثل هذا النموذج في السورة قصة نبي الله موسى مع فرعون في أول السورة

من صفات هذا النموذج:

1- أركان هذه الدولة سيواجهون الداعين إلى الله بخيار المواجهة والصدام مهما تكلف الأمر، حتى لو كانوا مقتنعين بنبل أعدائهم من دعاة الحكم الإسلامي وعدالة قضيتهم. "وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا" النمل 14

2-  تمسك أهل الباطل بباطلهم لأنهم مستفيدون من الأوضاع القائمة، المستشري فيها الفساد:  "فانظر كيف كان عاقبة المفسدين." النمل 14

انتصار هذا النموذج يكون بالصبر والأخذ بكافة الأسباب والتوكل على الله عند انقطاع الأسباب لأن النصر مع عند الله وحده.

***

2- النموذج الثاني: دولة إسلامية قوية في مواجهة دولة كافرة أضعف منها:

وهو الوضع الأسهل للداعين إلى الله، تمثله قصة نبي الله سليمان مع الملكة بلقيس
لكن هذا النموذج يحتاج إلى:

1- جنود كالهدهد:
"أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبإ بنبإ يقين" النمل 22

2- علم بكتاب الله:
"قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك"  النمل 40

3- تقدم علمي أعلى مما توصل إليه البشر في عصرهم:
"قال إنه صرح ممرد من قوارير" النمل 44

4- قوة خشنة ترهب العدو:
"ارجع إليهم فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها ولنخرجنهم منها أذلة وهم صاغرون"  النمل 37

5- عدم اغترار بالقوة:
"فتبسم ضاحكا من قولها وقال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين"  النمل 19

***

3- النموذج الثالث:  محاولة "إصلاح" وضع قائم فاسد

وينقسم هذا النموذج إلى:

أ- أن يكون أهل الحق أندادا لأهل الباطل: (ويمثله قصة سيدنا صالح والناقة)
 "ولقد أرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحا أن اعبدوا الله فإذا هم فريقان يختصمون" 45 النمل

وفي هذه الحالة يقرر أنصاره المكر بأصحاب الدعوات والكيد لهم بشكل غير مباشر بدلا ممن المواجهة:

( وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون ( 48 ) قالوا تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله ثم لنقولن لوليه ما شهدنا مهلك أهله وإنا لصادقون ( 49 ) ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون ( 50 ) فانظر كيف كان عاقبة مكرهم أنا دمرناهم وقومهم أجمعين (51)

عاقبة هؤلاء تكون الهلاك بعد الإنذار، واستهزائهم بالنذر

ب- أن يكون المصلحون أقلية في وجه الفاسدين: (ويمثله قصة سيدنا لوط مع قومه)
قال لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد (  النمل 80 )

في هذا السيناريو يغتر أهل الباطل بقوتهم، ولا يتحملون بقاء أهل الحق معهم مع قلتهم:
"فما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون"  النمل 56

الحل في هذه الحالة ترك الأغلبية العاصية المتمسكة بالباطل والمنغمسة فيه والبحث عن مكان آخر لعبادة الله

***

لا شك عندي أننا من أصحاب النموذج الأول السعي إلى قيام دولة إسلامية في مواجهة "دولة" موجودة بالفعل

خيار المواجهة حتمي حتى لو تحاشيناه لفترة لأننها نهدد مصالح متشابكة معتمدة على الفساد المستشري

سيأتي على هؤلاء القوم النذير تلو النذير لكنهم سيكذبون حتى النهاية
ومع انقطاع الأسباب وتعلق القلوب بالله سيتنزل النصر إن شاء الله

 "قالوا أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا قال عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون"
الأعراف 129

الثلاثاء، 26 يناير 2016

دولة العسكر ماتت في مصر.. وعلينا دفنها!

دولة العسكر ماتت في مصر.. وعلينا دفنها!


هل تموت الدول والمؤسسات؟

الموت هو الحقيقة الثابتة في الحياة! هذه الحقيقة التي يتغافل عنها كل طاغية ومستبد، ويتناساها، حتى تأتيهم بغتة وهم لا يشعرون!

اتفق الأولون والآخرون أن الموت هو خروج الروح من الجسد، وهو التفسير الجامع لمعنى الموت عند الغالبية الساحقة من البشر، بعيدا عن أي تفسيرات طبية معقدة تتحدث عن الموت البيولوجي والموت السريري (الإكلينيكي) وغيرها من تلك التعريفات التي يدرسها الأطباء.

لكن هل الموت والحياة حكر على الإنسان وحده؟؟ أليس للمؤسسات والدول أيضا حياة؟؟ بالطبع لها حياة؛ بل دورة حياة كاملة، كما قال العظيم بن خلدون، في مقدمته الشهيرة.

وإذا انطلقنا من هذا الافتراض، سينتقل بنا الحديث إلى سؤال آخر؛ كيف تموت الدول وكيف تموت المؤسسات؟

قياسا على حياة البشر والكائنات، والتي يعرف موتها بخروج الروح منها كما أسلفنا، فإن الدول والمؤسسات تموت إذا خرجت منها الروح، روحها التي أنشئت أصلا من أجلها.

وإذا افترضنا أن روح مؤسسة، كالشرطة مثلا، هو حماية أرواح الناس وممتلكاتهم - فلهذا السبب أنشأها الإنسان في الأساس - يصبح وفاة هذه المؤسسة بخروجها عن رسالتها الموكلة إليها.

الرد المتفلسف الذي نقابل به حين نطرح هذا الطرح، هو أن أي تجاوزات تمثل حالات فردية، تحدث في كل المؤسسات الشبيهة في العالم، وأن مؤسسة بلا أخطاء، كإنسان بلا أخطاء، ملائكة تمشي في الشوارع، وهذا من اليوتيوبيا التي لن تحدث!

وهذا صحيح؛ وسيكون من الظلم الحكم على مؤسسة بالوفاة لمجرد وجود حالات فردية فاسدة. لكن ما المعيار إذن؟؟ كيف يمكننا أن نحكم على مؤسسة كالشرطة مثلا بأنها ماتت؟؟ أم أن التذرع بحجة "الحالات الفردية" يمنعنا إلى الأبد من الحكم على مؤسسة فاسدة بالموات؟؟

في اعتقادي أن معيار الحكم بموت مؤسسة هو: "أن تمارس الفساد، بشكل منهجي ومستمر، ضد الغالبية الساحقة من أبناء الشعب". وأعتقد أن هذا التعريف يتساهل كثيرا مع أي حالات فساد فردية يمكن أن تحدث هنا أو هناك في أي مؤسسة، ويمنعنا من الحكم عليها بأنها ماتت!

***

مؤسسات ماتت في دولة العسكر:

وإذا طبقنا هذا التعريف على دولة العسكر ككل، وعلى مؤسساتها كل على حدة، سنجد أن هذه المؤسسات ماتت منذ زمن، وأن دولة العسكر إجمالا ماتت، أو على وشك!

1-   مؤسسات ماتت بالكامل:
أ‌-      الشرطة:
ماتت تماما منذ زمن، ولاشك عندي في ذلك! تحول جهاز الشرطة في مصر من المحسوبية والواسطة والرشوة والمنفعة بالضغط على المواطن بقمعه وإرهابه وترويعه وابتزازه، بجانب قيامها ببعض واجباتها في حفظ الأمن، إلى التخلي تماما عن هذا الدور، والتفرغ التام لقمع المواطن، والاستفادة من السلطات الموكلة إليها في الأساس لحماية الدور الذي تخلت عنه شيئا فشيئا!
إن شعارات مستفزة مثل "ليس كل الشرطة فاسدين"، و "فيهم ناس موظفين"، ليست على أساس علمي، وتكذب العقل والمنطق، بل والدلائل التي رأيناها بنفسنا رأي العين، وخداع للثورة والثوار في الإبقاء على مؤسسة فاسدة من ساسها إلى رأسها، لم تتردد في قتل الثوار وذبحهم في الشوارع!

يجب سحب سلاح الشرطة منهم، ومحاكمة المجرم فيهم، بالقصاص، وتسريح الباقي غير مأسوف عليهم وبناء جهاز جديد!

ب‌-  الإعلام:
نفس الأمر يتعدى إلى مؤسسات الدولة الإعلامية، العامة والخاصة، التي تبيع الأكاذيب والفسق والفجور والوهم للناس! هذه المؤسسات ماتت تماما، وصار مثلها مثل الشرطة، لا خطر علينا من إعلان وفاتها وحلها بالكامل، وأن نستبدل بها مؤسسات جديدة، بروح جديدة.

 بل على العكس، استمرار هذه المؤسسات خطر علينا وعلى بقية المؤسسات التي على وشك أن تموت، وتهدد بالفشل اي محاولات للتغيير أو الإصلاح! 

2-    مؤسسات على وشك أن تموت:
أ‌-      الجيش:
 وظيفة أي جيش حماية أي حدود الوطن من أي تهديد خارجي، وعند بعض المفكرين فإن هناك وظيفة أخرى للجيوش وهي حماية الشرعية!

ليس من بين وظائف الجيوش صنع المعكرونة والحلل، أو الدخول في مناقصات لإقامة عقارات وإنشاءات، ورصف طرق وكباري، واستيراد أجهزة طبية وهندسية...إلخ. وحين يقوم الجيش بهذه الأمور، فإنه يكون قد قام بفساد ممنهج ومستمر.

إلا أن الجيش في مصر لم يقم بهذا فحسب، بل تغيرت وجهته في 1979 بعقد اتفاق سلام مع "إسرائيل"، ثم تغيرت عقيدته بانقلاب 2013، إلى محاربة "الإرهاب"، وفتح النار على المعتصمين، والقيام بأكبر مجزرة في تاريخ مصر! 

كيف نتعامل مع الجيش؟

لكن لا يمكننا التعامل مع الجيش كما نتعامل مع الشرطة والإعلام، فالوضع هنا مختلف!

يمكننا أن ننشيء مؤسسات بديلة عن الشرطة (بالثوار في الشارع)، وعن الإعلام (بالإعلاميين المؤيدين للثورة). لكن حل الجيش أو تفكيكه يعرض الثورة والدولة لخطر أكبر من محاولة إصلاحه.

إن الجيش بالنسبة للوطن، كالباب بالنسبة للبيت، وإذا كان هذا الباب لا يعمل بشكل سليم، وهناك خلل في (طبلته) تجعل من غير الممكن فتحه بالطرق العادية، فإن الحل يكون أن نستبدل به بابا آخر، أكثر حداثة ومتانة، لا أن نخلع الباب من مكانه، ونترك البيت بلا باب، قبل أن يكون الباب الجديد جاهزا!

  وعليه فإن سيناريو حل الجيش كما حدث في العراق في 2003 خطأ لا يجب أن نقع فيه. الحل عندي ما فعلته إيران في الثورة في 1979، تحييد للجيش وتكليفه بحماية الحدود فقط، وإنشاء جيش جديد من الثوار في الشارع على غرار الحرس الثوري،  يكون ولاؤه للثورة؟، وتمنعه الجيش من أي محاولة انقلاب جديدة!

ب‌-  القضاء:
أما بالنسبة للقضاء فيجب التعامل مع القضاء الفاسدين الموالين للعسكر وللدولة المضادة بمنطق الورم السرطاني الذي يجب استئصاله قبل أن يمتد إلى باقي الجسد، فيتسبب في وفاته، وخروج الروح منه، وأن نضع في المؤسسات القضائية والرقابية شخصيات مشهود لها بالكفاءة والنزاهة والشرف والولاء للثورة. ومن البديهي أن يتم ذلك وفق معلومات دقيقة وليس وفق انطباعات كما حدث مع عصام شرف!

***

ختاما:

علينا جميعا أن ندرك أن عقلانية الثورة لا تعني بالضرورة انبطاحها أو ضعفها، فالثورة الفرنسية توصف من نواحي كثيرة بأنها عقلانية رغم دمويتها.

إن قوة الثورة عين العقل فيها، بل إن غير العقلاني ترك الثوار فريسة سهلة لخصومهم! يجب ألا تمنعنا عقلانية الثورة من التعامل مع خصومنا بما يستحقونه، بقوة وسرعة، دون تردد أو تخوف من الأزمات الاقتصادية، مدركين أن التساهل مع خصوم الثورة أحد أعظم أخطائنا في السابق، وأحد أكبر تهديداتنا في المستقبل!

هناك فارق أخلاقي بين ما هو شرعي وما هو قانوني، وهذه المؤسسات التي تقيم دولة العسكر فقدت شرعيتها، حتى لو قامت بتقنين أفعالها غير الشرعية، بإعلانات دستورية أو بمجلس نواب من الدمى والأراجوزات، يوافق على القوانين قبل مناقشتها!

دولة العسكر ماتت في مصر وعلينا دفنها!

الجمعة، 22 يناير 2016

عندما اصطدمت ثورة عقلانية بانقلاب مجنون!

1- أنواع الثورات: عقلانية وعاطفية عرف العالم نوعين من الثورات, الثورات العاطفية “الرومانسية”، والثورات “العقلانية”. الشكل الرومانسي مختلف تماما عن الشكل العقلاني، فهو يضيق ذرعا بكل ما يمت للعقل بصلة، ويميل إلى تأكيد “الإرادة” على حساب “العقل”، مما يجعله يمجد العنف في بعض الأنواع، ويميل إلى التحالف مع النزعات القومية القائمة على العاطفة! (هتلر – موسيليني). على العكس من ذلك, فإن الشكل “العقلاني” يحتكم إلى الاستنتاج أو المنطق كمصدر للمعرفة أو للتفسير. نرى ذلك في فلاسفة الثورة الفرنسية – قبل انقلاب نابليون – الذين تحدثوا عن فساد السلطة، والفصل بين السلطات، وكذلك الفلاسفة الإنجليز الذي خاضوا الثورة الإنجليزية مختلفين حول طريقة الحكم في إنجلترا واسكتلندا وأيرلندا، وليس فقط من يحكم! ثم أخذت هذه الأفكار شكلا أكثر عمقا (أو تطرفا) عند ماركس الذي أراد أن يفسر كل الصراعات في التاريخ بالصراع بين الطبقات، وأراد أن يقسم “بالعقل” كل الموارد على جميع المواطنين، حتى يقضي تماما، بشيوعها، على “عواطف” الغيرة والحسد!. *** 2- الثورة المصرية عقلانية لدرجة الغيظ! من هذا المنطلق يمكننا أن نستنتج أن الثورة المصرية كانت من النوع الثاني، أي العقلاني. صحيح أن عاطفة صادقة هي التي دفعت جموعا من الطبقات للتظاهر ضد مبارك، إلا أنها كانت عقلانية جدا في هذا التحرك، ضد كل ما هو غير عقلاني في عهد مبارك ولاسيما في السنوات الأخيرة! فلم يكن من المعقول استمرار حالة الطوارئ لثلاثة عقود، ومن غير المنطقي تزوير الانتخابات البرلمانية بهذا الشكل الفج، ومن غير المنطقي احتكار عدد محدود من رجال الأعمال للسلطة والنفوذ والثروة، ومن غير المعقول استمرار حصار غزة، وتصدير الغاز للصهاينة!, ومن غير المعقول تهيئة جمال مبارك للتوريث، ومن غير المعقول بقاء مبارك نفسه في الحكم ثلاثين سنة! كان كل شيء في مصر غير عقلاني، وكانت منطلقات الثورة عقلانية، لذا كان تعاطي نظام مبارك مع ثورة الشباب العقلانية بعقلانية مماثلة غير مجد، لأنه مهزوم في هذا الميدان! لذا لجأ إلى الخطاب العاطفي الشهير عن مصر التي خدمها ودافع عنها، وولد فيها ويريد أن يدفن فيها! ولا شك أن خطابه نجح في التأثير على قطاعات لم تتأثر كفاية بالمبررات العقلانية للثورة! وبعد نجاح الثورة تعامل الثوار برومانسية شديدة، بدرجة أقرب إلى السذاجة، وتخلوا بعقلانيتهم عن الحالة الثورية إلى الحالة الدستورية، وهو من أولى الأخطاء التي وقعت فيها الثورة! *** 3- تعاطي الثورة المضادة مع الثورة العقلانية في مصر: عقب نجاح الثورة كان الهدف الإستراتيجي للثورة المضادة هو تجريد الثورة من الحالة العقلانية التي كانت فيها، وإثارة العواطف فيها، مستغلين الروح العاطفية الوطنية التي تفجرت عقب تنحي مبارك، وذلك بالتالي: إيقاف الحالة العقلانية بمخدرات عاطفية: عن طريق الادعاء أن الجيش حمى الثورة، وإعطاء الشهداء التحية العسكرية، لربط قواعد الثوار برأس الثورة المضادة بموقف عاطفي، لا عقلانية فيه، يجعلهم يتوقفون عن التفكير في ممارساته غير الثورية، بل التي تستهدف الثورة في الصميم. وقد نبهنا في وقت مبكر من صيف 2011 أن أفعال المجلس العسكري لا تنم عن نيته في تسليم السلطة، لكن كان يرد علينا في المقابل أن العسكر يريدون “خروجا آمنا”، وهو استنتاج غير عقلاني! إثارة العاطفة الوطنية: بأن الجيش المصري آخر جيش باقي في المنطقة، وأن من يعارضه يريد “هدم الدولة” إثارة مشاعر التخوين: باللعب على فكرة “الإخوان سرقوا الثورة”، وعقدوا صفقات مع العسكر، وإجراء استفتاء يرضي الإسلاميين، وفي المقابل عقد لقاءات واجتماعات تطمئن العلمانيين، وتساندهم. إثارة عاطفة التنافس: بدأ باستفتاء نعم ولا، ومر بالانتخابات البرلمانية، ووصل لذروته في الانتخابات الرئاسية، واستمر حتى الاستفتاء على دستور 2012. الانتخابات تقسم الناس، هذه قاعدة. إثارة عاطفة الغيرة والتحاسد: جراء فوز الإسلاميين بأكثرية المقاعد البرلمانية ثم بالرئاسة وإقرار الدستور. إثارة عاطفة التطرف: وقد لعب طرفان مهمان دورا كبيرا في إثارة هذه العاطفة: السلفيون، الذين اندفعوا بقوة إلى الحلبة السياسية، مستخدمين شعارات الجنة والنار، والولاء والبراء، وعدم جواز ترشيح المرأة والقبطي، فضلا عن التحالف معهم. الأقباط: الذين تحركوا بشكل علني تحت مسمى طائفي “الأقباط” وليس مسمى سياسي، رافعين الصليب، كما حدث في ماسبيرو. إثارة عاطفة الفردية والأنانية: بإثارة المطالب الفئوية. *** 4- حكم الرئيس مرسي امتداد للثورة العقلانية: كان الرئيس مرسي كمن يقود طائرة مخطوفة، يريد أن يحررها من خاطفيها والتحكم في قيادتها، دون أن يؤدي الصراع بينه وبين خاطفي هذه الطائرة (الثورة المضادة) إلى انفجارها أو سقوطها في الهواء! كما يريد ألا يشعر بقية الركاب بأن الطائرة مخطوفة، فلم يخرج ويعلن على الملأ المعوقات التي يواجهها كما طالب البعض! ولعل هذا التشبيه هو ما يفسر سلوك الرئيس مرسي تجاه مؤسسات الدولة العميقة التي كان حريصا على تطهيرها، دون هدمها، فلجأ إلى تغيير القيادات الفاسدة في كثير من المؤسسات الأمنية والاستخبارية، واستبدل بهم قيادات جديدة. وحيث أنه من المستحيل وضع قيادات من خارج هذه الأجهزة على رؤوسها، فلم يكن أمام الرئيس الجديد إلا انتقاء أقل العناصر سوءا من هذه الأجهزة. لكن الأجهزة الأمنية ومؤسسات الدولة العميقة كانت عازمة على إفشال خطة الرئيس مرسي، ووضعته أمام خيارين؛ إما أن يترك لهم قيادة الطائرة، أو أن يفجرونها وهو فيها! كان حكم الرئيس مرسي امتداد للثورة العقلانية التي تحتكم إلى المنطق وليس إلى العاطفة، وهذا ما يفسر كثيرا من القرارات التي اتخذها، والسياسة التي اتبعها، والشعارات التي رفعها: ننتج غذاءنا وسلاحنا ودواءنا. *** 5- الانقلاب المجنون: كان عام مرسي في الحكم إذن امتداد للثورة العقلانية، وكان مواجهة الدولة العميقة له بطريقة عقلانية غير مجد! فلجؤوا إلى النوع الآخر من الثورات (الثورات العاطفية) وحاولوا استنساخ نموذج منها يناسب المؤسسة العسكرية التي تقود الثورة المضادة، تمثل في انقلاب 3 يوليو. لم يكن انقلاب 3 يوليو وما تلاه “عقلانيا” بأي حال من الأحوال! فليس من العقلانية الوقوف بجانب الفلول الذين قامت عليهم الثورة في معسكر واحد في 30 يونيو! وليس من العقلانية الانقلاب على أول رئيس مدني في عامه الأول، وتفويت فرصة التداول السلمي للسلطة. وليس من العقلانية الادعاء أن السيسي (بدبابته) إذا لم ينفذ ما اتفق عليه سنتظاهر ضده (!!) وليس من العقلانية حل برلمان منتخب وتعطيل العمل بدستور مستفتى عليه! وليس من العقلانية طبعا بأي حال من الأحوال فتح الجيش النار على المعتصمين، والقيام بأكبر مجازر في تاريخ مصر في مجزرة رابعة وأخواتها! وليس من العقلانية انقلاب السيسي على وعوده بعدم الترشح للرئاسة ثم الترشح! وليس من العقلانية ابتلاع كم هائل من الأكاذيب التي لا يصدقها عقل طفل صغير؛ من جهاز الكفتة الذي يعالج الإيدز وفيروس سي, ثم قناة السويس الجديدة التي ليست إلا تفريعة جديدة، والمليون وحدة سكنية والمليون فدان والعاصمة الإدارية الجديدة! وليس من العقلانية موافقة السيسي على تفريطه في منابع النيل وتنازله عن حق مصر في عدم بناء سدود في دول المنبع، أو التفريط في حقول الغاز في الشمال، أو التصويت لصالح إسرائيل! لقد كان انقلابا عاطفيا لا يمت إلى العقلانية بصلة، أراد التأكيد على مفهوم السيادة على حساب العقل، وإعادة إحياء النزعة القومية، فخرجت تصريحات مبكرة عن أسر قائد الأسطول السادس، والتصدي للبوارج الأميركية قرب ساحل الإسكندرية، وتفريغ شحنة غيظ وغضب تجاه قطر وقناة الجزيرة ومراسلي الجزيرة (قضية خلية الماريوت) بل وميكروفون الجزيرة أيضا! وفي مقابل الانقلاب العاطفي الذي كان يلوح في الأفق، وظهرت بوادره، لجأ الرئيس مرسي في خطابه الأخير قبل الانقلاب إلى خطاب عقلاني بحت، أخذ يركز فيها على العمود الرئيسي للثورة العقلانية وهو “الشرعية”، إلى الحد الذي جعل خصومه بعاطفة السخرية إلى الاستهزاء من ذلك! ومن هنا يمكننا أن نفهم تمسك الرئيس مرسي والإخوان بالشرعية كاملة ورفض الانقلاب، فالتنازل عنها هو تنازل عن “عقلانية الثورة”، و عن “الثورة العقلانية”! رغم معرفتهم بعواقب ذلك، وتعرضهم لتضحيات كثيرة لثنيهم عن ذلك! *** ختام علينا أن ندرك أن الرئيس مرسي فور عودته إن شاء الله لم يعد يقود طائرة مخطوفة، بل الطائرة الآن في هبوط اضطراري “ترانزيت”، وأن المسموح به في الترانزيت أكثر من المسموح في الجو، وأن عليه الاستعانة ببعض القرارات الهامة والخطيرة قبل أن تقلع الطائرة مجددا! وعلينا جميعا أن ندرك أن عقلانية الثورة لا تعني بالضرورة انبطاحها أو ضعفها، فالثورة الفرنسية توصف من نواحي كثيرة بأنها عقلانية رغم دمويتها. إن قوة الثورة عين العقل فيها، بل إن غير العقلاني ترك الثوار فريسة سهلة لخصومهم! يجب ألا تمنعنا عقلانية الثورة من التعامل مع خصومنا بما يستحقونه، بقوة وسرعة، دون تردد أو تخوف من الأزمات الاقتصادية، مدركين أن التساهل مع خصوم الثورة أحد أعظم أخطائنا في السابق، وأحد أكبر تهديداتنا في المستقبل!

الخميس، 21 يناير 2016

"الأغلبية المضطهدة" في مصر!

التوظيف الطائفي في السياسة هو استمرار لخطأ منهجي مارسته الكنيسة المصرية منذ الثورة حتى الآن، باتخاذها موقفا رسميا تجاه أحداث سياسية مختلف عليها! 

فقد أعلنت الكنيسة رسميا وقوفها ضد الثورة وإلى جانب مبارك، ثم أعلنت دعمها لمرشح المجلس العسكري أحمد شفيق من الجولة الأولى رغم أنه كانت لديهم خيارات أخرى غير الدكتور مرسي! وخطورة هذه الخيارات أنها تحمل جميع المسيحيين في مصر مسؤولية قرار سياسي اتخذه قادة الكنيسة، يحتمل النجاح والفشل!

استخدام ورقة الطائفية كان أيضا حلا سريعا وخطيرا لتمرير الانقلاب العسكري، الذي كانت الكنيسة حاضرة بشكل كبير فيه! وصلت ذروته في تأييد مجزرة رابعة ودستور الخمسين ووصول السيسي للرئاسة! 

ورغم أن حضور الأزهر كان أيضا لافتا، سواء في الانقلاب أو المناسبات التي تلته، إلا أن حساسية موقف الكنيسة مختلفة كثيرا عن موقف الأزهر، الذي هو مؤسسة إسلامية، ستوصف من قبل خصومها بالفساد، والانبطاح للسلطة، دون تعدي الاتهام لبقة المسلمين الذين لا يمثلهم الأزهر بالضرورة! أما الكنيسة فتمثل الأقباط، أو تدعي ذلكن ووقوفها في خصومة يجعل جميع الأقباط في ذات الخانة رغما عنهم!

***

لا أحد يستطيع التنبؤ بنتيجة الاستمرار في قمع "الأغلبية المضطهدة" لحساب "الأقلية المتنفذة" ..

 الأغلبية تبقى أغلبية، وتكتسب قطاعات غير مسيسة إلى الكتلة الصلبة التي أثبتت أنها لا تزال موجودة.

والكتلة الصلبة من الإسلاميين، لا يمكن معادلتها عددا بالكتلة الصلبة للكنيسة، حتى إذا افترضنا ارتباط أقباط مصر جميعهم، من الطوائف الثلاثة، بمتدينهم وعلمانيهم! لكن إذا افترضنا تعادلهما، فإن كتلة الإسلاميين تنتمي إلى بيئتها الطبيعية، وحولهم قطاعات من الممكن استقطابها إليهم، من المصريين المحافظين بطبيعتهم، والذين يشعرون بالاستفزاز من محاولات الهجوم على دينهم!

أما كتلة الكنيسة تنتمي إلى بيئة مخالفة لها، ولا أقصد هنا من حيث الدين، فهذه قضية يتسامح فيها أغلب المصريين، ولكن من حيث الأفكار التي تحملها الكنيسة وكتلتها الصلبة، وترغب في فرضها فرضا على المصريين، بما لديا من أدوات نافذة، إعلامية واقتصادية وسياسية وميليشياوية، ومظاهره واضحة من طعن في الدين والقرآن الكريم ورسول الله محمد صلى الله عليه وسلم، وإثارة قضية "احتلال العرب والمسلمين لمصر"...إلخ


وتعويل الأقلية المتنفذة على تغيير عقلية المصريين وعقيدتهم بدعاوي تجديد الخطاب الديني والثورة الدينية، من قبل رموز انفصلوا عن المجتمع، بسلوكياتهم الفاضحة المفضوحة، أو بأفكارهم الشاذة الغريبة عن المجتمع، التي لن تنجح إلا في استمالة القلة القليلة، واستفزاز الأغلبية! 

*** 

"الأقلية المتنفذة" تنسى أنها وسط أغلبية، وأن هذه الأغلبية مضطهدة، وتشعر بأن حرماتها ومقدساتها مستباحة، وهذا الشعور يترسخ بمرور الوقت، وإذا حدث أي تغيير في موازين القوى الحالية، وهذا وارد، فإنه لا أحد يستطيع أن يتنبأ بردود فعل القواعد الغاضبة! 

الأقلية لا تستطيع العيش وسط رفض الأغلبية لهم مهما كانت الأقلية متنفذة، ولكم فيما حدث في جنوب إفريقيا مثال وعبرة.. لكن الضربة هذه المرة في الدين وليس العرق، وتطور الخلاف من الحسم عبر الصندوق إلا تكسير العظم، والقتل على الهوية! ورغم ذلك فإن كتلة الأغلبية استوعبت الصدمة ولم تنساها، لكن استمرار قمعها ربما يخرج ردود أفعالها – إدا جاءت لحظة الانفجار -  عن سيطرة كل العقلاء في الجانبين!

السبت، 9 يناير 2016

فخ إعادة تعريف العدو والصديق في سوريا!

من أبسط وأهم تعريفات السياسة أنها فن معرفة العدو من الصديق!
حتى شهر مضى؛ كان أعداء الثورة السورية معروفين جيدا، وكذلك أعداؤها، لكن مياها كثيرة جرت في النهر السياسي إقليميا ودوليا؛ والهدف منها فك وتركيب مفاهيم “العدو والصديق” في سوريا، بحيث يصبح “العدو” هو ربما “بشار الأسد” فقط كشخص، دون الحكومة السورية أو بقية مؤسسات النظام، ويصبح “الصديق” هو فقط بعض فصائل المعارضة المرضي عنها خليجيا وأمريكيا، دون باقي الفصائل التي تراها واشنطن متشددة وإرهابية تستوجب محاربتها!
وعليه فإن هدف بعض التحركات السياسية،(مثل مؤتمر الرياض، وقرار مجلس الأمن 2245)،والعسكرية،(مثل اغتيال قائد جيش الإسلام زهران علوش) هو توحيد جهود النظام السوري مع بعض فصائل المعارضة التي تراها واشنطن معتدلة، لقتال “الإرهاب” الذي هو في الحقيقة،ليس إلا بعض الفصائل الإسلامية المسلحة الأخرى التي تريد واشنطن محاربتها!

1- مؤتمر الرياض: انتقاء لبعض فصائل المعارضة:

مؤتمر الرياض هو مؤتمر سياسي سوري انعقد في الفترة 8 – 10 ديسمبر 2015 في العاصمة السعودية الرياض، بين عدد من الأطراف السياسية السورية دون غيرها، وكانت أبرز مقرراته تشكيل هيئة عليا للمفاوضات، وتشكيل لائحة مشتركة من المعارضة للتفاوض مع النظام!
وخطورة مؤتمر الرياض أنه شق صف الفصائل التي تحارب نظام الأسد وحلفائه بنجاح، فتمت دعوة بعضها إلى الرياض، واستثناء بعض الفصائل الرئيسة الأخرى لأسباب سياسية بحتة، لا علاقة لها بطموحات الشعب السوري وثورته، ووقف معاناته المستمرة، ولا بمدى قتال هذه الفصائل للنظام السوري أو لتنظيم الدولة!
حتى حركة أحرار الشام – التي كانت تفاوض الإيرانيين أنفسهم، وليس النظام السوري في الزبداني بريف دمشق – انسحبت من المؤتمر بعد أن دعيت إليه، وذكرت الحركة عدة أسباب لذلك؛ أهمها عدم التمثيل المناسب للفصائل العسكرية المقاتلة على الأرض، مقارنة بالفصائل السياسية ومعارضي الخارج في الاجتماع.
وما نتج عن اجتماع الرياض، ليس إلا تعيين صائب عريقات جديد، ممثلا في تشكيل “هيئة عليا للمفاوضات”، ليوقع على اتفاقية مرتقبة ـ فيما يبدو ـ بين النظام وبعض فصائل المعارضة المرضي عنها أمريكيا وخليجيا، تمهيدا لقتال بقية فصائل المعارضة الأخرى التي تراها واشنطن إرهابية! بالضبط على غرار أوسلو وكامب ديفيد ووادي عربة، لإحداث تسويات هشة واتفاقات سلام زائفة مع بشار أو خليفته، وهي اتفاقيات مفروضة بسلطة الأمر الواقع على غير إرادة وطموحات الشعوب!
باختصار، صار مطلوبا من المعارضة السورية أن تلقي السلاح وتجلس لتحاور النظام ليقبل بها “المجتمع الدولي” وحتى لا تكون إرهابية! صارت مشكلة الثوار وفق مؤتمر الرياض مع بشار الأسد فقط كشخص، وحتى هذه النقطة غير مضمونة، ومن الممكن أن نرى بشار في المرحلة الانتقالية!

2- قرار مجلس الأمن  2245 بشأن سوريا

جاء قرار مجلس الأمن الأخير بشأن سوريا (2245) هو الآخر ليسلط الضوء على مرة أخرى “العدو الواجب محاربته في سوريا”، مما يؤكد محاولات خلط الأوراق، وتغيير مفاهيم “العدو والصديق” في سوريا!
والعدو حسب نص القرار هو “الإرهاب والأيديولوجيا المتطرفة العنيفة” وليس النظام السوري الذي استخدم أسلحة الدمار الشامل ممثلا في السلاح الكيماوي 4 مرات، ويستخدم البراميل المتفجرة كل يوم!
على العكس جاء البيان ليؤكد أن الحل في سوريا سياسي عن طريق “عملية سياسية جامعة” وكلمة “جامعة” لا معنى لها إلا أنها تجمع النظام – ولو من غير بشار – مع المعارضة؛ ولكن ضد من؟
جاء في البند 8 من القرار الدولي 2245 الفقرة التالية:
 “يكرر القرار دعوته الموجهة إلى الدول الأعضاء لمنع وقمع الأعمال الإرهابية التي يرتكبها على وجه التحديد تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (المعروف أيضا باسم داعش) وجبهة النصرة، وسائر الأفراد والجماعات والمؤسسات والكيانات المرتبطين بتنظيم القاعدة أو تنظيم الدولة الإسلامية، وغيرها من الجماعات الإرهابية، على النحو الذي يعينه مجلس الأمن، وعلى نحو ما قد يتفق عليه لاحقا الفريق الدولي لدعم سوريا ويحدده مجلس الأمن، والقضاء على الملاذ الآمن الذي أقامته تلك الجماعات على أجزاء كبيرة من سوريا، ويلاحظ أن وقف إطلاق النار المذكور أعلاه لن يطبق على الأعمال الهجومية أو الدفاعية التي تنفذ ضد هؤلاء الأفراد والجماعات والمؤسسات والكيانات”.

من هنا يمكننا أن نستنتج بسهولة النقاط التالية:

  • القرار يوضح بجلاء أن العدو الواجب محاربته في سوريا هو “الجماعات الإرهابية” ولم يذكر النظام السوري بكلمة، وذكر بالاسم فصيلين بعينهما؛ داعش، وهو تنظيم على عداء مع باقي مكونات الثورة السورية، و”جبهة النصرة”، وهو فصيل مقاوم لم يقم بأي جريمة سوى أنه يحمل أيديولوجيا إسلامية، ولم يقم بجرائم توازي ما قامت به إيران وحزب الله وروسيا والنظام السوري!
وإذا كانت جريمة “جبهة النصرة” أنها على ارتباط بتنظيم القاعدة، فقد دعمت السعودية ومصر ودول عربية أخرى القاعدة، بتوجيهات من واشنطن، في مواجهة السوفييت في الثمانينات حتى اندحروا، وأطلقوا عليهم المجاهدين الأفغان! ويا للمفارقة؛ فالروس بأنفسهم موجودون في سوريا لمساندة النظام المستبد، فما المشكلة في قتالهم إذن؟
  • القرار نص على أن هناك تنظيمات إرهابية أخرى لم يذكرها، ربما لاتساع الخلافات بين الدول الأعضاء بشأن بقية الأسماء، لكنه أكد أن من يحدد صفة الإرهاب هو “مجلس الأمن والفريق الدولي لدعم سوريا”.
ولا شك أن كل دولة ستضع خصومها في خانة الإرهاب، بغض النظر عن مصلحة الشعب السوري ومعاناته (تركيا ستصر على وضع اسم وحدات حماية الشعب الكردية، والأمريكان سيصرون على كل الفصائل التي تحمل أيديولوجيا إسلامية).
وقد قال جون كيري في مؤتمر صحفي مشترك – مع لافروف ودي ميستورا – أن الإرهاب المقصود هو “داعش وجبهة النصرة ومثيلاتها”، ولا شك أن الخلاف كل الخلاف يكمن في “مثيلاتها” تلك!
أما مساعد وزير الخارجية الإيراني، حسين أمير عبد اللهيان، فقد أكد  تشكيل مجموعة عمل دولية مؤلفة من (إيران وروسيا وعمان ومصر وتركيا والأردن وفرنسا)، لإعداد قائمة جديدة بالتنظيمات الإرهابية في سوريا وتقديمها للأمم المتحدة. وهي مجموعة عمل ليس من بينها من يمكن اعتباره صديقا للثورة السورية إلا تركيا، والتي سيكون تركيزها منصبا كما قلنا على  إدراج وحدات حماية الشعب الكردية في القائمة وفقط!
  • حتى الأطراف التي قالت إن اغتيال زهران علوش، قائد جيش الإسلام، مناف لقرار مجلس الأمن الداعي إلى وقف إطلاق النار في سوريا، يبدو أنهم لم يقرءوا القرار جيدا!
فالقرار ينص صراحة على: ” ويلاحظ أن وقف إطلاق النار المذكور أعلاه لن يطبق على الأعمال الهجومية أو الدفاعية التي تنفذ ضد هؤلاء الأفراد والجماعات والمؤسسات والكيانات”. للأسف لقد شرعن القرار الدولي عمليات اغتيال كتلك!

3- اغتيال زهران علوش قائد جيش الإسلام:

جاء اغتيال قائد جيش الإسلام زهران علوش، في الجمعة الأخيرة من 2015 ـ 26 ديسمبر ـ ليطرح العديد من التساؤلات حول أهداف العملية وتوقيتها، ويغير الكثير من المواقف حول المبادرات المطروحة لحل الأزمة السورية سياسيا!
عملية اغتيال علوش، أو أمير الغوطة كما كان يسمى، تأتي بمثابة المنتج الأول لقرار مجلس الأمن 2245، وثمرة إعادة تعريف مفاهيم العدو والصديق في سوريا، وتطبيق سريع لوجهة نظر كل من روسيا والنظام السوري لمضمون القرار الدولي، ورسالة مبطنة مغلفة بالدماء أنه من غير المسموح بتواجد أي فصيل إسلامي في المفاوضات المزمع إجراؤها في 25 يناير 2016، ورغبة مبيتة في التخلص منهم ولو بالقوة المسلحة، حتى لو كان على خلاف مع تنظيم الدولة داعش ويقاتلونه على الأرض، وحتى لو كان جميع أعضائه سوريين، وليس مرتبطا بأية منظمات خارجية كجبهة النصرة!
بالأحرى: لقد تم استهداف قائد جيش الإسلام لمرونته واعتداله وليس لتطرفه، حتى لا يبقى في صفوف المعارضين إلا من يسهل شيطنتهم، وتأليب الرأي العام عليهم، قبل مفاوضات الشهر القادم!

الخلاصة:

صار مطلوبا من الثوار في سوريا، وباقي الدول العربية، التصالح مع الأنظمة المستبدة التي ثاروا عليها، لمحاربة “الإرهاب”، وإلا صار الثوار أنفسهم جزءً من هذا “الإرهاب” المزمع محاربته! والإرهاب من وجهة نظر هؤلاء، ليس إلا بعض فصائل المعارضة الأخرى التي لا ترضى عنها أميركا وإسرائيل والأنظمة المستبدة!
من ناحية أخرى فقد نجحت الثورات المضادة في صناعة فزّاعة كبرى جديدة؛ اسمها الإرهاب المتطرف، بعد خفوت نجم القاعدة، لقمع الشعوب وإيقاف تطلعاتها في التغيير! وما يجري الآن هو عملية إعادة تأهيل للأنظمة المستبدة، لتصبح شريكا لـ “معارضة معتدلة”، مرضي عنها أميركيا وإسرائيليا وإقليميا لتحارب عدو أميركا نيابة عنها؛ “الإرهاب” الإسلامي!

الاثنين، 4 يناير 2016

التحالف السعودي.. وتغيير عقيدة الثورات العربية!


في 9 ديسمبر الحالي أعلن وزير الدفاع الأمريكي أشتون كارتر، خلال جلسة استماع بمجلس الشيوخ، إجراء مباحثات مكثفة مع دول أوروبية وعربية وخليجية لتشكيل قوة عسكرية لمحاربة “داعش”! وفي 15 من نفس الشهر، وبعد أقل من أسبوع، أُعلن في السعودية عن تشكيل “تحالف إسلامي” لمحاربة الإرهاب!
1- حالف بأوامر أمريكية!
وبعد يوم واحد فقط من إعلان السفير الإيراني في بغداد أن اللجنة المشتركة بين إيران وروسيا والعراق وسوريا، وهي لجنة لتبادل المعلومات بخصوص “الإرهاب”، قد تتحول إلى تحالف رباعي في المستقبل القريب، جاء التحالف العسكري الجديد الذي أعلنت عنه السعودية، ممثلة في ولي ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، وفي وقت متأخر من الليل!
34 دولة أعلنت مشاركتها في هذا التحالف، وكلها دول سُنّية، وغاب عن القائمة كل من إيران والعراق، مما يعني أن هذا التحالف بالأساس موجه ضد التحالف المزمع إنشاؤه بين كل من إيران وسوريا والعراق وروسيا!
الأمير السعودي الشاب بدت عليه الرهبة من الكاميرات الكثيرة أمامه، وهو غير معتاد بعد على المؤتمرات الصحفية، وأخذ يكرر كلمة “الإرهاب” كل عشر ثوان تقريبًا، وكأنه يريد استباق الإعلان عن التحالف الروسي الإيراني العراقي السوري، وحتى لا تبدو خطوة السعودية كرد فعل على هذا التحالف!
لكن الربط بين الأمرين شديد الوضوح، هناك تحالفات جديدة تتكون في المنطقة! إيران لها قوات على الأرض، وروسيا تلقي بثقلها كذلك، وفي المقابل تريد أمريكا أن توازن الكفة، ولكن بقوات على الأرض رخيصة الثمن، ولم يكن أمامها إلا الدول العربية كالعادة!
2- سياسة إيران الطائفية لتغيير بوصلة الصراع!
التحالف الجديد من المفترض أن يحارب “الإرهاب”، والإرهاب المقصود هنا هو داعش، التي لم تكن موجودة قبل 2012، مما يعني أن الثورات المضادة نجحت في صناعة فزّاعة كبرى جديدة، بعد خفوت نجم القاعدة، بهدف كبح جماح الشعوب وإيقاف تطلعاتها في التغيير.
وإذا كان الإرهاب المقصود هو “داعش”، فإن المقصود كذلك هو ميليشيات إيران الطائفية في العراق وسوريا، مما يؤكد أن التحالف الجديد هو جزء من الصراع الطائفي في المنطقة.
ورغم أن لإيران الدور الرئيس في نيران الطائفية التي اشتعلت في المنطقة، إلا أن التحالف الجديد يُذكي هذه النيران، ويستجيب لها، ويعزز من سياسية التحالفات العسكرية البعيدة كل البعد عن قضية العرب المركزية “فلسطين”، أو هدف الثورات العربية في الحرية والتغيير! كل هذا برغم التقارب الأخير بين السعودية وإيران على حلحلة “الملفات الأسهل” في المنطقة (ليبيا – لبنان – اليمن)، وهي تقاربات جزئية وثانوية ومؤقتة!
3- محاولة تغيير عقيدة الثورات العربية
من ناحية أخرى؛ فإن هذه التحالفات الجديدة، بكل أسف، هي قمة عملية “تغيير عقيدة الثورات العربية”، من محاربة الاستبداد إلى محاربة الإرهاب! بل ومحاولة احتوائها في حروب تشن لصالح آخرين!
لقد صار مطلوب من الثوار في سوريا ومصر، وباقي الدول العربية، التصالح مع الأنظمة المستبدة التي ثاروا عليها، لمحاربة “الإرهاب”، وإلا صار الثوار أنفسهم جزءًا من هذا “الإرهاب” المزمع محاربته! ويبدو أن من يقوم بهذه الخطوة هي السعودية!
حتى المعارضة السورية التي اجتمعت مؤخرًا في الرياض تسير بكل أسف على خطى السادات وياسر عرفات! صار مطلوب منها أن تلقي السلاح وتجلس لتحاور النظام ليقبل بها “المجتمع الدولي” وحتى لا تكون إرهابية! صارت مشكلتهم فقط مع بشار الأسد كشخص، وحتى هذه النقطة غير مضمونة، ومن الممكن أن نرى بشار في المرحلة الانتقالية!
ومن غير المستبعد أن يكون الإخوان في مصر تم تهديدهم بذات التهديد، وأنهم قد خيروا صراحة بين أن يكونوا مع هذا التحالف أو ضده! وأغلب الظن أن هناك ضغوط على الإخوان في إعادة تموضع الجماعة في مواجهة الانقلاب، بحيث يكون للثورة سقف أقل، وطلبات أسهل، في مقابل على يبدو عدم إدراج الجماعة في قائمة المنظمات الإرهابية.
4- إعادة تأهيل الأنظمة المستبدة!
وكان من الغريب حقّا أن يعلن الأمير السعودي أن محاربة الإرهاب في سوريا والعراق “ستتم بالتنسيق مع السلطات الشرعية هناك” (!)، وهو تصريح لم تنشره معظم الفضائيات العربية، ومنها الجزيرة، ربما لما يمثله التصريح من صدمة!
لقد تم توجيه دفة الأحداث بنجاح، لتكون الأنظمة المستبدة التي ثارت عليها الشعوب شريكا في الحرب على “الإرهاب”! الأنظمة المستبدة، التي قتلت مئات الآلاف، وقامت بمجازر جماعية، وهجّرت الملايين من بيوتهم، أذاقتهم ذل الغربة واللجوء، واستخدمت أقبية سرية لقتل المعارضين وتعذيبهم، وتعقبتهم في الداخل والخارج، واستخدمت أسلحة دمار شامل (غاز الخردل المصنف كسلاح كيماوي) أربع مرات! رغم ذلك أصبح بشار الأسد شرعيا!
5- إسرائيل هي العدو!
واهم من يظن أن أي تحالف عسكري يمكنه أن يغير بوصلة الصراع في المنطقة، فالعدو الحقيقي هو إسرائيل والأنظمة العربية المستبدة المتحالفة معها، والإرهاب الحقيقي تقوم به إسرائيل والأنظمة المستبدة المتحالفة معها، ولا سيما في دول الطوق (سوريا ومصر والأردن)!
وتجاوز هذه الحقيقة أو تجاهلها أو القفز عليها لن يؤدي إلا إلى إضعاف الدول المشاركة في التحالف واستنزافها ماليا وعسكريا، بعد أن تُستغل لتحقيق أهداف أمريكا وحلفائها الغربيين، الذين لا يرغبون في الدفع بقوات على الأرض، ويريدون من العرب والمسلمين أن يقوموا بهذا الدور نيابة عنهم، كما حدث في عاصفة الصحراء في العراق! لكن العرب لا يتعلمون من أخطائهم، ويبدو أنهم يجيدون تكرارها!
صحيح أن إيران أثبتت بالقطع أنها عدوة، وداعش كذلك أثبتت أنها عدوة، لكن يراد لنا أن ننجر في حروب معهم، لحساب آخرين، ولمصلحة آخرين، حتى ننشغل دوما عن “إسرائيل”، وعن مطالب الحرية والتغيير!

رسائل مهمة في انتخابات اتحاد الطلاب!

رسائل مهمة في انتخابات اتحاد الطلاب!
______________________________

انتخابات اتحاد طلاب مصر التي فاز فيها طلاب المعارضة هذا العام (2015) تشبه إلى حد كبير انتخابات نادي الضباط في الجيش قبيل الثورة (يناير 1951)، التي فاز فيها مرشح الضباط الأحرار محمد نجيب ضد مرشح الملك حسين سري باشا،  كلاهما مؤشر لوضع سلطة غير مستقرة، وبوادر مرحلة جديدة تعصف بالقديم.. وفي كلا الحالتين تدخلت السلطة الحاكمة بالقوة لشطب الانتخابات وحل المجالس المنتخبة.

قبل انتخابات نادي الضباط كان الصراع السياسي وقتها بين القوى التقليدية (الوفد والأحزاب - الإخوان - الحكومة - السراي)، لكن مياها كانت تجري في النهر، لإعداد طبقة جديدة من الحكام، موالية للولايات المتحدة، بدلا من الطبقة الحاكمة الموالية للإنجليز (السراي والحكومة) أو على وفاق معها (الوفد)، رافعين راية الثورة، وشعارات الاستقلال، مستغلين سخط الناس، ومتعاونين مع دعاة الاستقلال (الإخوان) الذين كان لهم دور كبير في الثورة بعدها بستة أشهر.

الشاهد؛ هناك في الحالتين ثلاث قوى تتصارع:
 1- النظام العسكري الذي لا يملك إلا القوة ولن يتوانى عن استخدامها
 2- تيار يرفع شعارات الثورة ويستغل سخط الناس ويركب الموجة ليكون بديلا للنظام في امتيازاته دون تحرير حقيقي للوطن، أو على الأقل غير مغضوب عليه أميركيا لأنه غير إسلامي
3- دعاة استقلال حقيقيون يريدون ثورة تحرر هذا البلد، وهم إسلاميون بالأساس يحملون مشروعا يحارب المشروع الصهيو-أميركي.

ليس الغريب أن يخسر النظام في انتخابات اتحاد الطلاب، أو في أي انتخابات أخرى، فلم يعد أحد يصدق شيئا عن شعبية النظام المزعومة، التي روجت لها أفلام خالد يوسف المفبركة، لكن الغريب حقا أن الأمن سمح لطلاب منافسين له بالترشح!! لم يعتقلهم، ولم يهددهم، أو حتى يمنعهم من تقديم أوراقهم! الغريب كذلك إجراؤها بعد سنتين من توقفها؟؟ فهل النظام حريص على انتخابات الطلاب إلى هذه الدرجة؟؟

أغلب الظن أن انتخابات اتحاد طلاب مصر هذا العام كانت بضغوط من الخارج، كبالونة اختبار من الغرب لمدى شعبية السيسي وحركات المعارضة العلمانية (بعيدا عن الإخوان المقاطعين للانتخابات)، وبعيدا عن الانتخابات المؤثرة في المشهد السياسي ( الرئاسة والبرلمان).

كلامي ليس طعنا في أشخاص بعينهم، فربما تجد في جميع الأطراف من يقتنع أنه يفعل ما يفعل للصالح العام، وأنه يضحي بشيء ما في سبيل ذلك، أو أن تجد على العكس في جميع الأطراف من يريد مآرب شخصية نفعية؛ لكن المحصلة بالتوجه العام للفريق وليس لبعض أفراده.

الخلاصة أن الرسالة وصلت؛ السيسي ليس له شعبية وخاصة بين الشباب، وفي أقرب انتخابات لا يشارك فيها الإخوان سيهزم، رغم كل ما تملكه الدولة من إمكانيات، فما بالك إذا شارك الإخوان ولو جزئيا فيها؟؟ وإلى الأطراف الأخرى وصلت الرسالة؛ أميركا ترضى عن أي انتخابات لا يشارك فيها إسلاميون، وتأتي بالعلمانيين! ولا عجب أن وجدت انقلابيين عتاة روجوا لانقلاب السيسي ومجازره يرفضون حل مجلس اتحاد طلاب مصر المنتخب الآن!! مالكم كيف تحكمون!