إستراتيجية أميركا في سوريا: رأس
طائر وجسد متصارع!
__________________________________________________
ملخص:
أصبح الحديث عن قرب حدوث تسوية
في سوريا يتزايد كل يوم، وازداد الحديث أكثر مع اجتماع كل من وزيري خارجية أميركا
وروسيا في العاصمة القطرية الدوحة منذ أيام. وهذه التسوية المرتقبة في سوريا غالبا
لا تتضمن بشار الأسد أو أيا من أركان حكمه سيئي السمعة مع الإبقاء على
"مؤسسات" النظام كما هي.
التسوية السياسية بدت خيارا مرشحا
مع رفض واشنطن القاطع لانتصار أي طرف من الأطراف على الآخر في الحرب في سوريا، ووضعها
خطوطا حمراء أمام تسليح المعارضة السورية بصواريخ مضادة للطائرات كي لا يحدث حسما عسكريا في سوريا.
وهذه التسوية غالبا ستطلق عملية
سياسية هشة متناقضة تتضمن شركاء متشاكسين مختلفين أيديولوجيا، والأهم أنهم مسلحون
بشدة، مما يفتح الباب لتكرار مأساة "مجلس الحكم" العراقية في سوريا، بعد
الإطاحة بالنظام هناك!
1- الجمهوريون
يفضلون المواجهة .. والديمقراطيون يفضلون الخنق:
مع وصول الريس الأميركي
الديمقراطي بيل كلينتون إلى البيت الأبيض في العام 1992، كانت إحدى أهم المشكلات
الخارجية التي ورثها من سلفه الرئيس الجمهوري بوش الأب أزمة العراق.
فلاشك أن احتلال صدام حسين للكويت
مثل الحدث الأبرز في المنطقة والذي جعل دول الخليج تطلب العون من الولاية المتحدة
لحماية عروشها المهددة!
الجمهوريون - وخاصة تيار المحافظون
الجدد - دائما ما يفضلون المواجهة المباشرة، فقاموا في عهد بوش الأب بإخراج
صدام من الكويت بعملية عاصفة الصحراء، بمعونة دول وضعت جنودها على الأرض (مصر
وسوريا) ودول أخرى تعهدت بدفع فاتورة الحرب كاملة (دول الخليج).
لكن الديمقراطيين يفضلون سياسة
الخنق الاقتصادي والانهاك، ولا يلجئون للمواجهة العسكرية إلا مضطرين، لذا فلا عجب
أن يكون شعار بيل كلينتون دائما: إنه الاقتصاد يا غبي!
وبحصار امتد لثماني سنوات، نجح
الأمريكان في تجويع الشعب العراقي وإنهاك النظام فيه، لكن المحافظين الجدد حين
عادوا للحكم مجددا بوصول بوش الابن للحكم في العام 2000 كان لهم رأي آخر!
***
2- عصر بوش الابن: العصر الذهبي للمحافظين الجدد!
ويمكننا أن نعتبر فترة السنوات
الثمانية التي قضاها بوش الابن في السلطة (2000-2008) هي العصر الذهبي للمحافظين
الجدد! ففي خلال هذه السنوات القليلة قامت الولايات المتحدة - تحت مسمى الحرب على
الإرهاب - باحتلال أفغانستان ثم احتلال العراق.
واكتمل الطموح الجمهوري مع
استفزاز واضح لروسيا بتنصيب حكام موالين للغرب في كل من جورجيا وأوكرانيا، بعد
ثورات مدعومة من الغرب، ووعود بضم هذه الدول للنيتو، مما يعني أن
يصير النيتو على حدود روسيا، وهذه دول تعتبرها موسكو قطعة منها سابقا وحديقتها الخلفية حاليا
وامتدادها الجغرافي والتاريخي دائما.
وزاد المحافظون الجدد من الضغط
على روسيا مع دعم حكومة قوية في تركيا على الضفة الأخرى من البحر الأسود، ومنع
حدوث انقلابات عسكرية ضدها، حتى لو كانت ذات جذور إسلامية إذا لم يكن هناك سبيل
لتركيا قوية إلا عبر الإسلاميين، حتى تقف تركيا كدولة حاجز ضد روسيا، مع استحضار
الصراع القديم بين العثمانيين الأتراك وروسيا القيصرية التي كانت دائما ما تحلم
بوصول سفنها إلى المياه الدافنة في المتوسط، لكن المضايق التركية كانت دائما تقف
لها بالمرصاد!
وما زاد الأمر سوء وكاد يفضي إلى
سباق تسلح جديد، أو ربما حرب باردة، وجود مخططات معلنة لنشر صواريخ أميركية في
أوربا الشرقية موجهة ضد روسيا.
***
3-
إستراتيجية
الديمقراطيين: اجعل الآخرين يدفعون الثمن!
ومع وصول باراك أوباما إلى الحكم
في العام 2008، والذي لعبت الأزمة الاقتصادية قبيل وصوله دورا كبيرا في فوزه، كان
الشعب الأميركي وكثير من شعوب المنطقة في انتظار تنفيذ وعوده التي قطعها على نفسه
بسحب القوات من العراق و أفغانستان، وهو ما تحقق بشكل كبير، كما
تخلى عن خطط نشر صواريخ في أوربا الشرقية.
لم تكن إستراتيجية أوباما نابعة
عن إيمان أعمق بالديمقراطية من الجمهوريين أو بحق الشعوب في الحرية، بقدر ما كان
حسابات مختلفة بلغة رجال الأعمال الأمريكان لفكرة وجود قوات في الخارج!
كانت النتيجة المباشرة لسحب
الأمريكان جنودهم من العراق، وخاصة بعد تسريح الجيش العراقي، أن يتم تسليم البلد
لإيران، التي هيمنت على الحكومات المتعاقبة عليه، والتي كانت حكومات طائفية بقدر
كبير!
ومع قانون المحاصصة الطائفية
الذي وضعه بريمر في مجلس الحكم العراقي، صار العراق فعليا ممزقا إلى ثلاث دويلات
أو كانتونات، جنوب شيعي يهيمن على الحكومة في بغداد، وشمال كردي له حكومته
وبرلمانه وشبه مستقل عن الدولة الأم، ووسط سني ضعيف لا أحد يدعمه أو يحميه! وبدأ
التناحر بين الطوائف الثلاثة وأمريكا تراقب المشهد من بعيد!
***
4-
تطبيق إستراتيجية
الرأس الطائر في العراق:
كانت حكومة نوري المالكي في
بغداد(2006 - 2014) تمارس شتى أنواع الفساد والاستبداد، مع قمع شديد للسنة
العراقيين الذين ضاقوا ذرعا بسياسات الماكي فقرروا الدخول في اعتصام مفتوح في
الأنبار غرب العراق في يناير 2013! تم اقتحام الاعتصام وفضه بالقوة المسلحة مما
كان له أبرز الأثر في ظهور داعش لاحقا!
إستراتيجية اضطهاد قطاع عريض من
الشعب، مع غياب الدولة المركزية المسيطرة تدفع الطائفة المستضعفة أو قطاعا عريضا
منها إلى حمل السلاح، وهو ما حدث في العراق (داعش) وسوريا (فصائل عديدة) واليمن
وليبيا، وما يحاولون تكراره في مصر لولا تمسك الإخوان بالسلمية.
صار حال العراق بعد تطبيق إستراتيجية
الديمقراطيين: دولة كردية شبه مستقلة عن الحكومة المركزية في بغداد، وفصائل كردية
تحارب داعش المحسوبة على السنة، وشيعة موالون لإيران يهيمون على القرار، يشعرون بثأر
تاريخي من صدام حسين المحسوب على السنة والذي أذلهم وشن حربا على إيران، والسنة في
المقابل - غير المنخرطين في العملية السياسية - يشعرون أن قتال الحكومة في بغداد
واجب بعد فض اعتصام الأنبار بالقوة!
***
5-
الديمقراطيون
سيطيحون بالأسد قبل الانتخابات الرئاسية:
الوضع في سوريا الآن يسير على خطى العراق: الدولة المركزية الأم في سوريا لم تعد مسيطرة إلا على مساحة 20-30 % من أرض سوريا، معظمها في مناطق نفوذ النظام الديموجرافي في الساحل العلوي. من ناحية أخرى هناك الجيش الحر وجيش الفتح الذين يحاربون النظام في الشمال والجنوب، وبينهما داعش التي تحارب النظام قليلا، وتحارب المعارضة كثيرا!
أما وحدات حماية الشعب الكردية في الأكثر تعاونا مع واشنطن في حرب داعش، والأكثر تلقيا للسلاح والمساعدات لذلك، مما دق نواقيس خطر عديدة في أنقرة من احتمال إقامة الأكراد دولة كردية في سورية على حدودها الجنوبية ستشجع مدنا كردية أخرى في تركية على الانضمام إليها، وربما تنضم هذه الدويلة الجديدة لنظيرتها الكردية في العراق، مما عجل بالضربة التركية ضد مسلحي حزب العمال الكردستاني في العراق وامتناعها عن تقديم أي عون لأكراد سوريا الذين يقاتلون مسلحي داعش! وكما قال زعيم حزب الشعوب الديمقراطي التركي الممثل للأكراد فإن أحد أهم أسباب الحملة التركية في سوريا والعراق هو منع إقامة دولة كردية، وهذا صحيح!
وهذا الوضع يتلاءم مع وجهة نظر الديمقراطيين، من باب "دعهم يتقاتلون" ، فبشار الأسد حتى هذا الحين يجذب لهم جميع التنظيمات الجهادية ويجعلها تتناحر فيما بينها.
إلا أن استمرار بشار أكثر في السلطة ربما يهدد بحسم هذه التنظيمات الحرب ضد بشار، وخاصة إذا قدر لقوات المعارضة في الجنوب أن تتوحد على غرار جيش الفتح في الشمال، أو أصرت المعارضة على التوجه نحو مدن الساحل الإستراتيجية، أو طرق أبواب العاصمة دمشق، وسط معاناة النظام وشكوى بشار الأسد من قلة عدد جنوده المحاربين على الأرض.
وهذا يقلق واشنطن بشدة، ويدفعها إلى رفض أي حسم عسكري لأي من الأطراف المتحاربة، وربما هذا الوضع هو عين ما أرادته واشنطن بوضعها فيتو قوي في 2012 أمام تسليح المعارضة بصواريخ مضادة للطائرات، مع التنازل عن خطوط حمر سابقة على استخدام النظام للسلاح الكيماوي! كان استخدام بشار للسلاح الكيماوي وعدم السماح للمعارضة بتملك صواريخ مضادة للطائرات أهم أسباب ظهور داعش، وربما كانت الولايات المتحدة ترغب في وجود هذا التنظيم!
الحسم العسكري لأي من الأطراف في سوريا يعني انتهاء الأزمة فيها لصالح أحد الأطراف، وهو ما ترفضه واشنطن تماما! فانتصار المعارضة السورية يعني وجود تنظيمات إسلامية راديكالية على الحدود الشمالية لإسرائيل، بكل السلاح الذي غنمته هذه التنظيمات والذي ستغنمه من مخازن النظام السوري إذا سقط. وانتصار بشار - وهذا مستبعد عمليا - يعني انتصار إيران في هذه الجولة، وتمدد نفوذها الإقليمي، وغضب سعودي وخليجي، وهذا لا يمكن أن تسمح به واشنطن وبالذات قبيل الانتخابات الرئاسية المقبلة! فالجمهوريون سيزايدون بشدة على الديمقراطيين لمجرد بقاء بشار المستبد الذي استخدم سلاحه الكيماوي ضد شعبه في السلطة، فضلا عن انتصاره في المعركة وسحق المعارضة!
أما وحدات حماية الشعب الكردية في الأكثر تعاونا مع واشنطن في حرب داعش، والأكثر تلقيا للسلاح والمساعدات لذلك، مما دق نواقيس خطر عديدة في أنقرة من احتمال إقامة الأكراد دولة كردية في سورية على حدودها الجنوبية ستشجع مدنا كردية أخرى في تركية على الانضمام إليها، وربما تنضم هذه الدويلة الجديدة لنظيرتها الكردية في العراق، مما عجل بالضربة التركية ضد مسلحي حزب العمال الكردستاني في العراق وامتناعها عن تقديم أي عون لأكراد سوريا الذين يقاتلون مسلحي داعش! وكما قال زعيم حزب الشعوب الديمقراطي التركي الممثل للأكراد فإن أحد أهم أسباب الحملة التركية في سوريا والعراق هو منع إقامة دولة كردية، وهذا صحيح!
وهذا الوضع يتلاءم مع وجهة نظر الديمقراطيين، من باب "دعهم يتقاتلون" ، فبشار الأسد حتى هذا الحين يجذب لهم جميع التنظيمات الجهادية ويجعلها تتناحر فيما بينها.
إلا أن استمرار بشار أكثر في السلطة ربما يهدد بحسم هذه التنظيمات الحرب ضد بشار، وخاصة إذا قدر لقوات المعارضة في الجنوب أن تتوحد على غرار جيش الفتح في الشمال، أو أصرت المعارضة على التوجه نحو مدن الساحل الإستراتيجية، أو طرق أبواب العاصمة دمشق، وسط معاناة النظام وشكوى بشار الأسد من قلة عدد جنوده المحاربين على الأرض.
وهذا يقلق واشنطن بشدة، ويدفعها إلى رفض أي حسم عسكري لأي من الأطراف المتحاربة، وربما هذا الوضع هو عين ما أرادته واشنطن بوضعها فيتو قوي في 2012 أمام تسليح المعارضة بصواريخ مضادة للطائرات، مع التنازل عن خطوط حمر سابقة على استخدام النظام للسلاح الكيماوي! كان استخدام بشار للسلاح الكيماوي وعدم السماح للمعارضة بتملك صواريخ مضادة للطائرات أهم أسباب ظهور داعش، وربما كانت الولايات المتحدة ترغب في وجود هذا التنظيم!
الحسم العسكري لأي من الأطراف في سوريا يعني انتهاء الأزمة فيها لصالح أحد الأطراف، وهو ما ترفضه واشنطن تماما! فانتصار المعارضة السورية يعني وجود تنظيمات إسلامية راديكالية على الحدود الشمالية لإسرائيل، بكل السلاح الذي غنمته هذه التنظيمات والذي ستغنمه من مخازن النظام السوري إذا سقط. وانتصار بشار - وهذا مستبعد عمليا - يعني انتصار إيران في هذه الجولة، وتمدد نفوذها الإقليمي، وغضب سعودي وخليجي، وهذا لا يمكن أن تسمح به واشنطن وبالذات قبيل الانتخابات الرئاسية المقبلة! فالجمهوريون سيزايدون بشدة على الديمقراطيين لمجرد بقاء بشار المستبد الذي استخدم سلاحه الكيماوي ضد شعبه في السلطة، فضلا عن انتصاره في المعركة وسحق المعارضة!
***
الخلاصة:
أوباما لا يمكم أن يدفع حزبه لخوض
الانتخابات الرئاسية المقبلة وبشار الأسد لا يزال في السلطة! لأن ذلك سيصير مادة
مزيادية قوية من قبل الجمهوريين في موسم الانتخابات. كما أن هزيمة بشار الأسد عسكريا غير مفيد لمصالح
أميركا، لأن البديل مخيف؛ فصائل إسلامية متشددة مسلحة على حدود إسرائيل الشمالية.
الراجح أن أوباما سيدفع إلى تسوية سياسية في سوريا لا تشمل بشار الأسد وأركان
حكمه، مع إطلاق عملية سياسية تشمل جميع المكونات بما فيها النظام القديم.
هذه العملية السياسية ستشمل
طوائف وفصائل متضادة فكريا وأيديولوجيا، وهي فضلا عن ذلك مسلحة بقوة، مما يعني
استمرار الأزمة في سوريا حتى بعد سقوط بشار. إنه تطبيق حرفي لإستراتيجية الرأس
الطائر والجسد المتصارع!
وما تقوم به تركيا ضد الأكراد
الآن، وما تقوم به أميركا ضد جبهة النصرة، ما هو إلا إعداد للمسرح قبل الاتفاق، كي لا تنضج تسوية سياسية، وبعض الفصائل على الأرض تميل كفتها عن فصائل أخرى. ومن ناحيتها؛ ترشح معلومات وصفت بالدقيقة عن خطة إيرانية لتهجير العائلات السنية من دمشق وريفها استعدادا للخطة "ب" الإيرانية والتي تقضي بانكفاء النظام على دويلة تشمل العاصمة والساحل حيث نفوذ النظام الديمجرافي المتمثل بالأغلبية العلوية!
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
هذا ما لدي.. فماذا ترون؟