مرحبا بك في مدونة شيء في صدري يمكنك اختيار المقال الذي تبحث عنه من القائمة على اليمين.. ومهما كان انتي مصر.. وكل خطوة بنصر.. الله أكبر وتحيا مصر

Welcome to the personal blog of the Egyptian Writer and political analyst Dr. Ahmed Nassar. You can choose the article you need from the list lower right

الجمعة، 28 أغسطس 2015

ليتنا نتعلم من "أبي ذر" رضي الله عنه.. الفارق بين العبادة والقيادة!

ليتنا نتعلم من "أبي ذر" رضي الله عنه.. الفارق بين العبادة والقيادة!
________________________________________

لعل من أهم مزايا الانقلاب والنتائج التلقائية المترتبة عليه - والتي لم يكن ينتظرها الثوار أنفسهم  في مصر - هو التمايز شديد الوضوح، في كافة المجالات، بين أنصار الثورة وأتباع الثورة المضادة، الذين سقطت أقنعتهم وانكشف زيفهم ونفاقهم، بعد أن زايدوا طويلا على الثوار، بهدف توريطهم أو تضليلهم أو التقليل من التفاف الناس من حولهم، كي يكفروا بالثورة ويفقدوا الأمل فيها!

لكن الثورة الآن – وفي القلب منها الشباب الإسلامي وشباب الإخوان – بحاجة إلى نوع آخر من التمايز، ليس للتفريق بين من يريد الحق ومن يتبع الهوى، بل هو تمايز داخل الصف الثوري نفسه، حتى نفهم الفارق بين من التضحية والمهارة، وبين البراعة في العبادة والبراعة في القيادة، كي لا يوسد الأمر إلى غير أهله، ممن يجيد التضرع إلى الله - بإخلاص - ولا يحسن إدارة شؤون  البلاد والعباد!

***

1 - أبو ذر رضي الله عنه فهم الفارق بين العبادة والقيادة:

ليتنا نتعلم من الصحابي الجليل أبي ذر رضي الله عنه، حين تاقت نفسه إلى أن يوليه رسول الله صلى الله عليه وسلم إحدى الولايات، لكن النبي صلى الله عليه وسلم أراد أنه يعلمه الفارق بين العبادة والقيادة وأنه لابد من توافر مؤهلات خاصة فيمن يتولى أمر المسلمين؛ التقوى إحداها، والمهارة ضرورها موازية لها كذلك!

فالحديث  أخرجه الإمام مسلم وأحمد عن أبي ذرٍ نفسه رضي الله عنه، قال: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللّهِ أَلاَ تَسْتَعْمِلُنِي؟ قَالَ: فَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَىَ مَنْكِبِي. ثُمّ قَالَ: يَا أَبَا ذَرَ إنّكَ ضَعِيفٌ وَإنّهَا أَمَانَةٌ، وَإنّهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ خِزْيٌ وَنَدَامَةٌ، إلاّ مَنْ أَخَذَهَا بِحَقّهَا وَأَدّى الّذِي عَلَيْهِ فِيهَا.

قال النووي رحمه الله: هذا الحديث أصل عظيم في اجتناب الولايات، لا سيما لمن كان فيه ضعف عن القيام بوظائف تلك الولاية.

لم يحزن سيدنا أبي ذر من وصف الرسول صلى الله عليه وسلم له بالضعف؛ بل فهم جيدا الدرس الذي أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعلمه ويعلمنا إياه، فقام هو بنفسه برواية هذا الحديث، حتى تتعلم الأمة من بعده أن كثرة العبادة وحفظ الأحاديث ومصاحبة الرسول صلى الله عليه وسلم كلها مؤهلات لا تكفي وحدها لمنصب القيادة!

***

2 - عمرو بن العاص رضي الله عنه قائدا بعد شهر واحد من إسلامه!

ورغم أن القرآن الكريم يخبرنا أن الصحابة الذين أسلموا مبكرا  أفضل عند الله من المتأخرين، إلا أن ذلك لم يمنع النبي صلى الله عليه وسلم أن يولي بعض المتأخرين في إسلامهم على من هم أفضل منهم من السابقين!

ومن هؤلاء السابقين إلى الإسلام سيدنا بلال بن رباح رضي الله عنه، الذي اشتهر بثباته على تعذيب أمية بن خلف له في صحراء مكة، ومع ذلك فلم يعرف عنه أن كان قائدا حربيا أو قياديا سياسيا قط!  بينما سيدنا عمرو بن العاص الذي أسلم في جمادة الأولى سنة 8 هـ ولاه رسول الله صلى الله عليه وسلم قيادة الجيش بعد إسلامه بشهر واحد، في سرية ذات السلاسل!!

فلقد بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم  أن جمعَا من قبيلة قضاعة قد تجمعوا يريدون المدينة، ، فدعا عمرو بن العاص رضي الله ، وبعثه في 300 من المهاجرين والأنصار..  فلما قرب من القوم بلغه أنهم كثر، فبعث إلى النبي صلى الله عليه وسلم  يطلب منه المدد، فبعث إليه الصحابي الجليل أبا عبيدة بن الجراح في 200، من المهاجرين والأنصار وفيهم أبو بكر وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما، فلحق بعمرو، فأراد أبو عبيدة أن يؤم الناس، فقال عمرو : "إنما قدمت عليّ مددًا، وأنا الأمير" ، فأطاع له بذلك أبو عبيدة.

وقد كتب الله النصر لجيش المسلمين بقيادة عمرو بن العاص وفر الأعداء ورفض عمرو أن يتبعهم المسلمون، كما رفض حين باتوا ليلتهم هناك أن يوقدوا نارا للتدفئة، وقد برر هذا الموقف بعد ذلك للرسول حين سأله أنه قال: " كرهت أن يتبعوهم فيكون لهم مدد فيعطفوا عليهم، وكرهت أن يوقدوا نارا فيرى عدوهم قلتهم "، فحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم  له حسن تدبيره!

***

3- رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل المشورة وهو المعصوم، ولم يغضب!

هناك مطاعم كثيرة تتطلب minimum charge ، وتعني حدا أدنى لتكلفة الجلوس فيها! لكن من رحمة الإسلام أنه لا حد أدنى من التضحيات مطلوب قبل إبداء الرأي والنصح!! بل جعل النبي صلى الله عليه وسلم النصيحة واجبة عل كل مسلم.

لكن البعض للأسف حين يبدي أحدهم رأيا أو يقدم نصحا يقوم على الفور بشخصنة الأمور، واتهام هذا الناصح في نيته ويستقل عمله، ويهون من تضحياته، رغم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يشترط حدا أدنى من التضحيات كي يقدم المسلم نصيحته!

فقبيل غزوة بدر جاء صحابي - لم نعرف اسمه قبل هذه الواقعة - وهو الصحابي الجليل الحباب بن المنذر رضي الله عنه، إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وانتقد المكان الذي اتخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم ليكون مكانا للجيش، بعد أن تأكد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ينزل بهذا المكان وحيا من الله،  وإنما اجتهاده هو صلى الله عليه وسلم، فأشار عليه سيدنا الحباب بما هو أفضل منه، وقال له:

"يا رسول الله، أرأيت هذا المنزل، أمنزلًا أنزلكه الله، ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه‏؟‏ أم هو الرأي والحرب والمكيدة‏؟‏ قال‏:‏ ‏‏(بل هو الرأي والحرب والمكيدة‏).‏

قال‏:‏ يا رسول الله، إن هذا ليس بمنزل، فانهض بالناس حتى نأتي أدنى ماء من القوم ـ قريش ـ فننزله ونغوّر ـ أي نُخَرِّب ـ ما وراءه من القُلُب، ثم نبني عليه حوضًا، فنملأه ماء، ثم نقاتل القوم، فنشرب ولا يشربون، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ لقد أشرت بالرأي‏‏‏.‏

 (الرحيق المختوم)

وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم وهو المعصوم خير البشر قبل النصيحة، دون أن يغضب لأن شخصا أدنى مرتبة منه عدل عليه، أفلا يفعلها من هم دونه! احذروا الشخصنة، فإنها العدو اللدود للنصيحة!


4-- حسان بن ثابت رضي الله عنه: فارس بالشعر لا بالسيف:

ومن أعداء النصيحة أيضا قصر الجهاد على نوع واحد فقط، والتسفيه مما سواه، فالجهاد بالسيف - رغم أنه ذروة سنام الإسلام - ليس النوع الوحيد والحصري للجهاد في سبيل الله، وخصوصا أنه قد لا يكون متاحا للجميع! فهناك الجهاد السياسي والإعلامي والفكري...إلخ. وكلها يؤجر صاحبها إن شاء الله لأهميتها!

ومن المعروف أن شاعر النبي صلى الله عليه وسلم كان حسان بن ثابت رضي الله عنه، رغم أنه لم يكن معروفا عنه الشجاعة في الحرب، وقصة إحجامه عن القتال يوم الأحزاب مشهورة، لكن ذلك لم يمنعه من البراعة في مجال آخر هو الشعر الذي يحمس به المؤمنين ويهجو به الكافرين!

لم يستقل الصحابة رضوان الله عليهم عمله، ولم يقولوا له إنك تحب التنظير، وعملك قليل، بل اتخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم شاعرا خاصا له، وقال له:

" اهْجُهُمْ ، أَوْ هَاجِهِمْ ، وَرُوحُ الْقُدُسِ مَعَكَ "

رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ومُسْلِمٌ   .

***

5 - اتقوا الله فيمن يقود الثورة!

خلاصة ما أود أن أقوله: لا تقدموا شخصا لقيادة فقط لأنه كثير العبادة أو التضحية، بل استعينوا بأصحاب المهارات المؤهلين من أهل الإيمان، وتعلموا من موقف النبي صلى الله عليه وسلم مع أبي ذر رضي الله عنه، حين وضح له ولنا أن العبادة لا تكفي للمسؤولية، مع امرؤ ضعيف!

ولا تقللوا من شأن شخص قدم النصح إليكم،  فقط لأنه لم يدخل المعتقل 20 عاما، أو لا يدير عملا ظاهرا على الأرض، فالحباب بن المنذر رضي الله عنه لم نسمع عته إلا يوم بدر، وانتقد مكان اختاره رسول الله صلى الله عليه وسلم! ونعيم بن مسعود رضي الله عنه لم يسلم إلا في غزوة الأحزاب، ولم يذق من ضيق الحصار في المدينة، أو في حصار المسلمين في مكة في شعب أبي طالب، ومع ذلك جعله الله عز وجل سببا للتفريق بين قريش وغطفان، وانفكاك الحصار عن المسلمين!

تعلمنا من الإخوان أنهم دعاة لا قضاة، لكن بعضهم يصير قاضيا متحاملا على من يقدم النصح والنقد، فيشخصن الموضوع، ويقلل من الناصح، رغم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو المعصوم قبل النصح من رجل أقل منه مرتبة!

اعتمدوا على الكفاءات! ولا تخلطوا بين التضحية والمهارة فالأولى أجرها عند الله، والثانية هي نعمة من الله! فاستفيدوا من المهارات المهدرة والطاقات المعطلة، ولا تعتبروا النقد والمطالبة بالتقييم عيبا، فهذا واجب علينا ومن أسباب النصر، إذا أردنا حقا أن ننتصر!





 

الثلاثاء، 25 أغسطس 2015

أمناء الشرطة في مصر.. حينما يختلف اللصوص!

أمناء الشرطة في مصر.. حينما يختلف اللصوص!
_____________________________

كثيرون يظنون أن لويس السادس عشر - آخر ملوك فرنسا  الذي قامت ضده الثورة – كان سيئا أو لا يبالي بالشعب، لكن الغريب لمن يطالع التاريخ أن لويس بدأ حكمه بمحاولة اكتساب عطف الشعب والاستجابة لبعض مطالبه، بعد أن عانى هذا الشعب الأمرين على يد آبائه ملوك فرنسا السابقين.

لكن النتيجة كانت عكسية؛ فالشعب الفرنسي الجائع، ومع استجابة لويس السادس عشر لبعض مطالبه، فقد انفتحت شهيته لمزيد من الطلبات، ونظم المزيد من الوقفات والاحتجاجات للحصول على المزيد من المكتسبات، حتى تطورت الأمور، واندفع المتظاهرون ذات يوم نحو سجن الباستيل المرعب.

والباستيل لمن لا يعلم كان حصنا في البداية وكان يسمى "الباستيد"، وتعني بالفرنسية الحصن، إلا أنه تحول سريعا إلى سجن لحبس معارضي الملك، واكتسب سمعة سيئة تقارب الآن سمعة سجن العقرب في مصر! لقد  أصبح الباستيل يمثل رمزًا للسلطة الحاكمة في باريس، لذا كان من الطبيعي أن يذهب المحتجون رأسا إلى سجن الباستيل.

الطريف في الأمر أن سجن الباستيل المرعب لم يكن يضم في ذلك الوقت إلا ستة أو سبعة مساجين فقط على اختلاف الروايات، منهم 4 مزورين، واثنين من المجانين! ورغم ذلك فقد كان المستهدف كسر سطوة النظام المتمثلة في السجن المرعب، وليس في تحرير سجناء سياسيين، رغم أن هذا الهدف قد كلفهم مقتل ما بين 600-1000 من الثوار.

***

التشابه بين الثورتين المصرية والفرنسية كبير، وقد خصصنا لذلك عدة مقالات. لكن وجه الشبه الذي نريد أن نركز عليه في هذا المقال يتبدى في ثلاث نقاط رئيسية:

1 - مثلما استجاب لويس السادس عشر لبعض الطلبات في بداية حكمه، فلم يقنع المطالبون بذلك، بل ازدادت مطالبهم، فإن إغداق السيسي بالأموال والمنح على قطاعات مؤيدة له (الجيش والقضاة) جعل الغيرة تتملك من قطاعات أخرى مؤيدة له وتريد المعاملة بالمثل! (أمناء الشرطة).


2 - أن هيبة النظام الملكي في فرنسا سقطت بسقوط الباستيل رغم أنه كان يحوي ستة مساجين فقط، ورغم ذلك فإن انتصار الثورة الفرنسية الحقيقي حدث بعد ذلك بسنوات. وبالمثل فقد سقطت هيبة النظام القمعي في مصر في جمعة الغضب في 28 يناير، رغم أن انتصار الثورة الحقيقي لمّا يأتي بعد! وكل ما يجري هو محاولة بائسة يائسة شديدة العنف لأنها شديدة الضعف لاستعادة هذه الهيبة!

3 - في فرنسا في النهاية اضطر لويس السادس عشر  إلى الاستماع إلى الطبقة الثالثة المطحونة، وتم وضع دستور أراد أن ينقل فرنسا من الملكية المطلقة إلى الملكية الدستورية التي يملك فيها الملك ولا يحكم، وتكون الصلاحيات للبرلمان "الجمعية الوطنية".

لكن مؤامرات الملك ورجاله وأعوانه – التي وصلت حد الاستعانة بالأجنبي المحتل - جعلت الثوار أكثر راديكالية، وأكثر رغبة في حسم الأمور والتخلص من النظام القديم حتى وصل الأمر إلى قناعة الثوار التامة أن الثورة لن تنجح إلا إذا تم إعدام آخر إقطاعي بأمعاء آخر قسيس! وبعد أن حافظ دستور الثورة على منصب الملك، فقد رأى الثوار بعد الثورة بثلاث سنوات ضرورة إعدام الملك وزوجته!

وها هو السيسي يسير على خطى لويس السادس عشر، إذ جعل من الشباب الرومانسي الحالم الراغب بالإصلاح السياسي والدستوري، ثوارا على قناعة تامة أنه لا سبيل لنجاح هذه الثورة  إلا بالإطاحة والقصاص من كل رموز النظام القديم، من عسكريين وشرطيين وإعلاميين وقضاة.

***

مرتبات أمناء الشرطة ليست بالقليلة، وربما يطمح كاتب المقال أن يكون راتبه مثل راتب أحد أمناء الشرطة هؤلاء من متوسطي التعليم وأصحاب النفوذ الذي يمكنهم من تخليص أي ورقة في أي مصلحة حكومية، وهذه ميزة ضخمة لمن لا يعلم ذلك من غير المصريين.

فحسب قناة صدى البلد فإن الأمين الممتاز ارتفع من  3552 جنيها إلى 4992 جنيها، والأمين الممتاز الثاني ارتفع من 4512 جنيها إلى 6312 جنيها، أما الأمين الممتاز الأول فقد ارتفع من 5712 جنيها إلى 7872 جنيها!

ورغم ذلك فقد نظم أمناء الشرطة وقفات احتجاجية مطالبين بسبعة عشر مطلبا إضافيا، منها أن يتم صرف معاش لهم يقارب 300 ألف جنيها!

لقد رأى أمناء الشرطة رؤساءهم الضباط وهم يلفقون القضايا ويلصقون التهم بالأبرياء، وقد طلب منهم فقط الانشغال بالنشطاء السياسيين، والاستعانة بمسجلي الخطر والمجرمين والبلطجية في قمع الاحتجاجات والمظاهرات. وعندما كان يتم اقتحام بيت أحد معارضي الانقلاب كان الضباط يشجعونهم بقولهم أن كل ما في البيوت حلال لهم، فيسرقوا ما في البيت من أموال وحلي ومتاع! أما في رابعة فقد سحبوا مصاحف المعتصمين ووضعوا بدلا منها أسلحة وذخائر "ميري" لإثبات أن الاعتصام كان مسلحا! واقتحموا المسجد وأحرقوه، وأطلقوا النار على مسجد الفتح في وضح النهار!

ورأى أمناء الشرطة السيسي وهو يزيد من معاشات العسكريين أكثر من مرة، وكذلك القضاة ووكلاء النيابة، فوسوست لهم أنفسهم: لم لا يتم معاملتهم بالمثل إذن، وقد اكتسبوا عداوة قطاعات عريضة من الشعب، بينما القضاة والعسكريين لا يحتكون مباشرة بأي من المواطنين!

وحتى وإن كانت تظاهرات أمناء الشرطة لعبة شد وجذب بين رجال وزير الداخلية القديم والوزير الجديد، فإن هذا يعني أن الكلام عن صراعات داخل النظام ليس مجرد شائعات. وحتى إذا وافق أمناء الشرطة على تعليق اعتصامهم حتى 5 سبتمبر؛ فما التفسير إذن لدعوة لمليونية للموظفين في 12 سبتمبر القادم؟؟

***

لقد سقطت هيبة الدولة، بل فقدت الدولة بأسرها بجميع مؤسساتها شرعية وجودها، بانقلاب بعض الضباط معهم السلاح في الثالث من يوليو على إرادة الملايين التي أنتجت رئيسا منتخبا. كما خسرت جميع القطاعات المؤيدة للسيسي أي رصيد لها في المعركة الأخلاقية، بعد أن تحولوا تماما إلى مرتزقة يمصون دماء الناس بقوة السلاح لا غير!

لقد فهم كل المشاركين في الانقلاب هذه المعادلة وشربوها، فأصبح كل هممهم أن يحصلوا على أكبر مكاسب ممكنة في أقل وقت، مع غياب تام لمعاني الوطنية والانتماء، وشيوع لمعاني الغيرة والأنانية فيهم، والبركة في السيسي الذي أشاع هذا بانقلابه.

ولقد كان هذا واضحا في تداعي أمناء الشرطة من القاهرة والإسكندرية والصعيد والقناة للتضامن مع زملائهم أمناء الشرطة بالشرقية، فالمطالب التي يرفعونها ضخمة وتستحق المغامرة، وهم أكثر من يعلمون أن استقرار السيسي مزعوم، وأن نظامه هش، رغم القسوة الشديدة التي يبدو عليها!

لقد عرف أتباع السيسي أنه لم يكن صادقا قط في كل وعوده بالتجرد وعدم الرغبة في الوصول إلى الحكم، وأيقنوا أنه ما فعل كل ما فعل إلا كي يصل إلى السلطة، بعد أيمان مغلظة بأنهم ليس له أي مطمع في أي شيء.. وحتشوفوا!

وعليه؛ فقد تحولت العلاقة بين السيسي وبين القطاعات المؤيدة له من حب جارف في الثالث من يوليو، إلى مصلحة بحتة، تقاس بمدى النفع الذي يعود على هذه القطاعات من تأييدهم للسيسي، الذي ثم ها هو الآن يضطر إلى الإبقاء على هذه العلاقة بالاستجابة لهذه القطاعات وزيادة دخلهم، على حساب شعب مطحون، قال السيسي عنه يوما أن أحد لم يحنو عليه!

الجمعة، 21 أغسطس 2015

مصر وإسرائيل.. من التطبيع إلى التطويع!

مصر وإسرائيل.. من التطبيع إلى التطويع!
_______________________________

يعد اختطاف أحد أجهزة الأمن المصرية - يرجح أنها المخابرات الحربية - لأربعة من وحدة كوماندوز تابعة لكتائب الشهيد عز الدين القسام، الذراع العسكرية لحركة المقاومة الإسلامية (حماس)، في سيناء بعد عبورهم من معبر رفح، وهم في طريقهم للعلاج في تركيا عبر مصر، يعد تطورا نوعيا في العلاقة الحميمة بين مصر وإسرائيل، وحلقة جديدة من حلقات التآمر على المقاومة.

لم يكتف الإعلام المصري باتهام حركة حماس بكل المشكلات التي تعاني منها مصر، بل تحول الجيش الآن إلى أداة بيد إسرائيل تطوعها تل أبيب كيفما شاءت لحصار المقاومة! وأمام حماس خيارات صعبة في التعامل مع هذه الأزمة!

***

1 - خروج مصر من معادلة الصراع  في 1979:

لاشك أن خروج مصر من معادلة الصراع العربي الإسرائيلي بزيارة السادات للقدس عام 1977، ثم توقيعه اتفاقية كامب ديفيد عام 1979، دون اعتراض معلن من أي من قادة الجيش، باستثناء الفريق سعد الدين الشاذلي رحمه الله، لاشك أنه مثل نقطة التحول الأبرز في العلاقة بين القاهرة وتل أبيب.

كانت مصر بتوقيعها هذه الاتفاقية تنفض أيديها عن هذا الصراع برمته، بما يخالف معتقدات الغالبية الساحقة من المصريين، وبما يخالف دور مصر التاريخي كخزان بشري وفائض حضاري يهب بنجدة الأمة في وقت المحن.

كانت الاتفاقية تجعل الفلسطينيين يواجهون مصيرهم القاسي وحدهم، بلا دعم سياسي أو مالي أو عسكري من مصر، وكان عليهم أن يكملوا نضالهم منفردين، أو أن يعلنوا الاستسلام كما أعلنه السادات، ويلقوا السلاح ويعترفوا بإسرائيل!

ليس هذا فحسب، فقد نجحت إسرائيل بالتغلغل في المجتمع المصري ثقافيا وإعلاميا وأمنيا حتى خرجت نخب إعلامية مصرية تطالب الإسرائيليين بسحق المقاومة، وتطالب الجيش المصري بدك معسكرات حماس، كما حدث عندما طالبت عزة سامي نائب رئيس تحرير الأهرام بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي بسحق حركة حماس، وكما طالب العديد من الإعلاميين الموالين للسلطة عبد الفتاح السيسي قائد الانقلاب بشن هجمة على قطاع غزة كما فعل في مدينة درنة الليبية!!

***

2 - المخابرات الحربية 2013 توصي بالتعاون مع حماس:

لكن وفق وثائق ويكليكس التي نشرت في 2010، فإن إسرائيل - رغم كل تغلغلها السياسي والأمني والاقتصادي والإعلامي ، ورغم وجود كنز استراتيجي على رأس السلطة ثبت الأوضاع الجديدة عقب تطبيق كامب ديفيد، كانت مستاءة من أن الجيش المصري لا يزال يتدرب وكأن إسرائيل هي العدو، وأن قيادته رفضت تحويل عقيدته إلى محاربة الإرهاب!

من ناحية أخرى؛ فوفق تقرير قديم مسرب للمخابرات الحربية المصرية نفسها، يحمل توقيع اللواء محمود حجازي - نسيب السيسي ورئيس الأركان الحالي - تعود لأواخر مايو/أيار من العام 2013، بما يسبق الانقلاب على الرئيس مرسي بأقل من شهرين، بشأن مقترحات النخابرات الحربية حول استعادة الأمن وتحقيق التنمية في سيناء،ونشرته شبكة الجزيرة،  فإن الوثيقة الموقعة بخط يد اللواء حجازي لا تتضمن أي اتهام لجماعة  الإخوان المسلمين أو حركة المقاومة الإسلامية (حماس) بالإضرار بأمن سيناء.

على العكس؛ فالوثيقة الموقعة بخط يد اللواء حجازي - مدير المخابرات الحربية آنذاك - توصي بالتعاون مح حماس لضبط الحدود ويشيد بجهودها في هذا الشأن على الجانب الآخر من الحدود!

كان الثمن الذي دفعه السيسي ليصبح رئيسا هو تغيير عقيدة الجيش من أن إسرائيل هي العدو إلى محاربة الإرهاب، وإقامة منطقة عازلة في سيناء بتهجير الأهالي وتدمير منازلهم، وشق ترعة على حدود قطاع غزة بعد هدم الأنفاق على الحدود، إحكاما لحصار أهل القطاع والمقاومة الإسلامية فيه.

وهذا ثمن يسيل لعاب الصهاينة، ويجعلهم يقبلون ويدعمون انقلاب السيسي، لتحقيق هذا الهدف الغالي، حتى لو كان انقلابا على مبارك نفسه كنز إسرائيل الاستراتيجي، فما بالك برئيس من الإخوان المسلمين رفض حتى أن يذكر اسم إسرائيل طيلة عام!

 ***

3 - مصر: من التطبيع إلى التطويع!

حادث اختطاف أربعة من أفراد وحدة كوماندوز تابعة لحماس من قبل جهاز أمني مصري يرجح أنه المخابرات الحربية – حيث يتواجد الجيش فقط كامل المنطقة – يعد انقلابا أمنيا كما وصفته حماس، وانتقالا من مرحلة خذلان المقاومة، والتعاون مع الاحتلال، إلى مرحلة تطويع الجيش المصري  بالكامل لخدمة المصالح الأمنية الإسرائيلية، والانتقال من مشاهدة الفلسطينيين يذبحون، إلى "القتال على الأرض جنبا إلى جنب لصالح كيان الاحتلال الإسرائيلي"! وهذا تطور نوعي غير مسبوق.

صحيح أنه في 2010 تم اعتقال شقيق المتحدث باسم حركة حماس سامي أبو زهري، وتم تعذيبه حتى الموت، لكن الموقف الآن يختلف! فالأمر لا يتعلق بفلسطينيين يريدون عبور القطاع لأسباب إنسانية أو لتلقي العلاج، ولا حتى بكوادر سياسيين لحركة حماس، بل بمقاتلين من وحدة كوماندوز تابعة للقسام، مصابين وفي طريقهم للعلاج، بما يجعل هؤلاء الأربعة "أسرى" في سجون السيسي، في وقت تلوح فيه صفقة لتبادل الأسرى بين حماس والاحتلال قريبا! فأي عار يلحق بمصر والمصريين وهم يعتقلون المجاهدين في سبيل الله الذين أذاقوا اليهود ذل الهزيمة ورعب المقاومة! فحتى الخيانة لها درجات، وها هو السيسي ينحدر من درجة إلى درجة!

***

4--  خيارات صعبة تواجه حماس:

أمام حركة حماس خيارات صعبة حيال هذه الأزمة ، فإما أن تصعد مع الجار القريب مصر، الذي قضت ديكتاتورية الجغرافيا بأن يكون المعبر الوحيد للفلسطينيين الذي لا تتحكم فيه إسرائيل هو معبر رفح المصري،!

وأمامها أيضا أن تصمت على هذا التصعيد، وتخسر أربعة من كوادرها المدربين جيدا على قتال اليهود، بما لا يضمن لهذه الحادثة أن تتكرر مجددا!

أرى أن حماس لا بد أن تمارس تصعيدا إعلاميا قويا تجاه السيسي، بالتوازي مع تحركات سياسية في محاولة للخروج من هذه الأزمة، طالما أن السيسي وإعلامه قرروا عدم الاكتفاء باتهام حماس بكل المشكلات والتفجيرات التي تمر بمصر، بل ذهبوا إلى أن يكونوا أداة تطوعها إسرائيل لمواجهة المقاومة وقتال المقاومين بدلا منهم! إلى أن يقضي الله أمرا كان مفعولا! ولعل الله يحدث بعد ذلك أمرا!

الثلاثاء، 18 أغسطس 2015

دعك من أم السيسي.. وانتبه لقانون الإرهاب!

دعك من أم السيسي.. وانتبه لقانون الإرهاب!
__________________________________

لم تمض ساعات على إقرار السيسي ما يسمى بقانون مكافحة الإرهاب حتى تم الإعلام عن خبر وفاة أم السيسي، وهو الخبر الذي انتشر منذ أسابيع، وتأكدت صحته الآن!

كثيرون رأوا في توقيت إعلان خبر وفاة أم السيسي محاولة لتغطية على قانون الإرهاب الذي أتى ليقنن كل الأوضاع الشاذة وعمليات القتل خارج إطار القانون – وخارج إطار الإنسانية الحقيقة – التي شهدتها مصر منذ الانقلاب العسكري!

فرحة معارضي الانقلاب بوفاة أم السيسي مفهومة، فقد قتل السيسي واعتقل آلاف الأمهات وحرم أولادهن منهن وهن على قيد الحياة! السيسي وانقلابه تركوا آلاف الأطفال المصريين يتامى، وقد رحل أحد أبويهم أو كلاهما، أو تواروا خلف القضبان، لا لشيء إلا لأنهم عارضوا الانقلاب العسكري!

ومع خبر الوفاة عاد الجدل القديم حول حقيقة اسم والدة السيسي، هل هي حقا مليكة تيتاني يهودية الديانة حسبما قالت CNN الأميركية، أو أن اسمها سعاد كما يصر البعض وعلى رأسهم آيات عرابي.

***

ومع المحاولة الواضحة للتغطية على قانون الإرهاب، فقد بدا بشكل واضح أن خبر وفاة أم السيسي قد أزعج خبراء الدعاية والإعلام التابعين للمخابرات الحربية القادم منها السيسي!

فكثيرون لم يفهموا لماذا أخفى السيسي خبر وفاة أمه، ولماذا تأخر في إجراءات دفنها؟؟ كل ما هنالك أن أخبار المرض والحزن والوفاة تهز الصورة الهلامية التي صنعت له، والتي حولته في أعين الكثيرين من بشر إلى نبي مرسل أو حتى إلى إله! صورة الفرعون الجامد الثابت القوي المنتصر الذي لا يشبه البشر في شيء، حتى في الحزن والوفاة!

لابد أن يبقى السيسي في أعين أنصاره فوق جميع البشر، لا يصيبه ما يصيبهم مرض أو حزن أو وفاة، بل على العكس؛ فإن صورته الباطشة المسيطرة هي التي يجب أن تسود! ولعل هذا هو السبب الذي أراد الله عز وجل لأجله أن يبقي جثة فرعون بعد غرقه ليراها قوم موسى الذين استضعفهم فرعون وأذلهم، ليكون لمن خلفه من الطغاة عبرة أن الظلم له نهاية، وآية لكل المستضعفين أن النصر قريب مهما تجبر الحاكم!

"فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية وإن كثيرا من الناس عن آياتنا لغافلون" 92 يونس

***

وعودة إلى قانون الإرهاب الذي أشرنا إليه، فإن كلمة قانون تعتبر تجاوزا كبيرا بحق هذا الهراء المنشور!

وقبل الخوض في تفاصيل الهراء، يجب التنبيه إلى أن كثيرا من النقاشات التي أثيرت حوله تناقش تفصيلات فقط، متناسية أن التشريع مهمة أصيلة للبرلمان الذي حله السيسي في بيان الانقلاب، ولا يحق لرئيس الدولة إصدار قوانين، حتى وفق دستور الانقلاب، إلا في أضيق الحدود!

وأضيق الحدود عند السيسي جعلته يصدر حوالي 500 قانونا (!!) بمعدل تشريع كل 36 ساعة! في القوت الذي أصدر فيه الريس مرسي تشريعا واحدا طيلة عام، كان لمنع حبس الصحفيين في قضايا النشر!

***

وقد اكتفينا هنا بالإشارة إلى بعض المواد لتبيان ما في القانون من عوار:

مادة (8)

"لا يسأل جنائيا القائمون على تنفيذ أحكام هذا القانون إذا استعملوا القوة لأداء واجباتهم أو لحماية أنفسهم من خطر محدق يوشك أن يقع على النفس أو الأموال وذلك كله متى كان استخدامهم لهذا الحق ضروريا وبالقدر الكافي لدفع الخطر."

وهذه المادة ليس لها مثيل تقريبا في أي دولة، طالما أن ما يحدث في مصر لم يعد يحدث في أي دولة، ولم نسمع عنه إلا في زمان الاحتلال النازي لفرنسا وبولندا!

من وضع هذه المادة لم يسمع شيا عن قواعد الاشتباك التي تقضي بالتدرج في استخدام القوة مع المحتجين، فققوات الأمن في مصر لا تفهم إلا لغة التصفية الجسدية مباشرة، أو التصفية الطبية بالبطيء داخل السجون، وخاصة مع طاغية مثل السيسي، الذي وعد أي ضابط يقتل معارضا بأنه لن يحاكم!

***

مثال آخر على البلطجة السياسية والقانونية التي يمارسها السيسي من خلال هذا القانون، في المادة (35) التي تقول:

"يعاقب بغرامة لا تقل عن 200 ألف جنيها ولا تتجاوز 500 ألف جنيه كل من تعمد بأي وسيلة كانت نشر أو إذاعة أو عرض أو ترويج أخبار أو بيانات غير حقيقية عن أعمال إرهابية وقعت داخل البلاد أو عن العمليات المرتبطة بمكافحتها بما يخالف البيانات الرسمية الصادرة عن وزارة الدفاع وذلك كله دون إخلال بالعقوبات التأديبية المقررة."

وهذه المادة تعطي وزارة الدفاع والمتحدث العسكري صفة الاحتكار الحصري للحديث عن أي واقعة، واعتماد روايته فقط لنشر الأخبار، وكل من يخالف هذه الرواية حتى لو كان صحفيا من قلب الحدث، مهمته أصلا نشر الأخبار، أو ناشطا على الفيسبوك وتويتر واليوتيوب، يبث بالصور وأحيانا بالبث الحي مشاهد القتل الجماعي التي تقوم بها ميليشيات السيسي ضد أهلنا في سيناء أو ناهيا أو الميمون أو كرداسة!

وإذا كانت هذه المادة سيبدأ تطبيقها من الآن، فبأي حق تم اغتيال معتقلي سيارة الترحيلات الـ 36، الذين قتلوا بدم بارد، وهم أسرى لا حول  لهم ولا قوة، وبأي قانون أفلت القاتلون من العقاب الذي يستحقونه؟؟

***

دعك من أم السيسي ومن دين أم السيسي! لا يهم كثيرا أن تكون يهودية أو مسلمة، فالسيسي على أي حال غير بالفعل عقيدة الجيش من أن إسرائيل هي العدو إلا محاربة "الإرهاب"، وهو يحترم اتفاقية كامب ديفيد منذ اليوم الأول الذي وقعت فيه، ولا يسمح بتهديد أمن إسرائيل، ويتحدث مع ريس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو كثيرا، كما صرح هو بنفسه!

الأحد، 16 أغسطس 2015

ماذا حدث للمصريين (2)؟؟ الثقافة الإباحية

ماذا حدث للمصريين (2)؟؟ الثقافة الإباحية
_______________________________

تحدثنا  في المقال الأول من هذه السلسلة "ماذا حدث للمصريين" أنه لا أحد تقريبًا يتناول الطفرات الاجتماعية التي تعصف بالمجتمع المصري، وتغير وجه هذا المجتمع بشكل خطير يصعب علاجه حتى مع أي نصر سياسي منتظر!

قررنا أن نتناول ثلاثة أوجه فقط، رأينها أثرت في طباع المصريين بشدة،  في سلسلة من ثلاث مقالات تحت عنوان "ماذا حدث للمصريين"، كان الجزء الأول منها عن "الثقافة الاستهلاكية"، ونخصص هذا المقال للحديث عن "الثقافة الإباحية".

***

خرجت علينا صحيفة اليوم السابع منذ أيام بتقرير عن العلاقات خارج نطاق الزواج في مصر، تحت عنوان "نحن في زمن الشقط"، والكلمة لغير المصريين تعني التقاط فتاة لإقامة علاقة خارج نطاق الزواج! وتحدث التقرير عن أشهر سبعة شوارع عرف عنها ذلك!

كان التقرير صادما لأنه خرج من صحيفة علمانية وموالية للانقلاب، وليس من صحيفة تابعة للإخوان مثلا، ولأنه يتحدث عن شعب وصف طويلا أنه
"متدين بطبعه"!

***

1 -  هل الشعب المصري "متدين بطبعه"؟؟

 مصطلح "متدين بطبعه" بدأ يفقد بريقه لدى الكثيرين، وخاصة بعد ماسورة الفضائح الجنسية التي انفجرت في وجه المصريين، وتفاجئوا بها في العامين الماضيين (خصصنا مقالا بعنوان: "حال مصر بعد الانقلاب: بلد الألف راقصة" لرصد أشهر هذه الفضائح).

ولطالما رأيت أن مصطلح "متدين بطبعه" غير دقيق لسببين:

1 - أنه مصطلح فيه تعميم، وكل تعميم غالبا خطأ.
2- أنه لا توجد دراسة علمية موثوق فيها يمكن الركون إليها في هذا الأمر.

ومع ذلك فأنا أميل إلى وصف الشعب المصري كغيره من الشعوب الشرقية وشعوب حوض المتوسط أنه شعب "محافظ"  Conservative والفارق بين المصطلحين كبير.

ففي مصر مثلا كان يمكن بسهولة حتى وقت قريب أن تجد شخصا غير ملتزم دينيا، قد لا يواظب على الصلاة، أو يفتح درج مكتبه في المصلحة الحكومية التي يعمل بها لتلقي رشوة، ولا يمانع من النظر إلى فتاة عارية في التلفاز أو الشارع. ومع ذلك فتجده غيورا جدا على نسائه، لا يقبل أن ترتدي ابنته أو أخته أو زوجته زيا ضيقا أو عاريا، أو أن ترقص في فرح أو مناسبة أمام أغراب، فضلا عن أن يكون لها علاقة مع رجل آخر! ولا شك أن هذا الوضع تغير كثيرا الآن!

صحيح أنه حتى الأربعينيات كانت بيوت الدعارة مقننة في مصر، حتى استطاع حسن البنا إلغاءها بصفقة مع النحاس باشا، تنازل البنا بموجبها عن ترشحه للبرلمان مقابل إلغاء تقنين هذه البيوت، وصحيح أنه في فترة الستينات كان الحجاب غير شائعا، حتى خروج الإخوان من المعتقلات في السبعينات، إلا أن أخلاق المجتمع ككل لم تكن لتسمح بوجود علاقات خارج نطاق الزواج، ومن ناحية أخرى كان ارتداء أزياء غير محتشمة واردا أكثر في العاصمة والمدن الكبيرة، أما الأقاليم فكان الوضع محافظا إلى حد كبير!

***

2-  فيلم الحفيد.. نموذج رسم للمصريين!

لاشك أن الإعلام لعب الدور الرئيسي في تغيير ثقافة المصريين من "ثقافة محافظة" إلى "ثقافة إباحية"، وكان فيلم "الحفيد" يمثل النموذج والمثال الذي يراد أن يصل إليه المصريون، من ارتداء واسع النطاق من الفتيات للجيب القصيرة، وعلاقات في الجامعة بين الشباب والفتيات، إلى الحد الذي تذهب فيه الفتيات إلى الشباب في بيوتهم ليذاكرن معهم في غرفهم الخاصة!! من باب أن يتقابلوا أمامنا خير من أن يتقابلوا في الخارج!
أما عن قضية الغيرة على العرض فقد هدمها الفيلم تماما، باصطحاب الزوج لزوجته كل ليلة إلى ملهى ليلي بملابس فاضحة للرقص والسُكر، أو إلى حمام سباحة للهو والاستجمام، بمايوهات شبه عارية أمام الرجال ولا غضاضة في ذلك!

الفيلم تحدث أيضا عن موضوع الإنجاب، وأن مشكلة مصر في الزيادة السكانية، وهي قيمة أميركية خالصة يراد تصديرها للشعوب العربية المسلمة، ولكن لهذا قصة أخرى.

***

3 - تأثير محدود للإعلام، ورغبة في هدم قيم قطاعات أوسع من المجتمع:

ورغم ذلك بقي تأثير الإعلام على القطاعات الأوسع من المصريين محدودا، وبقي تأثيره محصورا في طبقة ضيقة شديدة الغنى، وملتفة غالبا حول السلطة.

وهذا الأمر الذي أشار إليه القرآن الكريم في سورة يوسف، حيث بين  أن سوء الأخلاق لم يكن مشكلة فردية خاصة بامرأة العزيز، وإنما في كل نساء الحاشية اللاتي لا هم لهن ولا يشغل بالهن إلا الحديث في أمور الجنس: "وقال نسوة في المدينة امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه قد شغفها حبا". (يوسف)

كما أن النسوة طلبن منه نفس ما طلبته امرأة العزيز، مما يؤكد أنه داء يصيب الطبقة الحاكمة المترفة ككل،  "وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن".(يوسف)

ومن الواضح أيضا إشارة القرآن إلى "المدينة" التي غالبا ما تكون أكثر انفتاحا وتكون أقل محافظة من الريف أو البدو، الذي غالبا ما يستتر طالب الفاحشة فيها.

***

وإذا كان الفساد والانحلال قد ضرب الفئة الحاكمة المترفة، فماذا عن بقية الشعب؟؟

حتى وقت قريب، كانت التلفزيونات الحكومية التي يراها غالبية الناس مقتصرة غالبا على قناة أو اثنتين، وكانت تركز بشكل رئيسي على هدم القيم، باسم حرية المرأة، أكثر من تركيزها على عرض مشاهد إباحية، مع ضرورة أن يحوي الفيلم على رقصة أو اثنتين  وقبلة غالبا في نهاية الفيلم، هذا غير حفلات ليالي التلفزيون التي كانت تستضيف مغنيات متبرجات.

 ومع دخول الانترنت عرف الشباب ظاهرة "الفيديو كليب" التي قد تتحرج التلفزيونات الرسمية في عرضها، ومع انتشار الكمبيوترات بدأت بعض المقاهي الإليكترونية تشتهر بتخصيص أفلاما إباحية لراغبي المتعة من المراهقين والشباب!

ومع ذلك فقد ظلت هذه أدوات ووسائل مقصورة على الراغبين في السير في هذا الطريق وهم قلة، بينما ظلت القطاعات الأوسع من المجتمع محافظة على حالها كما هي، لذا كان لا بد من وسيلة تدخل بها الثقافة الإباحية كل بيت: "الدش".

***

4- الدش.. فتنة تدخل كل بيت.. وفتاوى فاسدة!

المصريون يعشقون التلفاز، والقنوات الحكومية كانت غير فعالة في نشر قيم الإباحية كما فصلنا، فكان لا بد من وسيلة ناجعة نافذة تفرض نفسها على الراغبين في الفساد وغير الراغبين! وتجسدت هذه الوسيلة في الدش!

لا يوجد بيت في مصر تقريبا لا يوجد فيه دش، وبعد أن كان تركيز الفضائيات الحكومية على هدم القيم، بدأ الدش يركز أكثر على عرض مشاهد إباحية، تفتن الناس بحق، وترسخ قيما جديدة غريبة عن المجتمع، حتى وصل الأمر إلى علاقات شبه كاملة تعرض في بيوت المصريين جميعا!

ومع إلقاء مزيد من الحطب في نار الفتنة، تم التضييق على كل من يحاول إطفاء هذه النار، من علماء الدين الثقات، الذين تم اعتقالهم أو تشويه صورتهم، مع إطلاق عدد من علماء السلطان، لينبحوا بعدد من الفتاوى التي تفتن الناس، مثل أن النظر للمتبرجة ليس حراما (علي جمعة)، وأن على الزوج إخبار زوجته قبل رجوعه إلى البيت خشية أن يكون معها أحد ليدع له فرصة للخروج كي لا تحدث مشكلة (علي جمعة أيضا)، وأن الزوج إذا رأى زوجته تتعرض للاغتصاب عليه أن يتركها إذا كان دفاعه عنها يؤدي إلى مقتله (برهامي)،  وحرمة أن يمس الرجل زوجته وعشيقها إذا ضبطهما عاريين في السرير. (برهامي)، وأن تقبيل غير الزوج للزوجة لا يعد من حالات الزنا، ولا يوجد قصاص في تلك الحالة!

وصدق رسول الله صلى الله عليهم وسلم إذ يقول: "أخوف ما أخاف على أمتي الأئمة المضلون" رواه ابن حبان

***

5 -  انفجارات جنسية: مصر الثانية عالميا في التحرش!

وحيث أن الحكومة عامدة متعمدة تصعب من الزواج، بارتفاع أسعار العقارات بصورة فوق طاقة الشباب على التحمل، وغرس قيم فاسدة عبر الإعلام للمغالاة في المهور وتكاليف الزواج، فقد بدأت ثمار هذه الإستراتيجية تظهر في ارتفاع معدلات التحرش في الشوارع، بدأت في البداية في المتنزهات في الأعياد، وانتهى الأمر بمصر كواحدة من أسوأ دول العالم في التحرش!

فوفقا لتقارير منظمات الدفاع عن حقوق المرأة العالمية لعام 2015، احتلت مصر المركز الثاني في نسبة التحرش الجنسي على مستوى العالم، وبنسبة 64% من السيدات يتعرضن للتحرش والاعتداء الجنسي، كما احتلت مصر المركز الثاني في قائمة الاتجار بالنساء، وفقا لتقرير مركز القاهرة للتنمية وحقوق الإنسان، وبيان الأمم المتحدة الذي أكد على تصدر مصر مرتبة متقدمة من الاتجار بالنساء!

والغريب أنهم لم يكتفوا بذلك فقط، بل نسبوا هذه الممارسات الشاذة الغريبة عن المجتمع، لا إلى الإعلام الذي شكل ضغطا جنسيا غير مسبوق على الشباب المقدر عددهم بالملايين، بل إلى الحجاب!

***

ختاما: علاقة الإباحية بالاستبداد!

إن صناعة السينما الإباحية في مصر وثيقة الصلة بالاحتلال الصهيوني غير المباشر لمصر، الراغبة في تدمير الخزان البشري الذي انتفض لنجدة الأمة في أدق لحظاتها وأسوأ مصائبها!

كما أن الأنظمة الاستبدادية داعمة ومستفيدة من هذه السينما الإباحية، وأن العلاقة بينهما متبادلة، فترى معظم الفنانين الحاملين لهذه القيم الفاسدة مؤيدين للاستبداد، ويستعين النظام به ويستغل شعبيتهم، كما ترى معظم الفضائح الجنسية تأتي من شخصيات مؤيدة للنظام (الضابط فهمي بهجت، المتحدث باسم ائتلاف ضباط الشرطة "30 يونيو" - عنتيل المحلة مسؤول حملة السيسي – عنتيل حزب النور- المستشار رامي عبد الهادي نجل عضو المجلس العسكري -  مدير أمن ميناء دمياط - القاضي ناجي شحاتة) ...إلخ

ومن الواضح أن الخطى مرسومة ومرتبة لإفساد هذا المجتمع، وكانت الإباحية سلاحا رئيسيا في ذلك، إلا أنهم في سعيهم احتاجوا لسلاح مساعد لتدمير هذا المجتمع كليا، واستحالة أن يتم استنفاره يوما لحرب ضد إسرائيل، وهذا السلاح هو المخدرات... ولهذا قصة أخرى!

الجمعة، 14 أغسطس 2015

ميدان رابعة.. الذكرى.. والفكرة.. والمذبحة!

مذبحة رابعة.. جولة انتصر فيها الصهاينة!
___________________________

عامان على مذبحة رابعة، تلك المذبحة التي وضعت فارقا بين ما هو سياسي وما هو أخلاقي، ماهو براجماتي وما هو إنساني.. سقط الكثيرون في اختبار الإنسانية والمعركة الأخلاقية من أجل مكاسب سياسية قصيرة فشلوا في تحقيقها لعقود، ثم لم يلبثوا أن يجدوا أنهم لم يجنوا إلا سرابا!  

عامان غير الكثيرون فيهما مواقفهم وتحالفاتهم، ولم يثبت على مبدأهم إلا أولئك الذين اعتصموا في ميدان رابعة العدوية! قالوا منذ اليوم الأول أن ما جرى انقلابا، وأن السيسي يريد السلطة لا الثورة، بينما أقسم غيرهم أغلظ الأيمان بغير ذلك، وأن الميدان مفتوح إذا لم ينفذ خارطة الطريق، ثم انتهى بهم الأمر داخل السجون أو خارج السلطة! 

***

-1-

وقبل الخوض في تفاصيل سياسية بسيطة، أو مشكلات حياتية دفعت البعض  لرفض سياسات الرئيس مرسي، يجب تقسيم الناس في مصر وعموم المنطقة إلى فريقين:

1- فريق مقاوم لإسرائيل، يقاومها بالسلاح والمال، بالفعل والكلام:

وعلى رأس هذا الفريق الإخوان المسلمين؛ فحركة حماس تحارب إسرائيل وهذه حقيقة لا شك، وكتائب القسام قتلت وأسرت وأثخنت العدو الإسرائيلي كما لم يفعل جيش عربي قط، حتى وصل الحال بهم وهم محاصرون يتآمر عليهم القريب والبعيد إلى السيطرة على طائرة استطلاع إسرائيلية وتجنيدها للتجسس لصالح القسام!

2- فريق متحالف مع إسرائيل:

وعلى رأس هذا الفريق الجيش المصري، الذي لم يتحرك أي من قادته - باستثناء الفريق الشاذلي رحمه الله - حينما زار السادات القدس، ووقع اتفاقية العار مع الصهاينة. بعدها تحول الجيش إلى فرق مسلحة تحمي قناة السويس وأمن إسرائيل، ويتلقى سنويا 1.2 مليار دولار من أميركا ثمنا لذلك.

وقد خصصنا مقالا سابقا لسرد التصريحات الحميمة المتبادلة بين الصهاينة والجيش المصري، نذكر منها هنا فقط تصريح السيسي لقناة فرانس 24 أنه لن يسمح بتهديد أمن إسرائيل، وتصريحه لصحيفة واشنطن بوست أنه يتحدث مع نتنياهو كثيرا!


ولا شك أن مجيء رئيس من الإخوان المسلمين للسلطة في مصر لم يعجب قادة إسرائيل، ولا قيادة الجيش في مصر المتحالفة معها، والتي رأت في انتخاب مرسي خطرا بالغا، ليس فقط على نفوذهم الاقتصادي والسياسي في مصر (يسيطر الجيش حسب واشنطن بوست على 60% من الاقتصاد المصري)، بل على وجه المجتمع ككل، المهدد بانتخاب مرسي بنزع غطاء العلمانية والتبعية لأميركا عن الدولة المصرية، وزرع بذرة التصنيع والاكتفاء الذاتي!

***

-2-

أجهزة الدولة العميقة لم تكن متعاونة مع الرئيس مرسي.. هذه حقيقة أخرى لا يجب القفز عليها! وهو من ناحية أخرى كان لا يملك أي أداة قوة لتنفيذ قراراته. ومن ناحية ثالثة كان الإعلام المعادي لثورة يناير يحرض المصريين بكل ما أوتي من قوة ذاتية ودعم خارجي للانقلاب على الرئيس مرسي.

لو كانت المشكلة حقا متمثلة في الرئيس مرسي فقط لكن من السهل انتظار انتخابات مبكرة كنا على وشك إجرائها بعد شهور، لو لم ينقلب الجيش على أول رئيس منتخب،  لكن الهدف المراد كان إعادة المصريين إلى بيت الطاعة وعودة السلطة إلى أحضان الجيش بعد تجربة ديمقراطية يسيرة لمدة عامين، أثبت الإخوان أنهم نتيجتها في كل مرة!

***

-3-

إن رفض الإخوان للانقلاب لم يكن حرصا على الكرسي كما يريد السيسي ومن معه أن يصوروا، بل كان مسألة مبدأ، كي لا يخرج بعض الناس - زاد عددهم أو كثر -  على أي رئيس بعد ذلك لتهديده بترك السلطة أو الانقلاب عليه بتهديد السلاح!

لو كان الإخوان يفكرون في مصلحتهم الخاصة لوافقوا تحت تهديد السلاح على إجراء انتخابات مبكرة، أو لما ترشحوا أصلا للرئاسة، وقبلوا باقتسام الكعكة مع المجلس العسكري. لكن الإخون وعلى رأسهم الرئيس مرسي كانوا يقدمون مصلحة مصر على مصلحة الإخوان، وقيمة الثورة على قيمة الحزب السياسي. 

ومع المفاوضات التي تمت في الفترة من بيان الانقلاب وحتى فض الاعتصام، جرت محاولات كثيرة للوساطة، بعضها على أساس الشرعية، وبعضها على أساس الانقلاب. كان الإخوان منفتحين على الجميع بشرط ألا يصبح منصب الرئاسة مطية لكل صاحب بندقية، ولم يمانعوا في انتخابات مبكرة بشرط أن يتم الإعداد لها وأن يجرى قبلها انتخابات برلمانية حتنى لا يحدث فراغ دستوري، ولضمان أن تظل السلطة بيد الشعب، لا بيد العسكر!

ورغم انفتاح الإخوان على كل هذه المبادرات فقد ألقي بها من النافذة كما اعترف البرادعي نفسه، لأن المشكلة لم تكن مرسي وإنما العملية الديمقراطية التي أتت به، والمراد لم يكن انتخابات مبكرة وإنما الانقلاب على كل منتجات ثورة يناير (رئيس - برلمان - دستور) فضلا عن الحق في الحرية!

لو كان دعاة الانتخابات الرئاسية المبكرة يريدون مصلحة الوطن حقا، ولو كانوا بالملايين كما يدعون، لقبلوا دعوة الرئيس مرسي في إبريل 2013 لإجراء انتخابات تشريعية، تُنتج برلمانا يمكنه - وفق الدستور المستفتى عليه - عزل الرئيس ومحاكمته! لكنهم يعلمون أنهم لا سبيل لهم إلى السلطة إلا عبر الانقلابات العسكرية، والتحالف مع نظام ثار عليه المصريون!

كان هذا الفهم موجودا لكل المعتصمين في رابعة من الإخوان وغير الإخوان، وكانوا مستعدين لدفع أرواحهم ثمنا لذلك، وكانوا يسبقون القيادات في هذا الخيار، فكل من قرروا الاعتصام جاءوا بكل طواعية واحتملوا الحر والصيام والمكوث في شوارع القاهرة في الصيف، رغم احتمال أن يطالهم رصاص الجيش.

***

-4-

لقد كان المعتصمون في رابعة يستحضرون في مخيلتهم خلفية تاريخية لا ينتبه لها كثيرون، عندما انسحب المتظاهرون من أمام قصر عابدين في أزمة مارس 1954، عندما خرجوا يطالبون العسكر بالديمقراطية، وانصرفوا إثر وعود من العسكر بإجراء انتخابات! ولم تمض ستة أشهر حتى كان عبد الناصر يفتعل حادثة المنشية في أكتوبر من نفس العام، وينفرد بالسلطة، ليحكم على مصر بالبقاء تحت نير الحكم العسكري 60 عاما! لقد كان جميع الإخوان يدركون أنهم إذا انصرفوا يكررون خطأ 1954!

ورغم أن قادة الجيش بارتكابهم مذبحة رابعة قاموا بأكبر عملية قتل جماعي في تاريخ مصر، إلا أن مصير انقلابهم في 2013 مهدد - بسبب هذه المذبحة - بالعمر القصير، عكس انقلاب 1954 الذي حكم 60 عاما! وظلال هذه المذبحة تضايقه في أميركا وتفضحه في ألمانيا وتمنعه من السفر إلى جنوب إفريقيا!

لن تجد شخصا حضر اعتصام رابعة أو كان مؤيدا له تراجع عن موقفه وقال لقد كنت مخطئا، لكنك ستجد كثيرين كانوا مع السيسي وتركوه بعد أن ثبت أنه تلاعب بهم، وأنه لم يكن يريد إلا الحكم والسلطة! أو بعد أن قضى منهم حاجته وأودعهم السجون!


***

-5-

ختاما:
لقد كان اعتصام رابعة صرخة في وجه الظالمين والفاسدين، وموقفا حرا ضد الصهاينة وأعوانهم في مصر، وطلبا للتوقيع بالدم على وثيقة الثورة الرافضة لكل ما هو صهيوني وكل ما هو استبدادي!

وانقلاب 2013 انتصار للصهاينة الذين فرحوا به كثيرا، وطالبوا العالم كله بدعمه - كما قال إيهود باراك لـ CNN بعد الانقلاب بفترة وجيزة، كيف لا والانقلاب سحق الإخوان وهجر أهالي سيناء، وغير عقيدة الجيش من أن إسرائيل هي الحرب إلى محاربة الإرهاب!


 لكنها جولة في الحرب نحو تحرير كامل فلسطين، وتحرير المسجد الأقصى المبارك، مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم! وهذا لن يتحقق إلا برحيل طاغية مصر السيسي، وطاغية الشام "بشار" وطاغية الأردن عبد الله. هكذا يجب أن تعرض القضية، وهكذا يجب أن نحكى الحكاية!

الأربعاء، 12 أغسطس 2015

ماذا حدث للمصريين؟؟

ماذا حدث للمصريين؟؟
_________________

عموم الناس منشغلون بلقمة العيش، والمهتمون بالشأن العام منهم يركزون على التغيرات السياسية التي تحدث في المجتمع، بينما لا أحد تقريبا يتناول الطفرات الاجتماعية التي تحدث وتغير وجه المجتمع بشكل خطير يصعب علاجه حتى مع أي نصر سياسي منتظر!

نتناول هنا ثلاثة أوجه فقط، في سلسلة من ثلاث مقالات تحت عنوان ماذا حدث للمصريين، بانتظار أن ندق ناقوس الخطر عند أحد ما لعله يبحث الأمر ويقدمه بشكل علمي.

1- الثقافة الاستهلاكية
_________________

ورث عبد الناصر دولة غنية، تقرض بريطانيا، وتنتج الأرز والقطن وتصدرهما للعالم أجمع، وعملتها الورقية "الجنيه المصري" أقوى من الجنيه الذهب. وأظن أن كثيرا من الشباب اليوم صاروا أكثر وعيا لكي يعلموا أن الوضع الاقتصادي لمملكة "مصر والسودان" أيام الملكية الدستورية قبل انقلاب يوليو 1952 أفضل بكثير من الوضع الاقتصادي بعد الحكم العسكري.

قام ناصر - وفق قوانين الإصلاح الزراعي - بتوزيع بعض أراضي الأعيان والإقطاعيين الموالين لبريطانيا على بعض فقراء الفلاحين الذين يعملون في هذه الأراضي، تنفيذا لأجندة أميركية بتصفية نفوذ بريطانيا في مصر لصالح أميركا.

ورغم ذلك كان الوضع الاقتصادي لمصر سيء، وتدهورت العملة المصرية كثيرا، وازداد عدد الفقراء، إلا أن الخدمات العامة المقدمة للمواطن كانت معقولة إلى حد كبير (الصحة - المواصلات - التعليم).

وزاد من هدوء الأوضاع - رغم الفقر - وجود مشروع كبير أقنع عبد الناصر به كثيرا من المصريين، مستفيدا من قبضة إعلامية جبارة، دعمتها المخابرات الأميركية بخبراء نازيين جهابذة في مجال الإعلام، سقطوا في أيديهم عقب الحرب العالمية الثانية، وهم الذين اقترحوا بالمناسبة حادثة المنشية لاستجلاب عطف المصريين العاطفيين.

كما زاد من هدوء الأوضاع الجو الاشتراكي السائد في هذا القوت، والذي كان يجعل معظم المصريين يرتدون ذات الملابس تقريبا في الدارس والجامعات والمصالح الحكومية، ونسبة التوظيف العالية التي كان يحظى بها كل خريج جامعي، حتى وصل عدد الموظفين بالملايين!

لكن مع زيارة السادات للقدس عام 1977، وتوجهه نحو الانفتاح الاقتصادي بدأت مصر تعرف ثقافة السوبر ماركت والهايبر ماركت، وصار تطلع المصريين يتزايد يشده، وصار الشراء والتسوق وثقافة الـ Shopping هدفا في حد ذاتها.  

شاع في ذلك الوقت من السبعينات مصطلح "القطط السمان" للإشارة إلى رجال الأعمال الذين تربحوا بشكل سريع جراء سياسة الانفتاح التي اتبعها السادات بشكل مفاجئ! كان الاقتصاد المصري حسب جريدة الايكونميست 1977 غير مؤهل لسياسة الاقتصاد الحر مهما تلقى من جرعات اقتصادية من الغرب، ثمنا للصلح مع إسرائيل، ناهيك أن كثيرا من هذه الأموال تصب لصالح المؤسسة العسكرية والنفاذين في المؤسسات الأمنية والحكومية، ولا يذهب منها إلا اليسير إلى الشعب!

والآن؛ صار المصريون أصحاب نهم مستعر نحو الشراء والتسوق، وأصبحت المولات والهايبر ماركت في كل مدينة تقريبا، ولو قدر للمصريين أن يحوزوا قدرا يسير من المال، لأتوا على هذه المولات واشتروها عن بكرة أبيها!

الثقافة الاستهلاكية ليست في الطعام والشراب فقط، بل في أمور كانت من أبواب الرفهاية والكماليات فصارت من الأساسيات الضرورية لدرجة تثقل كاهل المواطن.

خذ مثلا بند الاتصالات، ففي الوقت الذي قارب فيه عدد المصريين 88 مليون نسمة؛ يبلغ عدد مشتركي المحمول قرابة 96 مليون مشترك! بل إن عدد المشتركين وفق بعض الإحصائيات تجاوز منذ عدة أشهر 102 مليون مشترك!

وفي تصريح رسمي في نهاية العام الماضي للرئيس التنفيذي للجهاز القومي لتنظيم الاتصالات المهندس هشام العلايلى فإن المصريين ينفقون 45 مليار جنيه سنويًا على "مكالمات" التليفونات! المكالمات فقط! بينما أكدت الجمعية المصرية لمهندسي الاتصالات أن المصريين ينفقون 35 مليار جنيه سنويا على الهواتف المحمولة. ليصبح ما ينفقه المصريون على بند الاتصالات فقط "تليفونات ومكالمات" ما يقارب 80 مليار جنيها سنويا!

لقد صار المصريون مستهلكين لكل ما يُنتج، دون أن تنتج مصر أي شيء مما يستهلكه المصريون، بعد أن كانت مصر تنتج السيارات والثلاجات والغسالات والتلفازات ومحركات الطائرات! فكل شيء يستخدمه المصريون من العلكة "اللبان" إلى أجهزة المحمول اللاب توب هي صناعة أجنبية ويقوم المصريون فقط بدور المستهلك!

وحين جاءت تجربة ديمقراطية أنتجت لنا رئيسا منتخبا أنتج محاولة لتصنيع أول حاسب ذكي مصري "إينار" وجدنا انقلابا عسكريا يدهس هذه التجربة ويخرج لنا رئيس للوزراء يطالب المصريين بالعمل كسائقي توك توك!

المقال القادم إن شاء الله من هذه السلسلة:

ماذا حدث للمصريين؟؟ (2) "الثقافة الإباحية"

السبت، 8 أغسطس 2015

هؤلاء أيضا قتلوا الطفل الرضيع علي دوابشة!

هؤلاء أيضا قتلوا الطفل الرضيع علي دوابشة!
________________________________

جريمة إحراق الطفل الفلسطيني علي دوابشة وأباه حرقا على يد مستوطنين يهود ليست الأولى ولن تكون الأخيرة، طالما أن أنظمة عربية عدة تقتل وتعتقل وتنكل بمن يطالبون بحقوق هذا الطفل وملايين غيره في المنفى والشتات! ربما تندهش حين تعرف أن جارك أو زميلك في العمل أيضا قد قتل الدوابشة! ربما لا يدري هو أيضا كذلك!

***

-1-

لا أنسى يوم وفاة استشهاد المجاهد الشيخ الزعيم أحمد ياسين! اغتالته إسرائيل بصاروخين من طائرة مقاتلة وهو خارج من صلاة الفجر!

يومها حين سمعت الخبر صباحا خرجت من المدينة الجامعية أجري كالمجنون، وبالكاد سيطرت على أعصابي وجففت دموعي وذهبت إلى الجامعة!

قابلني زميل ليس مهتما بالشأن العام.. سألني ما بي؟؟ فقلت: قتلوا أحمد ياسين! فقال لي باستغراب: أحمد ياسين من؟؟ قلت له زعيم حماس! فقال لي: وما حماس؟؟ فقلت له حركة المقاومة الإسلامية في فلسطين! (بصراحة لو سألني وما فلسطين لما تعجبت كثيرا!)

كان الإخوان وحدهم في الجامعة، وقطاع عريض من الطلاب والأستاذة كذلك، ممن اقتنعوا بأفكارهم في وجوب تحرير فلسطين وكاملة وتحرير المسجد الاٌقصى مسرى الرسول صلى الله عليه وسلم، هم من يقيمون الفعاليات لنصرة فلسطين والمسجد الأقصى، بينما كانت السلفية البرهامية ترفض المشاركة في أي فعالية في الجامعة لأن المظاهرات حرام!

وحين كان ينادي المنادي بالتبرع لفلسطين، كانت الفتيات يخلعن حليهن، وكان الشباب يجودون بما تيسر لهم من مال قليل، وهم يعانون في سنوات الجامعة! هكذا كان حال الجامعة وحال قطاع عريض من المصريين قبل أن يغير الإعلام المصري هذه النظرة!

***

-2-

المصريون حتى وقت قريب كانوا يخرجون في مظاهرات دعما للانتفاضة الفلسطينية ورفضا لحرب العراق! كان ذلك حتى انطلق الصهاينة العرب ينبحون على الفضائيات الحكومية والخاصة يشوهون المقاومين، ويصفونهم بالإرهاب!

الهجوم على المقاومة في الإعلام المصري وصل إلى الحد الذي طالبت فيه نائب رئيس تحرير جريدة الأهرام الحكومية - التي نفقت مؤخرا - رئيس الوزراء الإسرائيلي السفاح بنيامين نتنياهو إلى أن يقضي على حماس! هذا غير مذيعين مقربين من الجيش والمخابرات طالبوا الطيران المصري بدك حصون المقاومة في غزة!
صار كثير من المصريين من مؤيدي السلطة لا يرون إسرائيل عدوا، ومقتنعين برواية الدولة العميقة أن حماس هي التي عبرت الحدود و اقتحمت السجون، وأن انتفاضة 25 يناير مؤامرة نفذها عناصر من حماس وحزب الله! حتى وصل الأمر لتهجير أهل سيناء وتدمير بيوتهم خدمة لأمن إسرائيل، واعتبار محكمة مصرية حركة حماس منظمة إرهابية، في الوقت الذي رفض فيه القضاء المصري دعوى تعتبر إسرائيل إرهابية!

***

-3-

وفي خضم هذا الإعلام المتصهين، ومحاولات غسل المخ وحملات الدعاية الممنهجة ونشر الدعايات الكاذبة، من المهم في رأيي العودة للتقسيم الذي اعتمدناه في مقال "لماذا يحاربون الإخوان"، وهو أن الناس بالنسبة لقضية فلسطين ينقسمون فريقين:

1- فريق يرى أن أصل الصراع في المنطقة هو زرع كيان صهيوني احتلالي استيطاني كولينالي غريب عن نسيج المنطقة "إسرائيل"، في فلسطين المحتلة بالقوة المسلحة! وأن تحرير فلسطين هو الحل للصراع الدائر في المنطقة.

 
2- و فريق يرى أن الصراع الدائر في المنطقة سببه رفض حركة حماس في غزة وجماعة الإخوان المسلمين في مصر للقبول بالأمر الواقع الجديد المتمثل في وجود كيان احتلال صهويني في فلسطين المحتلة "إسرائيل".

وأنصار هذا الفريق يرون أن القضاء على المقاومة في غزة وعلى جماعة الإخوان في مصر سيزيل آخر العقبات في المشروع المقاوم في المنطقة، وسينتج عنه دولة فلسطينية ممزقة منزوعة السلاح وبلا حدود دائمة على ما تبقى من أراضي فلسطين، وهي دولة لا تشكل أي خطر، ولا تحمل أي عداء، لجارتها "إسرائيل".

وفي هذا الفريق نجد المؤسسة العسكرية في مصر، التي افتخر السيسي في حوار سابق أنه يتحدث مع نتنياهو كثيرا، وأنهم في الجيش يحترمون اتفاقية كامب ديفيد منذ اليوم الأول الذي وقعت فيه، كما أكد في حوار آخر لقناة فرانس 24 أنه لن يسمح أن تستغل سيناء لتهديد أمن إسرائيل! بالنسبة للسيسي فإن الدوابشة وكل من يسعى للأخذ بحقه جزء من أمة من 1.6 مليار مسلم تسعى لتقتل العالم أجمع، كما صرح في قلب الأزهر الشريف!

في هذا الفريق أيضا نجد محمود دحلان، ومحمود عباس والمخابرات الفلسطينية والأمن الوقائي وكل "المتعاونين أمنيا" والمعنيين "بالتنسيق الأمني" مع إسرائيل!

و "التنسيق الأمني" لمن لا يعلم يعني التعاون مع أجهزة الأمن الإسرائيلية - ولاسيما جهاز الأمن الداخلي "الشاباك"  والمخابرات "الموساد" - للإبلاغ عن كل من يفكر في مقاومة الاحتلال، أو يدعو إلى ذلك، فضلا عن الإبلاغ عن المقاومين كي تغتالهم إسرائيل!

وفي هذا المعسكر  نجد أيضا حكام الإمارات، والأردن، ودول عربية عدة، رغب حكامها في البقاء في الحكم ودفعوا ثمن ذلك رضا واشنطن وتل أبيب!

***

ختاما:

قبل أن نبكي على الطفل الرضيع علي دوابشة الذي مات حرقا، علينا أن نتذكر القاتل الحقيقي الذي نفذ هذه الجريمة البشعة! الدوابشة لم يحترق فقط بفعل زجاجات حارقة ألقاها مستوطنون يهود، بل أحرقته سابقا كلمات الإعلام المتصهين المحرضة على المقاومة!

الدوابشة أحرقته أيضا جواسيس المخابرات الفلسطينية والأمن الوقائي الذين يبلغون الاحتلال عن كل من يقاومون إسرائيل، ولو كان لهذا الطفل أخ أراد أن يأخذ بثأره لاعتقلته أجهزة الأمن المعنية "بالتنسيق الأمني" مع إسرائيل!

إن تحرير مصر من الطاغية السيسي، والشام من الطاغية بشار، والأردن من الطاغية عبد الله الخطوات الأولى نحو تحرير فلسطين! فتكبيل دول الطوق بأنظمة عسكرية  مستبدة موالية لإسرائيل هو ما يجعل إسرائيل تتمادى بارتياح في جرائمها، وتحرير شعوب هذه الدول الخطوة الأولى نحو تحرير فلسطين!

الأربعاء، 5 أغسطس 2015

إستراتيجية أميركا في سوريا: رأس طائر وجسد متصارع!

إستراتيجية أميركا في سوريا: رأس طائر وجسد متصارع!
__________________________________________________

ملخص:

أصبح الحديث عن قرب حدوث تسوية في سوريا يتزايد كل يوم، وازداد الحديث أكثر مع اجتماع كل من وزيري خارجية أميركا وروسيا في العاصمة القطرية الدوحة منذ أيام. وهذه التسوية المرتقبة في سوريا غالبا لا تتضمن بشار الأسد أو أيا من أركان حكمه سيئي السمعة مع الإبقاء على "مؤسسات" النظام كما هي.

التسوية السياسية بدت خيارا مرشحا مع رفض واشنطن القاطع لانتصار أي طرف من الأطراف على الآخر في الحرب في سوريا، ووضعها خطوطا حمراء أمام تسليح المعارضة السورية بصواريخ مضادة للطائرات  كي لا يحدث حسما عسكريا في سوريا.

وهذه التسوية غالبا ستطلق عملية سياسية هشة متناقضة تتضمن شركاء متشاكسين مختلفين أيديولوجيا، والأهم أنهم مسلحون بشدة، مما يفتح الباب لتكرار مأساة "مجلس الحكم" العراقية في سوريا، بعد الإطاحة بالنظام هناك!


1-    الجمهوريون يفضلون المواجهة .. والديمقراطيون يفضلون الخنق:

مع وصول الريس الأميركي الديمقراطي بيل كلينتون إلى البيت الأبيض في العام 1992، كانت إحدى أهم المشكلات الخارجية التي ورثها من سلفه الرئيس الجمهوري بوش الأب أزمة العراق.

فلاشك أن احتلال صدام حسين للكويت مثل الحدث الأبرز في المنطقة والذي جعل دول الخليج تطلب العون من الولاية المتحدة لحماية عروشها المهددة!

الجمهوريون - وخاصة تيار المحافظون الجدد -  دائما ما يفضلون المواجهة المباشرة، فقاموا في عهد بوش الأب بإخراج صدام من الكويت بعملية عاصفة الصحراء، بمعونة دول وضعت جنودها على الأرض (مصر وسوريا) ودول أخرى تعهدت بدفع فاتورة الحرب كاملة (دول الخليج).

لكن الديمقراطيين يفضلون سياسة الخنق الاقتصادي والانهاك، ولا يلجئون للمواجهة العسكرية إلا مضطرين، لذا فلا عجب أن يكون شعار بيل كلينتون دائما: إنه الاقتصاد يا غبي!

وبحصار امتد لثماني سنوات، نجح الأمريكان في تجويع الشعب العراقي وإنهاك النظام فيه، لكن المحافظين الجدد حين عادوا للحكم مجددا بوصول بوش الابن للحكم في العام 2000 كان لهم رأي آخر!

***

2-    عصر بوش الابن: العصر الذهبي للمحافظين الجدد!

ويمكننا أن نعتبر فترة السنوات الثمانية التي قضاها بوش الابن في السلطة (2000-2008) هي العصر الذهبي للمحافظين الجدد! ففي خلال هذه السنوات القليلة قامت الولايات المتحدة - تحت مسمى الحرب على الإرهاب - باحتلال أفغانستان ثم احتلال العراق.

واكتمل الطموح الجمهوري مع استفزاز واضح لروسيا بتنصيب حكام موالين للغرب في كل من جورجيا وأوكرانيا، بعد ثورات مدعومة من الغرب، ووعود بضم هذه الدول للنيتو، مما يعني أن يصير النيتو على حدود روسيا، وهذه دول تعتبرها موسكو قطعة منها سابقا وحديقتها الخلفية حاليا وامتدادها الجغرافي والتاريخي دائما.

وزاد المحافظون الجدد من الضغط على روسيا مع دعم حكومة قوية في تركيا على الضفة الأخرى من البحر الأسود، ومنع حدوث انقلابات عسكرية ضدها، حتى لو كانت ذات جذور إسلامية إذا لم يكن هناك سبيل لتركيا قوية إلا عبر الإسلاميين، حتى تقف تركيا كدولة حاجز ضد روسيا، مع استحضار الصراع القديم بين العثمانيين الأتراك وروسيا القيصرية التي كانت دائما ما تحلم بوصول سفنها إلى المياه الدافنة في المتوسط، لكن المضايق التركية كانت دائما تقف لها بالمرصاد!

وما زاد الأمر سوء وكاد يفضي إلى سباق تسلح جديد، أو ربما حرب باردة، وجود مخططات معلنة لنشر صواريخ أميركية في أوربا الشرقية موجهة ضد روسيا.

***

3-    إستراتيجية الديمقراطيين: اجعل الآخرين يدفعون الثمن!

ومع وصول باراك أوباما إلى الحكم في العام 2008، والذي لعبت الأزمة الاقتصادية قبيل وصوله دورا كبيرا في فوزه، كان الشعب الأميركي وكثير من شعوب المنطقة في انتظار تنفيذ وعوده التي قطعها على نفسه بسحب القوات من العراق و أفغانستان، وهو ما تحقق بشكل كبير، كما تخلى عن خطط نشر صواريخ في أوربا الشرقية.

لم تكن إستراتيجية أوباما نابعة عن إيمان أعمق بالديمقراطية من الجمهوريين أو بحق الشعوب في الحرية، بقدر ما كان حسابات مختلفة بلغة رجال الأعمال الأمريكان لفكرة وجود قوات في الخارج!

كانت النتيجة المباشرة لسحب الأمريكان جنودهم من العراق، وخاصة بعد تسريح الجيش العراقي، أن يتم تسليم البلد لإيران، التي هيمنت على الحكومات المتعاقبة عليه، والتي كانت حكومات طائفية بقدر كبير!

ومع قانون المحاصصة الطائفية الذي وضعه بريمر في مجلس الحكم العراقي، صار العراق فعليا ممزقا إلى ثلاث دويلات أو كانتونات، جنوب شيعي يهيمن على الحكومة في بغداد، وشمال كردي له حكومته وبرلمانه وشبه مستقل عن الدولة الأم، ووسط سني ضعيف لا أحد يدعمه أو يحميه! وبدأ التناحر بين الطوائف الثلاثة وأمريكا تراقب المشهد من بعيد!

***

4-    تطبيق إستراتيجية الرأس الطائر في العراق:

كانت حكومة نوري المالكي في بغداد(2006 - 2014) تمارس شتى أنواع الفساد والاستبداد، مع قمع شديد للسنة العراقيين الذين ضاقوا ذرعا بسياسات الماكي فقرروا الدخول في اعتصام مفتوح في الأنبار غرب العراق في يناير 2013! تم اقتحام الاعتصام وفضه بالقوة المسلحة مما كان له أبرز الأثر في ظهور داعش لاحقا!

إستراتيجية اضطهاد قطاع عريض من الشعب، مع غياب الدولة المركزية المسيطرة تدفع الطائفة المستضعفة أو قطاعا عريضا منها إلى حمل السلاح، وهو ما حدث في العراق (داعش) وسوريا (فصائل عديدة) واليمن وليبيا، وما يحاولون تكراره في مصر لولا تمسك الإخوان بالسلمية. 

صار حال العراق بعد تطبيق إستراتيجية الديمقراطيين: دولة كردية شبه مستقلة عن الحكومة المركزية في بغداد، وفصائل كردية تحارب داعش المحسوبة على السنة، وشيعة موالون لإيران يهيمون على القرار، يشعرون بثأر تاريخي من صدام حسين المحسوب على السنة والذي أذلهم وشن حربا على إيران، والسنة في المقابل - غير المنخرطين في العملية السياسية - يشعرون أن قتال الحكومة في بغداد واجب بعد فض اعتصام الأنبار بالقوة!

***

5-    الديمقراطيون سيطيحون بالأسد قبل الانتخابات الرئاسية:

الوضع في سوريا الآن يسير على خطى العراق: الدولة المركزية الأم في سوريا لم تعد مسيطرة إلا على مساحة 20-30 % من أرض سوريا، معظمها في مناطق نفوذ النظام الديموجرافي في الساحل العلوي. من ناحية أخرى هناك الجيش الحر وجيش الفتح الذين يحاربون النظام في الشمال والجنوب، وبينهما داعش التي تحارب النظام قليلا، وتحارب المعارضة كثيرا!

 أما وحدات حماية الشعب الكردية في الأكثر تعاونا مع واشنطن في حرب داعش، والأكثر تلقيا للسلاح والمساعدات لذلك، مما دق نواقيس خطر عديدة في أنقرة من احتمال إقامة الأكراد دولة كردية في سورية على حدودها الجنوبية ستشجع مدنا كردية أخرى في تركية على الانضمام إليها، وربما تنضم هذه الدويلة الجديدة لنظيرتها الكردية في العراق، مما عجل بالضربة التركية ضد مسلحي حزب العمال الكردستاني في العراق وامتناعها عن تقديم أي عون لأكراد سوريا الذين يقاتلون مسلحي داعش!  وكما قال زعيم حزب الشعوب الديمقراطي التركي الممثل للأكراد فإن أحد أهم أسباب الحملة التركية في سوريا والعراق هو منع إقامة دولة كردية، وهذا صحيح! 

 وهذا الوضع يتلاءم مع وجهة نظر الديمقراطيين، من باب "دعهم يتقاتلون" ، فبشار الأسد حتى هذا الحين يجذب لهم جميع التنظيمات الجهادية ويجعلها تتناحر فيما بينها.

 إلا أن استمرار بشار أكثر في السلطة ربما يهدد بحسم هذه التنظيمات الحرب ضد بشار، وخاصة إذا قدر لقوات المعارضة في الجنوب أن تتوحد على غرار جيش الفتح في الشمال، أو أصرت المعارضة على التوجه نحو مدن الساحل الإستراتيجية، أو طرق أبواب العاصمة دمشق، وسط معاناة النظام وشكوى بشار الأسد من قلة عدد جنوده المحاربين على الأرض.

وهذا يقلق واشنطن بشدة،  ويدفعها إلى رفض أي حسم عسكري لأي من الأطراف المتحاربة، وربما هذا الوضع هو عين ما أرادته واشنطن بوضعها فيتو قوي في 2012 أمام تسليح المعارضة بصواريخ مضادة للطائرات، مع التنازل عن خطوط حمر سابقة على استخدام النظام للسلاح الكيماوي! كان استخدام بشار للسلاح الكيماوي وعدم السماح للمعارضة بتملك صواريخ مضادة للطائرات أهم أسباب ظهور داعش، وربما كانت الولايات المتحدة ترغب في وجود هذا التنظيم!

الحسم العسكري لأي من الأطراف في سوريا يعني انتهاء الأزمة فيها لصالح أحد الأطراف، وهو ما ترفضه واشنطن تماما! فانتصار المعارضة السورية يعني وجود تنظيمات إسلامية راديكالية على الحدود الشمالية لإسرائيل، بكل السلاح الذي غنمته هذه التنظيمات والذي ستغنمه من مخازن النظام السوري إذا سقط. وانتصار بشار - وهذا مستبعد عمليا - يعني انتصار إيران في هذه الجولة، وتمدد نفوذها الإقليمي، وغضب سعودي وخليجي، وهذا لا يمكن أن تسمح به واشنطن وبالذات قبيل الانتخابات الرئاسية المقبلة! فالجمهوريون سيزايدون بشدة على الديمقراطيين لمجرد بقاء بشار المستبد الذي استخدم سلاحه الكيماوي ضد شعبه في السلطة، فضلا عن انتصاره في المعركة وسحق المعارضة! 

***

الخلاصة:

 أوباما لا يمكم أن يدفع حزبه لخوض الانتخابات الرئاسية المقبلة وبشار الأسد لا يزال في السلطة! لأن ذلك سيصير مادة مزيادية قوية من قبل الجمهوريين في موسم الانتخابات.  كما أن هزيمة بشار الأسد عسكريا غير مفيد لمصالح أميركا، لأن البديل مخيف؛ فصائل إسلامية متشددة مسلحة على حدود إسرائيل الشمالية. الراجح أن أوباما سيدفع إلى تسوية سياسية في سوريا لا تشمل بشار الأسد وأركان حكمه، مع إطلاق عملية سياسية تشمل جميع المكونات بما فيها النظام القديم

هذه العملية السياسية ستشمل طوائف وفصائل متضادة فكريا وأيديولوجيا، وهي فضلا عن ذلك مسلحة بقوة، مما يعني استمرار الأزمة في سوريا حتى بعد سقوط بشار. إنه تطبيق حرفي لإستراتيجية الرأس الطائر والجسد المتصارع!  

وما تقوم به تركيا ضد الأكراد الآن، وما تقوم به أميركا ضد جبهة النصرة، ما هو إلا إعداد للمسرح قبل الاتفاق، كي لا تنضج تسوية سياسية، وبعض الفصائل على الأرض تميل كفتها عن فصائل أخرى. ومن ناحيتها؛ ترشح معلومات وصفت بالدقيقة عن خطة إيرانية لتهجير العائلات السنية من دمشق وريفها استعدادا للخطة "ب" الإيرانية والتي تقضي بانكفاء النظام على دويلة تشمل العاصمة والساحل حيث نفوذ النظام الديمجرافي المتمثل بالأغلبية العلوية!