هجوم رفح..
هل بدأت إسرائيل في اعتماد "استراتيجية التوتر"؟؟
(يتناول هذا
المقال شرحا لاستراتيجية التوتر ويتبناها كنظرية لفهم وتفسير ما جرى في رفح)
كانت نظرية
الأمن القومي المصري - ولا زالت - ترتكز
لفترة طويلة على سيناء.. "من يسطير على الممرات يسيطر على سيناء، ومن يملك
سيناء يهدد القاهرة، ومن يملك القاهرة يهدد المنطقة" هذه هي المعادلة التي
فرضها الموقع والجغرافيا على هذا الوطن أو ما أسماه الراحل العظيم جمال حمدان
"ديكتاتورية الجغرافيا"..
الآن هناك طرف ما في المنطقة معروف للجميع يريد
أن يثبت أن مصر الثورة غير قادرة على حماية جنودها أو حدودها أو أمنها القومي،
مستخدمة في ذلك أساليب تعيد إلى الأذهان بقوة ما أصبح يعرف "باستراتيجية
التوتر"..
مفهوم استراتيجية التوتر:
في السادس
عشر من مارس عام 1978 قامت منظمة الألوية الحمراء
- وهي منظمة إيطالية إرهابية سرية متطرفة ،
تأسست عام 1970 في ميلانو- باختطاف رئيس الوزراء الإيطالي وزعيم حزب
الديمقراطية المسيحية "ألدو مورو" أثناء ذهابه لمبنى البرلمان الإيطالي
وقتلت خمسة من حراسه الشخصيين.. كان مورو متوجها للبرلمان للحصول على ثقة النواب
للدخول في تحالف حكومي يسمح للشيوعيين بالمشاركة في الحكم، وإنهاء عقدين من التوتر
وعدم الاستقرار، مما عرف وقتها "بالحل التاريخي"..
كانت
الشيوعية قد بدأت تنتشر في أوروبا بشدة، وتكتسب أنصارا من الشباب كل يوم، بشكل أقلق الدول الغربية، التي كانت ترى منذ
اللحظة الأولى في الشيوعية الخطر الحقيقي عليها.. وأصبح الصراع الأيديولوجي بين
اليمين (الرأسمالي) واليسار (الاشتراكي) على أشده في هذه الدول.. و يجب ألا ننسى أن
الخوف الرئيس لدول أوروبا كان من الشيوعية، وأن بريطانيا وفرنسا قد دعمتا هتلر النازي بكل
ما يحمله من أفكار فور وصوله لمنصب المستشارية في ألمانيا عام 1933 ظنا منهما أنه
سيكون خط المواجهة الأول ضد الشيوعية، واستغل هتلر ذلك مدة ست سنوات كاملة حتى
جاءت المعلو مات الاستخبارية إلى لندن
وباريس صيف العام 1939 أن هتلر لا يريد التوجه شرقا فحسب، بل أن أوروبا هي هدفه
الرئيسي.. ساعتها قامت الدعاية الغربية بشيطنة هتلر والاستعداد لمواجهة هذا الخطر
الكاسح (انظر روجيه جارودي: كيف نصنع المستقبل، الباب الرابع: هتلر كسب الحرب)
كانت
الغالبية الساحقة من المواطنين المنخرطين في الحركات الاجتماعية لليسار تلجأ الى
أشكال غير عنيفة من الاحتجاج مثل مظاهرات، وأعمال عصيان مدني، والكثير من النقاشات
الحادة. و سياسيا كان الحزب الشيوعي القوي، وأقل منه، الحزب الاشتراكي، في قلب
البرلمان الإيطالي، متعاطفين مع هذه الحركة فكانا يدينان سياسةالولايات المتحدة الأمريكية، وحرب فيتنام وكذلك
توزيع السلطة في إيطاليا، لأنه على الرغم من الأغلبية المهمة التي كان يتوفر عليها
الحزب الشيوعي الايطالي في البرلمان فإنه لم يحصل على أي وزارة وظل، بسبب ذلك،
مقصيا من الحكومة
.
إلا أن بعض
حركات اليسار المتطرف لجأت إلى العنف مثل حركة الألوية الحمراء سالفة الذكر وحركة
الجناح المسلح الأحمر (لاحظ اللون الأحمر يشير بوضوح للشيوعية).. في المقابل لجأت
أحزاب اليمين إلى إعداد تنظيمات سرية مسلحة بدعم من الولايات المتحدة الأمريكية
وحلف الناتو (وهو ما عرف بعد ذلك بالجيش السري للناتو) للقيام بعمليات إرهابية
دموية وإلصاقها بهذه المنظمات اليسارية لفض الناس عنها من ناحية، ولتبرير أعمال
القمع وتقييد الحريات التي يقوم بها اليمين الحاكم آنذاك.. فيما يعد وبعد عشرات
السنين اتضح أن معظم هذه العمليات لم تكن من فعل هذه المنظمات اليسارية التي
اتهمتها الأنظمة الحاكمة وإنما من صنع أفراد من تدبير هذه الأنظمة بغطاء أمني واستخباري وعسكري قوي وهذا ما اصبح
يعرف باستراتيجية التوتر..
وهذه
الاستراتيجية تعني باختصار قيام الأنظمة المراد تدعيمها بعمب عمليات عنف دموية،
ونسبتها إلى تيارات إرهابية وهمية أو مصطنعة بغرض إحكام هذه الأنظمة السيطرة على
الحكم عبر سياسات قمعية متشددة تروج لها حملات دعائية ضخمة كي يؤيد الرأي العام
هذه الأفعال، أو على الأقل يقف على الحياد..
في مارس
2001، ألمح الجنرال جيانديليو ماليتي، القائد الأسبق لمحاربة الجاسوسية، إلى أن
الاغتيالات التي أفقدت الشيوعيين الإيطاليين الثقة، تلقت كذلك موافقة البيت الأبيض
وجهاز المخابرات الأمريكية، علاوة على موافقة
الشبكة السرية الإيطالية، والمصالح السرية العسكرية الإيطالية، والفرق الإرهابية
اليمينية المتطرفة.
وقد اعتمدت
هذه السياسة نظما قمعيا أخرى عدة أشهرها الجيش الجزائري عقب الانقلاب الذي قام به
على الانتخابات والمسار الديمقراطي عام 1992 بعد أن أثمرت الجولة الأولى عن فوز
الإسلاميين.. حيث اتضح بعد ذلك أن كثيرا من أعمال القتل والعنف التي حدثت في
الجزائر كانت بتدبير من الجيش نفسه!! زالذي نسبها بطبيعة الحال للمتطرفين
الإسلاميين..
جاء في مقدمة
كتاب الحرب القذرة الذي يروي فيه حبيب سويدية - وهو ضابط سابق في القوات الخاصة في
الجيش الجزائري 1992 -2000- أساليب الجيش الجزائري في القمع والتنكيل بالمعارضين
تحت عنوان فرعي باسم "استراتيجية التوتر" ص 16 :
"غداة
انقلاب كانون الثاني (يناير) عام 1992 بدأت هجمات ضد رجال الشرطة والعسكريين، وكان
القمع الحكومي فظا. لم يكن لجنود وضباط القوات الخاصة في الجيش الوطني الشعبي خبرة
بمكافحة الإرهاب مما جعلهم مادة سهلة للتلاعب ولم يكن للسكان أي ثقة بهذه الوحدات التي
تتدخل دون أي احترام لحريات المواطنين. عمليات توقيف وتمطيش وتفتيش واسعة تطول
أشخاصا بمجرد اشتباه بشراكتهم مع الإرهابيين، وليس بناء على حجج قانونية.. ومنذ
عام 1992 استهدف جوهر عمليات القمع السكان المدنيين الذين يفترض أنهم يدعمون
الجماعات المسلحة أكثر مما استهدف هذه الجماعات (!!).."
"وفي
الحقيقة كانت هذه الاستراتيجية أداة في أيدي الهرم العسكري ونخبة قليلة من أصحاب
الامتيازات للاحتفاظ بالسلطة. إنها تشبه على نحو فريد تلك الاستراتيجية التي
تبنتها في إيطاليا سلطة خفية ولكن حقيقية.. عندما راحت الألوية الحمراء تعيث
فسادا، فلجأت هذه السلطة الخفية إلى عمليات قتل جماعية (هجمات عمياء يشك بمرتكبيها)
من أجل تعزيز أركانها بفضل عدم الاتزان العام الناتج عن انعدام الأمن المعمم، ومن
أجل منع أي تغيير عن طريق تحويل اهتمام البلاد عن المشكلات الجتماعية التي لم تحل"
الحرب القذرة
– ص 16 و 17 بتصرف
وأخيرا نقرا
في موسوعة ويكيبيديا الإنجليزية التالي عن استراتيجية التوتر (بالإيطالية (strategia
della tensione:
"هي
نظرية تصف كيفية إحداث انقسام في الرأي العام، والتلاعب به والتحكم فيه، عبر بث
الرعب، وشن حملات دعائية ضخمة و نشر معلومات مغلوطة ومضللة واعتماد تكنيكات الحرب
النفسية عبر عملاء محليين ونسب الأمر لعناصر إرهابية معروفة ومزيفة".. False flag terrorist
***
في ضوء ما تقدم
يمكننا استعراض حادث ر فح المأساوي والتعليق عليه:
1- الحادث
جاء بعد 24 ساعة من لقاء هام للرئيس الجديد مع قيادات الجيش الثاني الميداني
وتصريحه أنه لن يسمح لأحد أن يهين القوات المسلحة المصرية.
2- الحادث
جاء بعد أيام من تصريح قيادات في الجيش المصري أن سيناء مؤمنة تماما..
3- الحادث
جاء في الأسبوع الأول لتشكيل الحكومة بالضبط كما جاء حادث بورسعيد في الأسبوع الأول
لإنعقاد البرلمان.. وكلنا يذكر أن مهاجمة البرلمان ومحاولة إحراقه شعبيا بدأ من
هذه المذبحة، وانتشار كلمة "البرلمان عملنا ايه؟" بنفس الطريقة تحرك إعلام
الفلول بشكل سريع جدا لمهاجمة المؤسسة الجديدة المنتخبة لإسقاطها شعبيا أيضا..(الرئيس
ضعيف.. الرئيس يتحمل المسؤولية..إلخ)
4- الحادث
جاء بعد يومين من تحذير إسرائيل لرعاياها بمغادرة سيناء فورا..
5- شهود عيان
أكدوا لصحيفة البديل أن الإسرائيليين تركوا معبر كرم أبو سالم قبيل الإنفجار..
6- جميع
الحركات الجهادية التي مارست مثل هذه الأعمال في الماضي وكانت تتبناها فور وقوعها
وتعتبرها أعمالا بطولية نفت أي مسؤولية عن الحادث..
7- من الواضح
أن ثمة خلاف حدث بين الدولة العميقة (وعلى رأسها شق في المخابرات) وبين المجلس العسكري (أشارت إلى ذلك
الدكتورة هبة رؤوف عزت).. فالدولة العميقة ومن ورائها إسرائيل كانت تعول على صراع تصادمي
بين الرئيس الجديد والمجلس العسكري، وكما ذكر أحد الكتاب الإسرائيليين أن إسرائيل
كانت تتمنى حكومة إخوانية يسهل حصارها وتشويه صورتها.. فلما اتضح في الأفق أن ثمة
توافق ما حدث كان بموجبه تأجيل حكم حل التأسيسية في الدستور مقابل مكاسب في
الحكومة، وأن الحكومة لم تضم سوى أربع وزراء فقط من الإخوان مع غياب رموز سياسية
كثيرة لجأت هذه الدولة العميقة على الفور إلى الخطة البديلة واعتماد استراتيجية
التوتر..
8- كان واضحا
أن المسرح يتم إعداده إعلاميا للصق التهمة سلفا بالفلسطينيين.. فبدء من الإدعاء أن
أزمة الكهرباء سببها أن مرسي يعطي السولار لغزة، ثم الإدعاء أن هشام قنديل والدته
من حماس، ثم تصريح أبو حامد غير المبرر وبدون داع قبل الحادث بأربع وعشرين ساعة أن
سيناء أغلى عنده من الشعب الفلسطيني كله (!!)، وكذلك تصريح مصطفى بكري أن أحداث
عنف قد تجري في سيناء.. كل ذلك كان يرمي في رأيي لربطنا بعدو وهمي وبذلك تضرب
إسرائيل عصفورين بحجر، توتر على الحدود وقطع الطريق على أي تقارب مصري فلسطيني
9- المخابرات
المصرية تعرف سيناء جيدا رغم عدم وجود قوات قتالية في المنطقة طبقا لكامب ديفيد،
وكلنا يذكر كيف قبضت الأجهزة الأمنية على خلية حزب الله في قلب سيناء منذ سنوات. فحدوث
هذا الحادث بهذا الشكل، وسررقة مدرعتين وعدم إطلاق رصاصة واحدة على المهاجمين يشير
من ناحية إلى وجود اختراق إسرائيلي ما لأجهزة الأمن المصرية، كما يشير من ناجية
أخرى إلى ترهل أصاب قطاعات في الجيش خلال 30 سنة من كامب ديفيد انشغل الجيش بعدها
بالسياسية وترك الأمور العسكرية
10- إذا كانت
إسرائيل هي من دبر لهذه العملية وهذا ما نعتقده فإننا نعتقد أنها فعلت ذلك إما عبر
جماعات مخترقة، أو عبر مجموعات محمد دحلان الذي يوجد في الإمارات حاليا، فمن ناحية
جنود إسرائيل غاليين عليها ولا يمكنا المجازفة بهم، ومن ناحية أخرى إذا أسر اي
واحد منهم لأأي سبب فإن ذلك يعرض العملية كلها للانكشاف.. وكلنا نتذكر أعمال محمد
دحلان في غزة ضد الحكومة المنتخبة آنذاك..
11- من
الواضح تلقي أهل فلسطين لضربة قوية من العملية، فبدء من اتهامهم بالقيام بها، ومرورا
بغلق معبر رفح وكذلك معبر كرم أبو سالم، مما يعني المزيد من المعاناة على المعابر في
الأيام المقبلة.. والأهم من ذلك توتير العلاقات المصرية الفلسطينية التي بدأت
تتحسن قليلا عقب فوز مرسي..
12- العملية لها أهداف إسرائيلية عديدة منها: توجيه
رسالة للناس بأن مصر الثورة ضعيفة وغير قادرة على حماية جنودها.. وتوجيه رسالة
للعسكري بأن مستقبله مع إسرائيل وليس مع المؤسسات المنتخبة.. ومن المحتمل تكرار مثل هذه الهجمات في سيناء أيضا من أجل تأكيد صورة ذهنية عن ضعف
القيادة السياسية والحكومة الناشئة، وإشعار المواطن بأن اختياره كان خاطئا في
الانتخابات الأخيرة، تأكيدا للدعوات التي أطلقها إعلام الفلول قبل الانتخابات أنه
في حالة فوز مرسي فستشهد البلاد مزيدا من الانفلات الأمني عكس فوز شفيق الذي وعد
بإعادة الأمن في 24 ساعة (!!) ..
13- استغلال
مثل هذه الأحداث لفرض معادلات سياسية جديدة أو الادعاء بأن البلاد غير مستقرة وربما
المطالبة بإعلان الأحكام العرفية كمقدمة لتأجيل قضية الدستور إلى أجل غير مسمى
وارد جدا.. وخاصة في ظل دعوات لإحراق مقرات الإخوان (حدث هجوم مسلح بالفعل
بالذخيرة الحية على المقر العام للجماعة في نفس يوم الهجوم) وكذلك إعلان أبو حامد
عن تكوين جيش قوامه 250 ألف فرد لإسقاط الإخوان بعد العيد..
***
من الواضح من
تعريف استراتيجية التوتر اعتمادها على أعمال عنف دموية مصحوبة بحملات دعائية والكثير
من المعلومات المضللة بشكل رئيسي.. وبناء عليه فإن المفتاح الرئيسي لمواجهة هذه
الاستراتيجية يكون:
1- إعلاميا:
بحد أدنى من الشفافية حول ما يجري والتعامل بكل حزم مع كل من ينشر إشاعات كاذبة أو
أخبار مضللة، وأن يتحول إعلام الثورة إلى فعل وليس رد فعل حتى لا نترك الشارع
لأحاديث الغوغاء ثم يقع علينا عبء الرد على هذه الشائعات وتغيير هذه الصورة بعد
ذلك.. وإذا كان هناك ما يمنع القيادة السياسية من الكشف عن أي معلومات يمكن أن
يقوم بهذا الدور مقربون منها ولا يتحدثون باسمها، بالضبط كما نرى عشرات من رجال
الدولة العميقة والمجلس العسكري منتشرين على الفضائيات تحت ستار خبير استراتيجي أو
خبير عسكري!!
2- عسكريا: في
الوقت ذاته لابد من عمل على الأرض يثبت هيبة الدولة وقدرتها على القبض على الجناة
وحماية جنودها وحدودها.. خاصة وأن إسرائيل تعمدت قتل من تبقى في العملية وكأنها
تقطع آخر خيط يمكن أن يقود للجناة..
3- داخليا:
يجب الانتهاء سريعا من وضع الدستور وتحديد موعد للاستفتاء عليه وهذه ستكون ضربة
قاصمة للدولة العميقة وإسرائيل.. أما فيما يتعلق بأعمال الفوضى التي ربما يسعون إليها
فيجب أن تدعو وزارة الداخلية جميع المواطنين لعدم الإنجرار لدعوات العتف والالتزام
بسلمية التظاهرات، وتفويت الفرصة على كل من يريد إشاعة الفوضى وحدوث اشتباكات بين
أبناء الوطن الواحد..
4- سياسيا: يجب أن يستغل الحادث كما قال الدكتور
معتز عبد الفتاح لإعادة النظر في اتفاقية كامب ديفيد ووضع الجيش في سيناء..
حفظ الله مصر
وأهلها وحفظ الله الثورة..ووقانا شر من يكيد لنا في الداخل والخارج.. ورحم شهدائنا
الأبرار وتقبلهم في الصالحين.. اللهم آمين