
نظرات في سورة ص
دار حديث بيني وبين صديق حميم عن بعض الناس ممن نعرفهم، والذين لا يكفون عن الحديث والتجريح والتشكيك في خصومهم السياسيين التقليديين بشكل دائم، أكثر ربما من حديثهم عن أفكارهم الخاصة أو الترويج لها لمحاولة كسب أنصار جدد (والذين يكونون عادة مشتركين في نفس الخصوم )
كلام.. كلام.. كلام.. هذا ما يصيبنا من الكثير من هذا الصنف من الناس، والذين نعتز بمعرفة الكثير منهم، ولا يعكر صفو العلاقة بيسننا وبينهم إلا أنهم على الدوام لا يكفون عن الكلام عنا بنظرة المحامي الذي يتخذ قرارا مسبقا ببراءة موكله وإدانة الخصم، ويبحث جاهدا ويفتش دائما عما يدعم وجهة نظره ويثبت إدانة الخصم، حتى إذا بدا أمامه أدلة صارخة على خطأ موكله أو براءة الخصم.. لابنظرة القاضي الذي يتحرك متقمصا شخصية الباحث عن الحقيقة أينما كانت وفي صالح من هي..
وبعد فترة من الجدل، وفي نهاية ليلة شاقة من الحديث والجدال والأخذ والرد والضيق الذي أصاب المرء من التجني والتعصب والتعامي عن الحقائق، عمدت إلى النوم داعيا الله عز وجل أن يرينا – جميعا – الحق حقا ويرزقنا اتباعه، وأن يرينا الباطل باطلا ويرزقنا اجتنابه..
وقبل أن أنام تذكرت أنني لم أقرأ وردي اليومي من القرآن الكريم.. أصابني الضيق ولا سيما أنني كنت في عاية التعب.. وتذكرت كلمة لأحد أساتذتي الذين أعتز بتتلمذي في فترة ما على أيديهم يقول فيها: إذا فاتك وردك اليومي من القرآن فافتح المصحف واقرأ بضع آيات منه، فما لا يدرك كله لا يترك كله، فإن لم تستطع فإن استطعت أن تفتحه وتلقي نظرة عليه فقط فافعل!
تذكرت هذه النصيحة، وفتحت المصحف الشريف، وكان الدور على سورة ص.. وقرأت في بداية السورة كلاما غريبا قاله العرب للنبي صلى لالله عليه وسلم! على غرار (أجعل الآلهة إلها واحدا.. ما سمهنا بهذا في الملة الآخرة.. أءُنزل عليه الذكر من بيننا.. وقالوا ربنا عجل لنا قطنا (أي عذابنا) قبل يوم الحساب) إلى غير ذلك.. وتساءلت: كيف يوجه الله سبحانه وتعالى حبيبه محمد صلى الله عليه وسلم للتعامل مع هذه الألسنة التي لا تهدأ؟
وجدت الرد القرآني كالآتي: (اصبر على ما يقولون واذكر عبدنا داوود ذا الأيد إنه أواب) ص:17
وكأن المعنى الذي وقر في نفسي: (دعك يا محمد من هؤلاء الناس الذين لا عمل لهم ولا يجيدون إلا الكلام (اصبر على ما يقولون)، واذكر مثالا لرجل عملي (واذكر عبدنا داوود) الذي لم يكتف بالكلام، بل اهتم بما صنعت يداه من أعمال، دينية ودنيوية (ذا الأيد)!
وقد ذكر الله عز وجل هذا المثال ليتعلم المسلمون ألا تغلبهم الحماسة أثناء التطبيق المنهج الرباني كما فعل سيدنا داوود، حين أرسل الله عز وجل ملكين في سورة رجلين قال له أحدهما: (إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة فقال أكفلنيها وعزني في الخطاب) ص:23
فقال سيدنا داوود على الفور في حماسة لتطبيق شرع الله (قال لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه..) ص24
وكان الدرس هنا: عليكم أيها المسلمون بتحكيم عقولكم والسماع لكلا وجهتي النظر، لأن اتخاذ قرار بعد سماع وجهة نظر واحدة لن يؤدي إلى حكم دقيق على الأمور، وسيؤدي غالبا إلى حكم جائر غير سليم.. (يا داوود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله، إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب) ص: 26
وقد فطن نبي الله عز وجل إلى الرسالة الربانية الذي وجهها الله عز وجل له: (وظن داوود أنما فتناه فاستغفر ربه وخر راكعا وأناب) ص: 24 والرجوع إلى الحق إذا ما تأكد شيء بديهي لرجل وصفه الله عز وجل (إنه أواب) ص:17..
المثال الآخر الذي ذكره الله عز وجل لسيدنا سليمان عليه السلام، الذي اهتم بالأخذ بالأسباب وتملك أدوات الانتاج وتوطيد الدولة الربانية لدرجة أن ذلك شغله عن ذكر الله (فقال إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي..) ص: 32
ولاشك أن الرسالة واضحة في المثاليين المذكورين، أن ننزل من فضاء التنظير إلى أرض الواقع.. والخطاين الذين نبهنا الله إلى عدم الوقوع فيها هما خطاين في التطبيق لأناس يعملون ولايقفون عند حدود الكلام.
ثم ختمت السورة بقصة آدم عليه السلام مع إبليس الذي جادل عن كبر، وقد أخذته العزة بالإثم، ولم يرجع للحق بعد أن تبين له بل زاده كبره تحديا عنادا..
وفي النهاية يأمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يقول: (قل ما اسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين) ص:86 ولعل التفسير السياسي لكلمة المتكلفين هي :وما أنا من المزايدين، فلقد كثرت المزايدات من أشخاص يرتكبون الأخطاء السابقة جميعها: تسوقهم الحماسة للاندفاع في اصدار الأحكام دون الاستماع لوجهة النظر الأخرى، الاستغراق في العمل الدنيوي والانفضال عن العمل الدعوي، والتحيز المسبق لوجهة نظر الذي قد يدفع صاحبه للكبر والعناد حتى وإن اتضح له أن خصمه على صواب.
(إن هو إلا ذكر للعالمين. ولتعلمن نبأه بعد حين) ص: 87 -88
وهو أفضل ختام للسورة، يدعو الآخرين للفكر فيما يعرض عليهم، وسنعلم جميعا من كان مصيبا..
إن هذا القرآن ملئ بالدروس العبر التي لاغنى للداعية عنها اثناء سيره في طريق دعوته.. جعلنا الله جميعا ممن يقرأ حروفه ويطبق حدوده.. ووفقنا جميعا إلى ما فيه صلاح البلاد والعباد..اللهم آمين
حفظ الله مصر!
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
هذا ما لدي.. فماذا ترون؟