
من الخطأ النظر للواقع الداخلي المصري بمنأى عن دور الولايات المتحدة صاحبة النفوذ الأكبر في المنطقة..
كانت ثورة الخامس والعشرين من يناير مفاجئة بلاشك للولايات المتحدة.. ووثائق ويكيليكس قبل الثورة تؤكد أن الأميريكان كانوا يعتقدون عدم إمكانية قيام أي ثورة على ضفاف النيل طالما ظل مبارك في الحكم! وإن لم يمنعهم هذا من ابتزاز مبارك بشكل "محسوب" من حين لآخر من أجل مزيد من الانبطاح.
كانت الثورة مفاجئة للعالم أجمع.. وقد ظنوا طويلا أن الشعوب العربية لاتثور إلا لأسباب محدودة، حرصوا طويلا على عدم الاقتراب منها.. فلما قامت ثورة أعتبرها شخصيا – ومعي آخرين – الثورة الأعظم في التاريخ، تفاجأوا بقيامها، وربما انبهروا كأشخاص بها، وقالوا فيها شعرا.. إلا أنهم سرعان ما أقاموا غرف عمليات لإدارة هذه الأزمة – أزمة لمصالحهم – وضمان عدم حدوث تغير كبير في الأوضاع في المنطقة رغم تغير عامل مهم جدا من عوامل المعادلة!
وأصبح واضحا منذ اليوم الأول أن سياسة الغرب – والولايات المتحدة تحديدا – تجاه الثورة المصرية هي سياسة الاحتواء.. كلام معسول في وسائل الإعلام عن شجاعة المصريين، وعلى الأرض مجموعة من الاجراءات الهدف منها "تجميد" الثورة عند سقوط مبارك فقط! ويمكننا أن نعدد بعض هذه الإجراءات في التالي:
1- نقل السلطة إلى المجلس العسكري المصري وليس إلى رئيس مجلس الشعب كما كان ينص الدستور بهدف لم خيوط اللعبة، وعدم حدوث سيناريو غير محسوب، مستغلين حالة الثقة التي سادت وقتها بين الثوار والجيش والتي تمثلت في شعار "الجيش والشعب ايد واحدة".
2- إطالة أمد المرحلة الإنتقالية، لإعطاء مزيد من الوقت للسفيرة الأميريكية الجديدة وطاقمها للاستعداد للتعامل مع الوضع الجديد ومزيد من التغلغل في البلاد مستخدمة المال السياسي بقوة (قضايا التمويل الأجنبي) ، و من ناحية إضعاف الاقتصاد المصري أكثر وأكثر مما يجعل مصر في موقف أضعف أمام الضغوط الغربية.
وقد كنا الفصيل الرئيسي الذي يطالب بضرورة اجراء الانتخابات في موعدها لسرعة تسليم السلطة وعارضنا آخرون متهمين إيانا أننا لا نريد إلا الوصول للحكم، على الرغم أننا أعلنا قرارا بأننا لن نحصل على أكثر من نصف مقاعد البرلمان
3- التفرقة بين الشعب والجيش، عن طريق تعامل المجلس العسكري مع الثوار بنفس العنف الذي اتبعه مبارك بل وأكثر.. ولا شك أن ضباط أمن الدولة ورجال النظام السابق كانوا حاضرين في كل المناسبات. وقد حاولوا دائما تطوير من خلاف بين الشعب والمجلس العسكري إلى خلاف بين الشعب والجيش المصري..
وأذكر فقط هنا أنه مهما كان خلافنا مع المجلس العسكري فلا يجب أن يمتد ذلك أبدا للجيش المصري العظيم، لا لاسقاطه ولا لاحداث انشقاق بداخله ولا لجر الشعب إلى مواجهات مع الجيش.. لا يجبل أن ننسى أن الجبش المصري هو الجيش الوحيد الباقي في المنطقة بعد الجيش العراقي والجيش السوري والجيش الليبي ...إلخ
4- التفرقة بين الثوار وبعضهم البعض عن طريق تخوين الجميع للجميع، فالقوى الليبرالية كلها مدعومة من الخارج، والقوى الإسلامية جميعها عقدت اتفاقا مع العسكر.. كل ذلك عملا بالمبدأ القائل Divide and rule! فرق تسد.
(ولا يعني هذا عدم وجود رجال للغرب على الأرض.. هذا غير منطقي..ولكن تخوين الفصيل كله هو المشكلة.. وقد كان بعض المقربين من الخوميني على علاقة بالمخابرات الأميريكية!)
5- فقد رمزية ميدان التحرير بالعديد من المظاهرات والمليونيات والجمع غير المتفق عليها من بين جميع القوى السياسية لافقاد الميدان وحدته ,تغيير الصورة الذهنية عنه أمام الشعب وأمام العالم.
6- تصدير فريق بعينه لاحتكار الحديث باسم الصورة والدفاع عنه..
7- محاولة الالتفاف على الإرادة الشعبية بفرض ما يسمى مبادئ فوق دستورية تفرض فرضا على الشعب والدستور والبرلمان والرئيس القادم وقد أسقطها الإخوان ومن معهم من القوى الوطنية في مليونية 18 نوفمبر العظيمة.. (وأسقطوا معها الوضع الخاص للجيش وميزانيته المجهولة في الوثيقة)
8- محاولة التدخل بشتى الطرق في عملية وضع الدستور الجديد بعد فشل فيلم المبادئ فوق الدستورية، إما بسحب ملف اختيار الجمعية التأسيسة من يد البرلمان القادم (تعاد نفس هذه النغمة الآن) أو بالتدخل في نسب نجاح القوى السياسة في البرلمان لفرملة نجاح الإسلاميين المصممين على إحداث تغيير حقيقي.. وتصريحات ساويرس بطلب الدعم الغربي شاهدها الجميع.
9- افتعال أزمات طول الوقت بهدف "كعبلة" الثورة في العديد من التفاصيل لتنحرف عن الهدف الرئيسي الذي يجب أن تسلكه، من مسرح البالون لماسبيرو للسفارة الإسرائيلية لمحمد محمود لبورسعيد ...إلخ وعدم الافصاح عن نتائج اللتحقيقات أو تقديم متهمين للعدالة.
10- يترتب على النقطة السابقة نشر شعور عام بعدم الرضا بين الناس عن أي انجاز تحققه الثورة إذا ما قورن بدماء الشهداء التي تسل دونما سبب.. والدفع باتجاه ثورة ثانية ينزل فيها العديد من المصريين على غير اتفاق على الهدف ولا تنظيم فيما بينها، في وقت تكون فيه الولايات المتحدة ورجالها على الأرض مستعدون تماما هذه المرة للقفز على هذا التحرك واستغلاله لفرض New realities حقائق جديدة على الأرض..
ولا يقولن أحد أنهم مجمعون على هدف وهو اسقاط المجلس العسكري، لأنهم غير متفقين عمن يتسلم السلطة بعده.
11- حملة إعلامية ضخمة لتسليط الضوء على أي تحرك من هذا النوع لتهييج الناس -الغاضبة أصلا- ودفعهم للنزل من ناحية، ولإبراز مصر أمام العالم على أنها دولة غير مستقرة من أجل مزيد من إضعاف مصر اقتصاديا.. (تكلفت إحدى الفضائيات 300 ألف دولار يوميا لنقل أحداث محيط وزارة الداخلية رغم إعلان جميع الفضائل والقوى السياسية تراجعها إلى الميدان!) والهدف من إحراق وزارة الداخلية والمجمع العلمي ومصلحة الضرائب واستاد القاهرة هو اسقاط الدولة ذاتها وليس اي شيء آخر!
12- التشكيك في أولى مؤسسات الدولة الناشئة (البرلمان) من خلال:
· التصريح بأنه لا يمثل الشعب، وأن الشرعية للميدان.
· تجاهل أعمال لجانه الخاصة والعامة، والتقليل من انجازاته طالما على يد الإسلاميين حتى لا يشعر الناس أن تغيير قد حدث أو على الأقل أن هناك أمل في التغيير.
· الخلط بين مهام السلطة التشريعية (البرلمان) التشريع والرقابة، ومهام السلطة التنفيذية (الحكومة) لمطالبة البرلمان بما لايطيق وإفشاله في أعين الناس..
وغني عن القول أن البرلمان مهم جدا لاستكمال الثورة المصرية ليس لتركيبته ذات الأغلبية الإسلامية ولكن لأنه أولى خطوات بناء مؤسسات دستورية حقيقية بعد الثورة
13- توريط أي حكومة قادمة وتقييدها بقيود اقتصادية نتيجة الاقتراض من مؤسسات دولية مسيسة وامتناع دول الخليج والدول الغربية بتقديم المساعدات التي وعدوا بها مصر..
وأذكر هنا بما قاله المهندس خيرت الشاطر –سيتوقف التاريخ طويلا يوما ما أمام نضال هذا الرجل- نائب المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين بأنه لا خوف على اقتصادنا في المستويين المتوسط والبعيد، والأزمة فقط على المدى القريب نظرا لديون مصر والأموال المهربة وتقلص الغطاء النقدي وتراجع السياحة ....إلخ
14- استعجال الثمرة، بنسيان الهدف الرئيسي للثورة، وربط بعض القوى نجاح الثورة بنجاح مرشحها في الانتخابات (تشريعية أو رئاسية)لا فلم يعد يبصر من الثورة إلا ذلك!
أقول ختاما: إن وجود المؤسسات أهم من مجئ الأشخاص.. فالأشخاص بشر، يسهل حصارهم وتشويههم بل وإسقاطهم والقضاء عليهم.. أما المؤسسات القوية تحمي البلاد من ديكتاتور في الداخل و متربص في الخارج.. ولقد أثبت التاريخ أن كل مشروع نهضة ارتبط بشخص ولم يكن له مؤسسات حرة ومستقلة وقوية تدعمه فشل فشلا ذريعا وذهبت أعماله أدراج الرياح، من محمد علي لأدولف هتلر لجمال عبد الناصر.
لا يجب أن يشغلنا شيء الآن عن كتابة دستور وطني حديث وانتخاب رئيس للجمهورية يمثل المصريين جميعا حتى لو تواطأ البعض في تعطيل بعض أهداف الثورة الأخرى، فجميع الأهداف يمكن تحقيقها إن شاء الله إذا تحقق هذين العنصرين الكفيلين (مع البرلمان) بتأسيس الجمهورية الثانية في مصر، بعيدا عن أي تدخل خارجي أو عبث داخلي! جمهورية عنوانها المؤسسات والوطنية والفصل بين السلطات.




