تابعت مثل غيري تصريحات فريد الديب محامي المخلوع التي قال فيها أن مبارك لم يزل رئيسا لمصر (!!) ، وتشبيهه إياه بالرسول صلى الله عليه وسلم(!!!) و مطالبته مبارك بالصبر على الشعب المصري كما صبر النبي صلى الله عليه وسلم على أهل مكة والطائف (كمان!) كما تابعت تعليقات مواقع التواصل الاجتماعي الساخرة التي ربطت بين (سيجار) الديب وتصريحاته، وأنه ربما (عامل دماغ جامدة) دفعته لقول مثل هذه التصرحات!!
وبالرغم من طرافة التعليقات، إلا أنني لا أرى إطلاقا أن محامي المخلوع قد أطلق هذه التصريحات بصورة عفوية أو حتى شخصية.. إنما هي تصريحات موجهة بشكل مدروس للغاية من جهات تراقب المشهد المصري عن كثب، وتهدف إلى ضرب عدة عصافير في الوقت ذاته..
***
وقبل أن نتحدث عن الأهداف التي يمكن أن تحققها هذه التصريحات أحب أن أؤكد هنا على بعض النقاط:
1- هناك ثورة قامت في مصر.. أقول ذلك لأنه يبدو أن البعض يتجاهل ذلك أو يتناساه أو ربما لا يريد الاقتناع به!
والثورة كمصطلح سياسي هي الخروج عن الوضع الراهن وتغييره - سواء إلى وضع أفضل أو أسوأ - باندفاع يحركه عدم الرضا، التطلع إلى الأفضل أو حتى الغضب.
وللثورة تعريفات معجمية أخرى تتلخص بتعريفين ومفهومين ،التعريف التقليدي القديم الذي وضع مع انطلاق الشرارة الأولى للثورة الفرنسية وهو قيام الشعب بقيادة نخب وطلائع من مثقفيه لتغيير نظام الحكم بالقوة. وقد طور الماركسيون هذا المفهوم بتعريفهم للنخب والطلائع المثقفة بطبقة قيادات العمال التي اسماهم البروليتاريا. أما التعريف أو الفهم المعاصر والأكثر حداثةً هو التغيير الذي يحدثه الشعب من خلال أدواته (النزول في الميادين في حالة الثورات العربية) لتحقيق طموحاته لتغيير نظام الحكم العاجز عن تلبية هذه الطموحات ولتنفيذ برنامج من المنجزات الثورية غير الاعتيادية.
والمفهوم الدارج أو الشعبي للثورة فهو الانتفاض ضد الحكم الظالم.و قد تكون الثورة شعبية مثل الثورة الفرنسية عام 1789 وثورات أوروبا الشرقية عام 1989 وثورة أوكرانيا المعروفة بالثورة البرتقالية في نوفمبر 2004 أو عسكرية وهي التي تسمى انقلابا مثل الانقلابات التي سادت أمريكا اللاتينية في حقبتي الخمسينيات الستينات من القرن العشرين، أو حركة مقاومة ضد مستعمر مثل الثورة الجزائرية (1954-1962). أما الانقلاب العسكري فهو قيام أحد العسكريين بالوثوب للسلطة من خلال قلب نظام الحكم، بغية الاستئثار بالسلطة والحصول على مكاسب شخصية من كرسي الحكم.
***
من هنا يتضح لنا أن هناك فارقا بين الثورة والانقلاب العسكري. وغني عن البيان أن هناك منذ اليوم الأول للثورة من كان يريد تحويلها إلى مجرد انقلاب عسكري أطاح بنظام شديد الأركان، وبوريث كان يستعصى عليهم التخلص منه.
ولكي يقوم المجلس بالانقلاب على هذه الثورة فإنه قام بشيئين -قام بهما كل الزعماء في التاريخ في أوضاع مماثلة- لتثبيت حكمهم:
أ- السعي إلى خلخلة النظام الحالي بالتدريج، وقام بذلك من خلال قتل الثوار واعتقالهم وإحالتهم لمحاكمات عسكرية (12 ألف!!) وتشويه صورتهم، وتوصيل رسالة للشعب مفادها أنهم المسؤولون عن عدم الاستقرار حتى الآن! وأن اقتصاد البلاد ينهار، والتفريق بين قوى الثورة بعضها البعض.
ولم يكن المجلس ليفعل ذلك بالمواجهة المباشرة مع الثورة، وإنما كان لابد من التأكيد في البداية على أنه "شريك" فيها. ولكم أشبه تحية الفنجري لدماء الشهداء بانحناءة السادات أمام تمثال نصفي لعبد الناصر في بهو البرلمان حين دخله السادات أول مرة بعد أن أصبح رئيسا! فلا السادات سار على نهج عبد الناصر ولا المجلس العسكري كان وفيا لدماء الشهداء التي أعطاها التحية!.
ب- بناء نظام جديد موافق لهواه، على أن يتم ذلك بالتدريج أيضا. وقد حاول المجلس العسكري ذلك بعدة محاولات كان آخرها وثيقة علي السلمي التي أسقطها الشعب في مليونية 18 نوفمبر.
وسياسة الخلخلة ثم التغيير التدريجي فعلها عبد الناصر حين أراد الاستئثار بحكم البلاد، فألغى الأحزاب، ثم حل جماعة الإخوان المسلمين، لتبقى هيئة التحرير ثم حزب مصر ثم الاتحاد الاشتراكي هو الجهة الوحيدة التي يمكن ممارسة السياسة من خلالها.
وفعل السادات نفس الشيء ايضا حين شوه صورة أعدائه لدى الشعب فأسماهم "مراكز القوى" ثم أنشأ المنابر (يمين ويسار ووسط) وكل ذلك دون الغاء الاتحاد الاشتراكي، ثم في النهاية الغائه ليتبنى نظام تعدد الأحزاب Multi-party system هي في الحقيقة أحزاب شكلية ليهمين حزبه الجديد (الحزب الوطني) على الحياة السياسية في مصر
***
2- الثورة المصرية مثلها مثل أي ثورة أخرى تمر بأربعة مراحل: إسقاط النظام القديم، تفكيك النظام القديم، بناء نظام جديد، تثبيت النظام الجديد. ومن الواضح أننا استطعنا اجتياز المرحلة الأولى فقط. وهناك دول نجحت في اجتياز المراحل الأربعة للثورة، بينما هناك دول أنجزت بصعوبة المرحلة الأولى (إسقاط النظام القديم) وتلاقي صعوبة شديدة في التعامل مع بقية المراحل (ثورات أوروبا الشرقية نهايات الثمانينات).
ومن الواضح ايضا أن ما يحول دون تفكيك بقايا النظام هو عدم وجود كيان سياسي متحكم ومنتخب يستطيع التعبير عن روح الثورة وتحقيق أهدافها حتى الآن. وهذا –لاشك – مايحاول أعداء الثورة عرقلة وجوده ما استطاع إلى ذلك سبيلا.
لذلك تخوف البعض من الانتخابات، وتنبأوا أنها ستكون "دموية"، وأن فقط الإخوان والفلول هم المستعدون لها، ولكن اثبت الشعب المصري مرة مجددة أنه أوعى من الجميع. فلم يتجاوز عدد الفلول في البرلمان اصابع اليد الواحدة.
***
3- الثورة المصرية لها وضع خاص ومركب، وأرجو أن نتفهم ذلك جيدا حتى نعبر بالثورة إلى بر الأمان. فقد أعطى الشعب المصري للجيش المصري (ممثلا في المجلس العسكري وقتها) صفة "شريك" في هذه الثورة، على اعتبار أن الجيش المصري رفض أوامر مبارك بإطلاق النار على المتظاهرين، وجسد هذه "الشراكة" الشعار الذي رفعه المتظاهرون جميعا "الجيش والشعب ايد واحدة". ووصلت ثقة البعض بالمجلس العسكري أن طالبه بالاستمرار في إدارة شؤون البلاد "فترة أطول" حتى تستقر الأمور!
ثم حدث ما حدث من المجلس العسكري، فلا هو التزم بالموعد الذي قطعه على نفسه لتسليم السلطة، ولا ختلف نهجه "كثيرا" في التعامل مع الثورة والثوار تحت مظلته، بل على العكس، حدث للثوار في عهد المجلس العسكري أكثر مما كان يحدث في عهد مبارك، وأصبح مع الوقت لسان حال الثوار يقول: أكاد أشك في نفسي لأني.. أكاد أشك فيك وأنت مني! ووصل الأمر ذروته حين قطع المجلس العسكري الشك باليقين، ونفى عن نفسه حماية الثورة، والشهادة زورا في المحكمة أن مبارك لم يصدر لهم أوامر بضرب المتظاهرين!
حينها نفى الثوار عن بكرة أبيهم "رسميا" صفة الشريك، وتحولت الظنون إلى يقين، وتحول المجلس العسكري إلى خصم سياسي له مصلحته الخاصة، وطرف من أطراف المعادلة السياسية المصرية الجديدة شئنا أم أبينا..
***
4- لدينا الأن شرعيتان (شرعية الميدان) التي أسقطت النظام القديم، (وشرعية البرلمان) التي من المفترض أن تؤسس لنظام جديد. ومن العقل والحكمة أن تتحد الشرعيتان معا؛ فتدعم الأولى الثانية، وتعبر الثانية عن الأولى. لأ أن تتصارع الشرعيتان فلا يبقى إلا المجلس العسكري في النهاية كحام للبلاد ومسيطر على زمام الامور أمام الأغلبية الصامتة.
وفيما يخص دعوات التظاهر يوم 25 يناير أحب أن أقول التالي:
الغالبية الساحقة من المصريين تتفق على النزول في هذا اليوم العظيم، ويمكنني أن أقسم النازلين في ذلك اليوم إلى ثلاثة أقسام:
1- قسم من الناس يريد النزول للاحتفال بيوم عظيم اندلعت فيه هذه الثورة العظيمة، وارسال رسالة قوية للداخل والخارج تؤكد على أمرين:
1-1 أن الثورة مستمرة.
1-2 أن خيار الشارع موجود إذا انقلب العسكر على تسليم السلطة. (وأنا من هذا الفريق)
2- قسم يرى أن الثورة لم تحقق شيئا، وبناء عليه يجب اللجوء إلى الشارع -فقط - مجددا لاسقاط المجلس العسكري كما أسقطنا مبارك-ولهذا الخيار مخاطر سأستعرضها لاحقا. ولعل تصريحات الديب التي استهللت بها مقالي تغذي الناس وتعطيهم من المبررات للانضمام إلى هذا الفريق بحسن نية واخلاص للوطن.
3- فريق موجود كالعادة في كل الأحداث وهم مجموعة من المندسين أو المأجورين الذين رايتهم بأم عيني وتحدث عنهم جميع الشرفاء في كل اعتصام بالميدان، وهؤلاء المندسين لهم هم واحد وهو دفع الأمور دفعا نحو الفوضى والانفلات، مما يربك أية حسابات سياسية.
***
5- هناك طريقان يمكننا أن يكمل بها الثوار ثورتهم:
أ- - أن تتبلور ثورتنا كعمل شعبي إلى كيان سياسي ذي شرعية ممثلا في مؤسسات دستورية منتخبة من الشعب (برلمان وحكومة ورئيس)، ثم يكمل هذا الكيان أهداف الثورة التي لم تتحقق بعد. مع التأكيد على حق النزول إلى الشارع مجددا في أي وقت إذا ما ظهرت اي بادرة للانقلاب على تسليم السلطة..
ب- - أن تستمر الثورة كعمل شعبي في الشارع فقط، والاستمرار في التواجد في الميادين. إلا أن هذا الطريق يواجه ثلاث مشكلات رئيسية:
ب-1 الهدف من التواجد في الميدان هذه المرة غير واضح وغير متفق عليه، عكس المرة السابقة حيث اجتمع كل من في الميادين على هدف واحد "الشعب يريد إسقاط النظام". وإذا كان الكل مجمع على وجوب تسليم السلطة للعسكر؛ فإنه يكاد لا يتفق أحد مع الآخر حول الطرف الذي عليه أن يتسلم هذه السلطة! فهناك من ينادي بحكومة جديدة، أو مجلس رئاسي، أو رئيس انتقالي (الغرياني أحدث صيحة) أو الإسراع في انتخابات رئاسة الجمهورية، أو تسليم السلطة لرئيس مجلس الشعب، أو السير في خارطة الطريق كما هي –وهي الخريطة التي اتفقت عليها جميع القوى السياسية عقب أحداث محمد محمود....إلخ. ولاشك أن هذا التفرق يؤدي بنا إلى المجهول.
وإذا جادل البعض أن الثوار أيضا لم يكونوا أيضا موحدين حول الجهة التي يجب أن تتسلم السلطة بعد سقوط مبارك ومع ذلك أسقطناه، فالرد ببساطة أن هذا خطأ لا يجب أن نكرره، حيث تنحى مبارك وأتى لنا بالمجلس العسكري، ولو كنا "كمعارضة" موحدين باخلاص حول خريطة طريق واحدة، وأبرزنا قيادة متفق عليها تمثلنا لما وصلنا إلى هذا الوضع. ولكننا كنا -جميعا- من ناحية نثق في المجلس العسكري، ومن ناحية أخرى حاول البعض رسم خريطة طريق "تفصيل" على هواه فقط.. وإذا كان الشعب مجمعا على تنحي مبارك فإنني أشك في أنه مجمع الآن على ترك خريطة الطريق الحالية والبدء من جديد.
ب-2 التواجد في الميادين بدأ يفقد منذ زمن الزخم والتأييد الشعبيين. هذه ملاحظات غاية في الأهمية علينا ألا نغفلها أو نتجاهلها أو نقلل من أهميتها.. علينا أن ألا ننسى أن تحرك الكتلة الصامتة يوم جمعة الغضب 28 يناير كان نقطة الحسم الأولى في هذه الثورة المباركة. ومن الواضح المجلس العسكري – ومن ورائه كل أعداء الثورة – يريدون إخراج هذه الكتلة من المعادلة ليعود الصراع مجددا صراع بين نخبة ثائرة وسلطة باطشة والنتيجة معروفة للجميع!! (برجاء مراجعة مقال: عن المستبد المنقذ)
ب-3 من الواضح أيضا أن المجلس العسكري - ومن ورائه أعداء الثورة أيضا- يريدون نزع صفة السلمية عن هذه الثورة! ويستغلون أدنى فرصة لإراقة مزيد من الدماء الطاهر النبيل. وهدف ذلك في رأيي دفع الثوار دفعا للابتعاد عن الخيار الأول (بلورة الثورة في كيان سياسي ذي شرعية) والاتجاه قدما نحو الخيار الثاني (التواجد في الميادين مرة أخرى)، ثم السعي إلى ضرب شرعية الميدان –وهي شرعية لا شك- في شرعية البرلمان –وهي شرعية لاشك، فترتفع أسهم الجيش في عيون الجماهير الراغبين في الأمن والاستقرار وأنبوبة البوتجاز وبنزين 80 (وهي مشكلات لا شك عندي أنه المتسبب الرئيسي فيها)
لقد عايشت كثيرا من الأحداث بنفسي، ورأيت بأم عيني كيف يقوم المجلس العسكري بفض الميدان من المتظاهرين ثم إخلائه مرة أخرى وتركه للمتظاهرين من جديد، حتى يعودوا إليه مجددا ليضربهم ويُسيل دماءهم من جديد، وهكذا ليظل العرض مستمرا! لقد تجاهل المجلس كل النصائح التي وجهت إليه (من الإخوان وغيرهم) لوقف نزيف الدماء واستمر في اللعب بالنار لإشاعة الفوضى في البلاد، للانقلاب على أي خريطة طريق لتسليم السلطة، واتخاذ ذرائع أمام "الكتلة الصامتة" للاستمرار في السلطة. وعندما كان يشعر أن الأمور ستخرج عن السيطرة، كان يوقف العرض فورا وكأنه يضغط على زر pauseفي الحاسوب، مثل أحداث محمد محمود التي استطاع المجلس أن يوقفها في نصف ساعة!
لا أريد أن يفهم من كلامي أنني كاره للنزول إلى الميدان، ويعلم الله كم أن هذا الأمر محبب إلى نفسي.. فهناك ثرنا على الطاغية وهناك - بفضل الله- أسقطناه. وهناك سقط أمام أعيننا أحب الناس إلينا بين شهيد وجريح!
لكنني أعود وأقول: الرأي قبل شجاعة الشجعان..لقد أراد البعض استغلال الثورة لتصفية بعض خصومه السياسيين، والثورة أنبل من أن تستخدم لذلك. لقد قامت ثورة على ضفاف النيل لنزع هذا الديكتاتور الطاغية وإرساء نظام سياسي جديد نتنسم فيه جميعا هواء الحرية ونشعر فيه بمعاني العدل والمساواة، ووضع أقدامنا على أولى خطوات الديمقراطية الحقيقية. وأولى خطوات ذلك بناء مؤسسات بديلة عن المؤسسة العسكرية الحاكمة بفعل الأمر الواقع الآن، والتي من المفترض أن تسلم السلطة قريبا على مضض.
إن المجلس أيها السادة – ومن ورائه جميع أعداء الثورة – لا يريدون لكيان بديل ذي شرعية أن يتكون، حتى يظل وحده المؤسسة الوحيدة الباقية المتواجدة على الساحة، لكنه لا يستطيع منع ذلك بنفسه، وإلا نزل الثوار إلى الشارع مدعومين بنسبة كبيرة من الاغلبية الصامتة. ولا خيار أمامه إلا ضرب الشرعيتين ببعضهما البعض، ولا سبيل أمامنا إلا استخدام الشرعيتين معا ضد المجلس وأعداء الثورة، لا ضد بعضهما البعض! فهل نعي ذلك الفخ؟
***
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
هذا ما لدي.. فماذا ترون؟