مرحبا بك في مدونة شيء في صدري يمكنك اختيار المقال الذي تبحث عنه من القائمة على اليمين.. ومهما كان انتي مصر.. وكل خطوة بنصر.. الله أكبر وتحيا مصر

Welcome to the personal blog of the Egyptian Writer and political analyst Dr. Ahmed Nassar. You can choose the article you need from the list lower right

الأحد، 29 يناير 2012

اشتمني.. شكراااااا


اشتمني شكرا


عملية شحن مستمرة ومتصاعدة جرى الإعداد لها خلال الأسبوع الماضي ضد جماعة الإخوان المسلمين، وتوجت بما جرى في ميدان التحرير من سباب وشتائم ورفع للأحذية بوجههم! ولا يمكننا أن نهمل عامل التوقيت المحسوب بدقة، قبيل أيام من انتخابات مجلس الشورى، بالضبط مثلما كانت أحداث محمد محمود مثار شحن وسخط على الإخوان قبيل أيام من انتخابات مجلس الشعب..


لم كل هذا التحامل؟

الغريب أن من ينظر إلى هذا الشحن وإلى هذه الكراهية وإلى هذا التدني القيمي والأخلاقي ضد الفصيل الذي قدم أكبر عدد من الشهداء في الثورة، والحاصل على الأغلبية النيابية في انتخابات هي الأنزه في التاريخ المصري الحديث كله، وتحديدا في بقعة هي الأطهر والأبرز في مسار الثورة، وكانت أيقونة ورمزا للوحدة الوطنية والسمو الروحي والأخلاقي

علي أية مصالح شخصية؛ الغريب أن هذا غير مبرر وغير محدد الأسباب بشكل يمكننا أن نفهمه ونتعامل معه لنرد عليه.

أهم هتافات هؤلاء المتعصبين – وربما بعض المندسين الذين لا يعجبهم وحدة الثوار- كانت أن الإخوان باعوا الثورة! واسمحوا لي ابتداء أن أقبل بمناقشة هذا الاتهام الذي لا يليق ويجرح كرامة كل إخواني وإسلامي بل وكل مصري وطني شريف.


أ- انتخابات الرئاسة قبل الدستور:

قبل استفتاء مارس الماضي: كان هناك فريق يطالب بوضع الدستور أولا، لأن ذلك الترتيب الطبيعي قبل إجراء الإنتخابات

ونحن كنا متفقين معهم تمااااااااااما من حيث المبدأ, ولكننا كنا نرى فقط أن اختيار لجنة لوضع الدستور بين عموم الشعب المصري أمر شبه مستحيل، وتعيينها من المجلس العسكري أمر جد مرفوض.


لذلك فضلنا [حل أسرع وأسهل] وهو إجراء انتخابات برلمانية أولا، لتسريع نقل السلطة لحكومة منتخبة من جهة [حل أسرع]، وكي يختار البرلمان لجنة صياغة الدستور من جهة أخرى [حل أسهل[

والآن الفريق الذي كان يطالب [بالدستور أولا] ويتهمنا بالجهل، يطالب [بالانتخابات أولا] ويتهمنا بالخيانة!!

والفريق الذي يتخوف من وضع دستور في ظل العسكر, الآن كان من يطالب بوضع الدستور أولا أيضا في ظل العسكر!!

وإذا رد البعض، بأن ذلك حينما كانوا يظنون أن "الجيش والشعب إيد واحدة" وأن الجيش فعلا حمى الثورة، فنحن نقول أي أنكم تعترفون أنه كان لدينا نظرة سياسية أدق، فطالبتم جميعكم العسكر بالبقاء فترة أطول وطالب الإخوان وحدهم العسكر بسرعة تسليم السلطة وألا تطول الفترة الانتقالية، واخترنا طريق الانتخابات من أجل ذلك، فاتهمتم الشعب بالجهل، واتهتمونا بأننا نعمل من أجل مصلحتنا الخاصة!

أقول: لا خوف على وضع الدستور طالما أنه لا وصاية على البرلمان من أحد، فالبرلمان وحده من له الحق بإختيار لجنة صياغة الدستور، وبعدها هناك استفتاء.


وعندما حاول المجلس التدخل في اختيار هذه اللجنة - في وثيقة السلمي - نزلنا وأسقطناها في مليونية 18 نوفمبر، إذا كنتم تتذكرون!



***

والاستفتاء يقول انتخابات مجلس شعب ثم شورى ثم اختيار الجمعية التأسيسية لوضع دستور جديد ثم انتخابات رئاسة دون اشتراط أن يتم ذلك بعد الدستور أم بالتوازي معه.


ورأيي "الشخصي" هو نفس المنطق الذي كان يتحدث به معسكر الدستور أولا قبل استفتاء مارس، وهو وضع قواعد اللعبة قبل اجراء الانتخابات الرئاسية، وقد قلت سابقا أننا متفقون من حيث المبدأ والاعتراض كان على صعوبة ذلك. أي أنه من أجل انتخاب أول رئيس للجمهورية عقب مبارك يجب أن يكون معلوما وبشكل قاطع سلطات هذا الرئيس وصلاحياته، وإلا فإنه سيتولى بنفس صلاحيات دستور 71 الذي وضعت الرئيس في مصاف آلهة الإغريق القدامى أو الفراعنة المصريين!

ورأيي - الشخصي أيضا- أنه لو تم "تقليص" صلاحيات الرئيس القادم بعد انتخابه، وذلك بالتحول نحو النظام البرلماني أو البرلماسي (شبه رئاسي) فإنه من الوارد جدا أن تحدث أزمة سياسية جديدة في البلاد حول صلاحيات الرئيس، نحن في أشد الغنى عنها ولاسيما في هذا التوقيت، وسينشأ جدل عنيف من جديد حول الصلاحيات التي انتخب عليها الرئيس (القديمة أم الحديثة).


ومن المؤكد أن هناك أطرافا قد تدفع بهذه الأزمة لتأخذ بعدا دوليا على غرار الأزمات السياسية في العراق ولبنان! والتي نشأت فيها أزمات لأسباب أقل. وربما تتعالى الأصوات باعادة الانتخابات الرئاسية من جديد - وربما البرلمانية أيضا- ونظل في دوامة عنيفة وحلقة مفرغة لا نفيق منها إلا بعد فوات الأوان. وربما لن يكون المستفيد إلا تيارات أثبتت التجربة أن الشعب لفظهم في الانتخابات الأخيرة.


الغريب في الأمر أن الدكتور المحترم معتز عبد الفتاح نفسه - وهو من هو – تطرق للأمر على اعتبار أنه مسألة خلافية وشرح ايجابيات وسلبيات كل فكرة في مقاله اليومي المحترم السبت 28-يناير؛ فكيف يخون طرفا طرفا آخر في مسألة ليست محل اجمتع وطني ومختلف عليها من الجميع! قد تكون وجهة النظر الأخرى هي الأقرب للصواب، لا أمانع ولكن هذا ليس سببا كافيا لما شاهدناه في ميدان التحرير ووسائل الإعلام الأسبوع الماضي!

***

ب- مسألة الاحتفال مع دماء الشهداء التي سالت:

من المزايدات التي انبرى كثير من أعداء الإخوان في الترويج لها هم كيف يحتفلون بالثورة ودماء الشهداء لم يقتص لهم بعد.. وأحب فقط في سياق ردي على هذه النقطة أن أذكر حضراتكم بالتالي:

1- الاحتفال كان بيوم عظيم انلعت فيه شرارة الثورة العظيمة ولا يعني مطلقا أن أهداف الثورة قد تحققت.

2- لماذا دائما يتم الحديث عن الشهداء وكأنهم ليسوا من الإخوان؟ وكأن الإخوان لم يكونوا أكثر فصيل قدم شهداء في الثورة؟؟

3- الاحتفالات كان تملأ ميدان التحرير ليلة رأس السنة وأحيت الحفل جميلة إسماعيل بنفسها، ولم نسمع عن أي انتقاد تم توجيهه، أو أي حذاء تم رفعه! وأتساءل: هل أخذ الشهداء حقوقهم حتى تحدث هذه الاحتفالات؟؟


4- عناوين ذات الصحف التي كانت تهاجم الإخوان بشراسة وتصفهم بما ليس فيهم هي أكثر من استخدم كلمة احتفال في الذكرى الأولى للثورة! وإليكم عينة من عناوين هذه الصحف:

Description: https://fbcdn-sphotos-a.akamaihd.net/hphotos-ak-ash4/405553_298031910245872_100001171969140_819674_121573822_n.jpg


5- في أول جلسة للبرلمان عقب تشكيل انتخاب رئيسه تم عمل استجواب سريع لرئيس الوزراء ووزراء الداخلية والصحة والعدل حول هذا الموضوع، وتم تشكيل لجنة تقصي حقائق ضمت الدكتور أكرم الشاعر والد الدكتور مصعب أحد أخطر المصابين في الثورة، والمطالبة بمحاكم ثورية لقتلة الثوار. ولا ندري هل حقنا وحق الشهداء سياتي بهذه الإجراءات أم بالمزايدات وسوء الأدب!

***

ج- نقل السلطة لرئيس مجلس الشعب أو رئيس مدني أو مجلس رئاسي:

ولدينا في هذا الطرح ثلاث مشكلات رئيسية: أولا أن ذلك يخالف الإستفتاء الذي صوت فيه ملايين المصريين مارس الماضي. وإذا جادل البعض بأن المجلس لم يلتزم بهذا الاستفتاء فنقول ن أن

أنه قد تم اتخاذ ذات الإجراءات والخطوات التي صوت لها الشعب فقط مع إطالة المدة، والذي طالب بذلك هم أنفسهم وليس أحدا غيرهم، فأجريت المرحلة الأولى من الانتخابات 28 نوفمبر بعد أن كان مقررا لها سبتمبر الماضي! بعد أن ملأوا الدنيا صاخا وعويلا أنهم غير مستعدين لهذه الانتخابات! (هي مسألة انتخابات في النهاية إذن)

وفي رأيي أن أي خروج على ماتم الاستفتاء عليه يضرب بعرض الحائط ملايين الأصوات التي خرجت في الاستفتاء في أول تجربة ديمقراطية بعدالثورة، ولذلك إثارا سلبية غير جيدة إطلاقا في إشعار هذا الشعب أن رأيه لاقيمة له.

ثانيا: أي خروج على الاستفتاء من السهل جدا الطعن بعدم دستوريته وقلب المائدة على الكل وخلط الأوراق من جديد، أي مزيد من الأزمات السياسية والابتعاد عن الاستقرار.

ثالثا: الخروج على الاستفتاء سيفتح الباب للجميع للسير وفق خريطة الطريق التي تناسب هواه، فأي الطرق سنسلك؟ هل رئيس توافقي أم رئيس مجلس الشعب ...إلخ.. وسيصيح صاحب كل اتجاه آخر: اشمعنى! بالإضافة أنه لا أحد يملك سلطة اتخاذ هذا القرار الآن، فهل نحن بصدد استتفاء جديد! نكون انتخبنا رئيس وخلصنا..

***

انتظروا هجوما على الإخوان قبيل كل انتخابات، وانتظروا شحنا اعلاميا بطرق مدروسة وممنهجة؛ طالما "آن باترسون" هي سفيرة أميريكا في مصر، فهي رائدة في هذا المضمار! ونحن لا نملك إلا أن نقول ما نراه صائبا لصالح الوطن.. أما المتهجمين علينا والمتجنين على شبابنا نقول لهم "شكرا"، فأنت تروجون لنا وتبرزون نبل أخلاقنا من حيث لا تدرون..

لقد أظهرت هذه الأحداث من لديه قيما مطلقة للعدل والمساواة وقول الحقيقة يحتكم إليها عند الحديث عن الجميع، ومن لديه انتقائية تجعله يستخدم أفظع الألفاظ وابشع التهم إذا ظن مجرد الظن أن الإخوان مخطئين، بينما لا تراه يقول كلمة واحدة في حقهم غذا ما أيقن أنهم ظلموا..

شكرا..

(والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون) يوسف

الأحد، 22 يناير 2012

بيــن شرعيتيــن.. ومجلــس!


تابعت مثل غيري تصريحات فريد الديب محامي المخلوع التي قال فيها أن مبارك لم يزل رئيسا لمصر (!!) ، وتشبيهه إياه بالرسول صلى الله عليه وسلم(!!!) و مطالبته مبارك بالصبر على الشعب المصري كما صبر النبي صلى الله عليه وسلم على أهل مكة والطائف (كمان!) كما تابعت تعليقات مواقع التواصل الاجتماعي الساخرة التي ربطت بين (سيجار) الديب وتصريحاته، وأنه ربما (عامل دماغ جامدة) دفعته لقول مثل هذه التصرحات!!

وبالرغم من طرافة التعليقات، إلا أنني لا أرى إطلاقا أن محامي المخلوع قد أطلق هذه التصريحات بصورة عفوية أو حتى شخصية.. إنما هي تصريحات موجهة بشكل مدروس للغاية من جهات تراقب المشهد المصري عن كثب، وتهدف إلى ضرب عدة عصافير في الوقت ذاته..

***

وقبل أن نتحدث عن الأهداف التي يمكن أن تحققها هذه التصريحات أحب أن أؤكد هنا على بعض النقاط:

1- هناك ثورة قامت في مصر.. أقول ذلك لأنه يبدو أن البعض يتجاهل ذلك أو يتناساه أو ربما لا يريد الاقتناع به!

والثورة كمصطلح سياسي هي الخروج عن الوضع الراهن وتغييره - سواء إلى وضع أفضل أو أسوأ - باندفاع يحركه عدم الرضا، التطلع إلى الأفضل أو حتى الغضب.

وللثورة تعريفات معجمية أخرى تتلخص بتعريفين ومفهومين ،التعريف التقليدي القديم الذي وضع مع انطلاق الشرارة الأولى للثورة الفرنسية وهو قيام الشعب بقيادة نخب وطلائع من مثقفيه لتغيير نظام الحكم بالقوة. وقد طور الماركسيون هذا المفهوم بتعريفهم للنخب والطلائع المثقفة بطبقة قيادات العمال التي اسماهم البروليتاريا. أما التعريف أو الفهم المعاصر والأكثر حداثةً هو التغيير الذي يحدثه الشعب من خلال أدواته (النزول في الميادين في حالة الثورات العربية) لتحقيق طموحاته لتغيير نظام الحكم العاجز عن تلبية هذه الطموحات ولتنفيذ برنامج من المنجزات الثورية غير الاعتيادية.

والمفهوم الدارج أو الشعبي للثورة فهو الانتفاض ضد الحكم الظالم.و قد تكون الثورة شعبية مثل الثورة الفرنسية عام 1789 وثورات أوروبا الشرقية عام 1989 وثورة أوكرانيا المعروفة بالثورة البرتقالية في نوفمبر 2004 أو عسكرية وهي التي تسمى انقلابا مثل الانقلابات التي سادت أمريكا اللاتينية في حقبتي الخمسينيات الستينات من القرن العشرين، أو حركة مقاومة ضد مستعمر مثل الثورة الجزائرية (1954-1962). أما الانقلاب العسكري فهو قيام أحد العسكريين بالوثوب للسلطة من خلال قلب نظام الحكم، بغية الاستئثار بالسلطة والحصول على مكاسب شخصية من كرسي الحكم.

***

من هنا يتضح لنا أن هناك فارقا بين الثورة والانقلاب العسكري. وغني عن البيان أن هناك منذ اليوم الأول للثورة من كان يريد تحويلها إلى مجرد انقلاب عسكري أطاح بنظام شديد الأركان، وبوريث كان يستعصى عليهم التخلص منه.

ولكي يقوم المجلس بالانقلاب على هذه الثورة فإنه قام بشيئين -قام بهما كل الزعماء في التاريخ في أوضاع مماثلة- لتثبيت حكمهم:

أ- السعي إلى خلخلة النظام الحالي بالتدريج، وقام بذلك من خلال قتل الثوار واعتقالهم وإحالتهم لمحاكمات عسكرية (12 ألف!!) وتشويه صورتهم، وتوصيل رسالة للشعب مفادها أنهم المسؤولون عن عدم الاستقرار حتى الآن! وأن اقتصاد البلاد ينهار، والتفريق بين قوى الثورة بعضها البعض.

ولم يكن المجلس ليفعل ذلك بالمواجهة المباشرة مع الثورة، وإنما كان لابد من التأكيد في البداية على أنه "شريك" فيها. ولكم أشبه تحية الفنجري لدماء الشهداء بانحناءة السادات أمام تمثال نصفي لعبد الناصر في بهو البرلمان حين دخله السادات أول مرة بعد أن أصبح رئيسا! فلا السادات سار على نهج عبد الناصر ولا المجلس العسكري كان وفيا لدماء الشهداء التي أعطاها التحية!.

ب- بناء نظام جديد موافق لهواه، على أن يتم ذلك بالتدريج أيضا. وقد حاول المجلس العسكري ذلك بعدة محاولات كان آخرها وثيقة علي السلمي التي أسقطها الشعب في مليونية 18 نوفمبر.

وسياسة الخلخلة ثم التغيير التدريجي فعلها عبد الناصر حين أراد الاستئثار بحكم البلاد، فألغى الأحزاب، ثم حل جماعة الإخوان المسلمين، لتبقى هيئة التحرير ثم حزب مصر ثم الاتحاد الاشتراكي هو الجهة الوحيدة التي يمكن ممارسة السياسة من خلالها.

وفعل السادات نفس الشيء ايضا حين شوه صورة أعدائه لدى الشعب فأسماهم "مراكز القوى" ثم أنشأ المنابر (يمين ويسار ووسط) وكل ذلك دون الغاء الاتحاد الاشتراكي، ثم في النهاية الغائه ليتبنى نظام تعدد الأحزاب Multi-party system هي في الحقيقة أحزاب شكلية ليهمين حزبه الجديد (الحزب الوطني) على الحياة السياسية في مصر

***

2- الثورة المصرية مثلها مثل أي ثورة أخرى تمر بأربعة مراحل: إسقاط النظام القديم، تفكيك النظام القديم، بناء نظام جديد، تثبيت النظام الجديد. ومن الواضح أننا استطعنا اجتياز المرحلة الأولى فقط. وهناك دول نجحت في اجتياز المراحل الأربعة للثورة، بينما هناك دول أنجزت بصعوبة المرحلة الأولى (إسقاط النظام القديم) وتلاقي صعوبة شديدة في التعامل مع بقية المراحل (ثورات أوروبا الشرقية نهايات الثمانينات).

ومن الواضح ايضا أن ما يحول دون تفكيك بقايا النظام هو عدم وجود كيان سياسي متحكم ومنتخب يستطيع التعبير عن روح الثورة وتحقيق أهدافها حتى الآن. وهذا –لاشك – مايحاول أعداء الثورة عرقلة وجوده ما استطاع إلى ذلك سبيلا.

لذلك تخوف البعض من الانتخابات، وتنبأوا أنها ستكون "دموية"، وأن فقط الإخوان والفلول هم المستعدون لها، ولكن اثبت الشعب المصري مرة مجددة أنه أوعى من الجميع. فلم يتجاوز عدد الفلول في البرلمان اصابع اليد الواحدة.

***

3- الثورة المصرية لها وضع خاص ومركب، وأرجو أن نتفهم ذلك جيدا حتى نعبر بالثورة إلى بر الأمان. فقد أعطى الشعب المصري للجيش المصري (ممثلا في المجلس العسكري وقتها) صفة "شريك" في هذه الثورة، على اعتبار أن الجيش المصري رفض أوامر مبارك بإطلاق النار على المتظاهرين، وجسد هذه "الشراكة" الشعار الذي رفعه المتظاهرون جميعا "الجيش والشعب ايد واحدة". ووصلت ثقة البعض بالمجلس العسكري أن طالبه بالاستمرار في إدارة شؤون البلاد "فترة أطول" حتى تستقر الأمور!

ثم حدث ما حدث من المجلس العسكري، فلا هو التزم بالموعد الذي قطعه على نفسه لتسليم السلطة، ولا ختلف نهجه "كثيرا" في التعامل مع الثورة والثوار تحت مظلته، بل على العكس، حدث للثوار في عهد المجلس العسكري أكثر مما كان يحدث في عهد مبارك، وأصبح مع الوقت لسان حال الثوار يقول: أكاد أشك في نفسي لأني.. أكاد أشك فيك وأنت مني! ووصل الأمر ذروته حين قطع المجلس العسكري الشك باليقين، ونفى عن نفسه حماية الثورة، والشهادة زورا في المحكمة أن مبارك لم يصدر لهم أوامر بضرب المتظاهرين!

حينها نفى الثوار عن بكرة أبيهم "رسميا" صفة الشريك، وتحولت الظنون إلى يقين، وتحول المجلس العسكري إلى خصم سياسي له مصلحته الخاصة، وطرف من أطراف المعادلة السياسية المصرية الجديدة شئنا أم أبينا..


***

4- لدينا الأن شرعيتان (شرعية الميدان) التي أسقطت النظام القديم، (وشرعية البرلمان) التي من المفترض أن تؤسس لنظام جديد. ومن العقل والحكمة أن تتحد الشرعيتان معا؛ فتدعم الأولى الثانية، وتعبر الثانية عن الأولى. لأ أن تتصارع الشرعيتان فلا يبقى إلا المجلس العسكري في النهاية كحام للبلاد ومسيطر على زمام الامور أمام الأغلبية الصامتة.


وفيما يخص دعوات التظاهر يوم 25 يناير أحب أن أقول التالي:

الغالبية الساحقة من المصريين تتفق على النزول في هذا اليوم العظيم، ويمكنني أن أقسم النازلين في ذلك اليوم إلى ثلاثة أقسام:

1- قسم من الناس يريد النزول للاحتفال بيوم عظيم اندلعت فيه هذه الثورة العظيمة، وارسال رسالة قوية للداخل والخارج تؤكد على أمرين:

1-1 أن الثورة مستمرة.

1-2 أن خيار الشارع موجود إذا انقلب العسكر على تسليم السلطة. (وأنا من هذا الفريق)

2- قسم يرى أن الثورة لم تحقق شيئا، وبناء عليه يجب اللجوء إلى الشارع -فقط - مجددا لاسقاط المجلس العسكري كما أسقطنا مبارك-ولهذا الخيار مخاطر سأستعرضها لاحقا. ولعل تصريحات الديب التي استهللت بها مقالي تغذي الناس وتعطيهم من المبررات للانضمام إلى هذا الفريق بحسن نية واخلاص للوطن.

3- فريق موجود كالعادة في كل الأحداث وهم مجموعة من المندسين أو المأجورين الذين رايتهم بأم عيني وتحدث عنهم جميع الشرفاء في كل اعتصام بالميدان، وهؤلاء المندسين لهم هم واحد وهو دفع الأمور دفعا نحو الفوضى والانفلات، مما يربك أية حسابات سياسية.

***

5- هناك طريقان يمكننا أن يكمل بها الثوار ثورتهم:

أ‌- - أن تتبلور ثورتنا كعمل شعبي إلى كيان سياسي ذي شرعية ممثلا في مؤسسات دستورية منتخبة من الشعب (برلمان وحكومة ورئيس)، ثم يكمل هذا الكيان أهداف الثورة التي لم تتحقق بعد. مع التأكيد على حق النزول إلى الشارع مجددا في أي وقت إذا ما ظهرت اي بادرة للانقلاب على تسليم السلطة.. ومن العقل والحكمة كما قلت أن تتحد الشرعيتان معا؛ فتدعم الأولى الثانية، وتعبر الثانية عن الأولى..

ب‌- - أن تستمر الثورة كعمل شعبي في الشارع فقط، والاستمرار في التواجد في الميادين. إلا أن هذا الطريق يواجه ثلاث مشكلات رئيسية:

ب-1 الهدف من التواجد في الميدان هذه المرة غير واضح وغير متفق عليه، عكس المرة السابقة حيث اجتمع كل من في الميادين على هدف واحد "الشعب يريد إسقاط النظام". وإذا كان الكل مجمع على وجوب تسليم السلطة للعسكر؛ فإنه يكاد لا يتفق أحد مع الآخر حول الطرف الذي عليه أن يتسلم هذه السلطة! فهناك من ينادي بحكومة جديدة، أو مجلس رئاسي، أو رئيس انتقالي (الغرياني أحدث صيحة) أو الإسراع في انتخابات رئاسة الجمهورية، أو تسليم السلطة لرئيس مجلس الشعب، أو السير في خارطة الطريق كما هي –وهي الخريطة التي اتفقت عليها جميع القوى السياسية عقب أحداث محمد محمود....إلخ. ولاشك أن هذا التفرق يؤدي بنا إلى المجهول.

وإذا جادل البعض أن الثوار أيضا لم يكونوا أيضا موحدين حول الجهة التي يجب أن تتسلم السلطة بعد سقوط مبارك ومع ذلك أسقطناه، فالرد ببساطة أن هذا خطأ لا يجب أن نكرره، حيث تنحى مبارك وأتى لنا بالمجلس العسكري، ولو كنا "كمعارضة" موحدين باخلاص حول خريطة طريق واحدة، وأبرزنا قيادة متفق عليها تمثلنا لما وصلنا إلى هذا الوضع. ولكننا كنا -جميعا- من ناحية نثق في المجلس العسكري، ومن ناحية أخرى حاول البعض رسم خريطة طريق "تفصيل" على هواه فقط.. وإذا كان الشعب مجمعا على تنحي مبارك فإنني أشك في أنه مجمع الآن على ترك خريطة الطريق الحالية والبدء من جديد.

ب-2 التواجد في الميادين بدأ يفقد منذ زمن الزخم والتأييد الشعبيين. هذه ملاحظات غاية في الأهمية علينا ألا نغفلها أو نتجاهلها أو نقلل من أهميتها.. علينا أن ألا ننسى أن تحرك الكتلة الصامتة يوم جمعة الغضب 28 يناير كان نقطة الحسم الأولى في هذه الثورة المباركة. ومن الواضح المجلس العسكري – ومن ورائه كل أعداء الثورة – يريدون إخراج هذه الكتلة من المعادلة ليعود الصراع مجددا صراع بين نخبة ثائرة وسلطة باطشة والنتيجة معروفة للجميع!! (برجاء مراجعة مقال: عن المستبد المنقذ)

ب-3 من الواضح أيضا أن المجلس العسكري - ومن ورائه أعداء الثورة أيضا- يريدون نزع صفة السلمية عن هذه الثورة! ويستغلون أدنى فرصة لإراقة مزيد من الدماء الطاهر النبيل. وهدف ذلك في رأيي دفع الثوار دفعا للابتعاد عن الخيار الأول (بلورة الثورة في كيان سياسي ذي شرعية) والاتجاه قدما نحو الخيار الثاني (التواجد في الميادين مرة أخرى)، ثم السعي إلى ضرب شرعية الميدان –وهي شرعية لا شك- في شرعية البرلمان –وهي شرعية لاشك، فترتفع أسهم الجيش في عيون الجماهير الراغبين في الأمن والاستقرار وأنبوبة البوتجاز وبنزين 80 (وهي مشكلات لا شك عندي أنه المتسبب الرئيسي فيها)

لقد عايشت كثيرا من الأحداث بنفسي، ورأيت بأم عيني كيف يقوم المجلس العسكري بفض الميدان من المتظاهرين ثم إخلائه مرة أخرى وتركه للمتظاهرين من جديد، حتى يعودوا إليه مجددا ليضربهم ويُسيل دماءهم من جديد، وهكذا ليظل العرض مستمرا! لقد تجاهل المجلس كل النصائح التي وجهت إليه (من الإخوان وغيرهم) لوقف نزيف الدماء واستمر في اللعب بالنار لإشاعة الفوضى في البلاد، للانقلاب على أي خريطة طريق لتسليم السلطة، واتخاذ ذرائع أمام "الكتلة الصامتة" للاستمرار في السلطة. وعندما كان يشعر أن الأمور ستخرج عن السيطرة، كان يوقف العرض فورا وكأنه يضغط على زر pauseفي الحاسوب، مثل أحداث محمد محمود التي استطاع المجلس أن يوقفها في نصف ساعة!

لا أريد أن يفهم من كلامي أنني كاره للنزول إلى الميدان، ويعلم الله كم أن هذا الأمر محبب إلى نفسي.. فهناك ثرنا على الطاغية وهناك - بفضل الله- أسقطناه. وهناك سقط أمام أعيننا أحب الناس إلينا بين شهيد وجريح!

لكنني أعود وأقول: الرأي قبل شجاعة الشجعان..لقد أراد البعض استغلال الثورة لتصفية بعض خصومه السياسيين، والثورة أنبل من أن تستخدم لذلك. لقد قامت ثورة على ضفاف النيل لنزع هذا الديكتاتور الطاغية وإرساء نظام سياسي جديد نتنسم فيه جميعا هواء الحرية ونشعر فيه بمعاني العدل والمساواة، ووضع أقدامنا على أولى خطوات الديمقراطية الحقيقية. وأولى خطوات ذلك بناء مؤسسات بديلة عن المؤسسة العسكرية الحاكمة بفعل الأمر الواقع الآن، والتي من المفترض أن تسلم السلطة قريبا على مضض.

إن المجلس أيها السادة – ومن ورائه جميع أعداء الثورة – لا يريدون لكيان بديل ذي شرعية أن يتكون، حتى يظل وحده المؤسسة الوحيدة الباقية المتواجدة على الساحة، لكنه لا يستطيع منع ذلك بنفسه، وإلا نزل الثوار إلى الشارع مدعومين بنسبة كبيرة من الاغلبية الصامتة. ولا خيار أمامه إلا ضرب الشرعيتين ببعضهما البعض، ولا سبيل أمامنا إلا استخدام الشرعيتين معا ضد المجلس وأعداء الثورة، لا ضد بعضهما البعض! فهل نعي ذلك الفخ؟

***

الأحد، 15 يناير 2012

عشر نقاط مشتركة بين الشطرنج والسياسة!!


بين الشطرنج والسياسة

(عشر نقاط مشتركة بين عالم الشطرنج وعالم السياسة)


1 - كن "الفعل"و لا تكن "رد الفعل":

-2 المرونة والجمود

-3 التحليل.. التحليل..التحليل..

-4 احذر الخطأ

-5 إخفاء النوايا:

-6 توزيع الأدوار

-7 التضحية بالمصلحة الخاصة من أجل المصلحة العامة.

- 8 الترقية

9-حماية أم عزلة؟

10 -العبرة بالنهاية


مقدمة:

لطالما شبهت السياسة بالشطرنج، والحقيقة أنهما متشابهين في الكثير من الأمور، فلا عجب أنها لعبة الملوك والقادة!..ولعلني أول من يتحدث عن هذا الأمر بهذا الربط، الذي يبدو غريبا للبعض..إلا أنني كالعادة لدي دوافعي..



لم أكد أتم السبع سنوات حتى توالت الأحداث السياسية على المنطقة لدرجة تجعل الحليم حيران، وتقحم غير المهتم بالسياسة فيها، وتجعله على دراية بالكثير من أمورها، محللا للكثير من تناقضاتها، متسائلا عن الكثير من أحاجيها وحيلها

بدأت الأحداث مع سقوط جدار برلين، حرب الخليج الثانية، أوسلو، حصار العراق، النفط مقابل الغذاء، غزة-أريحا، البوسنة والهرسك..

نتنياهو،ضرب يوغوسلافيا، انتخاب باراك، تحرير الجنوب اللبناني، سقوط باراك، الانتفاضة الثانية (وطبعا سألت وقتها عن الأولى)..

مغني طوال النهار في التلفاز يشدو بأغنية "أخي جاوز الظالمون المدى" عرفت بعدها أنه موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب..

كم رهيب متسارع من الأحداث لدرجة تجعل أي نقاش مع أي مواطن غربي عموما أو أميركي خصوصا تصيبه بالانبهار من قدر المعلومات التي يكتشف أن نظيره الأصغر سنا في هذا البلد الفقير من ذلك العالم الثالث النائي على دراية بها!

***

ومنذ نعومة أظافري وأنا مولع بالشطرنج، لا أنكر ذلك، هذا شرف لا أدعيه وتهمة لا انفيها.. ولا عجب أن كلاهما (الشطرنج والسياسة) متشابهان في الكثير من الأمور.. منذ زمن وددت الحديث في هذا الموضوع، والآن حان الوقت أن أشارككم فيه، لعلني مصيب في بعض النقاط، وأحتاج إلى التقويم في البعض الآخر..


وغني عن الذكر أن الملم بالشطرنج من ناحية سيستمع أكثر من غيره بهذا الكلام، ومن ناحية أخرى فإن المنخرط في أي نشاط سياسي (وليس بالضرورة العمل الحزبي الجديد علينا، فالعمل الحزبي مسار واحد فقط من ستة مسارات للعمل السياسي) سيشعر بهذا الكلام أيضا أكثر من غيره

***

11

كن "الفعل" و لا تكن "رد الفعل":

يفضل العديد من المبتدئين في الشطرنج – وربما بعض الناضجين غير المتعمقين- اللعب بالأبيض بدلا من الأسود في الشطرنج.. ولهذا أسباب عدة.. ربما لأنهم بطبيعتهم يحبون اللون الأبيض عن اللون الأسود، وربما لأن الأبيض يبدأ في اللعب، وربما لأسباب تكتيكية وخططية ليست محل نقاش الآن.. الشاهد أننا نتعلم منذ الصغر أنه لا فرق مطلقا بين الجيش الأبيض والجيش الأسود، إلا في نقطة واحدة فقط، ألا وهي المبادرة!

فالأبيض يكون معه المبادرة (المبادأة) لمرة واحدة في بداية الدور، أي انه يكون "الفعل"، بينما الأسود يكون "رد فعل" للخطوة التي يلعبها الأبيض.

كذلك السياسة، هناك أفعال، وهنا ردود أفعال! هناك من يبادر وهناك من يجلس وينتظر، ليرى كيف يتحرك المنافس ثم يبحث عن أفضل رد على حركته!

إن الأفضل في الشطرنج – وفي السياسة بطبيعة الحال – أن يكون خصمك رد فعل لك، لا أن تكون أنت رد فعل له. قم بالمبادرات والمحاولات واجعله يجهد ذهنه محاولا مقاومة نفوذك الذي ينتشر ويتمدد، فلا يفكر في مهاجمتك والقضاء عليك..

ولا يعني ذلك ألا تخطو الخطوة المناسبة لخطوة خصمك السابقة، والتي حتما ستتغير بناء على خطوته تلك، وهذه هي النقطة الثانية ..

2- المرونة والجمود:

لاعب الشطرنج الفذ- وكذلك السياسي الناجح – يتسم بقدر كبير من المرونة، ولا يعرف مطلقا صفة الجمود!!

صحيح أن لاعب الشطرنج الذكي يخطط لأكثر من لعبة مستقبلية، وإلا كان لعبه ارتجاليا عشوائيا!! إلا أن ذلك لا يمنعه من تغيير خططه سريعا، بناء على خطوة منافسه.. وكذلك السياسي الناجح، الذي يغير حساباته متى تطلب الموقف ذلك..

وأحب أن أؤكد فقط هنا على نقطتين:

أ‌- - التغيير لا بد أن يكون وفق قواعد كلية حاكمة، يرتكن إليها اللاعب ،أو إستراتيجية عامة يتبعها أثناء المباراة، وإلا أدت هذه المرونة وهذا التغيير المتكرر إلى العشوائية من جديد، ويعطي بذلك الخصم الفرصة لسحب زمام المبادرة منه..

وكذلك السياسي، ينظر إلى المشهد بعين المراقب الخبير، ويحاول أن يبحث عن نصر فيه، عالما بأنه لكل حادث حديث، ولكل موقف حساباته!

وأشهر الكلمات التي قيلت في ذلك كلمة وزير المستعمرات ثم رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل: "ليس هناك اصدقاء دائمون أو أعداء دائمون ولكن هناك فقط مصالح دائمة"..

والمصالح "الدائمة" تتطلب تحالفات وتجاذبات تختلف من وقت لآخر حسب الحاجة.. ومن المعروف أن بريطانيا وفرنسا دعما "أدولف هتلر" بعد توليه منصب المستشارية الألمانية العام 1933 بالمال والحديد الصلب، رغم معرفتهم التامة بأفكاره النازية والعنصرية، ظنا منهما أنه سيتوجه بهذه الأفكار شرقا حيث الخطر الجديد القادم من موسكو.. "الشيوعية"، فلما جاءتهم المعلومات الاستخبارية صيف العام 1939 بأنه ينتوي مهاجمة لندن وباريس؛ أسقط في أيديهم، ونصبوا أنفسهم مدافعين عن "العالم الحر" ضد النازية والفاشية! (برجاء مراجعة كتاب المفكر الفرنسي روجيه جارودي: كيف نصنع المستقبل؟ الباب الرابع: هتلر كسب الحرب!

ولا يعني هذا التفريط في المبادئ من أجل المصلحة المادية البحتة! كل ما قصدته أن السياسي – كلاعب الشطرنج – لديه إستراتيجية عامة يتحرك فيها، لكنه قد لا يدري ما الخطوة القادمة التي يجب عليه اتخاذها..

ب‌-- -- أن مرونة الأشخاص أكثر يسرا من مرونة المؤسسات والكيانات الكبيرة.. هذا بديهي ومنطقي.. الصحيح أن يتحرك الأفراد بمبادرات فردية لا تتصادم مع الاستراتيجيات العامة للمؤسسة (أو الجيش في حالة الشطرنج) بل بالعكس تخدمها وتقويها.. ولا يجب أن يطالب هذا الفرد البقية بانتهاج نهجه وعمل المثل، فهي قدرات فردية في النهاية، ولا يصح أن يصف المؤسسة بالجمود فهي الأصل وهو الفرع..

ومن أروع الأمثلة من السنة الصحابي الذي أتى النبي صلى الله عليه وسلم بعد صلح الحديبية فلم يقبله النبي صلى الله عليه وسلم تنفيذا للاتفاق المبرم مع قريش، والذي ينص على أنه من أتى محمدا من قريش يرده إليه، ومن أتى قريشا من محمد لا ترده! فجمع الرجل زملاءه وقطع الطريق على قوافل قريش مما اضطرها لإلغاء هذا البند المجحف وتركت للجميع حرية الاعتقاد..

أعتقد لو سمعنا مثل هذا الموقف الآن لسمعنا سيلا من المزايدات والإساءات وألفاظ التخوين والتجهيل والعمالة والجهالة والقعود والتفريط!!


3- التحليل.. التحليل.. التحليل..

أي عمل سياسي ناجح قائم على تحليل الأحداث "أفعالا وردود أفعال" تحليلا جيدا وصحيحا..وكذلك لا عب الشطرنج يسأل نفسه: لم حرك خصمي هذه القطعة؟ لم تقدم بهذا الفرس إلى هذا المكان؟ هل يريد تهديدا حقيقيا؟ هل في الأمر خدعة، أم أنه فعلا مجرد سهو، جعله يترك هذه القطعة دون حماية؟؟

ولا شك أن التحليل الصحيح يؤدي إلى رد فعل صحيح، والتحليل الخاطئ يؤدي إلى كارثة قد تنهي الدور..

وأبرز مثال على ذلك نكبة يونيو 1967.. فجميع قرارات القيادة المصرية آنذاك أتت على تحليلات ومعلومات لا أساس لها من الصحة، أهمها تأكيدات (من الغرب والسوفييت) بأن إسرائيل لن تبدأ بالهجوم، وأن إسرائيل لا تستطيع مهاجمة مصر وحدها دون مساعدة أميريكا، وان جيشنا يستطيع تلقينها درسا قاسيا كما فعل سابقا متناسين حجم الفساد الضخم الذي أصابه...إلخ


وتخبرنا السيرة النبوية الشريفة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان حريصا على جمع معلومات دقيقة لاتخاذ مواقف صحيحة. ومثال ذلك حرصه على معرفة تعداد جيش قريش يوم بدر، ومعرفته ذلك بسؤاله: كم يذبح القوم؟ قالوا يوما تسعة (جمال) ويوما عشرة. فقال صلى الله عليه وسلم: القوم بين التسعمائة والألف.

وكثيرا ما تطالعنا السيرة بكلمة "استخبارات المدينة" وكأن النبي صلى الله عليه وسلم لا ينتظر الخطر حتى يداهمه، بل تجتمع عنده المعلومات قبلها بوقت كاف لاتخاذ ما يراه مناسبا (بمشورة أصحابه رضي الله عنهم)


4- احذر الخطأ!

لاعب الشطرنج حذر بطبعه، وكذلك يجب أن يكون السياسي (أفرادا أو مؤسسات أو دولا). كن على علم أن الخطأ قد يكلفك الكثير، ويجعلك تندم في وقت لا ينفع فيه الندم!

إن خطأ في الشطرنج قد ينهي الدور. وكذلك في السياسة، فإن خطأ قد يقضي على السياسي وينهي مستقبله.. وربما تعدى الأمر ذلك وأنهى معاهدات وتسبب في هزيمة دول بكاملها، وذلك حسب مقدار الخطا، و مصدره، وحجم استفادة الخصم منه.

وتخبرنا سيرة النبي صلى الله عليه وسلم أن فتح مكة تم نتيجة خطأ جسيم وقعت فيه قريش وأحسن النبي صلى الله عليه وسلم استغلاله أفضل استغلال. فقد اعتدت قبيلة بكر المتحالفة مع قريش على قبيلة خزاعة المتحالفة مع المسلمين رغم توقيع صلح الحديبية، ووصل بهم الأمر أن قتلوا خزاعة في البيت الحرام! فما كان من خزاعة إلا أن استنجدت بالنبي صلى الله عليه وسلم، فتم له فتح مكة!

ولا شك أن خطأ كلينتون مع سكرتيرته أثر عليه كثيرا، وكادت تطيح بمستقبله السياسي..وإن لم تفعل فإنها على الأقل قد استنزفته وشوهت سمعته عند الكثير من ناخبيه – ولا سيما النساء.

وخطأ نيكسون في فضيحة التجسس الشهيرة "ووترجيت" على مكاتب الحزب الديمقراطي أنهت مستقبله بالفعل، فكان أول رئيس أميركيي يستقيل!! وظلت هذه الفضيحة تلاحقه حتى وفاته. ونسى الجميع له أنه من سحب القوات الاميريكية من فيتنام – وقد كان على وشك ضرب فيتنام بقنبلة نووية! جراء الهزائم- ونسوا أنه أول من أمد إسرائيل بمساعدة مالية ضخمة 3 مليارات دولار أثناء حرب أكتوبر، وأنه أول رئيس أمريكييزور الصين. نسى الجميع له ذلك ولا يتذكرون له إلا ووترجيت،! حتى وافته المنية يوم 22 أبريل 1994 إثر نوبة قلبية شديدة وهو في الحادية والثمانين من عمره.. ورغم أنه قد أعلن يوم وفاته يوم حداد وطني في أمريكا وأغلق الكونغرس والمحكمة العليا وبورصة نيويورك وتوقف توزيع البريدونكست الأعلام إلى منتصف السارية في داخل أمريكا، إلا أن ذلك لم يشفع له!

***

5- إخفاء النوايا

ألف باء سياسة إخفاء النوايا! هذا صحيح لا مراء.. ولا يعني ذلك النفاق، بمعنى أن نظهر غير ما نبطن! لا والله! وإنما قصدت ألا يعرف خصمي حركتي القادمة، حتى لا يستعد لها..

ومثال ذلك إخفاء النبي صلى الله عليه وسلم وجهته في فتح مكة. فأخفى النبي صلى الله عليه وسلم وجهته عن الجميع بما فيهم أقرب الناس إليه، ولم يخبر أحدا إلا زوجته السيدة عائشة رضي الله عنها. وتخبرنا السيرة أن أباها سيدنا أبا بكر رضي الله عنه ذهب إليها سائلا: أيريد الروم؟ فلم ترد. فعاد يسأل: ايريد غطفان؟ فلم ترد. فخرج دون أن يحصل على جواب.

ومن أبرز الأمثلة على ذلك خطة الخداع الاستراتيجي الذي مارسها الجيش المصري قبل حرب أكتوبر. فقد كان مطلوبا من الجيش المصري الاستعداد للحرب دون أن يشعر العدو بأدنى تغيير!! وكان ذلك بمثابة تمرير فيل من أمام شخص يجلس في الصالة دون أن يراه!! فعلى سبيل المثال، كان شراء الجيش خراطيم مياه عملاقة لهدم الساتر الترابي سيثير انتباه اليهود للأمر. وكان إخلاء المستشفيات قبل الحرب لاستقبال الجرحى سيثير انتباه اليهود للأمر. وكان استيراد كشافات يدوية تحسبا لانقطاع الكهرباء اثناء الحرب سيثير انتباه اليهود للأمر. فما العمل؟؟

فما كان من الجيش المصري إلا أن جعل المطافئ تقوم باستيراد خراطيم المياه بدلا من الجيش، فضحك اليهود حتى بكوا قائلين أن المصريين استوردوا خراطيم تطفئ حرائق نصف الكرة الأرضية.

وفيما يخص المستشفيات، فقد سربوا فيروس السل إلىها وجعلوا الصحافة تكتشف الأمر وتنشر فضيحة المستشفيات العامة المليئة بالميكروبات فيدخلها الناس أصحاء يخرجون مرضى مما استدعى إخلاء جميع المستشفيات للتفتيش والتعقيم!

أما موضوع الكشافات اليديوية فقد جعلوا أحد ضباط المخابرات يتخفى ليشترك مع أحد المهربين في بعض عملياته حتى وثق به. ثم أقنعه هذا الضابط بتهريب شحنة كبيرة من اليدوية، واقتنع المهرب مع نسبة الربح الكبيرة. وقامت قوات الشرطة المصرية بضبط الشحنة، التي تم مصادرتها وفقا للقانون المصري!

وإمعانا في الاخفاء فقد تم ادخال الضابط قفص الاتهام في المحاكمة وصورت الصحافة الحكم عليه بالسجن!

ومن الأمثلة ايضا على ذلك تعامل حزب الله اللبناني مع العدو الإسرائيلي أثناء احتلال الجنوب.. فكان حزب الله يختار المكان والزمان والوسيلة المناسبة للرد، لا أن ينجر إلى موقعة يختارها العدو بنفسه..

وفي الشطرنج؛ هناك علامات على وصول اللاعب للمستوى الاحترافي، منها الخداع المزدوج! وتعني أن تخطو خطوة يحللها الخصم تحليلا ما، بينما أنت في حقيقة الأمر تطلب شيئا آخر! وهذا يتطلب مجهودا مضاعفا بطبيعة الحال.

***

6- توزيع الأدوار

من الأمور شديدة الشبه بين السياسة والشطرنج توزيع الأدوار. الفرس عن الفيل عن الوزير عن الملك!

العجيب في هذه اللعبة أن الملك يملك ولا يحكم! فهو من أضعف القطع نفوذا في الجيش. وهذا مطلوب فليس مطلوبا من المدير أن يؤدي كل شيء بنفسه، ومن يفعل ذلك فهو مدير فاشل.

إن قوة الجيش تكمن في إدراك اللاعب أهمية انتشار قواته على الرقعة، وسيطرته على وسط الملعب، وكيفية الاستفادة من كل قطعة، فلا يوجد قطعة ضعيفة أو قوية، يوجد فقط قطعة مهمة أو غير مهمة، واللاعب الذكي من يجعل كل قطعه مهمة.

وقد أكد النبي صلى الله عليه وسلم على هذا المعنى فقال: " أَرْحَمُ أُمَّتِي أَبُو بَكْرٍ , وَأَشَدُّهَا فِي دِينِ اللَّهِ عُمَرُ , وَأَصْدَقُهَا حَيَاءً عُثْمَانُ ، وَأَفْرَضُهُمْ زَيْدٌ , وَأَقْرَؤُهُمْ أَبِي , وَأَعْلَمُهُمْ بِالْحَلالِ وَالْحَرَامِ مُعَاذٌ , وَإِنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَمِينًا وَإِنَّ أَمِينَ هَذِهِ الأُمَّةِ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ" .

وفي الحديث تأكيد على معرفة النبي صلى الله عليه وسلم بقدرات من حوله وتوظيف كل شخص التوظيف الامثل.


7- التضحية بالمصلحة الخاصة من أجل المصلحة العامة.

وأقصد هنا أن هناك قطعا تم التضحية بها مقابل الصالح العام وهو الفوز بالمباراة.. وبديهي أن تستجيب قطع الشطرنج لذلك، لانها مصنوعة من الجماد، أما أن يقوم بشر من لحم ودم بذلك فلهي من إمارات العظمة والنجاح!

وقد أكد النبي صلى الله عليه وسلم على هذا المعنى، فقال: ( طوبى لعبدٍ آخذ بعنان فرسه في سبيل الله، أشعث رأسه، مغبرة قدماه، إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة، إن استأذن لم يؤذن له، وإن شفع لم يشفع ) رواه البخاري في الفتح 2887 .


يقول ابن الجوزي: المعنى أنه خامل الذكر لا يقصد السمو، فإن اتفق له السير سار، فكأنه قال: إن كان في الحراسة استمر فيها، وإن كان في الساقة استمر فيها".[فتح الباري 6/83].

ويقول ابن حجر: "فيه ترك حب الرئاسة والشهرة، وفضل الخمول والتواضع".[فتح الباري 6/83].

هذا الصنف من الدعاة هو الذي تنجح الدعوة به، أما المتطلعون للرئاسة والمناصب والشهرة فإنهم من دون شك يكونون أحجار عثرة في طريق الدعوة.

يقول الإمام الشهيد حسن البنا رحمه الله:

أيها الشباب: إنما تنجح الفكرة إذا قوي الإيمان بها ، وتوفر الإخلاص في سبيلها ، وازدادت الحماسة لها ، ووجد الاستعداد الذي يحمل على التضحية والعمل لتحقيقها . وتكاد تكون هذه الأركان الأربعة : الإيمان، والإخلاص ، والحماسة ، والعمل من خصائص الشباب . لأن أساس الإيمان القلب الذكي ، وأساس الإخلاص الفؤاد النقي ، وأساس الحماسة الشعور القوي ، وأساس العمل العزم الفتي ، وهذه كلها لا تكون إلا للشباب. ومن هنا كان الشباب قديما و حديثا في كل أمة عماد نهضتها ، وفي كل نهضة سر قوتها ، وفي كل فكرة حامل رايتها: (إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدىً)

(الكهف:13) .

الإمام الشهيد حسن البنا رحمه الله


8- الترقية

من المعلوم أن البيدق (العسكري) في الشطرنج إذا وصل إلى المربع رقم 8 فإنه يترقى إلى اي رتبة يريدها الاعب دون الملك (وليس وزير فقط كما يعتقد البعض) وتعتبر هذه الخطوة من الخطوات الحاسمة في المباراة.

كذلك الحركات السياسية، إذا أعطت فرصة للشباب لكي يدخل الساحة فإنها تدعم حاضرها وتضمن مستقبلها، بشرط أن يتم ذلك بالتدريج وفي رعاية الكبار وحمايتهم، مثل البيدق الذي يلزمه لكي يترقى أن يخطو ثماني خطوات، وفي حماية بقية قوات الجيش الذين يحمونه من استهداف جيش الخصم.


9- حماية أم عزلة؟

من الحركات المعروفة في الشطرنج "التبييت" وهي حركة الملك خطوتين إلي اليمين أو اليسار ووضع الرخ بجواره (يساره إذا تحرك يمينا أو يمينا إذا تحرك يسارا) وهي الموقف الوحيد الذي يمكن للملك فيه أن يتحرك خطوتين دفعة واحدة. وقد

جرت العادة أن يكون التبييت الخطوة رقم 5 لكثير من اللاعبين (أنا شخصيا أؤخرها قليلا إلا أنني أحيانا أدفع ثمن ذلك)

وللتبييت ثلاثة شروط: 1- أن تكون الساحة فارغة بين الملك والرخ. 2- ألا يكون أحد القطعتين تحرك سابقا. 3- ألا يكون أحدهما تحت تهديد.

وفائدة التبييت حماية الملك بوضعه في أقصى الرقعة فيصبح الوصول إليه صعبا من قبل الخصم! إلا أن ذلك قد ينقلب عليه إذا لم يحسن اللاعب نشر قواته والدفاع عن الملك، فتتحول الحماية إلى عزلة وخطر حقيقي يجعل أقل "كش" تنهي المباراة.

وهذا ما يحدث لكثير من الزعماء الذين ينعزلون عن شعوبهم فيصبح في خطر حقيقي!


10- العبرة بالنهاية

من أشهر أدوار الشطرنج قاطبة دور يسمى "الدور الخالد" للبروفيسور الألماني أندرسون. حيث قام هذا البروفيسور بتقديم العديد من القطع (منهم الرخين) في سبيل هزيمة خصمه..

كم كان الدور رائعا، وأنت تشاهد البروفيسور يخطط لهزيمة خصمه لعدة خطوات مستقبلية، بينما الآخر فرح بالمكاسب التي يحصل عليها دوت تمهل في التفكير: هل في الأمر خدعة؟

وللدور فوائد عديدة، أريد منها هنا عدم الارتكان إلى نصر قد تحقق، فسنن الله غالبة، ومن جد وجد، ومن زرع حصد، ولا يؤمن الفوز بدور الشطرنج حتى يموت ملك الخصم (أو يستسلم) ولا يؤمن الفوز في الحياة إلا في الجنة!

لا تجعلوا الهزائم تيصيبكم باليأس، ولا تجعلوا الانتصارات تصيبكم بالغرور. فيوسف عليه السلام ألقي في السجن ظلما ثم صار الوزير، وقارون كان حسن الصوت في ترتيل التوراة، وآتاه الله من الكنوز من إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة، ثم خسف الله به وبداره الأرض!

***

خاتمة:

وأنا على يقين أن ثمة نقاطا أخرى يتشابه فيه عالم الشطرنج مع عالم السياسة.. ولعلكم تضيفون لي بعضا مما لم أدركه بعد في هذين العالمين المتشابكين الشيقين: الشطرنج، والسياسة!

وحتى يضيق صدري بأشياء اخرى لكم مني سلام.