احتكار الحقيقة
إن أشد ما يحزنني عند مناقشة "أمر ما" مع "أحد ما" أن أجد لديه اقتناع مسبق لن يتزحزحunshakeable بسداد رأيه، وصواب فهمه، وعدم وجود استعداد مبدئي لتغيير آرائه وقناعاته والتسليم بوجهة النظر الأخرى، وأنها "ربما" تكون صحيحة، بل على العكس؛ ترى في عينيه جملة "عفوا.. أنا أدري ما لا تدري"!!
وإذا أردنا أن نقسم الموضوعات المطروحة للنقاش فأرى أنه يمكننا تقسيها إلى قسمين، موضوعات محسومة وهي الموضوعات العقائدية أو العقدية، والتي تتعلق بعقيدة المسلم، مثل وحدانية الله عز وجل والايمان به وحده خالقا و إلها و ربا للعالمين، وكذلك الإيمان بملائكته وكتبه ورسله جميعا دون تفريق بين أحد منهم، والإيمان بأن هناك بعثا بعد الموت، ثم الجزاء الخالد إما الجنة أبدا أو النار أبدا..
وهذه موضوعات ليس فيها مكان للحلول الوسط، ولا تحتمل وجود شك عند صاحبها في اي بند من بنودها..
والقسم الآخر هي الموضوعات التي تتعلق بما دون ذلك من أمور الحياة؛ مثل السياسة والاجتماع والتاريخ واللغة والأدب والطب والهندسة وحتى كرة القدم وطبق اليوم..
وهذه من الأمور التي تتجاذبها النظريات وتكثر فيها الآراء ويجوز فيها التعدد والاختلاف، ابتداء من الاختلاف حول تفسير النظرية النسبية وانتهاء بوضع الخطة المثلى للمنتخب 4-4-2 أم 5-3-2..
أي أن الغالبية الساحقة من موضوعات حياتنا ليس فيه صواب مطلق ولا خطأ مطلق، ليس فيه خير وفير ولا شر مستطير.. بل لكل رأي مزايا وعيوبه، مغانمه ومغارمه، إيجابياته وسلبياته. والمفاضلة هنا تكون في اختيار الرأي الذي تغلب عليه المكاسب وتقل فيه الخسائر، وقديما قالوا: "ليس العاقل من عرف الخير من الشر، لكن العاقل من عرف خير الخيرين وشر الشرين)
***
هل معنى هذا أن نتناقش في القسم الثاني فقط من الموضوعات وأن يكون النوع الأول غير مطروح للنقاش؟ أو يكون معنى ذلك أن ندخل نقاشات في القسم الأول من الموضوعات (العقدية) وأسلوبنا في ذلك أننا نحتكر الحقيقة وحدنا دون غيرنا، وبالتاي علينا أن ندخل في النقاش فقط بغية تبيين للآخر خطأ معتقده وتسفيه رأيه؟
وقبل أن أجيب أريد أن أنوه إلى الفارق بين ما نعتقد به جازمين، وبين "الأسلوب" المستخدم. فعقائدنا واضحة لاريب، لكن لا يجب أن ندخل في مناقاشات فيها أو حولها ونحن نظهر للآخر أننا الحق المبين لاريب وأنه باطل شر مطلق لاريب، وأننا غير مستعدين لقبول ما في وجهة النظر الأخرى من محاسن وترك ما فيها من مساوئ .. هذا ليس منهج القرآن في الاختلاف حتى وإن كان هذا حقا هو ما نعتقده وما نؤمن به؟ وإن كان ذلك في أمور العقيدة والجنة والنار، فما بال أمور السياسة والحكم والاقتصاد!!
إن القرآن الكريم يدعونا – جميعا- للبحث والتفكير والتأمل، بغية الوصول للحقيقة وليس أخذ الأمور على حالها أو الإيمان بها قهرا أو قسرا أو مع عدم الاستعداد لتغيير القناعات إذا ثبت خطأها. بل إن الله عز وجل يأمر من النبي صلى الله عليه وسلم –ومن ورائه المؤمنين-أن يكون إيمانه عن قناعة وعلم "فاعلم أنه لا إله إلا الله" سورة محمد:19 وليس اتباعا دون تفكير "إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثرهم مقتدون"، الزخرف 23 "أغمض عينيك واتبعني" الكتاب المقدس - سفر التثنية
تعاول نتأمل هذه الأمثلة القرآنية حول "طريقة" نقاشنا وجدالنا لمن يختلف معنا في ثوابت الدين:
"قل سيروافي الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق " العنكبوت 20
قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بضياء أفلا تسمعون ( 71 ) قل أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه أفلا تبصرون ( 72 ) ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون ( 73 ) ) . سورة القصص
قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غورا فمن يأتيكم بماء معين الملك 30
قل من يرزقكم من السماوات والأرض قل الله وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين. 24 قل لا تسألون عما أجرمنا ولا نسأل عما تعملون.25 قل يجمع بيننا ربنا ثم يفتح بيننا بالحق وهو الفتاح العليم. 26
يحكى أن سويد بن الصامت العاقل الذي سماه قومه الكامل؛ لجلده وشعره وشرفه ونسبه، التقي بمُحَمّد صلي الله عليه وسلم* في أوائل العام الحادي عشر للبعثة فدعاه، فقال له سويد: لعل الذي معك مثل الذي معي، فسأله النبي صلي الله عليه وسلم*: وما الذي معك؟، فقال سويد: حكمة لقمان، ثم عرضها علي النبي *صلي الله عليه وسلم* فقال له: إن هذا الكلام حسن! والذي معي أفضل من هذا، قرآن أنزله الله تعالي علي هو هدي ونور، ثم تلا عليه القرآن، فقال سويد: إن هذا لقول حسن، ثم أسلم.
كل هذه الأمثلة توضح بشكل قوي النزول إلى حلبة صراع الأفكار والانتقال "بالآخر" من مرحلة الانسداد الفكري والتقوقع حول الذات إلى تمحيص جميع الآراء واختيار أفضلها. وغني عن الذكر أننا لن نستطيع أن نقنع "الآخر" بذلك دون أن "يشعر" منا بالمثل.
أما المثال التالي فهو مثل صارخ على طريقة القرآن الاستيعابية لمن يرفض الحوار. انظر سورة الحج:
وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا..72
أي أن القرآن ينكر على المختلف معنا أمرين شديدين: الانكار المسبق (تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنكَرَ) وشخصنة الأمور أي ترك الأفكار والنظر للأشخاص وهذا عيب كثير من ضيوف البرامج الحوارية للأسف، ومن قبل قالوا عن النبي صلى الله عليه وسلم: وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم الزخرف 31
جوهر الفكرة ليس هنا فحسب.. لا ياسيدي.. بل البديع والرائع هو أنه بعد أن أقر القرآن الكريم أن هؤلاء الناس لديهم انكارا مسبقا للآيات التي تساق إليهم إلا أن الآية التالية مباشرة من نفس السورة الحج 73 تضرب لهم مثلا، ومثلا صارخا أيضا:
"يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا و لو اجتمعوا له و إن يسلبهم الذباب شيئا ًلا يستنقذوه منه ضعف الطالب و المطلوب" الحج 74
وكأن المعنى: لا يجب أن يصرفنا سوء اختلاف من يجادلنا عن حسن اختلاف من تربى على القرآن، ونجاحنا يكون إذا دفعناهم للتفكير فيما نقول مجردا مع استعدادهم للايمان به إذا اقتنعوا به دون الخوض في تجريح اي من الطرفين.
***
لماذا أقول هذا الكلام؟
نحن مقبلون على انتخابات تشريعية ومن ثم رئاسية، وسيدور النقاش كثيرا حول المرشحين والأفكار (إن كان ثمة أفكار). وحتى يكون خلافنا المرتقب وجيها حميدا مفيدا لنا وللوطن فإنني أطلب من الجميع شيئين:
1- أن نتمتع عند الاختيار بعقلية المحقق أو القاضي ولا نكون كالمحامي (كما يقول الدكتور معتز عبد الفتاح)، فالمحقق يبحث عن الحقيقة أيا كانت دون النظر لطرفي النزاع (ولا يجرمنكم شنئان قوم ألا تعدلوا) المائدة8. بينما المحامي قد اختار مسبقا وجهة نظر معينة ويدافع عنها قبل أثناء التحقيق وليس بعد انتهائه ويبحث في الأدلة لا ليصل إلى الحقيقة ولكن ليختار منها فقط ما يدعم وجهة نظره.
2- أن يكون لدينا قناعة أن في السياسة لا يوجد خير مطلق ولا شر مطلق وإنما هناك خيار أفضل من خيار وبالتالي فالآراء المختلفة داخل اطار التعددية هي أقل صوابا وليست خطأ بالجملة.
أتمنى أن يأتي يوم نسمع فيه بعضنا البعض سماعا حقيقيا (من الدرجة الرابعة بمقاييس دكتور ستيفن كوفي) دون التعصب المسبق لرأي من الآراء، ودون التأثر بتجارب سلبية سابقة نجعلها تتحكم في تفكيرنا وقرارتنا وخياراتنا السياسية أو الإنتخابية، وكذلك دون شخصنة الأمور أو تجريح الطرف المخالف لنا في الرأي سواء في كفاءته أو في شخصه، حتى يخرج كل منا مقتنعا بما يراه "الأكثر صوابا" متنميا الصلاح والنجاح والفلاح لهذا الدين وهذا البلد وإن أتى من أشد خصومه في الفكرة.

