مرحبا بك في مدونة شيء في صدري يمكنك اختيار المقال الذي تبحث عنه من القائمة على اليمين.. ومهما كان انتي مصر.. وكل خطوة بنصر.. الله أكبر وتحيا مصر

Welcome to the personal blog of the Egyptian Writer and political analyst Dr. Ahmed Nassar. You can choose the article you need from the list lower right

الجمعة، 19 أغسطس 2016

هل تغير موقف بريطانيا من السيسي والإخوان؟

في أسبوع واحد، وبعد أقل من شهرين على تولي رئيسة الوزراء البريطانية الجديدة «تريزا ماي» مهام منصبها، حدث متغيران في غاية الدلالة في العاصمة البريطانية لندن، أحدها يتعلق بالنظام في مصر، والآخر يتعلق بجماعة المعارضة الرئيسة «الإخوان».
المتغير الأول أتى عبر مجلة «الإيكونوميست»، التي تعتبر واحدة  من أكثر المجلات رصانة في العالم، والتي تنبأت سابقا قبل ثورة يناير بأشهر بأفول «مبارك». الصحيفة خصصت تقريرًا عن الوضع الاقتصادي المصري، بعنوان صريح هو «خراب مصر»، و«حالة الإنكار» التي يعيشها «السيسي».
المتغير الثاني أتى من الخارجية البريطانية نفسها، التي أعلنت عن استعدادها لإعطاء اللجوء السياسي لأعضاء «الإخوان المسلمين» المتواجدين في بريطانيا.
وبدون مبالغة، فقد كان المتغير الأول مفزعًا للنظام، وأكبر من قدرته على التحمل، بينما كان المتغير الثاني مثيرا لدهشة الإخوان أنفسهم، وأكبر من محاولاتهم على تفسيره!
***

1- تراجع دور أمريكا في المنطقة

ليس خفيًا التقارير والتحليلات التي تحدثت عن تراجع اهتمام الولايات المتحدة بمنطقة الشرق الأوسط؛ لأسباب عدة، أهمها: تراجع أهمية النفط الخليجي للسوق الأمريكية.
فبفضل النفط الصخري، وهو «استخراج النفط والغاز من الصخور الزيتية»؛ ستنافس الولايات المتحدة أكبر دول العالم إنتاجًا للنفط في العالم بحلول 2017، وستبدأ بتصدير النفط أكثر مما تستورده عام 2025، وستحقق أول اكتفاء ذاتي كامل في الطاقة عام 2030؛ مما جعل اهتمام واشنطن بالمنطقة يتراجع.
***

2- بريطانيا مسؤولة تاريخيًا عن مصر

وليس معنى تراجع دور الولايات المتحدة في المنطقة أنها ستتركها، بل هو تعميق للمبدأ الذي رفعه «أوباما» «القيادة من الخلف» Leading from behind .
وحيث إن بريطانيا هي المسؤولة عن مصر تاريخيًا في الغرب، سواء بالاحتلال المباشر لعقود، أو لنفوذها الاستخباراتي والاقتصادي بعد ذلك، فإن من الطبيعي أن توصف بريطانيا بأنها الأكثر دراية بالشأن المصري، وتوصف صحافتها بالأكثر إلمامًا بأدق المتغيرات في مصر.
فعلى سبيل المثال؛ إن الصحيفة البريطانية «الديلي ميل» هي التي أكدت أن الطائرة الروسية التي سقطت في سيناء كان تحوي قنبلة ذكية، ضبط «جهاز التوقيت»Timer  فيها بعد ساعتين، «أي عندما تصل إلى تركيا»، إلا أنها سقطت مبكرًا. وبالفعل، فإن أول تصريح لمسؤول رسمي مصري عقب الحادث، أن الطائرة لم تسقط أصلًا وأنها الآن فوق الأجواء التركية!
وكانت الصحافة البريطانية أيضًا أول من كشف القصور الأمني في مطار شرم الشيخ، وألمحت الصحيفة إلى أن شخصًا من داخل المطار قد زرع القنبلة بنفسه، مما أشار بأصابع الاتهام إلى «السسيسي» نفسه، الأمر الذي دفع الرئاسة في مصر إلى إصدار نفي رسمي، وهو نفي يعني أن الاتهامات كانت قوية!
وقد كانت بريطانيا أول من أصدر قرارًا بإجلاء السائحين من مصر، حتى قبل روسيا صاحبة الطائرة المنكوبة نفسها، فأجلت في وقت مبكر ما يقارب من 20 ألف بريطاني، الأمر الذي أحرج «بوتين» بشدة، وصوره أمام شعبه بعدم الحريص على أرواح المواطنين الروس، فاتخذ قرارًا هو الآخر بإجلاء ما يقرب من 80 ألف سائح روسي من مصر!
***

3- تيريزا ماي: براجماتية أمنية

ومع استفتاء بريطانيا للخروج من الاتحاد الأوربي، ومجيء رئيسة الوزراء البريطانية الجديدة إلى الحكم، بدأ البعض يتساءل عن سياسة السيدة الجديدة، بالرغم من أنها كانت مؤيدة لبقاء بريطانيا في الاتحاد.
«تيريزا ماي»، التي تعد واحدة من أطول من شغلوا منصب وزير الداخلية البريطانية في تاريخ البلاد، في أول جلسة أمام البرلمان بعد منصبها الجديد، سُئلت ما إذا كانت مستعدة لشن هجمات نووية خارجية يموت فيها رجال ونساء وأطفال لحماية الأمن القومي البريطاني، فأجابت نعم!
نحن أمام حالة من البراجماتية الشديدة النابعة من رغبة في حماية الأمن القومي البريطاني، بأية وسيلة وبأي ثمن، بعيدًا عن أن أي وازع فكري أو أخلاقي أو حتى إنساني!

4- استمرار السيسي يعني الانهيار أو الانفجار!

نعود هنا لبداية المقال؛ ما الدوافع البريطانية التي جعلت لندن تبعث إلى القاهرة رسائل علنية، غير رسمية، شديدة اللهجة، مثل تلك التي حواها تقرير «الإيكونوميست» المشار إليه، والذي نقل ما كان يدور في الغرف المغلقة منذ عام تقريبا؟
الغرب يفكر بمنطق البدائل، فيختار أفضل المتاح، وأحلى المرين، ويحاول استباق الأحداث قبل أن يحدث انفجار.
الآن، وبعد عامين من حكم السيسي، ومع انهيار العملة، وأزمة الدولار، والأوضاع الاقتصادية التي لم تعد تخفى على أحد، فإن الغرب صار متأكدًا أن السيسي نفسه جزء من المشكلة، وأن استمرار الأمور على ما هي عليه يعني انهيارًا أو انفجارًا، وهو ما لا يمكن السماح به!
فأوروبا لا يمكنها أن تحتمل مأساة جديدة للاجئين من مصر، تعدادها خمس مرات عدد سوريا، وأكثر من نصفها شباب يريدون الهجرة حتى بدون حرب أهلية!

5- استمرار السيسي مستحيل مع تراجع الدعم الخليج!

تشريح الانقلاب في مصر مهم؛ لتبيان مدى قدرته على البقاء! فصحيح أن انقلاب «3 يوليو (تموز)» كان قرارًا غربيًا إسرائيليًا من الرأس، ونفذه عملاؤهم في الجيش وباقي مؤسسات الدولة على الأرض، إلا أن الحلقة الوسيطة، والممول الرئيس له، كانت دول الخليج، التي مثلت القلب النابض، والرافعة الاقتصادية للانقلاب.
وطيلة الأعوام السابقة، عندما كان يخير الغرب، إما بين السيسي أو عودة الشرعية، كان يختار على الفور السيسي، طالما أنه يحافظ على الحد الأدنى من الاستقرار في مصر، مدعومًا بالمساعدات الخليجية السخية.
ومع تراجع إيرادات النفط لكثير من دول الخليج، بدأ هذا الدعم في التقلص، ومن المرجح ألا يستمر، مما دق نواقيس خطر في الغرب، ودفعه لاستباق الأحداث قبل أن تخرج الأمور عن السيطرة. (صرح «طارق عامر» رئيس البنك المركزي مؤخرًا: علينا الاعتماد على أنفسنا، ووديعة الإمارات لن تأتي)
ومع براجماتية تيريزا ماي، ومع سياسة الغرب القديمة في استباق الأحداث قبل خروجها عن السيطرة، فإن رسائل الإيكونوميست غير الرسمية، عبرت عن تغير رسمي في الموقف البريطاني، مفاده أن استمرار السيسي بدون دعم خليجي كالسابق، يعني أن الأمور تتجه إلى انهيار أو انفجار.
في المقابل فإن الإعلان الغريب عن استعداد بريطانيا النظر في طلبات اللجوء للإخوان المقيمين في بريطانيا، مع تأكيد لاحق من السفارة البريطانية في القاهرة، أن بريطانيا لن تنظر في طلبات اللجوء من خارج المملكة، هو إعلان ضمني أن موقف بريطانيا الرسمي من الإخوان أنهم جماعة غير إرهابية.

الخلاصة

من السذاجة التصور أن بريطانيا تخلت عن علاقتها بالسيسي، وأنها صارت تراهن على الإخوان. الراجح أن بريطانيا تريد عدم ترشح السيسي «كشخص» لفترة رئاسية ثانية بعد عامين، للخروج من المأزق الراهن، مع الابتعاد عن متلازمة «الشرعية والانقلاب»، وهو ما أوصى به التقرير، الذي يفترض أنه اقتصادي!
وآلية تنفيذ ذلك في رأيي لا تكون، إلا بتكرار ما فعله السادات مع الجماعة في السبعينات، عندما أخرجهم من المعتقلات وسمح لهم بالعودة للعمل في المجتمع والجامعات، تحت سقف النظام الموجود!
ومع انفضاض جماعات معارضة في مصر معروفة بعلاقتها بالخارج من حول السيسي، وقرار بعضهم الترشح ضده في انتخابات الرئاسة القادمة، «عصام حجي»، فإنه من غير المستبعد أن يعلن هؤلاء، لاحقًا، استعدادهم للتصالح مع الإخوان، والاصطفاف معهم، ضد السيسي في الانتخابات القادمة، تماشيا مع السياسة الغربية الجديدة.
لكن الوقت ليس في صالح الغرب، وعلى الإخوان أن يدركوا أن رئيسة الوزراء البريطانية البراجماتية الجديدة، والمستعدة لشن هجمة نووية حتى لو راح ضحيتها مئات الآلاف من الأبرياء، لم تغير موقفها، لا منهم، ولا من السيسي، إلا لأسباب قوية، تؤكد أن العصا قد وضعت بالفعل في عجلة الانقلاب، وأن استمراره صار مكلفًا وخطرًا محدقًا، وأنهم قد انتزعوا من الغرب استعدادًا مبدئيًا لوجودهم في أية معادلات قادمة للتسوية! لقد أدرك الغرب أن مرحلة السيسي قد انتهت، لكنه يرتب الآن للبديل، حتى لا تكون الخسارة فادحة!

تشريح الانقلاب بعد ثلاث سنوات على المذبحة

كما عمد كثير من المفكرين والسياسيين إلى تشريح الثورات، مثل جوستاف لوبون في "روح الثورات والثورة الفرنسية"، وكرين برينتون في "تشريح الثورة"، فمن الضروري أيضاً تشريح الانقلابات، ليس تشريحاً أفقياً، كما فعل جين شارب في كتاب "ضد الانقلاب" أو "من الديكتاتورية إلى الديمقراطية"، بل تشريحاً رأسياً، بكشف طبقات هذا الانقلاب وعلاقته بالخارج، وما يطرأ على هذه العلاقة من قوة وفتور.

***

تشريح الانقلاب في مصر مهم إذن؛ لتبيان مدى قدرته على البقاء، ويمكن تقسيم انقلاب السيسي بثقة إلى ثلاث طبقات رأسية:
1 - العقل المدبر: الغرب وإسرائيل.
2 - المنفذ: عملاء لهم على الأرض في الجيش وباقي مؤسسات الدولة.
3 - الراعي الرئيسي: دول الخليج.


فصحيح أن انقلاب 3 يوليو/تموز كان قراراً غربياً إسرائيلياً من الرأس، ونفذه عملاؤهم في الجيش وباقي مؤسسات الدولة على الأرض، إلا أن الحلقة الوسيطة، والممول الرئيسي له، كانت دول الخليج، التي مثلت القلب النابض، والرافعة الاقتصادية للانقلاب.

وطيلة الأعوام السابقة، عندما كان يخير الغرب؛ إما بين السيسي أو عودة الشرعية، كان يختار على الفور السيسي، طالما أنه يحافظ على الحد الأدنى من الاستقرار في مصر، مدعوماً بالمساعدات الخليجية السخية.

ومع تراجع إيرادات النفط لكثير من دول الخليج، بدأ هذا الدعم في التقلص، ومن المرجح ألا يستمر، مما دق نواقيس خطر في الغرب، ودفعه لاستباق الأحداث قبل أن تخرج الأمور عن السيطرة. (صرح طارق عامر، رئيس البنك المركزي أخيراً: علينا الاعتماد على أنفسنا ووديعة الإمارات لن تأتي).

وقد سبق أن قلت إن السيسي لا يستطيع الاستمرار ثلاثة أشهر دون دعم الخليج، إلا أن وزير الخارجية التركي صرح منذ يومين بأن مصر قد تنهار خلال أسبوع واحد فقط إذا توقف الدعم الخليجي!

***

ما نجحت فيه الثورة إذن أنها لا تزال ترفع الراية الرافضة لهذا الانقلاب طيلة ثلاثة أعوام، مانعة الانقلاب العسكري الدموي من التحول إلى انقلاب دستوري، كالذي حدث في البرازيل في صمت، ودفعت ثمن ذلك غالياً، لكن النظام أيضاً بدا أنه يدفع ثمناً لا يقل فداحة.

فالمعونات الخليجية التي ظلت تدعم هذا الانقلاب منذ ولادته بدا أنها في طريقها إلى النضوب، ليس كرهاً للسيسي، لكن كنتيجة طبيعية لتراجع إيرادات النفط، مما أخرج إحدى طبقات الانقلاب الثلاث، وأكثرها حيوية في رأيي، (التمويل الخليجي) من المعادلة؛ مما جعل الغرب يعيد التفكير في قدرة العملاء على الاستمرار وحدهم بالشكل الحالي حكم مصر.

لا أبالغ إذا قلت إن كل التقارير الغربية تشير إلى أن استمرار السيسي يعني انهياراً أو انفجاراً، وهو وضع لا يمكن أن يسمح به الغرب، ليس حباً في هذا البلد، ولكن ببساطة لأن أوروبا لا يمكنها أن تحتمل مأساة جديدة للاجئين من مصر، التي يبلغ تعداد سكانها خمس مرات تعداد سوريا، وأكثر من نصفها شباب يريدون الهجرة، حتى دون حرب أهلية!

التقارير الغربية بدأت تشكك في قدرة السيسي على الاستمرار منذ أكثر من عام، لكنها انتقلت إلى العلن مع تقرير الإيكونوميست، الذي نقل إلى صفحات أكثر المجلات رصانة في العالم ما كان يدور سراً في الغرف المغلقة.

ومع تراجع بعض الشخصيات لإعادة إنتاجهم من جديد، ومع علاقاتهم المعروفة بالغرب (عصام حجي)، يكون المشهد أكثر اتساقاً، الغرب يريد حلاً سياسياً في مصر تحت مظلة انقلاب 3 يوليو/تموز، لكن مع عدم وجود السيسي كشخص، وبوجود الإخوان لكن مع عدم التمسك بمرسي.

وحتى يتم حبك هذا السيناريو توقعت أن يعلن عصام حجي استعداده؛ للتعاون مع الإخوان في الانتخابات القادمة، شخصياً توقعت أن أقرأ هذا التصريح خلال عام من الآن، لكنه حدث بعد 24 ساعة فقط، مما يعني أن الغرب ليس لديه وقت، وأن أدرك تماماً أن السيسي بدون دعم دول الخليج التي تعاني من تراجع النفط، لا يمكنه أن يستمر.
***
الخلاصة:

أظهرت التجربة في مصر وتركيا وغيرها من الدول أن الانقلاب لا يردعه إلا دبابة امتلكها أردوغان ولم يمتلكها مرسي، كما أظهرت تجربة مارس/آذار 1954 أن الانسحاب وترك الميدان حتى ولو كان أخف وطأة من حيث القتل والاعتقال، إلا أنه مكّن العسكر من الحكم نصف قرن وأكثر، الثورة اختزلت ستين عاماً من الحكم العسكري في عدة سنوات ودفعت ثمن ذلك!

ونظراً للظروف التي لم تمكن فيها الثورة من صناعة أجهزتها الأمنية الخاصة بها، وهو الشيء الذي كان له أكبر الأثر في إجهاض انقلاب 15 يوليو في تركيا، فإن فرصة الثورة في كسر هذا الانقلاب هي بتمزيع طبقاته الثلاث عن بعضها أكثر وأكثر، وفصل قلب هذا الانقلاب المتمثل في الدعم الخليجي عن أطرافه في مصر.

وحتى لو توجه السيسي بصندوق النقد، فذلك دليل إضافي على نقص المعونات الخليجية، وعلى تعثر السيسي في الديون أكثر وأكثر.

لقد كانت مذبحة رابعة الأكبر في التاريخ الحديث بحق، لكنها أسقطت أصناماً كثيرة كان لا بد من كسرها، وكشفت الكثير من أوراق التوت كان لا بد من كشفها، عن كثير من الشخصيات والمؤسسات داخل هذا البلد وخارجه، التي كان لا بد من فضحها، وعرقلت نمو هذا الانقلاب المولود سفاحاً، حتى انفض الناس عن السيسي ووعوده الزائفة، وأصبح في كل يوم يبشرهم بقرارات أصعب من التي قبلها، فاتضح بعد هذه السنوات من كان على حق، وأنه لا خير في لقمة مغموسة في الدماء!

الأربعاء، 10 أغسطس 2016

لماذا نجحت تركيا في سوريا وفشلت السعودية في اليمن؟

رغم كل شيء، نجح الثوار في سوريا في تحرير حلب، محافظين على خط إمدادهم الرئيس من تركيا، وصار النظام بين عشية وضحاها من الهجوم، مستغلا الدعم الروسي والإيراني، إلى الدفاع والتقهقر!
هنا سؤال يطرح نفسه: لماذا يتقدم الثوار في سوريا رغم أنهم يواجهون تحالفا دوليا، ويقصفهم طيران النظام والطيران الروسي، ويقاتلهم على الأرض الحرس الثوري الإيراني وميليشيا حزب الله وآخرين، بينما تتقهقر المقاومة اليمنية رغم أنهم لا يواجهون إلا ميليشيا الحوثي وصالح؟
كلمة السر تكمن في أن من يدعم ثوار سوريا هي تركيا، الواثقة الثابتة، بينما من يدعم المقاومة اليمنية هي السعودية، المرتبكة المتذبذبة، والفارق كبير!
فنوايا السعودية ببساطة غير صادقة في اليمن، وتتحرج من دعم المقاومة في أوقات كثيرة، لأن المقاومين أغلبهم من الإخوان. بينما تركيا تدعم جيش الفتح – رغم وجود جبهة النصرة فيه – دون التفات لقلق بان كي مون أو رضوخ للإملاءات الأمريكية!
السعودية غير راغبة وغير قادرة على أن تغضب أمريكا قيد أنملة، ونتيجة لذلك؛ انتقلت الحرب من صنعاء وعدن، إلى جازان ونجران، ويموت كل يوم ضباط وجنود سعوديون. بينما تركيا دافعت عن أمنها القومي في داخل العمق السوري، قبل أن تجد أكرادها يطالبون بالالتحاق بالدولة الكردية المزمع إنشاؤها شمال سوريا!
أخطأت السعودية في حق نفسها حين غضت الطرف وسمحت للحوثيين – المتحالفين مع إيران – باجتياح العاصمة اليمنية صنعاء سبتمبر 2014.
كان الخليج بأكمله والرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي – رجل السعودية في اليمن – والغرب قد سمحوا للحوثيين بدخول العاصمة اليمنية، وعدد من المحافظات بهدف تطويق قبائل «حاشد» المؤيدة لجماعة الإخوان المسلمين في اليمن، وذراعهم في الجيش، المتمثل في القوات الموالية للواء علي محسن الأحمر، المنتمي لجماعة الإخوان المسلمين في اليمن كذلك.
كانت هذه الخطوة تعني أن الرياض – واللوبي الإماراتي المتحكم في قرارها بقيادة أمين الديوان خالد التويجري وقتها – باتت ترى أن الإخوان المسلمين أكثر خطرا من الحوثيين الشيعة! وهو ما تسبب في منع تسليح المقاومة في محافظة الجوف اليمنية على الحدود مع السعودية، لأن زعيم المقاومة من الإخوان المسلمين، وقاموا بتسليح زعيم خائن، سلم المحافظة للحوثيين الذين نقلوا المعركة إلى الحدود السعودية!
لاحقا تبين أن الإمارات أيضا غير صادقة تماما، في دعم السعودية في اليمن وأعلنت توقف عملياتها هناك من جانب واحد!
ولم تتغير السياسة السعودية حين أتى سلمان، بل تراجع الدور السعودي مؤخرا في دعم المقاومة السورية لصالح الدور التركي، الذي أدخل بلا تردد سلاحا نوعيا للثوار، متجاوزا بذلك الخط الأحمر الأمريكي الرافض بوصول سلاح نوعي للثوار في سوريا، ردا على خرق أمريكا الخط الأحمر التركي بعبور الأكراد إلى غرب نهر الفرات!
ومنذ أيام؛ وصفت صحيفة الرياض السعودية الثوار السوريين الذين حرروا حلب بالمتمردين، مما مثل صدمة لبعض الذين لا يزالون يعولون على الدور السعودي في المنطقة!
مشكلة السعودية أنها تنتمي إلى الماضي! نظامها مستبد، وهذه حقيقة، وتريد إبقاء الدول الحليفة معها على استبدادها رغم أن ذلك يضعفها، لأن تداول السلطة في هذه الدول ونجاح الثورات فيها فيه خطر على النظام السعودي وأنظمة الخليج، حتى لو كان تحرر هذه الدول في مصلحة العالم السني ضد المشروع الصفوي الإيراني!
وأعتقد أن أولى أولويات السعودية الآن توريث الحكم للأمير الشاب محمد بن سلمان الراغب في خلافة والده – متخطيا ولي العهد الرجل الأقوى محمد بن نايف – وخاصة بعد أن ذهب إلى أمريكا ليسوق نفسه هناك، مستنسخا تجربة جمال مبارك!
وعلى الفور ظهرت آثار هذه السياسة الجديدة للأمير الشاب، بزيارة ضابط المخابرات السعودي السابق أنور عشقي، بصحبة أكاديميين ورجال أعمال سعوديين، إلى الكنيست الصهيوني الشهر الماضي، بعدما فطنوا على ما يبدو، أن مفتاح السلطة في الدول العربية يمر من تل أبيب!
لقد صارت السعودية عضوا في كامب ديفيد بعد «احتلال» تيران وصنافير، وتطبيعها مع كيان الاحتلال صار أكثر جلاء ووضوحا، مما يعني أن السعودية لا تطرح نفسها كزعيمة للعالم السني كما تدعي، وإنما تستغل الموقع والجغرافيا والتاريخ والمشاعر الدينية في صراع طائفي مذهبي مع المشروع الصفوي الفارسي في إيران، وعلى حساب شعوب هذه المنطقة، وثورات هذه الشعوب!

الثلاثاء، 9 أغسطس 2016

أردوغان: من الاستضعاف إلى التمكين!

الحشد المليوني في مدينة اسطنبول أمس كان بلا شك بداية جديدة لمرحلة مهمة في تاريخ تركيا، تتخلص فيها من أشواك كثيرة في خاصرتها، وتمهد لانطلاقة جديدة في ملفاتها الخارجية، بدون ضغوط غربية أو تهديدات داخلية!
ومن خطاب أردوغان أمس، وأفعاله منذ الانقلاب، نستطيع أن نقول أنه قد فهم تماما أن تطهير تركيا من الانقلابيين، ومنع أي انقلاب جديد، يستلزم التحرك سريعا وبقوة في في ثلاث دوائر رئيسية، وفي نفس الوقت:
1- ملف جماعة فتح الله غولن.
2- الجيش التركي.
3- الغرب.
***
1- أردوغان وغولن:
يغلب على ظني أن أردوغان كان يعلم بتشعب جماعة فتح الله غولن في تركيا، فقد كانوا حلفائه في وقت ما، ويعلم جيدا تغلغلهم في جميع مؤسسات الدولة، حتى أن بعض وسائل الإعلام الغربية الحاقدة اتهمت أردوغان بوجود قوائم أعدت مسبقا لاعتقال هؤلاء. ومع ذلك؛ فقد قبل أردوغان بوجودهم كمخالفين في الرأي، طالما أن الأمور تسير بالانتخابات، ولعب معهم بالسياسة.
لكن بما أن الأمور وصلت للانقلابات العسكرية، فالمثل المصري يقول: "مفيش بعد حرق الزرع جيرة"، فلم يكن ممكنا السكوت أو التساهل مع هؤلاء.
صحيح أن جميع الموقوفين ليسوا بالضرورة مشتركين في المحاولة الانقلابية، لكنهم بكل تأكيد منتمين لجماعة فتح الله غولن التي تلقت الدعم الأميركي لتنفيذ الانقلاب، وبالتالي الإبقاء عليهم في وظائفهم خطر وجودي وليس مجرد خطأ سياسي!
وفي السياسة كما في كرة القدم؛ عندما يكون المرمى فارغ: قم بالتسديد! فالفرص لا تأتي كثيرا؛ وقد كانت فرصة حقيقية لتطهير تركيا من سرطان أخطبوطي اقتنع قادة أحزاب المعارضة أنفسهم بضرورة التخلص منه، فما بالكم بأردوغان! من الطبيعي أن يؤكد على عودة عقوبة الإعدام، كمطلب شعبي لمعاقبة الانقلابيين الخونة!
***
2- أردوغان والجيش:
أردوغان بدأ ينتقل من مرحلة الاستضعاف إلى مرحلة التمكين. وحتى الأمس القريب كانت الفتاة المسلمة في تركيا حين تذهب إلى الجامعة أو البرلمان تخلع حجابها لأن القانون العلماني يمنع ذلك! وعندما قرر أردوغان التنافس على منصب الرئاسة، تخوفنا وظننا أن الجيش التركي العلماني سيقوم بانقلاب على الأرجح، وقد حاول مرارا وفشل!
وحتى يقوم أردوغان بهذه النقلة؛ كان لا بد من تطهير الجيش التركي العلماني، العضو في النيتو منذ أوائل الخمسينات، فأعلنت الحكومة عقب الانقلاب تسريح 149 جنرالا، وهو ما يعادل تقريبا نصف عدد الجنرالات في الجيش التركي، الذين يبلغ عددهم 358 جنرالا! أما عدد الموقوفين منذ الانقلاب وفقا لوزير الداخلية التركي فقد بلغ عددهم بلغ 25 ألفًا و917 شخصًا، بينهم 13 ألفًا و419 شخصًا صدرت بحقهم قرارات بالسجن على ذمة التحقيقات ذاته!
***
3- أردوغان والغرب:
كل ذلك يزعج أميركا والغرب كثيرا (أوضحنا من قبل تصريحات الأمريكان الغاضبة لفشل الانقلاب في مقال: خطط أميركا البديلة ضد تركيا).
فالغرب منذ انتهاء الحرب العالمية الأولى يرى في تركيا أقرب دولة يستطيع أن يهدد من خلالها روسيا، وصواريخ النيتو في تركيا تبعد عن موسكو 15 دقيقة فقط!
وخلال محاولة الانقلاب قام أردوغان بحصار قاعدة أنجرليك في مدينة أضنة جنوب البلاد، وقطع عنها الكهرباء، وهي خطوة بلا شك أسعدت بوتين بشدة!
وأردوغان في احتفال أمس انتقد الغرب، وانتقد ألمانيا بالاسم، لمنعها بث خطاب له، بينما سمحت ببث خطاب لأحد الانقلابيين، وانتقد أيضا منظمة العفو الدولية التي جمع فرعها في النمسا تبرعات للانقلابيين! أما النمسا فقد علقت يافطة في مطار فيينا تقول: سفرك لتركيا يعني دعم أردوغان، ومنعت مدينة "فينر نويشتات" شمال النمسا رفع العلم التركي فوق المنازل دعما لأردوغان ورفضا للانقلاب!
العلاقة بين أردوغان والغرب تتأزم، ويمكن تشبيهها بحالة الموت السريري الذي ينتظر لحظة الوفاة، أو الزواج الروتيني الذي ينتظر ورقة الطلاق!
فهل يأتي لقاء بوتين وأردوغان غدا ليؤكد هذه الحالة، ويعمق من خلافات تركيا مع الغرب، بتقارب مهم بين تركيا وروسيا يجعل موسكو تستقطب الحليف الأقرب للنيتو، وليتحكما معا في أنابيب الغاز الذي تحتاجه أوربا بشدة، والقادم إما من روسيا أو من الشرق الأوسط عبر تركيا؟؟ .. يبدو ذلك!

خطط أمريكا البديلة ضد تركيا!

1- مخطط أميركي من 3 خطوات لبناء إمبراطوريتها
في كتابه المهم جداً جداً جداً «اعترافات قاتل اقتصادي» Confession of an economic hit man، روى العميل السابق جون بيركنز -بروفيسور اقتصادي في مجلس الأمن القومي الأميركي NSA- خطة الولايات المتحدة للسيطرة على أي موقع مهم جغرافياً «مثل قناة السويس»، أو أي سلعة مهمة إستراتيجياً «مثل النفط في العراق»، في ثلاث نقاط:
1- شراء الحاكم
بأن يأتوا بحاكمٍ ضعيف، ممسوح فكريًّا وخُلقيًّا، إلى السلطة، ويقدموا له الدعم، مقابل أن ينفذ جميع أوامرهم، سياسيًّا وعسكريًّا واقتصاديًّا وثقافيًّا... إلخ. (مثال: ما حدث مع مبارك ودول الخليج).
في هذه الحالة تتدخل أميركا في سياسات هذه الدول «عبر صندوق النقد الدولي والبنك الدولي» وغيره؛ لمص دماء الشعوب، ونهب ثرواتها. (راجع شروط صندوق النقد الدولي لإعطاء السيسي قرضاً بـ 12 مليار دولار).
2- الانقلاب أو الاغتيال
في حال رفض الحاكم أن يطيع الأوامر الأميركية؛ يتم الانتقال إلى الخطة البديلة Plan B، المتمثلة في الانقلاب على هذا الحاكم أو اغتياله، والمجيء بغلمانهم إلى السلطة والعودة إلى النقطة أ.
كما حدث في مصر ضد الرئيس مرسي 2013، والبرازيل ضد الرئيسة ديلمتا روسيف 2016، وتركيا ضد الرئيس أردوغان 2016، والسعودية ضد الراحل الملك فيصل رحمه الله، ودكتور مصدق في إيران 1953، وفنزويلا ضد الرئيس هوجو تشافيز أوائل هذا القرن!
3- الاحتلال المباشر
وهي الخطوة الثالثة في مخطط السيطرة على العالم، وتقدم أميركا على هذه الخطوة في حال فشلت الخطوتان السابقتان «كما حدث في العراق ضد صدام حسين، بعد أن رفض صدام أن يعامل كتابع مثل حكام الخليج، وفشلوا في اغتياله أو الانقلاب عليه».
2- تصريحات أميركية تعلن الفشل في تركيا
قياسًا على المخطط السابق الذي اتبعته أميركا في كثير من الدول المهمة إستراتيجيًّا لها، ونظرًا لموقع تركيا المهم جدًّا للغرب، في الوقوف في وجه روسيا، «كدولة حاجز» تمثل بوابة أوروبا الشرقية، ضد التهديدات الروسية الطامحة بالتمدد عبر المضايق التركية نحو المياه الدافئة في المتوسط، فإن أميركا لا يمكنها أن تقبل بسقوط تركيا من الحلف الأميركي، وانضمامها إلى روسيا، ليحكما معًا ورقة الضغط على أوروبا في ملف الطاقة الذي لا يأتي إلا من روسيا أو عبر تركيا!
لنأخذ هنا تصريحين شديدي الأهمية من اثنين من كبار المسؤولين الأميركيين في هذا السياق:
1- تصريحات رئيس المخابرات المركزية الأميركية جيمس كلابر منتقدًا إجراءات أردوغان، والتي قال فيها: «إن عملية التطهير التي تقوم بها تركيا للجيش هناك بعد محاولة الانقلاب الفاشلة، تعرقل التعاون في الحرب التي تقودها الولايات المتحدة ضد تنظيم الدولة»!
2- تصريحات جوزيف فوتيل، قائد القيادة المركزية الأميركية في الشرق الأوسط «سينتكوم»، الخميس، والتي قال فيها بحسب صحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية: «إن عددًا من حلفاء الجيش الأميركي في المنطقة سجنوا بعد محاولة الانقلاب». (اعتراف رسمي)
وأضاف فوتيل أثناء مؤتمر «آسبين» الأمني: «كان لدينا علاقات مع كثير من الزعماء الأتراك، والعسكريين على وجه التحديد، وأخشى من التأثيرات عليها».
وسُئل فوتيل قائد القيادة المركزية الأميركية عما إذا كان هناك عسكريون أتراك من الذين تعاملت معهم الولايات المتحدة رهن الاعتقال، فقال: «نعم أعتقد أن بعضهم في السجن»!
3- المصير الذي ينتظر تركيا؟
هذه التصريحات الأميركية الرسمية أتت بعد اتهامات من المدعي العام التركي لجماعة فتح الله غولن بالعمل «بإيعاز» من أميركا! وقد قوبلت هذه التصريحات بردود تركية في غاية الحدة. الخارجية التركية أسفت للتصريحات الأميركية، أما أردوغان فتخلى عن الدبلوماسية تمامًا حين رد على تصريحات مدير الـCIA كلابر -دون أن يسميه- قائلًا: «من أنت لتتحدث في هذا الأمر؟ الزم حدودك!»، «إن الانقلابي الأكبر في بلادكم يتلقى الدعم منكم»، في إشارة إلى فتح الله غولن.
هذه التصريحات بمثابة إعلان أميركي رسمي من القائمين على الملف التركي في واشنطن، أن الخطوة رقم 2 لاحتواء تركيا قد فشلت، وعلينا أن ننتقل إلى الخطوة رقم 3، وهي بكل أسف وبكل حذر: انقلاب جديد، أو اغتيال أردوغان، أو جرها لاحتلال مباشر، لا قدر الله! وتصريحات مدير المخابرات المركزية المشار إليها جاء معها أيضًا تصريح في غاية الخطورة، وهو أن سوريا قد لا تعود موحدة مرة أخرى.
وهذا يعني أن كلابر يهدد أردوغان لأول مرة بالتقسيم، والتقسيم في سوريا يعني دولةً للأكراد في شمال سوريا، وهو ما لا يمكن أن تقبل به أي حكومة تركية، لتلقائية انضمام أكراد تركيا إلى الدولة الكردية الجديدة في سوريا، وتفتيت الدولة التركية بحدودها الحالية!
الخلاصة:
الخطر لم يزل بعد، أميركا قلقة على عملائها في الجيش التركي، وتعبر عن هذا القلق علنًا، وإذا فشلت في الحفاظ على عملائها فلا أقل من اغتيال أردوغان، أو تقديم دعم نوعي جديد للأكراد في سوريا والعراق، لجر تركيا إلى حرب تستنزف الجيش التركي بعد أن تكون أميركا قد يئست من السيطرة عليه!
يمكنك مشاهدة مقابلة مترجمة مع جون بيركنز يشرح فيها كتابه "اعترافات قاتل اقتصادي".
من هنا