مرحبا بك في مدونة شيء في صدري يمكنك اختيار المقال الذي تبحث عنه من القائمة على اليمين.. ومهما كان انتي مصر.. وكل خطوة بنصر.. الله أكبر وتحيا مصر

Welcome to the personal blog of the Egyptian Writer and political analyst Dr. Ahmed Nassar. You can choose the article you need from the list lower right

الأربعاء، 29 يونيو 2016

تفجيرات مطار اسطنبول تعني أن تركيا لا تزال مستهدفة!

بعد تفجيرات مطار اسطنبول - والتي أسفرت حسب رئيس الوزراء التركي عن 36 قتيلا وعشرات الجرحى - خرج أردوغان ليقول: نتوقع من العالم أن يظهر "الآن" صرامة ضد الإرهاب!

وكما كان يقول الدكتور عبد الوهاب المسيري رحمه الله عن تفكيك الخطاب والمصطلحات، فإن المقصود "بالعالم" هنا هو العالم الغربي تحديدا! مثلما ألف كارل ماركس كتاب "المسألة اليهودية"، بينما كان يقصد "المسألة اليهودية ليهود شرق أوربا" تحديدا!

كلمة "الآن" في كلام أردوغان هذه تعني أن العالم لا يواجه الإرهاب فعلا، أو على الأقل لا يواجهه بصرامة!

وأورد هنا بعض الأمثلة التي تدل على أن العالم الغربي لا يواجه الإرهاب بشكل جاد، بل ربما يحركه لتحقيق أهداف سياسية عديدة!

1- أعلنت تركيا أنها ألقت القبض على عميل للمخابرات الكندية يهرب فتيات للقتال في صفوف داعش، (طبقا لوزير الخارجية التركي نقلا عن الجزيرة). فما مصلحة كندا في دعم صفوف داعش وإيجاد مقاتلين له؟؟

2- في هجمات بروكسل؛ التي تعتبر الأعنف في أوربا منذ الحرب العالمية الثانية، أكد بيان للرئاسة التركية أنه تم اعتقال أحد المنفذين وهو "إبراهيم البكراوي"، في محافظة غازي عنتاب التركية، وأنه تم ترحيله في عام 2015 وإعلام السلطات البلجيكية بخطورته.

3- في هجمات باريس؛ أعلن مسؤول في الحكومة التركية لوكالة فرانس برس أن الشرطة التركية أبلغت الشرطة الفرنسية مرتين (ديسمبر 2014، يونيو 2015) عن أحد مهاجمي مسرح باتاكلان وسط العاصمة الفرنسية، وهو "عمر إسماعيل مصطفاوي". وأضاف: "لم نحصل أبدا على رد من فرنسا بشأن هذه القضية".

وفي كل مرة كان يتم توظيف الحدث سياسيا، لفرض إجراءات للحد من استقبال اللاجئين. فبعد هجمات باريس مثلا، سارعت السلطات الفرنسية على الفور لاتهام لاجئين سوريين بالوقوف وراء الحادث! واستطاعت المتفجرات إحراق كل شيء، إلا جواز سفر لاجئ سوري في المكان، ليذهب أي تعاطف للشارع الغربي مع اللاجئين!
***
هل أميركا والغرب حريصة حقا على محاربة الإرهاب؟؟ أم أنها تستفيد من الإرهاب وتوظفه؟؟ 

تاريخيا ثبت أن أميركا وراء الكثير من التنظيمات المسلحة، التي تثير المشكلات باسم الإرهاب الأصولي الإسلامي، وتستفيد منها هي والأنظمة المستبدة التي تدعمها واشنطن، أو ما يعرف باستراتييجية التوتر.

ويبدو أن هذه اللعبة أدركها الكثيرون، فراقت لروسيا الغاضبة من تركيا، وإسرائيل الناقمة عليها، والأكراد المعادين لها. ويبدو أن قرار عودة العلاقات مع روسيا وإسرائيل لسابق عهدها مجرد ضرورة يحتاج إليها الأطراف الثلاثة، ولا يعني قط أن تركيا صارت على وفاق تام مع هذه الدول، وأن العداء سيظل ممتدا إلى فترة طويلة!

ومع النجاحات التي تحققها الخطوط الجوية التركية، وإعلان أنقرة بناء أكبر مطار في العالم، فإن قطاع الطيران ااتركي كان مستهدفا منذ زمن! فهل ترد روسيا على إسقاط طائرتها في سوريا بضرب المطار في تركيا؟؟ من المبكر الحكم على الأمر، لكني أؤكد أن هذه الطريقة تلائم تفكير الروس كثيرا!
***
الخلاصة: مع رفضنا لكل سياسة تطبيع مع الاحتلال، بما فيها تطبيع تركيا القائم مع الكيان الصهيوني منذ 1949، فإننا نقدر مواقف الدولة التركية في دعم الثورة السورية والمصرية. ويجب أن نتنبه للخطر المحدق في بالدولة التركية والمتمثل في أكراد يريدون تفتيتها، وجيران يريدون لا يعجبهم نظام الحكم فيها، وأن بدائل نظام الحكم الحالي في تركيا ليست جيدة على الإطلاق!

عفوا.. أردوغان ليس النموذج .. ولن يكون!

رئيس الوزراء التركي بن علي يلدرم في خطاب للتعليق على اتفاق المصالحة التركي الصهيوني قال جملة واحدة طُلب من الرئيس مرسي أن يقولها مع أوباما في البيت الأبيض فرفض مرسي، وهي:"على الحكومتين مسؤوليات لتفعيل الاتفاقية وتطبيع العلاقات في المنطقة لصالح الشعبين." (التركي والصهيوني)
نعم.. طلب من الرئيس مرسي، كما تحدث مساعدين ومقربين له أن يلتقي أوباما على هامش قمة الأمم المتحدة في نيويورك وأن يقول هذه الكلمة فقط ضمن خطابه فرفض مرسي..
"تركيا قوية" حاجة أميركية ملحة، وقد قلت هذا مرارا سابقا، وبينته بالتفصيل في مقالي المخصص عن تركيا (لهذه الأسباب على تركيا أن تبدأ في القلق) .

 أميركا وأوربا والنيتو يحتاج أوربا قوية لأنها تاريخيا "دولة حاجز" أو حائط صد أمام روسيا القيصرية!
ومع فشل وجود تركيا قوية بيد العلمانيين وإصرار الشعب التركي على الإسلاميين فإن الغرب كان مخيرا بين الإسلام الأصولي الشامل الرافض لعلاقات مع الكيان الصهيوني (نجم الدين أربكان) والذي كان راغبا في لعب أدورا يتعدى حدود الدور المرسوم لتركيا للوقوف في وجه روسيا، وبين أردوغان ورفاقه (وأنا أحبهم على المستوى الشخصي يعلم الله) الذين قبلوا اللعب وفق الشروط الأميركية!

وفعلا، خلال الخمسة عشر عاما الماضية، منعت أميركا عشرات الانقلابات العسكرية والمدنية على أردوغان منها 3 فقط العام الماضي، (2 عسكري و 1 مدني بدعم من الإمارات التي رشت النائب العام التركي ليلفق قضية ضد ابن أردوغان) وكانت أميركا تبلغه بتفاصيل مهمة عن الانقلابيين في كل مرة ليلة الانقلاب! فهل كان أردوغان يستطيع منع هذه الانقلابات لولا الدعم الاستخباري الغربي، والأميركي تحديدا؟؟
وقد رأينا جميعا أن من وقف لتركيا في سوريا ولجمها هو الطائرات الأميركية اف 16 التي مع تركيا، في حادثة اسقاط المقاتلة الروسية الشهير، وحديث مسؤولين روس أن القرار تم بالتنسيق مع المخابرات الأميركية، وهذا صحيح!
***
أي حديث عن وجوب اقتداء إخوان مصر بالنموذج التركي للنجاح كما نجحوا، هو حديث ساذج ينظر إلى أعراض المشكلة لا إلى حقيقة المرض! مصر تختلف عن تركيا كثيرا، فالجغرافيا التي وضعت تركيا في وجه روسيا أفادتها هنا، بينما الجغرافيا التي وضعت مصر على حدود إسرائيل جعلت الأمور أكثر تعقيدا للغاية!
مجرد تفوه الرئيس مرسي بكلمات تطبيعية كالتي ذكرتها أعلاه، كانت كفيلة بوأد المشروع الإسلامي قبل أن يبدأ، ولن تكون ذكتء سياسي كما يدعي البعض، بل انتحار متسرع، لأن ساعتها كان سيحدث الانقلاب أيضا، ولكن بعد أن يكون قد احترق الرئيس في عين مؤيديه، وسيكون الانقلاب وقتها أيسر بكثير مما هو عليه الآن!
عفوا.. نقدر مواقف تركيا وأردوغان القوية بحق الثورتين المصرية والتونسية، ونقدر دعمه للفلسطينيين.. لكنه ليس النموذج ولن يكون!

ردا على سمية الغنوشي: الإسلام لا يعرف العلمانية!

طالعت مقال الكاتبة التونسية سمية الغنوشي بعنوان أي دور للإسلام في السياسة؟ وقد لمحت نبل الغاية بين سطوره في محاولة الكاتبة التوفيق بين القيم الإسلامية التي يبدو أنها نشأت عليها، والقيم الغربية -أو الحداثة كما أسمتها- والتي يبدو جليا أنها متأثرة بها! 

وقد سمحت لنفسي أن أكتب ملاحظات على المقال، لتبيان وجهة نظر غالبا لا يُسلط عليها الإعلام، ولا تأخذ حقها في التعبير، لأسباب يطول شرحها الآن.
 
*** 

أولا العنوان يعبر عن توصيف غير دقيق للمشكلة! "أي دور للإسلام في السياسة؟؟" عنوان يعبر عن نظرة متأثرة بتاريخ الكنيسة المقيت في أوربا في التسلط بالرأي، وفرض الفكر بالقوة، إلى درجة لعب دور سياسي رئيسي، وتبني نظريات علمية ثبت بالدليل القاطع خطؤها، مما دفع أصحاب العقول في أوربا إلى تطليق الكنيسة والدعوة إلى تحجيم دورها في العلوم السياسة والحياة العامة!

أما الإسلام فليس فيه كهنوتا، ولم يعرف مصطلح "رجال الدين" قط، ولا يستطيع أن يدعي أحد أنه يحكم باسم الله كما كان يحدث في أوربا قديما. 

والإسلام لا يتحدث في أساليب وآليات للتنفيذ، لكنه يضع قيما عامة، وقواعد ثابتة، ويترك للمسلمين في كل مكان وزمان التشاور في كيفية تطبيقها، حتى أن أمير الشعراء شوقي رحمه الله أوجز هذا المعنى العميق في بيت شعر قائلا:
الدينُ يسرٌ والخلافةُ بيعةٌ .. والأمرُ شورى والحقوقُ قضاءُ

ففي السياسة مثلا يجب أن يكون الأمر شورى، دون أن يحدد القرآن الكريم ولا السنة النبوية المطهرة آلية اتخاذ القرار وفق هذه الشورى، هل يكون مجلسا نيابيا واحدا، أم مجلسين؟؟ وما النسبة المطلوبة لاتخاذ القرار...إلخ . نفس الأمر ينطبق على القضاء (درجات التقاضي وسن القوانين)، نظام الدولة (رئاسي أم برلماني) الجهاد يكون بأي سلاح وتنظيم الجيوش ... إلخ

أي أن الإسلام يضع فقط إطارا للصورة، كما يقول الأستاذ محمد قطب في كتابه "هل نحن مسلمون"، ويترك المسلمين في كل مكان وزمان ليضعوا هم بأنفسهم الصورة الملائمة، بشرط ألا تخرج الصورة خارج الإطار.

وهذا الإطار المقصود هو النصوص قطعية الثبوت قطعية الدلالة من القرآن الكريم والسنة الصحيحة، أو ما اصطلح الأصوليون على تسميته "المعلوم من الدين بالضرورة"
***
وقد ادعت الكاتبة أنه "لا يوجد إسلام جوهري في حد ذاته خارج ظروف الزمان والمكان" وهو ادعاء قد جانبه الصواب كثيرا، وفيه تأثر واضح بالعالم ريشار سيمون (1638–1712) الذي حاول تفسير العهد القديم من المنظور اللغوي، فأثبت أن التوراة التي بين أيديهم لا يمكن أن يكون موسى عليه السلام هو الذي كتبها، لأن فيها ألفاظا لم تكن على عهده، كما أن فيها فصلا يتحدث عن وفاة موسى عليه السلام ودفنه، فهل تحدث موسى عن نفسه بعد أن مات وقبر؟؟ 

هناك بالفعل "إسلام جوهري" - بلغة الكاتبة -لا علاقة له بالتغيرات التي طرأت على المسلمين منذ انقضاء فترة الخلافة الراشدة وبداية الحكم العضود الوراثي في عهد الأمويين، ولا بما حدث أيام العباسيين، أو الفاطميين، أو المماليك أو العثمانيين أو حتى الحكام العرب المستبدين حديثا! هذه كلها نماذج تقاس كما قلنا بمعيار واحد، هو النصوص قطعية الثبوت قطعية الدلالة! 

فالإسلام في ماليزيا أو إندونيسيا أو سلطنة بروناي كما قالت الكاتبة، أو في العراق وسوريا على الجانب الآخر، يقاس بمعيار واحد وهو "النصوص قطعية الثبوت قطعية الدلالة" من القرآن والسنة الصحيحة، وهذه النماذج جميعها ليست حجة لأحد، ولا يتحمل نتائجها إلا أصحابها، مع الأخذ في الاعتبار أنه من الطبيعي جدا استدعاء معاني الجهاد في الدول التي تعرضت لاحتلال، مع إمكانية تأويل النصوص بشكل غير مناسب، تنتج فصائل متطرفا، لا ذنب للنصوص فيها!

وإذا كانت سياسة حزب إسلامي النقدية خاطئة مثلا، أو لم يوفق هذا الحزب في وضع نظام سياسي يضمن حرية التعبير بالشكل الأمثل، أو لجأ إلى العنف والإرهاب بشكل يهدم أوامر الإسلام الواضحة الناصعة فإن ذلك يكون خطأ الحزب الإسلامي أو الحركة الإسلامية لا مشكلة الإسلام!

*** 
وعقيدة المسلم تحتم عليه الاعتقاد أن كل حركاته وسكناته لله عز وجل: "إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون" الأنعام 159، ويقول أيضا عز وجل: "قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين" الأنعام 162

وعليه، فإن محاولة الكاتبة حصر الإسلام "كمصدر للقيم الأخلاقية والروحية العامة"، أو "الثقافة السياسية التي تزود الأفرادَ والمجموعاتِ بالمخزونِ الرمزيِّ والدلالي المنتج للخطاب والموجّه للسلوك"، هو اجتزاء للإسلام، ونقض للغاية التي يتحتم على المسلم وضعها نصب عينيه، وهي تطبيق شريعة الله وإعادة الخلافة الإسلامية وتحرير فلسطين.  

وحتى لا يفهم كلامنا في غير موضعه؛ فإننا نفهم أن الإسلام اهتم بالإنسان قبل أن يهتم بالبنيان، وعليه تكون مهمة الأحزاب الإسلامية الرئيسة أن تجعل الناس يقبلون بشريعة الله بفرح وسرور، لا بإجبار وإكراه، وأن يوفروا لهم سبل الحياة السليمة والاحتياجات الأساسية لهم قبل تطبيق شرع الله، المتمثل كما قلنا في المعلوم من الدين بالضرورة وليس التفاصيل الفقهية المختلف فيها، فالقاعدة تقول: المختلف فيه لا إنكار فيه!
 
***

وإني أؤكد أنه لا توجد مشكلة إطلاقا في التعرف على النافع في "الحداثة" -التي تراها الكاتبة قد فرضت نفسها- واستقاء المفيد منها؛ فقد روى الترمذي وابن ماجه من حديث أبي هريرة ـ رضي الله عنه: الكلمة الحكمة ضالة المؤمن فحيث وجدها فهو أحق بها. 

وهذا الحديث وإن لم يثبت مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فإن معناه صحيح، وذلك أن المؤمن لا يزال طالبا للحق حريصا عليه، فكل من قال بالصواب أو تكلم بالحق قبل قوله وإن كان بعيدا بغيضا (إسلام ويب)

لكن هذه الحداثة يجب ألا تدفعنا إلى لتخلي عن عقيدتنا الإسلامية بأن الإسلام دين ودولة، بالمعنى الذي وضحنا ضوابطه أعلاه، وإلا فسنكون مثل زجاجة العصير التي شرع أعداؤنا يخففونها مرات ومرات، حتى لم يبق من زجاجة العصير إلى اللافتة الرقيقة التي توضع عليها من الخارج، بينما المحتوى قد تم تخفيفه، وصار بلا طعم ولا شكل ولا رائحة! 

ويجب ألا ننسى هنا أن هذه الحداثة قد أنتجت لنا "إسرائيل" وانتزعت فلسطين، واستحلت دماء المسلمين في العراق وسوريا وليبيا واليمن وغيرها، ودعمت حكاما مستبدين لا علاقة لهم بالإسلام، ولا هم لهم إلا قمع الإسلاميين وقتلهم في الشوارع والسجون، فهل صار الإسلام الآن متهما، مطالبا بتغيير لغة خطابه وهو المعتدى عليه؟؟ ألا يكون من الطبيعي أن يلجأ المسلمون إلى آيات الجهاد والمقاومة للدفاع عن دينهم وحياتهم وأرضهم وحريتهم، وفق الشكل المناسب في كل دولة ؟؟

وإذا استغل بعض الأطراف النصوص الإسلامية استخداما مشوها، وفسروها تفسيرات خارجة عن السياق، وانحرفوا عن الطريق، هل يكون ذلك مبررا لرفض هذه النصوص واقتطاعها من القرآن الكريم والسنة الصحيحة؟؟ 

وما يدركم أن هذه الفصائل التي تدعي الإسلام يحركها الغرب والنظم المستبدة لإيجاد مبرر لشيطنة الإسلاميين ووصفهم بالإرهاب؟؟ (لمزيد من التفاصيل حول هذا الشأن برجاء مطالعة كتاب "الحرب القذرة" للحبيب سويدية، وخاصة ص 16-17)

*** 

في فترات الضعف يحدث الذوبان، ويكون النصر الحقيقي وقتئذ هو الثبات على المبدأ. وإنني أقدر كل جهد مشكور لإيجاد فكر إسلامي مستنير يناسب طبيعة المرحلة، لكن ألا يكون بنوع من العلمانية المبطنة، التي تقصي الإسلام عن السياسة والاقتصاد والحكم وشتى نواحي الحياة، وتبقيه في الخلفية كمصدر إلهام ومخزون قيمي وثقافي! فالصحابية التي قاومت الشرك في مكة ولما يكتب عليها الصوم والصلاة والحجاب بعد، أفضل عند الله -بنص القرآن- من الذين أتوا بعد الفتح وصاروا يصومون النهار ويقومون الليل!  

لماذا لا تتعلم الإمارات من قوانين «نيوتن»!

لله ـ عز وجل ـ سنن في كونه، علينا أن نفهمها ونتبعها، حتى لا نصادمها فنصطدم بها، وألا نغالبها فإنها غلابة.
«قوانين نيوتن الثلاثة تصلح لتفسير الكثير من المظاهر الحياتية!» كلمة قالها لي صديق يومًا مًا، قبل أن يشد الرحال إلى بلاد «الألمان»، مودعًا كل شيء في مصر، إلا الذكريات! حتى حسابه على «فيس بوك» أغلقه، غير آسف، وهو يتمنى أن ينسى الماضي بالمستقبل.
لم أعلم وقتها أن كلامه صحيحًا إلى درجة أعمق ـ ربما ـ مما يتصور هو، وحتى لا يتحول مقالي إلى محاضرة في علم الفيزياء، وأنا لست بارعًا فيها للغاية كما تظن، فإن ما لفت انتباهي في العلاقة الخاصة بين حكام الإمارات والانقلاب العسكري في مصر بشكل خاص، والثورات المضادة عمومًا، هو عدم انتباه هؤلاء جميعًا، إلى قوانين الطبيعة، ويحضرني هنا على الأخص، قانون «نيوتن الثالث»!
***
ينص القانون الثالث «من قوانين نيوتن للحركة» على أن «القوى تنشأ دائمًا بشكل مزدوج؛ حيث يكون لكل فعل رد فعل، مساو له في المقدار، مضاد له في الاتجاه».
وقد نظرت فيما تقوم به الإمارات من مؤامرات تجاه شعوب المنطقة الراغبة في التحرر، فلم أجد، إلا أن هذه الإمارات قد أضرت نفسها، أولًا من حيث لا تدري!
ونظرت في التاريخ، فوجدت موقفها شديد الشبه مع ما يجري اليوم، من خوف الملوك من اهتزاز العروش، إذا هبت رياح التغيير!  وأقصد هنا ما حدث بين «فرنسا الملكية» و«الثورة الإنجليزية» منذ عدة قرون!
في النصف الأول من القرن السابع عشر، حاول بعض الإصلاحيون في بلاد الإنجليز، تغيير نظام الحكم فيها، من الملكية المطلقة إلى الملكية الدستورية!
كانت أفكار «جون لوك» هي العمود الفقري لهذه الثورة التي توصف بالعاقلة؛ إذ يرفض لوك «الحكم باسم الإله»، ويريد أن يخضع الحاكم لرقابة البرلمان!
واجه الثوار الإنجليز بعد قفزتهم الأولى في 1642 ثورة مضادة تمثلت في سلسلة من الحروب الأهلية امتدت من 1648-1651، من قبل مؤيدي الملك «تشارلز الأول» ضد أنصار البرلمان. انتهت الحرب الأهلية مع النصر البرلماني في معركة «وورسستر» في الثالث من سبتمبر (أيلول) عام 1651.
ظل الثوار يطبقون أفكارهم الجديدة، حتى أتى جيمس الثاني إلى حكم إنجلترا في عام 1685،  وأراد الانقلاب على الثوار والأفكار الثورية التي يحملونها، فما كان من الثوار، إلا أن عزلوه عن الحكم، وقاموا بما يعرف بـ«الثورة المجيدة» (Glorious Revolution)، في عام  1988.
تمثّل نجاح هذه الثورة – بعد عزل الملك «جيمس الثاني»، وتنصيب ابنته «ماري»، وزوجها «وليم أورانج» ملكين على إنجلترا– في «إعلان الحقوق» الذي أصدره البرلمان الإنجليزي عام 1689.
وكان من أهم ما تضمّنه إعلان الحقوق (قانون الحقوق الإنجليزي)
1- حقِّ الملك في التاج )الحكم) مستمد من الشعب الممثل في البرلمان، وليس من الله.
2- ليس للملك إلغاء القوانين أو وقف تنفيذها أو إصدار قوانين جديدة، إلا بموافقة البرلمان.
3- لا تُفرض ضرائب جديدة، ولا يُشكّل جيش جديد، إلا بموافقة البرلمان.
4- حرية الرأي والتعبير في البرلمان مكفولة ومُصانة.
رأى ملك فرنسا «لويس الرابع عشر» أن إعلان الحقوق الإنجليزي فيه خطر عليه في باريس!
ولأن الملوك إخوة في الاستبداد، وأبناء عمومة في قمع الشعوب، فقد أيقن لويس أن نجاح الثورة المجيدة في بريطانيا، يهدد بانتقال رياح التغيير إليه عبر «المانش»، والمطالبة بالمثل؟ «ألا يذكرك هذا بمشهد خوف دول خليجية من أن نجاح ثورة مصر سيؤدي بالضرورة إلى انتقال رياح الديمقراطية إليها؟)
عارض «لويس الرابع عشر» الأفكار الإنجليزية ورآها خطرًا عليه، كيف لا؟  وهو مؤسس لفصل جديد من الاستبداد السياسي! أليس هو صاحب الكلمة الشهيرة «أنا الدولة.. والدولة أنا»
«L’état, c’estmoi»
عرض «لويس الرابع عشر»، ملك فرنسا، على «جيمس الثاني»، ملك إنجلترا، التدخل عسكريا لإنقاذه، لكن جيمس كان أذكى من ذلك، فرفض! فقد كان يعرف أن ذلك سيحرقه في أعين الشعب الثائر، وينهي المعركة لصالح الثوار، بعد أن يظهر أمامهم خائنًا مستقويًا بالأجنبي عليهم. (قارن بين موقفه ذلك، وبين موقف السيسي من السلام الدافئ مع الصهاينة، وموقفه من بيع تيران وصنافير للسعودية!)
وبعد هزيمة جيمس الثاني أمام الثوار، استضافه لويس الرابع عشر عنده في فرنسا، وأعطاه أفضل المنازل في منطقة «فرساي» (قارن ذلك باستضافة الإمارات لـ«شفيق ودحلان» وكل مطاريد الثورات)، وأغدق عليه، قبل أن يقرر أن يحارب بنفسه الثورة الإنجليزية، واضطر في النهاية للخضوع بعد 8 سنوات في عام 1697 والرضوخ للإنجليز!
وهل ما قام به لويس الرابع عشر نفعه؟ ربما لم يدرك قانون نيوتن الثالث للحركة، «لكل فعل رد فعل، مساو له في القوة مضاد له في الاتجاه»؛ لأن نيوتن نشر تلك القوانين في 1687، في خضم انشغال لويس الرابع عشر بمحاولات وأد الثورة الإنجليزية! أي أنه كانت إنجلترا تحتمي بالعلم أيضا، وقت أن كان ملك فرنسا يحيط نفسه بالسلاح فقط (ألا يذكرك ذلك باستيراد السيسي الشره للسلاح؟)
إذا كان لويس الرابع عشر معه عذره، فماذا عن حكام الإمارات، التي تأسست في عام 1971، بعد نيوتن بقرون!  ألم تجد الفرصة لمطالعة كتاب فيزياء مبسط، أو كتاب في التاريخ الحديث؟
حقًا لم يكن لويس الرابع عشر يعلم أن لكل فعل رد فعل، مساو له في القوة مضاد له في الاتجاه! فالقمع الذي مارسه ضد «البروتستانت» في فرنسا، والمؤامرت التي دسها للثوار في إنجلترا، قد ارتدت إلى قلب فرنسا بعد أقل من قرن، ليواجه حفيده، «لويس السادس عشر»، ثورة عارمة، لم تكن إصلاحية قط، ولم تقنع بوجود ملكية دستورية – بالرغم من اقتراح البعض ذلك في بداية الثورة! بل ثورة تعد واحدة من أكثر الثورات دموية في التاريخ، غيرت وجه فرنسا والتاريخ الإنساني الحديث، بأفكار لم ينجح القمع في قتلها، بعد أن أعدمت آخر إقطاعي بأمعاء آخر قسيس! إنها الثورة الفرنسية!

الثلاثاء، 21 يونيو 2016

«فضل» الدعوي على السياسي.. وخطوررة «الفصل» بينهما!

تقديم:

في مقالنا السابق «عن الفصل بين الدعوي والسياسي» بينا بالدليل من كلام الإمام البنا رحمه الله في كتاب «الرسائل» أن «الفصل» بين الدعوي والسياسي مقبولٌ إذا كان المقصود هو التخصص، بمعنى أن أستاذ التجويد لا يفتي في الاقتصاد، وإمام المسجد لا يفتي في القضايا السياسية!
وأن «الفصل» مرفوض إذا كان المقصود أن نختار بين أن نتحول إلى جمعية خيرية لا تتدخل في السياسة، أو إلى حزب سياسي لا علاقة له بالدين، لأن ذلك هو العلمانية بعينها!
نحاول في هذا المقال أن نبين خطأ الفصل بين الدعوي والسياسي، من الناحية السياسية، بعد أن بينا الخطأ الفكري لذلك!

1- مشروع الإخوان قبل الانقلاب وبعده

كان للإخوان مشروع سياسي قبل الانقلاب وآخر بعد الانقلاب، مشروع الإخوان قبل الانقلاب كان محاولة إصلاح المؤسسسات القائمة من الداخل، واتباع سياسة النفس الطويل. أجهض هذا المشروع بالانقلاب العسكري في 2013.
أما مشروع الإخوان بعد الانقلاب فكان كسر الانقلاب وإعادة الشرعية بموجة ثورية تطيح بالسيسي، وهذا الهدف يبدو أنه لم يتحقق حتى الآن!

2- مشروع العسكر قبل الانقلاب وبعده

أيضًا كان للعسكر مشروع سياسي قبل الانقلاب وآخر بعد الانقلاب، مشروع العسكر قبل الانقلاب كان منع الإخوان من الوصول للحكم بالطرق السياسية، وتنصيب حاكم موال للجيش والغرب عبر الصناديق «سيناريو تونس»، هذا السيناريو فشل بفوز الرئيس محمد مرسي في انتخابات الرئاسة.
مشروع العسكر بعد الانقلاب كان التأسيس لدولة عسكرية جديدة، على غرار ما قام به عبد الناصر في 1954، وهو ما فشل فيه السيسي فشلاً ذريعًا حتى الآن، بارتفاع الأسعار والانحدار السياسي والاقتصادي والأمني!

3- الإخوان والعسكر: ثلاث سنوات من القصور الذاتي

لحظة الصدام بين المشروعين كانت الانقلاب العسكري في 2013، ولثلاث سنوات كاملة؛ ظل الانقلاب وكذلك الإخوان يسيرون بقوة القصور الذاتي!
رأس مال الانقلاب كان الدعم الخارجي والقوة الخشنة داخليا، وهذا الدعم وهذه القوة مكنته من الاستمرار لمدة ثلاث سنوات، حتى بدأت الأمور تخرج عن السيطرة، وصار الجميع يدرك أن سيارة الانقلاب في طريقها إلى التوقف، ويخافون من انفجار لا يمكن السيطرة عليه.
ورأس مال الإخوان كان الحشد الكبير من الجماهير المؤمنة بمشروعهم! وهؤلاء رفضوا الانقلاب رفضًا قاطعًا، واضعين نصب أعينهم ما حدث في أزمة مارس 1954، «مظاهرة عابدين»، حين تركوا الميدان، فبقي الحكم العسكري 60 عامًا!

4- هل تنتهي مباراة الشطرنج هذه بالتعادل؟

بدأت أصوات تتعالى همسًا، أن المعتقلين وعائلاتهم صاروا يئنون من الأوضاع غير الإنسانية التي تحدث لهم، وأنهم يريدون أي تحريك للمياه الجارية، ومع «أي خيار» يخرج المعتقلين من السجون!
ووصل الحال بين الإخوان والعسكر كمباراة شطرنج حامية، خرج فيها العديد من القطع المهمة، ولم يبق إلا الملكين، وعدة قطع لا يستطيع أي من الطرفين بها إنهاء المباراة لصالحه!
فلا يبدو أن السيسي استطاع الاستقرار بعد انقلابه، ولا الإخوان استطاعوا القيام بموجة ثورية تطيح بالسيسي الذي لا يتورع عن استخدام القوة العسكرية المفرطة إذا لزم الأمر!
في مثل هذه المباريات قد يعرض أحد الطرفين على الآخر أن تنتهي مباراة الشطرنج بالتعادل، توفيرًا للوقت والجهد، وعارضًا البدء من جديد!

5- المقبول والمرفوض في هذا العرض

وعلى عكس ما قد تتوقعون، أنا لست ضد هذا الخيار، بشرط أن تتم البداية الجديدة على أساس عودة الشرعية وعلى رأسها الدكتور مرسي، ومحاسبة المتورطين في الدماء.
لكن أن يختفي السيسي ومرسي من المشهد ويخرج المعتقلون، ويبتعد الإخوان عن العمل السياسي لمدة 10 سنوات، فهذا مرفوض مرفوض!
فهذا لا يعني البدء من جديد، وإنما يعني بلغة السياسة أن الانقلاب استطاع «احتواء الإخوان»، وأعطاهم ما يمكن أن يتراجع عنه مستقبلا «إخراج المعتقلين»، بينما رفض أن يتنازل عما لا يمكن أن يتراجع عنه «الشرعية».
ولما كان هذا العرض السابق قد رفض جملة وتفصيلاً، فإن المطالبة بفصل السياسي عن الدعوي الآن هي محاولة ملتفة لتحقيق الهدف ذاته، حتى إن لم يدرك أصحابها ذلك!
فتحول الإخوان إلى جمعية دعوية لا تتحدث في السياسة هو عين ما طالب به الانقلاب، ومن قبله نظام مبارك، ويضع أمور الإخوان بكل تفاصيلها المالية والإدارية تحت عين وزارة التضامن الاجتماعي ومخابرات الانقلاب! ناهيك عن عدم السماح لهم بالحديث في أي شأن سياسي! إنه إخوان منزوع الدسم، أو فيليه!
وأما تحول الإخوان لحزب سياسي لا يتحدث في الدين، ففضلاً عن أنه نوع من العلمانية التي لا تتفق مع فكر الإخوان الذي يؤمن بشمولية الإسلام،  فإنه يجعل مهمة الانقلاب في تفجير الإخوان غاية في السهولة!
فكم من حزب كان له كلمة، ثم صار في جيب أمن الدولة الصغير «الغد – الوفد – التجمع… إلخ».
وأنا أعتقد أن طرح فكرة الفصل بين السياسي والدعوي الآن، هو محاولة لإيجاد أرضية يتم فيها دمج الإخوان في مسار سياسي جديد، قبل انفجار الأوضاع، يتنازلون فيه عن مطلب عودة الشرعية متذرعين بحجة الرأفة بالمعتقلين، الذين يرفضون هذه العروض جملة وتفصيلاً بالمناسبة!
ولا عجب أن بدأ إعلام الانقلاب يذيع مشاهد بعض رموز المعتقلين وهم يترافعون عن أنفسهم بشكل يدمي القلوب، ويجعل الجميع يتمنون لو أن يخرجوا بأي ثمن!
ولا عجب أيضًا أن من يطالبون بالفصل بين الدعوي والسياسي هم أنفسهم من صرحوا سابقـًا أن الجماعة بصدد التراجع خطوة أو خطوتين، قبل أن يتراجعوا هم عن تصريحاتهم تلك، لثورة الناس عليهم، ولم تتراجع الجمع عن مبادئها! وأن هذا الفريق هو من وقع عقد الفنان هشام عبد الله في قناة وطن، والتي تصرح زوجته مرارًا وتكرارًا أنهم لم يقبلوا العمل في القناة إلا بعد أن أخذوا طمأنة أنه لا تمسك بعودة الشرعية!
الخلاصة:
الفصل بين الدعوي والسياسي يحل مشكلة لا يواجهها الإخوان! الإخوان يواجهون انقلابًا عسكريًا وليس مجرد مشكلة سياسية في ديمقراطية حقيقة، والفصل بين الدعوي والسياسي لن يحل مشكلة الانقلاب، بل على العكس سيسهل مهمة الانقلاب في احتواء الإخوان أو تفجيرهم من الداخل!
وإذا كان الفصل بين الدعوي والسياسي ضرورة في الغرب لأن الكنيسة صنعت لنفسها قداسة، ولأن الأناجيل جميعها ليس فيها تشريع، فإن الإسلام ليس فيه قداسة لأحد، وفيه تشريعات في جميع المجالات.
والإسلام الذي يدافع عنه الإخوان ليس التفاصيل المختلف فيها، وإنما المعلوم من الدين بالضرورة، من النصوص قطعية الثبوت قطعية الدلالة، وأما ما دون ذلك فلا خلاف فيه! وهذا ما تتميز به جماعة الإخوان، عن غيرها من التيارات الإسلامية التي تتطرف في فرض التفاصيل والآراء المختلف عليها على الناس، أو تمتنع عن رفض الظلم والتفريط في الثوابت لتتماهى مع النظام!
وفي المقابل فإن قداسة الدين الإسلامي وقدسية نصوصه لا تتعدى إلى الداعين إلى الاحتكام إلى الإسلام عبر شعار الإسلام هو الحل، ولا إلى التجربة السياسية ككل، هذا واضح عند جميع الإخوان.
لذا فإني أعتقد أن من يدعو لفصل الدعوي عن السياسي في الإخوان لم يفهم جوهر الإسلام ولا أفكار الإخوان! وأنه إما متأثر بتجربة الغرب، أو محبط من الانقلاب، أو مدفوع نحو هذا المربع بقصد أو دون قصد، والله أعلم.

الثلاثي المفاخر بالتطبيع!

«إسرائيل لم تعد عدوة لمصر ولا أعتقد أنها تخطط للتآمر عليها أو تدميرها»، هذا ليس تصريحًا من الناطق باسم الخارجية الصهيونية أو سفيرها في القاهرة أو حتى الناطق السمج باسم جيش الاحتلال! بل هو تصريح أتى على لسان رئيس هيئة العمليات السابق في الجيش المصري «وهو منصب -كانت- له أهميته»، ومحافظ جنوب سيناء سابقًا «وهي محافظة اعتادت على أن يرأسها لواء جيش لأهميتها الأمنية والإستراتيجية».

تصريح اللواء سالف الذكر كان بمناسبة الذكرى الـ43 لحرب العاشر من رمضان- 6 أكتوبر 1973. وقد أعجبتني صراحته بقدر ما أساءتني وقاحته!

يقول: «وأنا وطني، ولا أرى أن إسرائيل تخطط لتدمير مصر أو التآمر عليها». يتبادر إلى ذهنك بعفوية لماذا هذه الجملة الاعتراضية التي من المفترض أنها طبيعية -وأنا وطني- قبل التفوه بالجريمة التطبيعية التي يرتكبها!

هذه الجملة أهم ما في التصريح، فهي تحمل اتهامًا أكثر مما تحمل تبريئًا! وهل يقول الوطني عن نفسه أنه وطني؟ إن هذا أشبه بالمرأة التي تقسم لزوجها يوميًا أنها شريفة، أو الفتاة التي تقسم لخطيبها حين تقابله كل مرة أنها عفيفة، أو تجري سيدة ما حوارًا صحفيًا لتعلن فيه أنها صاخ سليم!

إنها إدانة واضحة، وإحساس بأن هذا الكلام لا يصدقه عاقل، ولا يتفوه به وطني قط، إلى الدرجة التي تدعوه للتأكيد على قضية من المفترض أنها بديهية فيقول: «وأنا وطني»!

***

قد يتبادر إلى ذهنك سؤال: هل تغيرت العقيدة القتالية للجيش المصري إذن؟ لا يدعك قيادات هذا الجيش لكتاب المقالات والمحللين السياسيين ذوي النوايا السيئة أمثالي، فيخرج عليك وزير الدفاع بنفسه، وليس لواء جيش عادي أو سابق، ليعلن لك -بفخر أيضًا- منذ أسبوع أن العقيدة القتالية للجيش قد تغيرت بالفعل.

لِمَ؟ ولِمَ الآن بالذات؟ اختيار توقيت العاشر من رمضان للتصريح بمثل هذه التصريحات هو رسالة شديدة الأهمية للخارج، ليس فقط لإظهار التغيرات الدراماتيكية التي حدثت للجيش على يد الثلاثي «السيسي وصبحي وحجازي» وقادتهم من خلفهم في الجيش، ولكن للتفاخر بأن يكون هذا هو خطاب الجيش العلني، بعد أن ظل عقودًا يختبئ خلف شرعية أكتوبر، وأفلام الحرب التي حفظها كل بيت في العالم العربي!

الجيش المصري تحت قيادة الثلاثي المفاخر بالتطبيع يعلن أنه قاطرة قطار التطبيع العلني في المنطقة، وأنه يؤسس لمرحلة جديدة يصبح التطبيع فيها طبيعيا، هو الأساس والقاعدة، وهو ليس تطبيعًا اقتصاديًا أو سياسيًا فقط كما كان أيام مبارك، لكنه تطبيع عسكري وأمني على يد هذا الثلاثي.

***

منذ وقت مبكر أعلن رئيس الأركان الأمريكي مارتن ديمبسي في جلسة شهيرة أمام الكونجرس نقلتها مترجمة صفحة «كلنا خالد سعيد نسخة كل المصريين» أن الجيش المصري أصبح شريكـًا للجيش الصهيوني في محاربة الإرهاب!

كان الثلاثي وقتها يتجاهل كل التساؤلات حول هذه الاتهامات الخطيرة التي تمس سمعة الجيش وشرفه! ثم ها هم الآن يذهبون أبعد كثيرًا مما ذهب إليه القائد الأمريكي، الذي اتضح أنه كان متحفظـًا في كشف علاقة محرمة لم يتردد العسكر في البوح عنها، والمفاخرة بها، وهذه العلاقة أنجبت انقلابًا عسكريًا لقيطـًا مشوهًا يتبرأ منه الجميع، متمسحين بورقة عرفية كتبت ليلة الثلاثين من يونيو.

***

وحتى تعلم حجم التغير الذي قام به الثلاثي المفاخر بالتطبيع، فلك أن تتخيل أن الجيش المصري ظل حتى أيام مبارك «كنز إسرائيل» يتدرب كما لو كانت إسرائيل هي العدو، حسبما أفادت وثائق ويكيليكس، وهذا يعني أنه رغم الفساد والترهل الذي أصاب الجيش، إلا أنه لم يفقد عقيدته القتالية بعد، وهذا ما قام به السيسي!

الآن لم يعد التصويت لصالح الصهاينة في الأمم المتحدة حادثة، أو استثناء، أو فخًّا استدرجت مصر إليه كما برر البعض في المرة الأولى. هذه المرة تبع مصر دول عربية أخرى، مؤسسين بجمعهم الملعون مرحلة جديدة من «التفاخر بالتطبيع»، أو التطبيع الطبيعي!

وكما تساءل الأستاذ وائل قنديل في مقاله الرائع «عرب السيسي.. عرب إسرائيل»، ماذا تكون الخيانة إذا لم تكن هذه خيانة، أتساءل أيضًا: وهل كانت إسرائيل عدوًا فقط لأنها احتلت سيناء يوم 5 يونيو؟ أم لأن هذا عقيدة يؤمن بها كل مسلم وعربي، ولأن تحرير القدس الشريف والمسجد الأقصى أمر لا يخضع لحسابات السياسة والاقتصاد ومزاج قائد الجيش ورئيس الحكومة؟ أليست القدس وقفًا إسلاميًا، لا يجوز التفريط فيه مهما حدث مثل مكة والمدينة لا نفرط فيهما ولو فرط فيها آل سعود!

وإذا فرط الجيش في أرضه التي يمتلكها بالفعل، ودفع ثمن تحريرها غاليًا من جنود شجعان، رووا هذه الأرض بدمائهم، فما بالك بالأرض التي ضيعها الجيش وليست تحت أيديه أصلاً «فلسطين»؟

يخرج علينا ياسر رزق، الصحفي المقرب من السيسي، بتفسير عجيب، حيث قال إن تضحية جنود بدمائهم لتحرير تيران وصنافير ليس دليلًا على أنهما مصريتان! سبحان الله، هل الجيش وطني فلا يدافع إلا عن أرض مصر، أم قومي ملزم بمسافة السكة؟ أم إسلامي يؤمن بالجهاد وتحرير فلسطين؟

في جميع الحالات هو مدان، والظاهر أنه لم يصبح شيئًا من هؤلاء، بل أصبح مجرد جنود تأتمر بأمر إسرائيل، إذا أمرته بالتنازل تنازل، وإذا أمرت بتهجير أهل سيناء لم يقم بذلك لواء جولاني أو جفعاتي الصهيونيين بل الجيش الثاني الميداني، يا له من كابوس!

الجمعة، 10 يونيو 2016

رمضان شهر الثبات

رمضان شهر الثورة.. شهر الصبر والثبات.. لا أحد ينكر أن العطش مرهق، وأن تغيير العادات متعب، لكن هل نفرط في فريضة ربانية لإرهاق العطش، وتعب الصيام؟ كذلك لا يثنينا التعب في مواجهة الانقلاب أبدًا إن شاء الله عن التمسك بمقاومته..
سيقول قائل: وهل تساوي بين أحد أركان الإسلام وهو الصيام وبين رفض السيسي؟
والإجابة يسيرة؛ الإسلام في حد ذاته ثورة على الظلم، ولا يكون المسلم مسلمًا بحق وهو يؤيد قاتلاً سفك الدماء ووالى أعداء الله ودمر الحرث والنسل وخان الله ورسوله.. حتى وإن صلى وصام ودفن في مقابر المسلمين!
لقد وقف النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة في وجه الظلم الجاهلي منذ اليوم الأول للبعثة.. بينما لم يفرض الصوم إلا بعد 15 عاما تقريبا.. فهل كانوا -لا سمح الله - في هذه السنين غير مسلمين!!
حتى الكافر الذي لم يؤمن، وقف معه النبي صلى الله عليه وسلم ضد أبي أجهل الذي أكل عليه ماله! وأمره أن يرد عليه ماله ففعل! وقال للمشركين بعدها: إن فوق رأسه لفحلا من الإبل.. والله لو أبيت لأكلني! [ السيرة النبوية لابن هشام]
فهل يتحرك النبي صلى الله عليه وسلم، ويرسل الله عز وجل معه جملا لينصره من أجل رجل كافر يريد حقه، ولا تتحرك أنت لنصرة آلاف المسلمين وأنت متأكد تمام التأكد أنهم قتلوا غدرا وحبسوا ظلما وشردوا بغير سبب وانتزعت منهم بيوتهم وأموالهم بغير حق!
من لم يعتبر نفسه مسؤولاً عن دفع هذا الظلم، بالفعل، أو بالكلمة، أو بالقلب، وهذا أضعف الإيمان، فليس ذلك من الإيمان حبة خردل، ولو كانت السنة كلها رمضان!
من يريد حصر هذا الدين في بيوت خاوية يراقبها المخبرون، ولا ينتقل من النصوص إلى النفوس، ولا من القلوب إلى الشعوب، يريد في الحقيقة هدمه! فهل ينقي الصيام روحك لتؤيد بعد ذلك قاتلا أو تمتنع عن مقاومته! ماذا فعلت بنقاء نفسك إذا!
فما باكم بمن يتهم الناس ظلما، وقتلهم غدرا، وحكم عليهم وهو على يقين ببراءتهم، وقضى بإعدامهم قبل حتى أن يقرأ أسماءهم أو يدافعوا عن أنفسهم! ما بالكم بمن يشهدون زورا على الفضائيات كل يوم، ليلبسوا الحق بالباطل، ويزينوا الباطل للناس!
ادعو على الظالمين في كل يوم وكل ليلة وكل صلاة. واحمدوا الله أن هداكم للحق فوقفتم معه ضد الظلم والظالمين، رغم كيد الكائدين. فالثبات من الله، ورمضان حقا شهر الثبات، فاللهم ثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين!
- See more at: http://rassd.com/188169.htm#sthash.PecLboqV.dpuf

لماذا يمدح ليبرمان السيسي؟

ليس جديدًا أن يتلقى السيسي مدحًا علنيًا من مسؤولين إسرائيليين، فقد قالوا فيه قصائد من الشعر فاقت حتى ما قالوه بحق مبارك! إلا أن مدح «أفيجدور ليبرمان» الزعيم العنصري الأكثر تطرفًا للسيسي، ووصف خطابه بأنه «فرصة للسلام» له دلالة مختلفة، وبالذات في هذا التوقيت!

أفكار ليبرمان؟

ينتمي ليبرمان، القادم من ملدوفا، إلى اليمين المتطرف، وله تصريحات عدة بوجوب ضرب السد العالي في مصر! في البداية أيد الترانسفير (تهجير الفلسطينيين) كحل للصراع العربي-الإسرائيلي. ولكن مع سنة 2006عرض اقتراحا قائما على «تبديل أراضي» لضمان أغلبيه يهودية في «دولة إسرائيل».
أي أن السلام الذي يراه ليبرمان هو بقاء «دولة إسرائيل» بالأراضي التي تحتلها حاليا، دون أن تتنازل عن أي شبر منها ، بالإضافة إلى التنازل عن حق العودة، لأن السلام وفق مفهوم ليبرمان لا يسمح بالتنازل عن أي أرض للفلسطينين في الداخل، فما بالكم بالفلسطينيين في الشتات؟
وحين يتولى ليبرمان حقيبة سيادية هي الأهم في كيان الاحتلال، وزارة الحرب، وفي هذا التوقيت، بعد خطاب السيسي الشهير الذي دعا فيه إلى سلام أكثر دفئا مع الصهاينة، فهل يعني هذا أن توافقا سياسيا ما في الطريق؟
في تقرير بثته كل من إذاعة الجيش، وقناة التلفزة الإسرائيلية الثانية في 8 سبتمبر (أيلول) 2014، جاء فيه أن السيسي عرض على عباس بعد أسبوعين من توقف الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، إقامة دولة فلسطينية في شمال سيناء تبلغ مساحتها خمسة أضعاف قطاع غزة، على أن يحصل الفلسطينيون في الضفة الغربية على حكم ذاتي فقط ويتنازل اللاجئون الفلسطينيون عن حق العودة!
ونوهت إلئيت شاحر، المراسلة السياسية لإذاعة الجيش الإسرائيلي، التي كانت أول من كشف طابع العرض الذي طرحه السيسي على عباس، أن الإدارة الأمريكية هي التي طلبت من النظام في القاهرة تبني الاقتراح وعرضه على عباس.
ونوهت إلى أن السيسي طالب أبو مازن بأن يعلن مقابل ذلك التنازل عن المطالبة بالعودة إلى حدود العام 1967.
ومنذ أقل من شهرين، في الخامس من أبريل (نيسان) 2016، كشف الضابط السابق في سلاح الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية «ماتي ديفد» أن السيسي عرض على عباس خطة لإقامة دولة فلسطينية في شبه جزيرة سيناء، وتقضي الخطة -حسبما أورده ديفد في مقال له بموقع «نيوز ون الإخباري»- بنقل ما مساحته 1600 كلم2 من الأراضي المصرية في سيناء إلى السلطة الفلسطينية.

فلسطين أم إسرائيل؟

لطالما كانت هناك وجهتا نظر لحل مشكلات هذه المنطقة. الأولى تقول أن إسرائيل هي المشكلة، ولن تحل مشكلات المنطقة إلا بتحرير فلسطين. ويشترك في وجهة النظر هذه معظم الفصائل الإسلامية في المنطقة، وقطاع عريض من الشارع العربي الرافض للتطبيع!
والثانية تقول أن الإسلاميين هم سبب المشكلات في المنطقة، ويشترك في وجهة النظر هذه إسرائيل، والأنظمة العسكرية المستبدة، والصهاينة العرب الذين يطلق عليهم زورا «مثقفين»، وقطاع عريض من العلمانيين العرب، والمؤسسات الرسمية الإسلامية والمسيحية، والأحزاب التي تدور في فلك السلطة.
لقد رصدنا في في مقال «إسرائيل طالبت الجيش بالانقلاب» عشر تصريحات يمدح فيها قادة صهاينة كبار السيسي وانقلابه، لكن مدح ليبرمان مختلف هذه المرة! فليبرمان الأكثر تشددا، والذي لا يعجبه العجب – باللهجة المصرية – يرى في كلام السيسي تطبيقا حرفيا لأفكاره العنصرية للإجهازعلى القضية الفلسطينية، والتنازل عن أهم ثوابتها وهو حق العودة!
ولا أعتقد أن هناك عائق أمام هذا المشروع إلا حركات المقاومة الفلسطينية وعلى رأسها حركة حماس، فالشعوب العربية تواجه آلة قتل ممنهجة، تقمع أي محاولة لتغيير الوضع القائم! ولا عجب أن تزامن قيام دولة إسرائيل مع قيام هذه الديكتاتوريات العسكرية، فحاجتها إليهم لا تقل عن حاجتهم لها!
يجب أن يكون واضحا أن كل من يدعم السيسي يقف مع إسرائيل ضد الحق العربي والفلسطيني، وليس له عذر بالجهل بعد هذه التصريحات الأشبه بالغزل الصريح من الصهاينة للسيسي، للدرجة التي جعلت وزير الإسكان الإسرائيلي يصرح بأنهم محظوظين لأن السيسي استولى على الحكم من الإخوان المسلمين! إن رفض مشروع السيسي وانقلابه مسألة عقيدة، وليست موقفا سياسيا يصيب ويخطئ، فهل يمكن أن تتفق مع ليبرمان في الإعجاب بشخص ما؟