مرحبا بك في مدونة شيء في صدري يمكنك اختيار المقال الذي تبحث عنه من القائمة على اليمين.. ومهما كان انتي مصر.. وكل خطوة بنصر.. الله أكبر وتحيا مصر

Welcome to the personal blog of the Egyptian Writer and political analyst Dr. Ahmed Nassar. You can choose the article you need from the list lower right

الجمعة، 25 سبتمبر 2015

بغلة عمر.. وحجيج سلمان!!

بغلة عمر.. وحجيج سلمان!!
_____________________

تستشعر الأنظمة العربية جميعا الحساسية الشديدة حيال أي نقد يوجه إليها، خاصة إذا أتى هذا النقد من خصومها، فتظن على الفور أن ذلك فرصة لاستغلال الحدث ضدها للنيل منها والانتصار عليها في معركة سياسية أو إعلامية، للطعن في شرعيتها وفي شخص الزعيم فيها، دون التدقيق في النقاط موضع النقد، هل هي صحيحة أم مبالغ فيها، ودون محاسبة المسؤولين الحقيقيين لأن ذلك قد يمس أشخاصا من جسم النظام نفسه، فتعمد الأنظمة على الفور إلى تهدئة الأجواء دون حل جذري للمشكلة وتشكيل لجان تحقيق لا يعلم عنها شيئا وربما محاسبة موظفين أقل شأنا أو أقل رتبة!

وانتقل هذا المرض للأسف إلى كثير من الحركات والأحزاب والجماعات التي ترى أنها مظلومة من قبل الأنظمة الحاكمة ظلما شديدا، وتخوض معارك ضدها على الحرية والديمقراطية والمساواة والعدل، بينما نرى مبدأ المحاسبة والنقد في هذه الحركات والجماعات والأحزاب نادرا ما يطبق، تارة بدعوى أن الوقت ليس ملائم للمراجعة والنقد، وتارة بدعوى أن الخصوم سيستغلون هذه النقاط ضدها، وهي كلها مبررات واهية لا يستقيم معها أمر من يريد فعلا الإصلاح!

***

المنهج القرآني يعلمنا النظر إلى دوافع السلوك ومسبباته، وليس إلى ظاهر السلوك، وأن المسلمين عليهم أن يواجهوا أخطاءهم، بل وحددها لهم القرآن بدقة حتى لو لم يحدث قتال (كما في غزوتي الأحزاب وتبوك)، وعلمهم أن تشخيص المرض أولى خطوات العلاج، دون تلكؤ بدعوى انتظار الوقت المناسب للنقد والمراجعة بعد زوال المحنة، أو تفريق بين كبير وصغير، وزير أو غفير!

ولنا فيما حدث في غزوة أحد أسوة حسنة، فعلى الرغم من استشهاد 70 من الصحابة الكرام منهم أسد الله حمزة رضي الله عنه عم النبي صلى الله عليه وسلم، ورغم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جرحت جبهته الشريفة وكسرت رباعيته (أحد أسنانه) وأشيع أنه قد قتل، رغم كل هذا فقد نزل القرآن يعالج أسباب الهزيمة دون أن يخشى من أن تستغل قريشا هذه الآيات الكريمات من سورة آل عمران ضد المسلمين، ودون التستر وراء شعارات من باب نحن مسلمون وهم كافرون، وبالتالي فمهما نخطئ فنحن  أهل الحق، ومهما يحسنون فهم أهل الباطل.

نزل القرآن بآيات شديدة يتهم صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم - أفضل البشر بعد الأنبياء - بالفشل، والتنازع وحب الدنيا:

(حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة) آل عمران 152

قال عبد الله بن مسعود لما رآهم وقعوا في الغنائم : ما كنت أحسب أن أحدا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد الدنيا حتى كان اليوم  (يوم نزول هذه الآية)

أما عن المساواة ومحاسبة المقصر أيا كان وضعه أو حسبه ونسبه، فقد ورد في قصة المرأة المخزومية التي سرقت وأرادوا لسيدنا أسامة بن زيد رضي الله عنه أن يشفع لها، عن عائشة رضي الله عنها أن قريشا أهمتهم المرأة المخزومية التي سرقت فقالوا من يكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد حب رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أتشفع في حد من حدود الله ثم قام فخطب قال يا أيها الناس إنما ضل من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق الشريف تركوه وإذا سرق الضعيف فيهم أقاموا عليه الحد وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم سرقت لقطع محمد يدها (رواه البخاري)

***

الحاكم لا يضع نصب عينيه إلا مخافة الله عز وجل وحساب الله له، كما كان عمررضي الله عنه يخشى أن يحاسب أمام الله عز وجل على بغلة عثرت في العراق، لم لم تمهد لها الطريق يا عمر؟؟

منذ أسبوعين وقع حادث رافعة الحرم المكي في الحرم الشريف، تسبب في 107 شهيدا و230 مصابا! لم يعرف المتسبب الحقيقي في الحادث، ولا الجزاء الذي ناله هذا المقصر، ولا الإجراءات التي اتخذت لضمان عدم تكرار الحادث!

فقط قرر الملك صرف عطايا لأهالي المتوفين والمتضررين وصلت لمليون ريال للفرد، لعلها تنسيهم مصابهم الأليم!

واليوم يقع حادث أليم أكثر فداحة، ينتج عنه 717 شهيدا وإصابة 863 آخرين، وكالعادة لا يعلم أحد السبب الرئيسي للحادث، ولا المقصر الذي يستوجب عقابه، ولا الإجراءات التي ستتخذ لمنع تكرار هذه الحادثة الأليمة!

بل على العكس؛ تم تحميل الحجاج مسؤولية الحادث واتهامهم بالتسبب في هذا الحادث بعدم الالتزام بالإجراءات المتبعة والمسارات المحددة! حتى هذا يدين القائمين على العمل ولا يبرئهم، فلم لم يتم عمل بوابات في اتجاه واحد مزودة بحرس وضباط، وأسهم تشير لطريق السير بالعربية والإنجليزية والأردية وكل اللغات المعروفة!

موقف الجزيرة في هذه القضية لا يعجبني على غير العادة، فقط تبني لوجهة النظر السعودية، وتبرير وحرص على إخلاء ذمة السعودية من هذه المذبحة!

كنت أتمنى أن أرى تقريرا للمبدعة فاطمة تريكي أو حلقة ساخنة للقوية غادة عويس تتساءل عن الأسباب وعن الإجراءات التي كان يجب أن تتخذ والإجراءات التي سوف تتخذ...إلخ. فغياب المعلومات يفتح باب الشائعات والتكهنات، هل مرور موكب شخصية هامة تسبب في الحادث أم أفواج الحجاج الشيعة؟؟ وهل كان الحجاج الشيعة سببا في سقوط رافعة الحرم المكي منذ أسبوعين؟؟

***

الحقيقة أن الربط بين النظام السعودي والحرم الشريف في غير محله، فقدسية الحرم لا تتعداه إلى قدسية النظام، وإلا لنال أشخاص باعوا القضية مثل محمود عباس ومحمد دحلان وصائب عريقات أو ملك الأردن من قدسية الحرم القدسي الشريف والمسجد الأقصى مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم!

لقد  هانت الدماء على النظم السعودي، فمولت وأيدت قتل المعتصمين في رابعة والنهضة، واستقبلت بن علي تونس، وأجرت 10 عمليات جراحية لعلي صالح (منها 8 فقط في الوجه)، فلم يكد يخرج من غرفة العمليات حتى انقلب عليها وتحالف مع الحوثيين الشيعة! ومولوا من قبل عملية احتلال العراق الذي سلم على طبق من ذهب للأمريكان ومن بعده إيران! ولا يزال آل سعود يدعمون النظام المصري بمليارات الدولارات رغم حربه على الدين وحصاره للمقاومة وتحالفه مع إسرائيل وإغراق أهل غزة بالمياه!

آل سعود لا يزالون غارقين في صراعاتهم الدنيوية على السلطة والنفوذ في الإقليم، ودعم أنظمة الفساد والاستبداد خوفا من انتقال رياح الإصلاح والتغيير والمطالبة بالحرية والعدل والمساواة!

الثلاثاء، 22 سبتمبر 2015

لماذا أقال السيسي اللواء العصار؟؟

لماذا أقال السيسي اللواء العصار؟؟
______________________________________

فجأة استفاقت مصر على قضية فساد غريبة، طالت عددا من الرموز العامة وبعض الوزراء في الحكومة بل ورئيس الحكومة نفسه! لم يتعود المصريون على وجود قضايا فساد رغم تعودهم على وجود الفساد نفسه!
هذه القضية فتحت الطريق نحو تغيير الحكومة، وخلطت الأوراق، مما دعا إلى إعادة ترتيب الأمور وقراءة المشهد من جديد!

***

مربط الفرس في الأزمة السياسية التي يشهدها نظام السيسي الآن هو تقارير أمنية واستخبارية رفعت إلى السيسي مطلع العام الجاري تفيد بوجود مخطط – أو على الأقل تخوفات – من حدوث انقلاب ناعم على السيسي من خلال البرلمان.

هذه التقارير - وفق صحيفة العربي الجديد - ذكرت بالاسم اسم رجل الأعمال المنخرط في السياسة حتى النخاع "نجيب ساويرس" وعدة رجال أعمال آخرين تم تقديم بلاغات للنيابة العامة ضدهم بالفعل في الفترة الأخيرة.
وذكرت التقارير أن المخطط يهدف إلى سحب الثقة من السيسي من خلال البرلمان وربما محاكمته أيضا، وفق الصلاحيات الممنوحة لمجلس النواب القادم في الدستور الذي وضع عقب الانقلاب في 2014.

إن صحت هذه التقارير فهذه المحاولة الانقلابية هي الأخطر على السيسي، لأن أميركا ودول الإقليم من المحتمل جدا أن تدعمها ولا تعترض عليها، لأنها ستطيح بالسيسي كشخص من المشهد - وهو الذي يعتبر في نظر الكثيرين جزء من المشكلة وليس جزء من الحل - دون أن تعود السلطة مجددا للإخوان، مع بقاء الجيش كمؤسسة حامية للمصالح الأميركية وأمن إسرائيل، والتخلص بالتالي من أزمة الشرعية والانقلاب التي أحدثها السيسي في 3 يوليو 2013، برحيل السيسي نفسه!

تعامل السيسي مع هذه التقارير باهتمام شديد، فقرر على الفور تأجيل الانتخابات البرلمانية مجددا، التي كان مقررا لها أن تجرى في مارس الماضي، بعد أن أجلها سابقا مرة أخرى ( كان مقررا للانتخابات البرلمانية أن تجرى عقب 60 يوما من انتخابات الرئاسة أي في أغسطس/آب الماضي، ومن قبل كان مقررا لها أن تكون قبل الانتخابات الرئاسية أصلا).

وبعد ستة أشهر عادت الخطورة من جديد، باقتراب موعد إجراء الانتخابات البرلمانية، وعدم قدرة السيسي على صنع برلمان موال له، رغم التزوير المرتقب، لذا فقد قُدمت للسيسي فيما يبدو عدة نصائح أمنية واضح أنها أخذ بها بالفعل، وأهمها:

1 - عدم إجراء الانتخابات البرلمانية تحت أي ظرف وفق الدستور الحالي، الذي يتيح للبرلمان محاسبة الرئيس وسحب الثقة منه.

2 - تدشين حملة إعلامية - شارك فيها السيسي بنفسه ببعض التصريحات - تطالب بتعديل الدستور الحالي، بتوسيع صلاحيات الرئيس، وفتح مدد الرئاسة، وتقليص صلاحيات البرلمان، وحذف أي مادة تتيح لمجلس النواب القادم محاسبة الرئيس أو سحب الثقة منه.

وأغلب الظن أن السيسي سيدعو إلى تعديل الدستور وانتخاب البرلمان الجديد في يوم واحد معا، أو بفارق زمني قصير لا يتعدى الأسبوعين، فقدرة السيسي وإعلامه على حشد الناس للتصويت مرتين متباعدتين (مرة لتعديل الدستور ومرة لانتخابات البرلمان) ضعيفة! فالناس كفرت أصلا بالعملية السياسية وفقدت الثقة فيها، والكل يعلم أن النتيجة لا تعبر عن الصناديق منذ انقلاب 3 يوليو!

3 - قطع الطريق على أي محاولة انقلابية في مصر من مدة الصلة مع واشنطن، وفصل التيار الكهربائي عن خصومه هنا ووزارة الدفاع الأميركية (البنتاجون) ، فمن المعروف أن أي انقلاب أو تغيير في السلطة في مصر لابد أن يحصل على الضوء الأخضر من وزارة الدفاع في أميركا، التي تسيطر حصريا على الملف المصري منذ توقيع اتفاقية كامب ديفيد في 1979!

ورجل أميركا الأول في الجيش هو اللواء محمد العصار الذي ظل ثابتا في موقعه طيلة السنوات الخمسة الأخيرة، ويعتبر مهندس صفقات السلاح التي يحصل عليها الجيش.

وكلنا يذكر عباس كامل مدير مكتب السيسي في أحد تسريباته حين سأله أحد ضيوفه عن السيسي فقال له: "المشير نزل تحت شوية عند اللواء العصار" !!

وخطورة هذه الجملة ليس فقط في أنها تعني أن الأدنى (السيسي) نزل للأعلى (العصار)، لكن اللافت للنظر هو عدم استغراب أحد من ذلك، مما يعني أنه من المعروف ضمنا داخل الجيش أن نزول المشير عند أحد لواءاته بدلا من أن يصعد إليه الأخير شيء طبيعي!

وحيث أن السيسي لا يستطيع التخلص من العصار الذي من المحتمل أن يكون حلقة الوصل الأهم بين خصوم السيسي هنا ووزارة الدفاع في أميركا، وربما بلغ السيسي أن العصار قام بذلك فعلا، فإن النصيحة التي قدمت للسيسي هو "ركلة لأعلى" أو كما يقول التعبير المصري الشهير "شلوت لفوق"، يتم به تعيين العصار وزيرا للإنتاج الحربي (الحلل والمكرونة وفريق كرة قدم) ليخرج العصار من وزارة الدفاع - مصدر قوته الرئيسية - ويكون من السهل أن يخرج من المشهد تماما في أقرب تعديل وزاري!

في اعتقادي؛ السيسي لم يكن يريد هذا الصدام، ولولا التخوف الشديد من التضحية به لصالح العلمانيين الذين التفوا حوله في مشهد 3 يوليو، لما أقدم على هذه الخطوة.

هؤلاء العلمانيين الذين أرادوا استغلال السيسي فقط للإطاحة بالرئيس المنتخب وفض ميادين الاعتصام بالقوة وإحداث أكبر مجزرة في تاريخ مصر الحديث، ليرثوا هم السلطة والبدء من جديد.

وصف السيسي ذلك بالنوايا الحسنة، لكنه كان غباء شديدا منهم كالذي تمتعت به مراكز القوى في صراعهم مع السادات، فظنوا أنه سيسلمهم السلطة لينفذوا أطروحاتهم في الحكم الرشيد، رغم أن أصغر طفل في الإخوان كان يعلم أن السيسي لم يقم بانقلابه ونفذ كل هذه المجازر ليسلم السلطة لشخص آخر يقف أمامه السيسي ليعطيه التحية، أو لكي يأتي برلمان ينازع السيسي في صلاحياته أو يجوز له محاسبته!

***

يبقى سؤال مهم؛ لم وافق السيسي على وضع هذه المواد في الدستور، ثم الإدعاء الآن أنه كتب بنوايا حسنة وأن يجب تغييرها؟؟

أغلب الظن أن السيسي حتى كتابة الدستور لم يكن يعلن عن نيته في الترشح للرئاسة، إلا لدائرة ضيقة قريبة منه، وأنه طالب فقط بمادة في السدتور تحصن وزير الدفاع مدتين رئاسيتين (8 سنوات) كمكافأة له من ناحية، وحماية له من أي مساءلة قانونية أو سياسية من ناحية أخرى! وبهذا أعطى انطباعا أنه باق في منصبه كوزير للدفاع، وأنه لن يترشح للرئاسة، بينما في نيته الإبقاء على تماسك التحالف المكون لانقلابه أطول فترة ممكنة حتى الانتهاء من صياغة الدستور، ثم مفاجأتهم بالترشح للرئاسة، وتعديل بعض المواد فيه لاحقا، وما أسهل ذلك!

وبالفعل فإن قرار ترشح السيسي فاجأهم جميعا، ونذكر جميعا تصريح محمد بن راشد الذي قال فيه أنه من الأفضل للسيسي ألا يترشح! كما أبدى شفيق اعتراضه على ترشح السيسي وصرح أن كل الصناديق ستكون مرتبة له!

***

إن الإعلان عن فضيحة الفساد الكبيرة منذ أسبوعين ربما كان الهدف منها فقط التمهيد للإطاحة بالحكومة، والتغيير الوزاري الأخير كان الهدف منه فقط إخراج اللواء العصار من وزارة الدفاع، وربما التخلص من بعض مرشحي البرلمان المحتملين الضالعين في هذا المخطط (حمدي الفخراني)
لا أحد يعلم النتائج المترتبة على إخراج العصار من وزارة الدفاع، وهل سيمر مرور الكرام، أم أن لهذه الخطوة تبعات أخرى؟؟

الأيام القادمة حبلى بالكثير؛ هل سيعدل السيسي الدستور بما يقلص صلاحيات البرلمان ويوسع من صلاحياته، أم سيؤجل الانتخابات البرلمانية لحين صنع برلمان يدين له بالكامل بالولاء، أم سيعقد الانتخابات في موعدها،ويحل البرلمان لاحقا إذا استشعر منه الخطر، وفق القوانين العديدة التي أصدرها السيسي خلال عام وتتيح له ذلك؟؟ الأيام القادمة ستكشف ذلك!

الجمعة، 18 سبتمبر 2015

لو لم أكن مصريا .. لوددت أن أكون مكسيكيا

لو لم أكن مصريا .. لوددت أن أكون مكسيكيا
_________________________________


أتى حادث الواحات الذي وقع هذا الأسبوع وتسبب في أزمة حادة بين مصر والمكسيك ليكشف الكثير عن طريقة إدارة الأمور في مصر، لمن لم يكن يعلم بعد!

هذا ليس سلوك دول بأي حال من الأحوال،  لكن لعله من حسن حظ الثوار المصريين الذين يواجهون القتل يوميا ويصفهم الجيش بالإرهاب والتكفيريين، حتى فضحت حادثة السياح المكسيكيين كذبهم على رؤوس الأشهاد!  

صحيفة الجارديان البريطانية قالت أن السياح المكسيكيين ظلوا يتعرضون للقصف من الجو طيلة ثلاث ساعات! ثلاث ساعات كاملة احتاجها الجيش ليفرق بين سياح يلبسون شورتات وإرهابيين يحملون آر بي جي!!

***

1- القتل لمجرد الاشتباه!

لك أن تتخيل أن إطلاق النار حدث مباشرة من المروحيات المقاتلة "الأباتشي" تجاه 4 سيارات دفع رباعي  4 4x    في منطقة الواحات في الصحراء الغربية، فقط لمجرد "الاشتباه" بهم كما ذكر بيان ما يسمى بوزارة الداخلية المصرية!

كنا في زمن إذا اشتبهت فيك الشرطة سحبتك على أقرب قسم لتحقق من هويتك، وفق قانون الطوارئ، أما الآن فصار الاشتباه - مجرد الاشتباه - سببا كافيا جدا لمصر الجديدة بعد ثورة 30 يونيو المجيدة لكي تُقتل بالأباتشي!

لا حديث عن قواعد اشتباك، أو التأكد من هوية المشتبه بهم، أو التحرك وفق معلومات أمنية واستخبارية مسبقة، أو إطلاق عدة طلقات تحذيرية، ومطالبة المشتبه بهم بتسليم أنفسهم! لا شيء من هذه الأمور التي نسمع عنها في بقية شعوب الكوكب! بل قتل مباشرة والبحث عن تفسير أو تبرير!

***

2- إستراتيجية التوتر!

وفور الحادث أعلنت جماعة إرهابية متطرفة عبر بيان لها على الانترنت عن وقوع اشتباكات بينها وبين عناصر الأمن في الصحراء الغربية، في تمهيد واضح من الداخلية للإعلان عن خبر إطلاق النار على السيارات الأربعة، التي كانت تقل الإرهابيين!

إنها استراتيجية التوتر التي تحدثنا عنها مرارا، وتعني افتعال النظام لعمليات عنف ونسبها لتنظيمات إرهابية وهمية لتبرير القمع والاستبداد والتنكيل بالخصوم!

***

3- في مصر:  المقتول إرهابي إلى أن يثبت العكس!

وزارة الداخلية أعلنت عن مقتل 12 شخص من بينهم 8 إرهابيين خلال ملاحقة قوات مشتركة من الجيش والشرطة للعناصر الإرهابية بمدينة الواحات!

لكن تبين أن القتلى معظمهم أجانب، وأنهم سياح مكسيكيين وضع الداخلية والجيش المصري في مأزق حقيقي! لو كانوا مصريين لقيل عنهم أنهم إخوان أو من داعش كما تعودوا دائما، أو حتى كانوا ينوون تفجير الرمال في الصحراء! لكن جنسية السياح المكسيكيين أفسدت هذه الرواية تماما!

كيف لا يتمكن الجيش من التفريق بين سياح يلبسون شورتات، وإرهابيين يحملون آر بي جي!

وهل لنا أن نصدق بعد الآن أي روايات رسمية عن تصفية الأمن لـ "تكفيريين" هنا أو "إرهابيين" هناك! كيف تأكد الأمن حقا أنهم إرهابيين أو تكفيريين!  ألا يجوز أنهم قتلوا أيضا خطأ كما حدث في الواحات؟؟ أو أن الجيش يستغل مثل هذه الحوادث لاصطناع بطولات وتبرير القمع والاستبداد؟؟ ألا تتذكرون الصور التي بثها الجيش لعمليات ضد إرهابيين في سيناء واتضح من إحداثيات الـ GPS أنها بالصحراء الغربية؟؟

***

4- الإدعاء بدخول منطقة محظورة!

تغيرت رواية الداخلية على الفور، وصارت كالآتي:

 السياح ماتوا بسبب التعامل الخطأ مع 4 سيارات دفع رباعي كانت موجودة في "المنطقة المحظورة"، وتبين أنها تقل فوج سياحي مكسيكي الجنسية، الأمر الذي أسفر عن إصابة 10 سائحين ومقتل اثنين.

وحتى لو كان السياح دخلوا منطقة محظورة، فهناك قواعد للاشتباك كما سبق وأن ذكرنا. لكن الغريب حقا ما قاله أحمد المستكاوى، صاحب إحدى الشركات المتخصصة في سياحة السفارى، حيث فجر مفاجأة جديدة في حادث الواحات، قائلاً:

 "السيسي أصدر قرارًا جمهوريًا رقم 444 لعام 2014، يفيد بأن المنطقة من القاهرة إلى الواحات البحرية غير محظورة".

وتابع خلال مداخلة هاتفية مع  "وائل الإبراشي" ببرنامج "العاشرة مساء"، أن المنطقة التي شهدت الحادث مبسطة لا يوجد بها جبال، كما تبلغ المسافة بين القاهرة والواحات البحرية نحو 350 كيلو مترًا، وتوقف سائقي السيارات لتناول وجبة الغذاء.

أيد ذلك صورة ضوئية منشورة لتصريح وترخيص من شرطة السياحة للفوج المكسيكى بالتحرك في المنطقة التى تم قصفهم بالطائرات فيها!

المنطقة ليست محظورة، والسياح كان معهم تصريح، فلم كل هذا القتل إذن؟؟

***

5- قتلناهم حتى لا تقتلهم داعش!

لكن أغرب ما قيل في التبرير لمقتل هؤلاء السياح، هو ما قالته الصحفية عزة هيكل لدينا رامز: الجيش قتل السياح المكسيكيين بالواحات ليحميهم من داعش! وظيفة الجيش ليست أمن الناس وأمانهم، بل حمايتهم من التنظيمات الإرهابية حتى ولو اضطر الجيش لقتلهم حتى لا تفوز داعش بهذا الشرف! لا أعتقد أن شيئا مماثل يقال على هذا الكوكب!

ويجب الإشارة هنا لبوست خزعبلي على موقع فيسبوك لأحد أتباع السيسي حصد ما يزيد على 22 ألف مشاركة يؤكد بمزيج من القدرات العكاشية الخارقة في التحليل والإمكانيات البكرية الافتة في التطبيل أن السياح المكسيكيين كانوا في طريقهم لتنفيذ مخطط إرهابي عالمي بالتعاون مع المافيا المكسيكية والسي آي ايه وعناصر الإخوان الإرهابية!  لأول وهلة ظننته بوستا ساخرا حتى صدمتني الفاجعة!

من الأمور الطريفة أيضا في هذا الحادث الماساوي أن وزير الخارجية سامح شكري طُلب منه أن يقرأ بيانا في المؤتمر الصحفي المشترك مع وزيرة خارجية المكسيك، التي كان يبدو من نظراتها أنها لا تصدق البتة التبريرات الهشة التي ساقها شكري لمقتل هؤلاء السياح! التزم شكري حرفيا بما كان مكتوبا في الورقة، وفي نهاية البيان فوجئ الجميع به يقول End of text وهي كلمة تطبع تلقائيا مع أي ورقة مطبوعة، على غرار: (تمت الطباعة بالمطابع الأميرية) !!

***

لو لم أكن مصريا لوددت أن أكون مكسيكيا.. حقيقة أشكر بشدة دولة المكسيك التي كشفت للعالم أجمع - دونما قصد - عبر سائحيها المقتولين بالأباتشي كيف يتعامل الجيش مع المشتبه بهم في مصر! كيف يقتلهم بالأباتشي لمجرد الاشتباه بهم! كيف يصف المقتول بالإرهابي حتى قبل أن يجرى أي تحقيق جدي! وكيف يستغل ذلك إعلاميا لتخويف الناس من الإرهاب المحدق بهم، لتبرير ما يقوم به من قمع وقتل وفساد واستبداد!

كيف يقتل "حاجة وتلاتين واحد" خنقا بالغاز في سيارة ترحيلات وهم في عهدة الأمن، وكيف يموت معتقل في السجون لأنهم منعوا عنه الدواء!

تقول الأسطورة أن مصر كان تحارب الإرهاب منذ عامين، وتقول أيضا أن الجيش المصري يقتل "التكفيريين" كل يوم حتى وقع حادث الواحات!

ويقول السيسي أن مصر كانت ستشهد حربا أهلية يقتل فيها الناس بعضهم في الشوارع، إذا لم يتدخل الجيش وينقلب في 3 يوليو، حتى رأينا ذلك يحدث فعلا رأي العين.

لكن المصريين، ولأنهم غارقون حتى آذانهم في وحل المأساة، غير مدركين بشكل كاف ما صار عليه حالهم وحال أبنائهم من قتل على الهوية، وتحول الجيش والشرطة لميليشيات تقتل أي معارض بدعوى الأمن القومي والحفاظ على البلد! وأنه لا توجد جهة رقابية واحدة تراجع عمل هذه الأجهزة الأمنية التي وصفها السيسي يوما أنها "آلة قتل"!

لم يفهموا بعد أن الجيش أعطى الحصانة لضباطه لإطلاق النار على الناس لمجرد الاشتباه بهم أو حتى الخلاف حول ركن سيارة! وأنهم لن يحصلوا على أي تعويضات من التي سيحصل عليها المكسيكيين والتي يقال أنها ستصل إلى 12 مليون دولار للسائح الواحد! أما هم فإرهابيون أوباش على الجيش أن يضربهم في المليان، حتى لو اتضح أن الإرهابي المقتول ممن أيدوا السيسي يوما وفوضوه لمحاربة الإرهاب المحتمل!

ويا للمفارقة، فقد كان المرشد السياحي للفوج المكسيكي واحدا ممن فوض السيسي! لعله الآن فقط أدرك من هو الإرهابي بحق!

نهاية المقال :)

الأربعاء، 16 سبتمبر 2015

انقلاب السيسي مهد الطريق لتقسيم المسجد الأقصى!

انقلاب السيسي مهد الطريق لتقسيم المسجد الأقصى!
_____________________________________________________

الدخول في الإسلام ليس مجرد كلمة تقال، "الشهادتين"، بل هناك تبعات وتكاليف على كل من يعتنق هذا الدين، تتلخص في الأوامر والنواهي التي جاءت في القرآن الكريم أو الأحاديث النبوية الصحيحة. (افعل كذا ولا تفعل كذا)

والأوامر والنواهي منها ما هو قطعي الدلالة (مثل الأمر بالصلاة والزكاة والصوم، والنهي عن الفاحشة والخمر والميسر)، ومنها ما هو ظني الدلالة (مثل هل المسح على الرأس في الوضوء يكون على كل الشعر أم بعضه)

وحتى نضع الأمور في نصابها؛ فإن إنكار المسلم لأي أمر أو نهي قطعي الدلالة هو "إنكار لمعلوم من الدين بالضرورة"، وهو مما يخرج المرء من الإسلام، أي أنه عمل من أعمال الكفر!

ومن الأحاديث الصحيحة قطعية الدلالة حديث عن قتال المسلمين لليهود قبل قيام الساعة، فقد ورد عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:  "لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود فيقتلهم المسلمون حتى يختبئ اليهودي من وراء الحجر والشجر فيقول الحجر أو الشجر يا مسلم يا عبد الله هذا يهودي خلفي فتعال فاقتله إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود"  رواه مسلم

وكما بينا فإن إنكار مثل هذه الأحاديث قطعية الثبوت والدلالة من أعمال الكفر التي تخرج المسلم من الملة!

وعليه، فإن محاولة توصيف الصراع الجاري في المنطقة على أنه صراع مصالح فقط، بحذف متعمد للبعد الديني والأيديولوجي هو محاولة نصب كبرى على أبناء هذا الدين، فالمسلم الذي يسمع آيات القرآن الكريم التي تحض على الجهاد في سبيل الله، ومع ذلك يرى بلاد المسلمين تعاني تحت الاحتلال ويتجاهل ذلك، ولا يعتبر نفسه معنيا بالأمر، إنما انسلخ عن دينه دون أن يشعر، وتحول إلى مسلم صوري، بالاسم فقط، كزجاجة مكتوب عليها "عصير"، لكنها خففت بالماء حتى صارت بلا لون ولا طعم ولا رائحة!

***

لكن للأسف، ليس كل المسلمين الموحدين الذين يشهدون ألا إله إلا الله وأن محمد رسول الله يتبنون الرؤية الإسلامية لتوصيف الصراع!
هناك وجهتا نظر لسبب الصراع وأصل النزاع في هذه المنطقة:

1 -  فريق يرى أن أصل الصراع في المنطقة هو زرع كيان صهيوني احتلالي استيطاني كولينالي غريب عن نسيج المنطقة "إسرائيل"، في فلسطين المحتلة بالقوة المسلحة! وأن تحرير فلسطين هو الحل للصراع الدائر في المنطقة.

2 -  و فريق يرى أن الصراع الدائر في المنطقة سببه رفض حركات المقاومة في فلسطين وعلى رأسها حركة المقاومة الإسلامية حماس، وجماعة الإخوان المسلمين في مصر، للقبول بالأمر الواقع الجديد المتمثل في وجود كيان احتلال صهويني في فلسطين المحتلة "إسرائيل".

الفريق الأول يراه صراعا دينيا يستهدف هدم المسجد الأقصى وبناء الهيكل المزعوم، والفريق الثاني يرى أنه يجب التعايش بين الديانات الثلاثة، وهو ما يعني ضمنا القبول بالمحتل، واقتسام الأرض بل والمسجد الأقصى بين الجميع!!

***

وهذا المنطق الأخير شديد التفاهة شديد السذاجة، لم يقنع الغالبية العظمى من شعوب الأمة المسلمة الغيورة على دينها وعرضها وأرضها ومسجدها، فكان لابد لرعاة هذا الكيان الاحتلالي "إسرائيل" من إسكات صوت الأمة بالقوة المسلحة.

وقد تسنى لهم هذا أول الأمر بإحداث انقلابات عسكرية موالية للغرب في الدول العربية المحيطة بإسرائيل بالتزامن مع إعلان قيام ما يسمى بدولة إسرائيل؛ وبالذات في دول الطوق، مصر(عبد الناصر 1952 و 1954 ) وسوريا (شكري القواتلى وحسني الزعيم 1947 و 1949) وغيرها من الدول العربية (نظام ملكي عسكري في إمارة شرق الأردن، عبد السلام عارف وعبد الكريم قاسم في العراق، القذافي في ليبيا...إلأخ)

ثم انتقل الغرب من مرحلة منع شعوب المنطقة من الفتك بالدويلة الجديدة في بدايتها، وبعد اتساع هذه الدويلة وامتدادها ثلاث مرات في حرب 1967، لجأ الغرب إلى توطيد أركان هذه الدويلة، بتوقيع الأنظمة الرسمية المستبدة اتفاقيات سلام مع هذه الدويلة، كي تكتسب صفة الشرعية، ويصبح وجودها طبيعيا، وهو ما حاول الغرب وإسرائيل فعله عبر عقود عبر ما يسمى بـ "التطبيع".

ومن أهم علامات التطبيع اعتبار إسرائيل دول صديقة والتعامل معها على هذا الأساس، سياسيا واقتصاديا وإعلاميا، والدخول معه في مفاوضات، تختزل القضية في مسألة حدود وليس مسألة وجود! وفي المقابل يتم تجريم العمل المقاوم واعتباره ضربا من الإرهاب، تتعاون كل من الجيوش العربية الممولة من أميركا وإسرائيل في محاربتها وحصارها!

***

إن جماعة الإخوان المسلمين  تمثل جهاز المناعة في جسد الأمة، وإضعاف جهاز المناعة هذا سينتج عنه انتشار لفيروس التطبيع مع إسرائيل، ليس على المستوى الرسمي فقط -وقد بدأ يحدث بالفعل منذ 1979- لكن أيضًا على المستوى الشعبي، الذي بدأ يتأثر بالفعل بالإعلام المتصهين، الذي يمتدح إسرائيل ويهاجم المقاومة ليل نهار، بل ويعتبرها المسؤولة عن كل أزمة تعيشها مصر، بدء من أن سبب أزمة الطاقة في مصر تهريب الكهرباء إلى غزة (وهي كذبة انتشرت بشدة إبان حكم الرئيس مرسي) ومرورًا باتهامهم باقتحام السجون في 2011، وانتهاء بتحميل حماس وكل أهل قطاع غزة المسؤولية عن كل حادث يقع ضد الجيش في سيناء أو حتى في العاصمة!

وعليه يمكن فهم القسوة الشديدة التي يتعامل بها الجيش المصري الذي تعود على مذاق دولارات المعونة الأميركية مع المقاومين المصريين الذين تعتبرهم إسرائيل الخزان البشري والعمق الاستراتيجي الذي يغذي المقاومة الفلسطينية ماديا ومعنويا. بل لقد انتقل الجيش المصري من اعتقال الإخوان في مصر إلى اعتقال المقاومين وهم في طريقهم للعلاج عبر معبر رفح، بعد أن كان يكتفي بالتعاون الأمني والاستىخباري والإعلامي والسياسي والاقتصادي مع العدو الصهيوني!

لذا فلقد أبدت إسرائيل فرحة غير مسبوقة بالانقلاب العسكري الذي قام به الجيش على أول رئيس منتخب، وبما يقوم به الجيش لسحق جماعة الإخوان المسلمين، وقالت أن التعاون بين السيسي وإسرائيل لم يحدث حتى في أيام مبارك التي كانت تصفه "بالكنز الاستراتيجي"! كيف لا وقد هجر أهل سيناء خدمة لإسرائيل، وغير عقيدة الجيش من أن إسرائيل هي العدو إلى محاربة "الإرهاب" !! (جمعنا أشهر هذه التصريحات الصهيونية المؤيدة للانقلاب في مقال: إسرائيل طالبت الجيش بالانقلاب)

والسبب واضح، فجماعة الإخوان في مصر هي الكيان المنظم الأكبر وربما الوحيد الذي يعمل لتحرير كافة أرض فلسطين، وتحرير المسجد الأقصى وعودة المسلمين إلى توحدهم مجددا، في الخلافة الإسلامية، التي بشر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم. بينما بقية الجماعات الإسلامية غارقة في عمالتها للنظام، أو تهتم بأمور شكلية بعيدة كل البعد عن جوهر الإسلام!    

 لقد كان الإخوان أشجع من قاتل الصهاينة في حرب 1948، ودفعوا نتيجة ذلك قرارا بحل الجماعة واعتقال أفرادها، والآن كل الجيوش العربية تحمي إسرائيل ولا تقتل إلا شعوبها، ومن يرفع شعار تحرير فلسطين يوصف بالإرهاب!

وعليه؛ فإن أنصار جماعة الإخوان المسلمين ومن يدور في فلكهم  يصطدمون بمشكلتين كبيرتين:

أ- أنهم يصطدمون بمصالح دول كبرى مرتبطة بوجود هذا الكيان، وخصوصا الولايات المحتلة.

ب- أنهم بالمقاييس المادية البشرية البحتة لا يملكون من الوسائل والأدوات – حتى الآن - ما يمكنهم من الحل وفق رؤيتهم "تحرير كامل فلسطين".

***

إن محاولة سحق جماعة الإخوان في مصر لم تكن إلا خطوة تمهيدية ضد العمق الاستراتيجي للمقاومة، للشروع في مخططات تقسيم المسجد الأقصى في فلسطين زمانيا ومكانيا، ومن ثم هدمه!

 يجب ألا نخلط بين مواقف الإخوان السياسية التي تخطئ وتصيب، أو بين أفرادهم الذين هم بشر ليسوا منزهين أو معصومين من ناحية، وبين وقوفهم في وجه الاحتلال عسكريا وسياسيا، بل أنهم الفصيل الوحيد الذي يحارب الاحتلال الآن، من ناحية أخرى!

لذا فلا عجب أن كل حلفاء إسرائيل قد رحبوا بانقلاب 2013 (الولايات المتحدة – إسرائيل نفسها – العلمانيين – السلطة الفلسطينية – الإمارات العربية المتحدة – عصابات محمد دحلان). ولا عجب أن الهتافات التي يرددها المقاومون في القدس هي ذات الهتافات التي كان يرددها إخوانهم المقاومين في رابعة العدوية ، لن تركع أمة قائدها محمد!

ولا عجب أن كل العلماء الذي أيدوا الانقلاب يتماهون مع الاحتلال الإسرائيلي ويرفعون شعارات التعايش الزائفة، بينما كل العلماء الرافضين للانقلاب متمسكين بالرؤية الإسلامية الرافضة للاحتلال والمؤمنة بوجوب تحرير كامل فلسطين، وتحرير المسجد الأقصى!

إنها معركة عقيدة، وحرب على الدين، وليست مسألة حدود أو مسألة سياسة وانتخابات! فانظر في أي الفريقين أنت، هل مع الفريق (أي فريق) العامل لتحرير فلسطين وتحرير المسجد الأقصى، أم أنك من المؤمنين بعلاقة حسن البنا بالبنائين الأحرار "الماسونية"، وبأن الإخوان الذين تأسسوا في 1928 أسقطوا الأندلس منذ 800 عام، أو أن السيسي الذي صرح بأنه لن يسمح بتهديد أمن إسرائيل هو الذي سيحرر المسجد الأقصى!

الثلاثاء، 15 سبتمبر 2015

ليست نوايا حسنة .. بل غباء مستحكم!

ليست نوايا حسنة .. بل غباء مستحكم!
______________________________

ملخص: أزمة الشرعية لدى السيسي تتحول بالتدريج إلى أزمة وجود، فالسيسي لا يستطيع حتى الآن التمتع بأبجديات أي نظام سياسي متعارف عليه. ورغم القمع والقبضة الأمنية والحكم الشمولي لا يستطيع صنع برلمان ولو كان مزورا!

السيسي لن يسمح بوجود برلمان يحق له محاسبته وسحب الثقة منه، وإن حدث فسيكون برلمان فضيحة، برلمان 2010 نزهة بالنسبة إليه، كما سيكون برلمانا قصير العمر للغاية. فبرلمان منتخب مع وزير دفاع محصن يعني أن السيسي صار في مهب الريح، وأن انقلابا عليه من السهل جدا أن يحدث.

أغلب الظن أنه سيلجأ إلى تعديل الدستور الذي يرى أنه كتب بنوايا حسنة! ربما يقصد السيسي أن من كتب مواد الدستور كانوا حسني النية للغاية، إلى درجة السذاجة والغباء، بأن يظنوا أنه قام بانقلاب عسكري على رئيس منتخب له شعبية عريضة، وسحق مؤيديه في الشوارع والميادين، ووضعهم في المعتقلات والسجون، كي يتنازل للحكم إلى شخص آخر يقف السيسي أمامه ليعطيه التحية العسكرية! أو لكي يأتي ببرلمان يدعي العفة والطهارة ينازع السيسي في الصلاحيات، ويبتزه في كل قرار، وربما يحاكم السيسي على جرائمه، بانقلاب أبيض حذرت منه تقارير أمنية رُفعت للسيسي بداية هذا العام!

***

1 - حتى مبارك كان حريصا على وجود برلمان!

حتى 2005 لم يكن مبارك يواجه أزمة حكم سياسية حقيقية،  وحتى 2010 لم يكن مبارك يواجه أزمة شرعية حقيقة لنظام حكمه.. مبارك نفسه فرغم الفساد والاستبداد والعمالة لإسرائيل لم تتعالى المطالبات بخلعه وإسقاط نظامه قبل برلمان 2010  سيء السمعة، والذي شهد تزويرا فجا.

وخلال فترة حكم مبارك كان حريصا دائما على وجود برلمان ديكوري يزين به نظام حكمه الاستبدادي، ولم يحدث أن شهدت سنوات حكمه الثلاثين فترة بلا برلمان! وكان مبارك يضمن ولاء البرلمان بأوراق ضغط ويسطر على النواب عمليا فترة من خلال كمال الشاذلي، وفترة من خلال أحمد عز.

***

2 - صراع الانتخابات بدأ مبكرا!

منذ الإعلان عن بدء إجراء الانتخابات البرلمانية؛ تحول الصراع المكتوم بين أجنحة النظام إلى صراع ساخن محموم ، علني ومكشوف، وصل للضرب تحت الحزام، بهدف توجيه ضربات استباقية للخصوم لإخلاء دوائر بعينها لأشخاص بعينهم.

فمن غير الخفي أن حمدي الفخراني واحد من رموز الفساد منذ زمن، لكن اعتقاله اليوم بهذه الصورة المهينة، في قضية فساد وبتسجيلات صوت وصورة ، ليست استفاقة متأخرة لأجهزة الرقابة الغارقة في الفساد من ناحية، وشديدة الولاء للنظام من ناحية أخرى، بقدر ما هو استخدام لورقة ضغط على خصم برلماني محتمل، تمهيدا لإخلاء الدائرة لشخص ما منتظر.

نفس الأمر تتكرر في الإسكندرية حين تقدم نجل أبو العز الحريري إلى لجنة الانتخابات بأوراق ترشحه، ففوجيء بأن عليه حكما بالسجن ثلاث سنوات، وهي أحكام نعلم جيدا كيف ومتى تخرج! أغلب الظن أن الفخراني والحريري مجرمين، لكن الأمر لا علاقة له بالعدالة، إنما بالبرلمان المقبل.

***

3 - بارانويا السيسي تجعله يخشى من برلمان يمكنه سحب الثقة منه!

لا يمكن التغاضي عن عدم وجود برلمان في مصر لفترة أطول، خاصة مع نظام يعاني منذ اليوم الأول من أزمة شرعية فجة، بالانقلاب على رئيس مدني منتخب كان حريصا على عودة المؤسسات المنتخبة.

الانتخابات كان مقرراً لها أن تجرى خلال 60 يوماً من انتخاب رئيس الجمهورية، أي تشكيل مجلس النواب بحد أدنى في أغسطس/ آب العام الماضي، لكنها لم تجرى حتى الآن، ومشكوك في إجرائها كذلك!

المشكلة أن الغرب يريد أي شكل من أشكال البرلمانات في مصر حتى ولو كان برلمانا ديكوريا مزورا كما تعودوا أيام مبارك، وهو ما فشل فيه السيسي رغم القبضة الأمنية حتى الآن.

ورغم أن السيسي – الذي أصدر 315 قانونا في 15 شهرا -  كان قد سبق وأصدر قانونا يتيح له حل البرلمان المقبل الذي لم يتكون بعد، فإن جنون الارتياب الذي يتملك منه أكثر وأكثر كل يوم يجعله مرتابا من برلمان من حقه سحب الثقة منه، حتى ولو كان نوابه مختارين بعناية.

فكما ذهبنا في مقال "بارانويا السيسي" فإن السيسي مصاب بمرض البارنويا "جنون الارتياب" الذي يجعله يشك في كل شخص وكل شيء، ويرى نفسه عظيما بشكل يحسده عليه جميع الزعماء والرؤساء، فهو "طبيب الفلاسفة" الذي يستمع إليه كل السياسيين والعسكريين وواضعي الاسترتيجيات في العالم، لكنه لسوء حظه محاط بمخاطر جمة، ويرى الدنيا مكانا غير آمن، ولديه شعب غير مؤهل كي يحكمه شخص مثل السيسي!

وعلى غير الشائع فإن البارانويا لا تعني جنون العظمة، وإنما جنون الارتياب، والحقيقة أن جنون العظمة هو أحد أنواع جنون الارتياب، وهو نفس ما ذهبت إليه مجلة فورين بوليسي الأميركية في تقرير لها عن مصر والصادر يوم السبت 23 مايو  الماضي عقب أحكام الإعدام الجماعية.

أغلب الظن أن الانتخابات البرلمانية لن تتم، وإذا أتى البرلمان فبالتأكيد لن يكون بالصلاحيات الممنوحة له حاليا في الدستور المكتوب بعد الانقلاب. وأسباب التأجيل المحتمل لانتخابات البرلمان المقبلة، أو تعديل صلاحياته مسبقا بتعديل دستوري، هي نفسها أسباب تأجيل الانتخابات في مارس الماضي.

وحسب صحيفة العربي الجديد فإن تقارير أمنية تم رفعها إلى السيسي تحذره من انقلاب أبيض قد يقوده بعد رموز النظام المسيطرين على العدد الأكبر من نواب البرلمان المقبل، وذكرت بالاسم نجيب ساويرس، الذي وعد نواب حزبه بنصف مقاعد البرلمان!

واحتمال التخلص من رأس النظام مع الإبقاء على جسده مورست كثيرا من قبل، وحتى في مصر في 2011، وقد يبدو حلا مقبولا لرعاة الانقلاب، يتخلصوا به من السيسي كشخص، بعد أن تأكدوا أنه جزء من المشكلة ولن يكون جزء من الحل، وفي نفس الوقت لا تسقط البلد مجددا في حجر الإخوان، مع بقاء الجيش كقوة عسكرية حامية لمصالح أميركا في مصر، تتدخل إذا أتى رئيس من النوع غير المطلوب من القادة كما حدث في يوليو 2013.

***

4- معادلة: الهبرات الكبيرة للرئاسة، والهبرات الصغيرة للبرلمان!

العلاقة بين السيسي ومن حوله وصلت في لحظة 3 يوليو وما بعدها إلى المرحلة التقديس، مع تأكيد مستمر أن مصر لن تعود لحكم العسكر، وأنه لن يترشح للانتخابات.

لكن مع تبين كذب وعود السيسي، صارت العلاقة بينه وبين شركائه السابقين في تحالف 30 يونيو إلى المصلحة المادية البحتة فقط، دون أي اعتبارات أخرى. وإذا أراد السيسي استغلال فائض القوة الذي لديه ( بسيطرته على الجيش والشرطة والقضاء والإعلام والدعم الخارجي) للوصول للرئاسة، فليس أقل أن يترك لهم البرلمان يغتنموا من ورائه سياسيا واقتصاديا!

وإذا كان السيسي يختلف عن مبارك في العقلية والأسلوب، فإن النواب المرشحين لبرلمانه المنتظر لا يختلفوا كثيرا عن نواب برلمان مبارك، بل ربما هم أنفسهم ذات الأشخاص بذات الوجوه القديمة تحت نفس القبة القميئة وإن صار لها اسم جديد "مجلس النواب"!

وهؤلاء "النواب" نشئوا وترعرعوا على معادلة سياسية أنشأها مبارك ورسخها عبر عقود، وهي: "دعوا الرئاسة للهبرات الكبيرة، والبرلمان للهبرات الصغيرة." وهذه المعادلة كانت لا تسبب إزعاجا لمبارك، لكنها مشكوك فيها الآن، لأن البرلمان نفسه مشكوك في ولائه!

***

5 - الدستور كتب بنوايا شديدة السوء .. وليس بنوايا حسنة!

الآن يرى السيسي أن مواد الدستور الذي صنعه بلجنة معينة منه شخصيا كتبت بحسن نية، والحقيقة أنها كتبت بنوايا شديدة السوء. فلقد كان هدف هذه المواد كما قلنا إعطاء انطباع أن التحصين المذكور لوزير الدفاع يعني أن السيسي لن يترشح للانتخابات. لكن أما وقد نال مراده فقد بدت الحاجة ملحة لتعديل الدستور حتى تزيد اختصاصاته وتقل صلاحيات البرلمان!
               
وأغلب الظن أن السيسي حتى كتابة هذا الدستور كان يمارس خطة خداع لا يعرف بها إلا الدائرة الضيقة المحيطة به، وأسياده في واشنطن وتل أبيب، بغية الوصول إلى الحكم. حتى محمد بن راشد في الإمارات أدلى بتصريح طالب فيه السيسي بعدم الترشح، ما يعني أن ما حدث كان مخالفا بشكل أو بآخر لما تم الاتفاق عليه.

وكأن السيسي ليس قائدا عسكريا خان رئيسه وانقلب عليه، وكأنه زعيم مؤسسة عسكرية للانقلابات الخيرية يقوم بالجرائم كي يقطف غيره الثمار! إنها ليست نوايا حسنة بل غباء مستحكم!



السبت، 12 سبتمبر 2015

وفاة المعتمرين أسوأ أم قتل المعتصمين؟؟

وفاة المعتمرين أسوأ أم قتل المعتصمين؟؟
_______________________________

خبر حزين انتشر بسرعة على الشاشات وشبكات التواصل: وفاة 107 معتمر وأكثر من 240 مصابا من ضيوف الرحمن بسقوط رافعة في الحرم المكي..  

النظام السعودي عزى الأمر للعواصف والرياح، وبدأ ينشر مقاطع فيديو لقوة الرياح التي هبت على الحرم مبررا الكارثة! القضاء والقدر إذن هو سبب وفاة هؤلاء المعتمرين الغلابة، وليحمدوا الله أنهم ماتوا في بيت الله الحرام، لكن لا أحد مسؤول في هذه المملكة بالطبع! هذا وقد تفضل ولي ولي العهد بمتابعة الأمر! 

الفيديوهات التي نشرتها المملكة للعواصف القوية على الحرم دليل يدين النظام السعودي ولا يبرئه، فإذا كانت الأرصاد الجوية تقول أن رياحا شديدة ستهب، فلم لم تتخذ الإجراءات الكافية لحماية ضيوف الرحمن وضمان سلامتهم، وإبعاد الرافعات عن أماكن السعي والطواف أو على الأقل تأمينها بشكل جيد، ولا سيما في هذا التوقيت من العام، الذي يعج فيه المكان بالملايين قبيل فريضة الحج بأيام؟؟

لا أدري الحكم الفقهي لهؤلاء الذين أتوا لأداء شعيرة العمرة استعداد للحج فوجدوا أنفسهم تحت وطأة رافعة تزن أطنانا تسقط عليهم لتدك عظامهم.

ولكن ظني والله أعلم أنه قتل خطأ، فالمسؤول عن عمارة المسجد مسؤول مسؤولية أدبية وأخلاقية وسياسية عن حياة هؤلاء المعتمرين حتى وإن لم يكن مسؤولا بشكل جنائي!

***

وإذا كان النظام السعودي غير مسؤول بشكل جنائي عن وفاة 107 معتمرين (حتى الآن)، فماذا سيقول لله عز وجل عن قتل آلاف المعتصمين في رابعة العدوية والنهضة وغيرها من ميادين مصر؟؟

النظام السعودي المستبد متهم بوأد ثورات الشعوب واغتيال آمال الشباب في المنطقة ككل، بدء من استقبال طاغية تونس بن علي الفاسد العلماني المستبد الذي ثار عليه الشعب، ثم استقبال طاغية اليمن علي صالح، بعد أن قتل المعتصمين في ساحة التغيير، وأجرت له المملكة ما يقارب 10 عمليات جراحية (ثمانية فقط في الوجه)  قبل أن يتحالف مع خصوم اليمن الحوثيين عملاء إيران وخصوم المملكة ويتآمر معهم عليها! 

والنظام السعودي أيد انقلابا عسكريا في مصر أدى لأكبر عملية قتل جماعي في تاريخ مصر،وأمده بما يقارب 50 مليار دولار حتى الآن، مما يعني أن كل طلقة تطلق في مصر تخرج من الخزانة السعودية، بموافقة سعودية وتوجيهات سعودية ودعم سعودي! 

1000 "قتيل" على الأقل اعترف بهم حازم الببلاوي رئيس الوزراء الأسبق في حوار مع قناة أميركية، كنتيجة مباشرة لفض الاعتصام، والذي كان مطلبا خاصا للملك عبد الله، الذي طمأن السيسي بأنه لن يلاحق قضائيا جراء مجزرته!

كل هذا فقط  لأن النظام السعودي يخشى أن تطرق رياح الديمقراطية والانتخابات أبواب المملكة بعد أن لمست التجربة المصرية قلوب الشباب وعقولهم، الطامعين للحرية والمساواة والتغيير!

فالنظام السعودي ومعه دول الخليج كافة - باستثناء الكويت التي تتيح هامشا رقيقا من الديمقراطية - لا يزال النموذج الأبرز في العالم  على الملكية المطلقة، التي تتحكم فيها عائلة واحدة بمقدرات الدولة، أو أنصاف الدول كما وصفهم حليفهم السيسي!

وهكذا نظام مستبد لا يلائم الشباب في 2015، الراغب في مشاركة أكثر فاعلية في صنع القرار، وفي تقاسم أعدل للثروة، وفي لعب دور سياسي أكبر سواء بالترشح أو الانتخاب.

(يذكر أن آخر انتخابات قامت بها السعودية كانت عندما انتخبت من كل قبيلة رجلا فتيا لقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الهجرة!)

*** 

حتى سوريا التي تدعي السعودية الوقوف بجانب ثورتها، بدأت تتكشف الأمور شيئا فشيئا ويتضح أن الصراع في سوريا هو صراع ضد إيران وليس لمصلحة الشعب السوري! 

فمحمد بن سلمان نجل العاهل السعودي كان في موسكو منذ أشهر وعقد صفقات سلاح مع روسيا بما قيمته 10 مليارات دولار، رغم أن موسكو هي الداعم الرئيسي لبشار الأسد بالمال والسلاح!

والنظام السعودي لا يزال يدعم النظام المصري بكل قوة رغم اللقاءات السياسية بين مسؤولين مصريين وآخرين في النظام السوري، ورغم السلاح والذخيرة التي يرسلها السيسي إلى بشار الأسد لقتل السوريين، ورغم إصرار السيسي على رفع علم بشار الأسد في القمة العربية الأخيرة متجاوزا قرارات القمة العربية 2013 في الدوحة بنزع الشرعية عن الأسد واعتبار المعارضة ممثلا للشعب السوري!

والنظام السعودي ترك الأطفال السوريين يغرقون في البحر، والناجين منهم يفترشون الطرقات ومحطات المترو في أوربا، دون معونة حقيقية لإخوانهم في الدين والعرق!

وبعد ازدياد التهم وانتشار الفضيحة، خرج بيان ركيك من الخارجية السعودية يزعم استقبال 2.5 مليون لاجئ سوري في السعودية (!!) ، وهو ما يتناقض مع بيان المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، التي قالت أنه منذ البداية كانت تركيا الدولة التي لها نصيب الأسد في استقبال اللجئين السوريين، حيث استقبلت خلال الأعوام الأربعة الماضية  1.8 مليون سوري بما يقارب 45% من إجمالي عدد اللاجئين، تليها لبنان بعدد 1.1 مليون لاجئ! 

لكن يبدو أن الخارجية السعودية تعلمت "النخع" و "الفشر" من حليفهم السيسي، طالما أنه لا يوجد حسيب أو رقيب! فالسيسي صرح لوفد مجلس الشيوخ الإيطالي منذ عدة أيام أنه يستضيف 5 ملايين لاجئ، رغم أن عدد اللاجئين في كل دول الجوار وأوربا كلها 4 ملايين فقط؟؟ 

انظر مقال: (أزمة اللاجئين السوريين: إحصائيات مخجلة.. ومواقف مشينة!)

*** 

النظام السعودي مسؤول بلا شك عن وفاة المعتمرين، حتى ولو حدث ذلك خطأ، لكنه مسؤول أمام الله أيضا عن قتل المعتصمين، لأن ذلك قد حدث عمدا! وما أراه إلا إملاء من الله لزيادة الإثم  بعد فض اعتصامات مصر وغرق لاجئي سوريا، وانتشار الجثث في العراق الذي مولت السعودية مخططات غزو الأمريكان له من قبل! أم هل نسيتم أن السعودية هي من أعادت المشركين إلى جزيرة العرب بالقواعد الأميركية في الخليج، بعد أن طهرها الله من نجسهم في حجة الوداع؟؟ وأمدهم بالبترول برخص التراب منذ أربعينيات القرن الماضي حتى الآن؟؟

ماذا يكون الحال لو سقطت الرافعة على بيت الله الحرام ذاته فهدمت الكعبة بدلا من أن تقتل 107 من المعتمرين؟؟ هل كان النظام السعودي سيبدي اهتماما أكبر ومحاسبة أشد للمتسبب في هذه الكارثة؟؟ ألا فإن مقتل مسلم واحد أشد عند الله من أن تهدم الكعبة حجرا حجرا، لو كانوا يعلمون!

السبت، 5 سبتمبر 2015

قميص عثمان.. بين خصوصية الحديث وجهل خالد منتصر!

قميص عثمان.. بين خصوصية الحديث وجهل خالد منتصر!
________________________________________

كتب المدعو خالد منتصر مقالا هزيلا عن الفتنة التي وقعت أيام سيدنا عثمان رضي الله عنه، أقل ما يقال عنه أنه شديد السطحية، يختزل أحداثا جساما في سطور قليلة، لإيصال رسالة خبيثة واحدة: خلط الدين بالسياسة هو منبع الشرور، والسياسة كلها غالب ومغلوب، حتى الصحابة تنازعوا عليها، وهو تدليس واضح وجهل مدقع!

نتناول هنا بعض المغالطات التي تناولها مقاله الركيك، ليس دفاعا عن عثمان رضي الله عنه وهو الذي بشره النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما ترسيخا لمبادئ عامة لا بد منها إذا أرادت هذه الأمة حقا أن تنتصر!

***

1- وجود معارضة لا يطعن في شرعية عثمان رضي الله عنه!

الخليفة الثالث عثمان رضي الله عنه هو ولي أمر شرعي، وأحد الخلفاء الراشدين الذين أشار إليهم النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث، والمعارضون له لم ينكروا عليه ذلك، وإنما كان لهم مطالب، رآها بعض الصحابة معقولة، وأخذوا عليه بعض القرارات، التي اختلفوا بشأنها، ولم يقل أحد يوما أنه كان نبي أو مرسل من السماء مثلما قالوا عن السيسي!  

وإذا كان وجود معارضة في أي دولة طبيعيا، ولاسيما إذا كانت كبيرة مترامية الأطراف، فإن السؤال على غرار "هل إذا كان هناك معارضة للحاكم عليه أن يتنحى؟؟" يكون ساذجا، لأن دائما وأبدا سيكون هناك معارضة، وإذا تنحى كل حاكم لوجود معارضة لما بقي حاكم واحد يوما واحدا في سدة الحكم!

بل إن كل الديمقراطيات في العالم تباهي بوجود معارضة حرة، حتى الطغاة، يلجئون لمعارضات ديكورية لإضفاء لمسة من الشرعية على حكمهم الاستبدادي! فهل صارت سبة في حق عثمان رضي الله عنه وكل حاكم يتبنى النهج الإسلامي؟؟

***

2- اتفاق عثمان رضي الله عنه مع المعارضة!

السؤال إذن لا يكون هل هناك معارضة أم لا؟؟ لأن هذا سؤالا ساذجا على غرار: هل هناك من لا يشجع الأهلي في مصر؟؟ أو هل هناك من يعارض اتفاقية كامب ديفيد في مصر؟؟ أو هل من يريد الهجرة من مصر؟؟ طبيعي ستجد ذلك في مصر وفي أي دولة.

السؤال الذي يصح هو: كيف يتعامل الحاكم مع المعارضة؟؟ هل يقمعها وينكل بهم ويحرقهم أحياء؟؟ (كما يفعل السيسي)، أم يستمع إليهم ويتحاور معهم، ويوجد أرضية مشتركة بينه وبينهم، ويتفقون على آلية واضحة لانتقال السلطة ووسائل التعبير عن الاحتجاج!

وفيما يخص معاملة سيدنا عثمان رضي الله عنه للمعارضة، فقد كان تعاملا راقيا، ليت كل حاكم يعامل معارضته مثله! فلقد رفض رفضا قاطعا التعرض لحركات المعارضة أو قمعها. وحين استأذنه واليه على مصر أن يعاقب عمار بن ياسر رضي الله عنه وقادة المعارضة الذي معه من أهل مصر، رفض وكتب له سيدنا عثمان رضي الله عنه:

" بئس الرأي أنت! من أن آذن لك بعقوبة عمار وأصحابه، فأحسن صحبتهم ما صحبوك، فإذا أرادوا الرحلة فأحسن جهازهم، وإياك أن يأتيني عنك خلاف ما أتيت به إليك!"

(تاريخ المدينة لابن شبة بإسناد صحيح وآخر حسن)

على العكس؛ لقد سعى عثمان بن عفان رضي الله عنه للتحاور مع المعارضة بشتى السبل، والتقى وفودا منهم في المدينة، وأبرم معهم اتفاقا حضره الصحابي الجليل سيدنا جابر بن عبد الله رضي الله عنه، الذي فوضه سيدنا عثمان رضي الله عنه وقال له:

" أعطهم على الحق وأن أرجع عن كل شيء كرهته الأمة"، قال جابر: "اصطلحنا على الحق، على أن نرد كل منفي، ونعطي كل محروم، ونعمل بكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في العامة" (المصدر السابق)

كما أقر لهم عثمان بن عفان رضي الله عنه بحقهم في الرقابة على بيت المال، وحقهم في ترشيح من يريدون من أمراء الأقاليم، ليكونوا عليهم، وفند شبهة من اتهمه بمحاباته أهل بيته، وإعطائهم من بيت مال المسلمين، فقال "إني لا أستحل أموال المسلمين لنفسي  ولا لأحد من الناس" (الطبري)

***

3- الشحن الإعلامي وقلب الحقائق!

لكن بعد أن رجعت المعارضة راضية من عند الخليفة عثمان رضي الله عنه، وقد اتفقوا بعد المصالحة والمعاهدة، عاد الوفد المصري في الطريق ليقول أنهم وجدا كتابا مختوم بخاتم سيدنا عثمان رضي الله عنه، فيه أوامر لأمراء الأقاليم بقمع قادة المعارضة، فتداعت المعارضة من جديد وثارت ثائرتها!

اتُهم مروان بن الحكم بأنه وراء الخطاب، لأنه كاتب عثمان رضي الله عنه، وطلبوا من الخليفة إرساله إليهم، فخشي عليه أن يقتلوه، وهو لم تثبت عليه التهمة بعد. فتحولت المعارضة بعدئذ إلى معارضة متطرفة تطالب بخلع الخليفة نفسه!  

(القصة كاملة تناولها الدكتور حاكم المطيري في كتابه تحرير الإنسان وتجريد الطغيا، مبينا الروايات الصحيحة من الضعيفة)

***
 ولما جاء رجل  إلى ابن عمر رضي الله عنهما يسأله عن شائعات بحق عثمان رضي الله عنه، فسأله عن عدم حضور عثمان بدراً، أجابه ابن عمر بأنه لم يشهدها، فكبر السائل فرَحاً وشماتةً بعثمان، فناداه ابن عمر رضي الله عنهما وبيّن له أن تخلف عثمان هذا لم يكن من قِبله، إنما كان بأمر من رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يُعدّ عيباً فيه، فقال له: وأما تغيبه عن بدر، فإنه كان تحته بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت مريضة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "إن لك أجر رجل ممن شهد بدراً وسهمه" (رواه البخاري وأحمد)

كما سأله الرجل عن رجوع عثمان إلى المدينة يوم أحد، فقال له ابن عمر أن بعض الصحابة رجعوا لأنه أشيع أن رسول الله صلى الله عليهم وسلم قد قتل، فآثروا حماية المدينة حتى لا تذهب إليها قريش بعد أحد.

أما عدم حضوره رضي الله عنه بيعة الرضوان فلأنها عقدت من أجله هو، وقد أسرته قريش وحبسته، وقد كان رسولا من رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم، فاجتمع الصحابة لبيعة النبي تحت الشجرة نصرة لعثمان رضي الله عنه!

وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على  أثر الإعلام في شحن الناس وخلط الأمور وقلب الحقائق، لتحقيق أهداف سياسية خاصة، متلاعبين بالسذج من الناس، ومستغلين مشكلات حقيقية يكون علاجها بالحوار والاتفاق لا القتال والحرب الأهلية والإملاء تحت تهديد السلاح!

***

3- "حتى لا تكون سنة كلما سخط قوم إمامهم قتلوه أو خلعوه"

وقد استشار الخليفة عثمان رضي الله عنه الصحابة الكرام، فأشار بعضهم عليه بترك الأمر درء للفتنة، لكن كثيرا منهم، وعلى رأسهم ابن عمر رضي الله عنه أشار عليه ألا يفعل وقال له: "حتى لا تكون سنة كلما سخط قوم إمامهم قتلوه أو خلعوه".

هنا سيدنا عثمان رضي الله عنه لا يفكر في نفسه، ولو كان يفعل لقمع المعارضة وما خشي شيئا، فهم أقلية وهو الخليفة ومعه الجيوش تأتمر بأمره، ولأرسل إلى المعارضة مروان بن الحكم المتهم بالتزوير وتهييج الناس بخطابه ليقتلوه وتهدأ الأمور، لكنه خشي على المسلمين من بعده، كلما اتخذ الحاكم قرار لم يعجب بعض الناس، طالبوا بخلعه! فأي دولة تستقر والحال هكذا؟؟

ثم من قال أن الناس كانت لتجتمع على خليفة واحد إذا ترك عثمان رضي الله عنه الأمر؟؟ هل كان سيقبل معارضو الكوفة برأي معارضي مصر؟؟ إذا اختلفوا حول ذي النوري الخليفة الراشد الذي مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عليه راض، فهل يقبلون بمن هو دونه؟؟ لقد كان في هذا بحق تفتيت للدولة، واستقلال للولايات، منعه عثمان بموقفه الثابت رضي الله عنه.

***

4- خصوصية الحديث لعثمان رضي الله عنه.

هنا تذكر سيدنا عثمان رضي الله عنه – الذي تجاوز الثمانين - أحاديث للنبي صلى الله عليه وسلم تؤكد هذا المعنى، حيث جاء في الحديث:

حدثنا علي بن عبد العزيز قال : حدثنا المنهال بن بحر أبو سلمة العقيلي قال : حدثنا حماد بن سلمة ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وجد ألما ، فأرسل إلى عثمان قالت : فسمعته يقول : " إن الله سيقمصك قميصا فإن أرادوك على خلعه فلا تخلعه " فقيل لها : فأين كنت ، لم تذكري هذا ؟ قالت : " نسيته "
(رواه أحمد والطبراني في المعجم الأوسط)

والقميص المقصود هنا الخلافة، ونصيحة رسول الله صلى الله عليه وسلم لسيدنا عثمان ألا ينزل على رأي بعض الناس، حتى لا يكون الحكم لعبة،  وحتى "لا تكون سُنّة كلما سخط قوم إمامهم قتلوه أو خلعوه" كما نصحه بن عمر رضي الله عنه.

لم يفهم خالد منتصر أن مقولة سيدنا عثمان رضي الله عنه هي حديث من النبي صلى الله عليه وسلم يتضمن نصيحة له أشبه بالوصية، كما أن ما لم يفهمه خالد منتصر، أن الحديث مقصور على سيدنا عثمان رضي الله عنه، ولا يجوز لحاكم من بعده أن يستخدم ذات الحديث لذات الهدف في موقف مشابه.

لكن المعنى الوارد في الحديث صحيح ويمكن الاستفادة منه، وهو أن من جاء بإرادة الناس يذهب فقط بإرادة الناس، وإذا أتى رئيس بإرادة الناس على رفض بعض الناس له فلا يحق "للبعض" أن يطغى على رأي "الأكثرية"، بأي حجة كانت، بل عليه اللجوء لوسائل واضحة متفق عليه لانتقال السلطة بشكل طبيعي لا استثناء فيه، على ألا يتم ذلك تحت تهديد السلاح!

وإذا كان خالد منتصر يلمح للرئيس مرسي، فلقد كان الرجل منفتحا باعتراف الجميع على كل الاقتراحات، بما فيه إجراء انتخابات مبكرة، رغم اعتراض أنصاره، على أن تسبق الانتخابات البرلمانية الانتخابات الرئاسية، أو أن يكونا متزامنتين على أقل تقدير، حتى لا يحدث فراغ من جهة، وحتى تبقى السلطة بيد الشعب، لا بيد العسكر من جهة أخرى، وهو ما رفضه العسكر، وألقي به من النافذة كما تبين لاحقا!

***

5- إنها حرب على الدين!

هناك خطأ منهجي عند خالد منتصر وأمثاله من العلمانيين، وهو أنه يفصلون مبدئيا بين آيات القرآن الكريم قطعية الدلالة وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم الصحيحة من جهة، وبين سلوك الفرد والمجتمع والأحداث السياسية التي تقع من جهة أخرى، ويميلون لتفسير ما يجري بصورة بشرية بحتة، بعيدا عن التوجيه القرآني والمنهج النبوي وعن أي قيمة أو مُثُل، فتكون الفتنة الكبرى مثلا هو صراع على السلطة بين فريقين المنتصر فيها سيغلب، متناسين أو متجاهلين أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم حول هذه القضية، والتي كانت تحذر منها، بإشارات واضحة للفئة الباغية!

ومقصد خالد منتصر وأمثاله ليس البحث عن الحقيقة، بل تشكيك الناس في ثوابت الدين وتشويه لرموزه من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم الكرام، وفي الإسلاميين بوجه عام، رغم أن السيسي هو من عاد لتزوير الانتخابات ونسبة الستة وتسعين، وقمع المعارضين، وأحرقهم أحياء وفي صناديق الغاز، وأسكت الصحفيين والناشطين، وملأ المعتقلات بالمعارضين وليس مرسي المنتخب بحق، والذي لم يسجن في عهده صحفي واحد، ولم يعتقل معارض واحد!

الحرب ليست حربا على الإخوان، بل على المنهج الإسلامي الذي قدر أن يحمله الإخوان في هذه الفترة العصيبة من تاريخ الأمة! الحرب على دور الدين في صياغة سلوك الفرد والمجتمع،ومن ثم شكل الدولة ومعاملاتها، حتى تنسلخ الأمة عن هويتها، والشعب عن عقيدته، تلك العقيدة التي يطعن فيها في إعلام السيسي والعلمانيين ليل نهار!

أليس خالد منتصر هذا الذي قال للأستاذ صبحي صالح في العاشرة مساء: وما دخل الله في السياسة؟؟ نعوذ بالله من هؤلاء الذين يريدون لأمة أعزها الله بالإسلام أن تبتغي العزة في غيره ليذلها الله!

الأربعاء، 2 سبتمبر 2015

صرخات الشعوب المكبوتة.. من معتصمي رابعة إلى لاجئي سوريا!

 صرخات الشعوب المكبوتة.. من معتصمي رابعة إلى لاجئي سوريا!
__________________________________________________

لم يفهم الكثيرون وقتها – وربما لا يزال بعضهم لم يفهم بعد – سر هذا الإصرار العجيب والثبات الأسطوري لأنصار الرئيس محمد مرسي في ميدان رابعة العدوية، عقب الانقلاب العسكري عليه بغطاء علماني!

كان الحر شديدا، وساعات الصيام تجعل من الظل ترفا وثروة، فمن ذا الذي يترك البيت حيث الماء البارد والهواء اللطيف، ويجلس في الشوارع لساعات ثم لأيام ثم لأسابيع، حتى أتموا شهرا ونصف، وهم لا يكلون ولا يملون، وقد وطنوا أنفسهم للاعتصام عاما أو بعض عام!

لم يفهم الكثيرون أن ميدان رابعة كان صرخة من شعب مكبوت، بل ظل مكبوتا طيلة عقود وقرون، لا يؤخذ رأيه لا في سلم ولا في حرب، لا في سلطة ولا في حكم، وحين أتت له الفرصة ليختار بإرادته، جاء عسكري مغمور، ضعيف الثقافة، ضحل الفكر، فقير الإنجاز، منعدم الولاء، ليمحو خياراته بدبابته الضخمة أميركية الصنع، وطائراته التي تدربت على حماية أمن إسرائيل!

لم يفهم الكثيرون أن معتصمي رابعة كانوا متشبثين بفرصة نادرا ما تأتي، يحكم من خلالها هذا الشعب، بل جميع شعوب المنطقة، أنفسهم بأنفسهم، دون قمع أو فساد أو استبداد!

كان المعتصمون على دراية كاملة بعواقب تمسكهم بحقوقهم، واستقبلوا رسائل التهديد التي أرسلها لهم العسكر في الحرس الجمهوري والمنصة  بنفسية صلبة لم تزدد إلا ثباتا وإصرارا، وهم يستحضرون من الذاكرة اعتصاما مماثلا أمام قصر عابدين في 1954 طالبوا فيه أجداد هؤلاء العسكر بتسليم السلطة للشعب، ثم انصرفوا وتركوا الميدان إثر وعود واهية، فإذ بهم يضيعون فرصة التغيير، وتسقط البلاد في براثن الاستبداد لستين عاما، قبل أن تلوح فرصة أخرى للتغيير!  

ورغم أن ثورات الشباب بدأت في تونس، إلا أن معتصمي رابعة كانوا يدركون أن إجهاض التجربة في مصر يعني ضربة قوية للثورات ككل، فهي قلب المنطقة النابض، وتجربتها الأكثر إلهاما! فمشهد المعتصمين في ميدان التحرير ألهم الشباب في كل ساحات التغيير في دمشق وصنعاء وطرابلس، لكن الميدان صار مليئا بالفلول، مما يعني أن الميادين الأخرى أيضا باتت مهددة!

***

لاشك أن الانقلاب العسكري في مصر قد أعطى دفعة جبارة للنظام القمعي الاستبدادي في سوريا، فبمجرد إحراق المصريين في ميداني رابعة والنهضة، حتى أحرق بشار شعبه بالسلاح الكيماوي الذي لم يستخدمه حتى ذلك الحين!

ومثلما خاض الانقلاب في مصر حملة تشويه بشعة ضد معارضي الانقلاب، فقد فعل النظام السوري بالمثل، حتى استخدمت نفس الشائعات وذات الأكاذيب، فاتهموا المعتصمات العفيفات بنكاح الجهاد؛ وهي ذات الفرية التي استخدمت في سوريا، وكأنهم ينهلون من ذات الكتاب الشيطاني اللعين! لاحقا عرف الجميع العفيف من الداعر، والطاهرة من الراقصة!

ومثلما كان المستبد في سوريا ينحاز إلى طائفة أقلية من الشعب، فقد انحاز الانقلاب في مصر إلى كل الأقليات الدينية والسياسية والشعبية، والتي ما كان لها أن تطفو إلى صدارة المشهد السياسي إلا عبر دبابة كبيرة الحجم!

ومثلما كان المستبد في سوريا يتمسح في شعارات المقاومة وحرب إسرائيل، فقد تمسح الانقلاب في مصر بأفلام السبعينات والثمانينات، ناسبين فضل غيرهم إليهم ومتناسين أحضان كامب ديفيد وقبلات بيجين لجيهان!

أنصار الشرعية في مصر كانوا يعلمون أنهم ينبون عن الأمة في صد هجمة استبدادية صهيونية عفنة، يحاول بها عسكر مصر التمسك بإرث دولتهم البالية، ذات الطابع الاستبدادي العلماني الصهيوني، المتمسح بحضارة سبعة آلاف سنة، ولقطات من حرب العبور التي أجادت مصر بدايتها وأساءت نهايتها! كانوا يعلمون أن نجاح اعتصامهم في رابعة سيمنع مثل هذه المشاهد المذلة لجحافل اللاجئين السوريين وهم يطرقون أبواب أوربا، يتوسلون ويتسولون اللجوء!

لا أحد يمكن أن يعرف كم الضحايا التي كان سيتم إنقاذهم إذا لم يحدث الانقلاب، سواء في مصر أو في سوريا! إذا استمر هتاف الرئيس المصري من القاهرة لبيك يا سوريا! لا مكان ولا مجال لحزب الله يف سوريا! إذا ظلت العلاقات بين القاهرة والنظام السفاح مقطوعة! إذا لم يرسل جيش الانقلاب صواريخ الهيئة العربية للتصنيع، لا لدك تل أبيب، ولا لتحرير الجولان، ولكن لقصف دوما وحرستا وإدلب والزبداني المطالبة بالتحرير!

لكن الانقلاب في مصر سارع بعد تهجير سريع لأهل سيناء، وبعد تغير عقيدة الجيش من حرب إسرائيل إلى "حرب الإرهاب" إلى التواصل سرا وعلنا مع نظام قتل مئات الآلاف من أبناء شعبه وسلم بلده إلى الإيرانيين، للإجهاز على الثورتين المصرية والتونسية!

الرسالة التي يبعثها الطغاة في دمشق والقاهرة للشعوب واحدة؛ صرخات السعوب لا تكفي، فليس بالصراخ وحده تتحرر الشعوب، ويسقط الطغاة! إنهم حتى يستكثرون عليكم الصراخ، ويرونه إرهابا يجب اجتثاثه! يقتلونكم على الهوية، ويعتقلونكم بالاشتباه!

هناك جرح اجتماعي عميق لا يلتئم إلا بالعدل والمساواة، وقوة الحق التي تكسر غرور القوة وظلمها واستبداها!        

الثلاثاء، 1 سبتمبر 2015

أزمة اللاجئين السوريين: إحصائيات مخجلة.. ومواقف مشينة!

أزمة اللاجئين السوريين: إحصائيات مخجلة.. ومواقف مشينة!
____________________________________________

مشاهد اللاجئين السوريين وهم يفترشون الشوارع ومحطات المترو والقطارات في دول غرب البلقان، جنوب شرق القارة الأوربية، يتوسلون ويتسولون اللجوء وبعض كسر الخبز، ليس الحلقة الأولى في مسلسل أزمة اللاجئين السوريين، الذين فروا من براميل الموت المتفجرة في سوريا، وإرهاب مسلحي داعش، أملا في العبور من النمسا أو المجر إلى دول غرب أوربا (ألمانيا وفرنسا وربما عبر المانش إلى انجلترا).

بداية الأزمة تعود إلى العام 2011 مع اندلاع الثورة السورية وتحولها إلى حرب مسلحة بسبب لجوء النظام للقوة العسكرية كحل وحيد لمواجهة التظاهرات المطالبة بالإصلاح، مما دفع ملايين اللاجئين السوريين إلى ترك منازلهم والنزوح إلى مناطق أخرى داخل سوريا!

لكن مع اتساع دائرة المعارك، وازدياد وتيرة العنف من قبل النظام الذي استخدم السلاح الكيماوي أربع مرات، مع عدم وجود ضمانات بعدم استخدامه مجددا، واستمراره في الحصول على دعم عسكري من روسيا وإيران ومصر، فقد لجأ السوريين إلى اللجوء خارج سوريا بدلا من النزوح داخل أراضيها.

***

1 - إحصائيات مخجلة!

تقول الإحصائيات أن هناك 7.6  مليون سوري نازح داخل سوريا، بينما عدد اللاجئين السوريين الذين فروا إلى الدول المجاورة بلغ 4 ملايين لاجئ وسيصل إلى 4.27 مليون لاجئ بنهاية عام 2015، حسبما كشفت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.

منذ البداية كانت تركيا الدولة التي لها نصيب الأسد في استقبال ضحايا بشار الأسد، حيث استقبلت خلال الأعوام الأربعة الماضية  1.8 مليون سوري بما يقارب 45% من إجمالي عدد اللاجئين.

بينما توزع بقية اللاجئين على دول الجوار السوري كالتالي:

1.1 مليونا في لبنان
628 ألفا في الأردن
249 ألفا في العراق
134 ألفا في مصر

وقال بيان المفوضية إن حوالي 86 بالمائة من حوالي 630 ألف لاجيء سوري في الأردن يعيشون تحت خط الفقر البالغ 3.2 دولار يوميا، وأكثر من نصف السوريين اللاجئين في لبنان وعدهم 1.173 مليون يعيشون في أماكن إيواء دون المستوى المطلوب.

هذه الإحصائيات تكشف من جهة عن حجم الدمار الذي ألم بالشعب السوري، وعن الدور المخجل الذي لعبته الدول العربية في عدم مد يد العون بشكل كاف للسوريين!

***

2 - مواقف مشينة للدول العربية!

في الدول العربية لم ينصف المواطن السوري الشقيق، الذي يواجه صعوبات في الحصول على تأشيرة دخول و إقامة للعيش في بعض الدول.
ففي لبنان صدر قرار هذا العام يوضح الشروط المطلوبة من اللاجئ السوري كي يجدد إقامته أو ليسمح له بالدخول إلى لبنان.

ومن بين هذه الشروط إيجاد كفيل لبناني أو تقديم عقد استئجار منزل، حتى صار البحث عن كفيل لبناني هما يوميا بالنسبة إلى العديد من الشباب السوريين الذين وجدوا فيه الحل الوحيد لتجديد الإقامة.

أما في الأردن، فقد اتهمت منظمات حقوقية الأردن بالتخلي عن استقبال اللاجئين الجدد وقالت إن السلطات الأردنية فرضت قيودًا صارمة على المعابر الحدودية غير الرسمية في المنطقة الشرقية منذ أواخر مارس/آذار 2015، ما تسبب في عزل مئات السوريين في مناطق صحراوية داخل الحدود الأردنية.

أما عن دول الخليج فقالت منظمة العفو الدولية في تقرير نشرته في كانون الاول/ديسمبر العام الماضي "إن دول الخليج الغنية تقاعست عن استضافة لاجئين من سوريا في تجاهل مخجل بشكل خاص من جانب دول كان واجبا عليها أن تكون في طليعة من يقدمون المأوى للسوريين"، في الوقت الذي تبرعت فيه قطر بمبلغ 100 مليون دولار لضحايا إعصار كاترينا في الولايات المتحدة الأميركية منذ عشر سنين، وقدمت السعودية 24 منزلا لأهالي ضحايا هذا الإعصار!

وإذا كانت قطر والكويت والبحرين لا تستطيع مساعدة اللاجئين إلا بالمال ولا يمكنها استضافتهم لصغر مساحة هذه الدول، فإن السعودية لا يوجد لها عذر وأراضيها الشاسعة تمتد من اليمن حتى حدود الشام الجنوبية! أما دعم الإمارات لبشار بالمال، ودعم مصر له بالسلاح فقد فاق كل الحدود الإنسانية والأخلاقية!

***

3- اللاجئون يطرقون أبواب أوربا!

عدد اللاجئين السوريين الذين وصلوا إلى حدود الاتحاد الأوربي خلال الأشهر السبعة الأولى من هذا العام بلغ 340 ألف لاجئ مقابل 123   ألفا خلال الفترة ذاتها من العام 2014، بحسب وكالة "فرونتيكس" المكلفة بالحدود الخارجية لمنطقة "شنغن".

ويعمد اللاجئون السوريون الى طرق عدة للدخول الى اوروبا قد تكلف الكثيرين منهم حياتهم فقد قالت صحيفة الغارديان البريطانية انهم يتوجهون الى الدائرة القطبية الشمالية  للولوج من قرية صغيرة في روسيا الى النرويج  بلدة كوركينز النرويجية ا لتي تبعد عن دمشق أكثر من 5000 كيلو متر، ومعدل درجات الحرارة اليومي فيها تحت الصفر، للهروب من جحيم الحرب الذي يرونه على يد ميليشيات النظام وإيران وحزب الله وأبي الفضل العباس والمقاتلين الشيعة من أفغانستان وباكستان!

***

4- - الغرب يدفع ثمن دعمه لبشار الأسد!

منذ وقت مبكر طالبت تركيا بمنطقة حظر طيران في شمال سوريا، يمنع فيها طيران النظام من قصف المدنيين، وهو السبب الذي عجل بنهاية القذافي في ليبيا! هذا إن حدث لخفف كثير من حدة أزمة اللاجئين السوريين!

إلا أن الغرب رفض بشكل قاطع، رغم الإلحاح التركي المستمر، رغبة من الغرب ومن الولايات المتحدة تحديدا في إطالة أمد الصراع في سوريا، وعدم انتصار أحد الأطراف على الآخر عسكريا.

سقوط بشار كان يعني وجود فصائل إسلامية مسلحة على حدود إسرائيل وهو ما دفع كلا من واشنطن وتل أبيب إلى الوقوف في خندق واحد مع طهران وموسكو في التمسك ببشار الأسد، حتى إعداد بديل!

ومع استقبال تركيا للعدد الأكبر من اللاجئين، ومعاملتهم بشكل لائق أكثر من غيرها من الدول، فقد ظنت دول أوربية عديدة أنها بمنأى عن أزمة اللاجئين، حتى كاد عدد اللاجئين في تركيا أن يصل إلى المليونين، وفاق عددهم في بعض المدن التركية (مثل كلس) عدد الأتراك أنفسهم، مما قلل من الطاقة الاستيعابية لتركيا لاستقبال مزيد من اللاجئين السوريين، ودفع اللاجئين رغم كل المخاطر إلى ركوب البحر إلى أقرب الجزر اليونانية، ومنها إلى دول البلقان بوابتهم إلى وسط وغرب أوربا!  

الآن فقط؛ وعندما وصلت جحافل اللاجئين إلى المجر والنمسا وألمانيا، انتبهت أوربا إلى أزمة اللاجئين العميقة، وإلى الدور التركي في تحمل عبء هذه الأزمة طيلة 4 أعوام، مما دفع المستشارة الألمانية إلى الإثناء على الدور التركي في مؤتمر صحفي في العاصمة الألمانية برلين بقولها  "تركيا قدمت الكثير خلال السنوات الأخيرة في سبيل حل أزمة اللاجئين السوريين، وما زالت تقدم المزيد في هذا السبيل"!

***

5- مسؤولية الغرب لا يمكن تجاهلها!

الغرب لعب دورا كبير في هذه الأزمة، فبقاء بشار في السلطة حتى الآن تقع مسؤوليته على الغرب، والسماح له باستخدام السلاح الكيماوي أربع مرات يقع مسؤوليته على الغرب كذلك.

لعل أوربا بدأت تفطن إلى تبعات السير في ذيل الولايات المتحدة، التي تبعد كثيرا في أقصى الغرب عن مناطق الصراع، يحدها المحيطات من الجانبين، وليس لها احتكاك مع دولة واحدة عدوة لها، لكنها تجني ثمار الحروب والصراعات في المنطقة، التي يدفع تكاليفها دول الجوار!

حتى وإن استقبلت النرويج 8 آلاف لاجئ، واستقبلت بقية الدول الاوربية بضعة آلاف آخرين، فإن هذا يبقى نقطة في بحر، لا يمحو مسؤولية الغرب في إبقاء هذه الأزمة مشتعلة طيلة 4 سنوات، وعدم فرض القيود المناسبة على طيران النظام وسلاحه الكيماوي!