(د. أحمد نصار - مدونة شيئ في صدري)
من منا لم يسمع عن عصابات المافيا الإجرامية التي ذاع صيتها في كل دول العالم، ابتداء من صقلية في إيطاليا حيث نشأتها وانتهاء بالعديد من الدول بما فيها المافيا الأميركية والمافيا الروسية.
ولعل من أشهر قادة المافيا على الإطلاق هو الأميركي من أصل إيطالي أل كابون الذي قاد عصابات جرائم التهريب والغش في الخمور وغيرها من الأنشطة غير القانونية خلال عصر الحظر في عشرينيات القرن الماضي، والذي مثل قصته الفنان الشهير روبرت دي نيرو في فيلم The untouchables بصحبة مجموعة كبيرة من الممثلين أمثال شون كونري وكيفين كوستنر وآندي جارسيا وغيرهم.
كان آل كابون رجلا مختلفا عن زعماء العصابات الآخرين الذين اشتهرت بهم الولايات المتحدة، فلقد كان له رجاله الذين يغدق عليهم في القضاء والنيابة والشرطة والإعلام بشكل جعل كل محاولات الشرطة للقبض عليه تبوء بالفشل. انتشرت جرائم آل كابون بشكل مرعب، وسخر جهاز الشرطة الأميركي كل طاقته للقبض عليه طيلة عشر سنوات (1920 -1930)، لدرجة أنه قال عن نفسه ساخرا: "لقد تم اتهامي بارتكاب كل حالة قتل عدا قائمة ضحايا الحرب العالمية!!". وفي كل مرة كان يستخدم آل كابون صلاته ونفوذه في أجهزة الدولة المختلفة كي يخرج سالما كالشعرة من العجين!
***
ومع فشل كل محاولات الشرطة لإدانة آل كابون في التهم التي توجهها إليه تفتق ذهن وكيل الحظر "اليوت نيس" عن فكرة عبقرية جعلت امبراطورية أل كابون تتهاوى! هذه الفكرة مفادها إدانة آل كابون بأي تهمة ارتكبها مهما كانت صغيرة! وليس بالضرورة بالتهم الكبرى المسؤول عنها! فوجوده داخل السجن - بأي تهمة - سيفقده السيطرة على عصابته الإجرامية وسيجعل جميع السياسيين الذين يدعمونه ينأون بأنفسهم عنه خوفا من تلطخ سمعتهم، كما ستتوقف المرتبات الشهرية التي يغدق بها على رجال الصحافة والإعلام والشرطة والقضاء مما سيجعل إمبراطوريته تتهاوى من تلقاء نفسها. وبالفعل تم إعداد تهمة محكمة بالتعاون مع مكتب مكافحة التهرب الضريبي (آي أر اس) أدين فيها آل كابون بالتهرب من دفع ضريبة الدخل!! وأزدع زعيم المافيا في السجن عام (1931) بعد محاولة فاشلة لرشوة المحلفين الذين قام اليوت نيس بتغييرهم!
***
لماذا نستدعي هذا الآن؟
كلنا يعلم حجم الفساد الموجود في مصر، والذي إذا رآه آل كابون لجلس في تواضع في مقاعد التلاميذ! فبالرغم من أن الثورة المباركة أطاحت رأس النظام في 11 فبراير 2011، وقام الرئيس محمد مرسي بفضل الله بالإطاحة بقلب النظام النابض الجاثم على صدور الثوار "المجلس العسكري" في 12 أغسطس 2012، إلا أن جسد النظام القوي مازال قائما وموجودا بشكل تصعب معه أي عملية تنمية حقيقية!
وهذا الجسد له صفتان خطيرتان، الأولى أنه منتشر كالسرطان في كل مفاصل الدولة! من الشرطة للقضاء للصحافة والإعلام وجهاز الدولة الإداري...إلخ! والثانية أنه جاهز للعمل تحت أي رأس جديدة تركب! فلو فاز شفيق مثلا لا قدر الله لعاد النظام بكل صحته وعافيته وحيويته بل أقوى مما كان وكأن ثورة لم تقم!
مهمة الرئيس المنتخب محمد مرسي ومن معه من الثوار الآن هو تقطيع أوصال هذا الجسد الفاسد إربا إربا وبناء دولة مؤسسات حقيقية لا فساد فيها ولا رشوة! إلا أن مواجهة هذا الفساد في معارك منفصلة على حدة مع كل هذه القطاعات سيستنزف جهد الرئيس ووقته، ولن يفضي إلى نتائج ملموسة وسريعة، بالضبط كما حدث مع آل كابون في أميركا!
الحل في رأيي هو سياسة تجفيف المنابع! أن نركز جهودنا على الرؤوس فقط وندينهم في جرائمهم التي يعلمها الجميع، بالقانون وليس تجنيا على أحد، فتودع هذه الرؤوس في السجن، وتتوقف الأموال التي تغدق على رجالهم في الشرطة والقضاء والإعلام فتتهاوى إمبراطورية الفساد في مصر من تلقاء نفسها!
ولا شك أن الشخص الرئيسي Key person الذي يمكنه فعل ذلك هو نائب الشعب النائب العام، لذا كان مطالبة الثوار بإقالته منذ اليوم الأول للثورة سليم مائة في المائة، وينم عن وعي ثوري بمجريات الأمور! ولأن أعداء الثورة والغارقون في الفساد حتى آذانهم يعلمون ذلك فقد فقد عقد كل من محمد الأمين وحسن راتب والسيد البدوي وأحمد بهجت ونجيب ساويرس اجتماعا عاجلا بعد ساعات من انتشار خبر إقالة النائب العام لبحث تداعيات الأمر!
ثم أتى تداعي بعض النخب العلمانية (مثل البرادعي وحمزاوي وحمدين وغيرهم) للوقوف بجانبه وتأييده كشفا للكثير من الوجوه المستترة بعباءة الثورة، أو أولئك الذين يفضلون خراب مصر مع الإخوان على نجاح مصر مع الإخوان كما وصفهم الدكتور معتز بالله عبد الفتاح.
فهذا النائب العام الذي وصفه حمدين صباحي أنه "أرجل نائب عام في مصر" و "أكثر نائب عام قاوم مبارك" (!!) هو الذي قال عن خالد سعيد أنه حشاش، وهو الذي حفظ تحقيق العبارة حتى هرب صاحبها، وسمح بهروب الأمريكان المتهمين في قضية التمويل الأجنبي دون أن نسمع له صوتا! وحفظ العديد من التحقيقات للعديد من المفسدين أبرزهم شفيق الذي سمح له بالسفر بعد يومين من انتخابات الرئاسة رغم تل التحقيقات التي يحفظها في درج مكتبه!
إن استمرار هذا الوضع كما هو عليه يعني استنزافا لطاقة الثوار وتضيعا لوقت ثمين نحن في أمس الحاجة إليه!
إن استكمال المؤسسات غير الموجودة (دستور - برلمان - حكومة منتخبة ) وتطهير المؤسسات القائمة (قضاء - شرطة - إعلام - جهاز الدولة الإداري) هو الهدف المرحلي للدولة المصرية. وترسيخ (تداول السلطة والعدالة الاجتماعية والسلم الأهلي وإذابة الاحتقان) هو الهدف الاستراتيجي للدولة المصرية.
والمفتاح الرئيسي لتحقيق كل ذلك هو إقالة النائب العام! فتحية لمن يقدم مصلحة الوطن على أي خلافات السياسية, تحية لكل من يقف في وجه النائب العام غير عابئ بالقصف الإعلامي الذي يطالهم وعلى رأسهم الثلاثي عصام سلطان ومحمد الصاوي وحاتم عزام! حفظ الله مصر.. حفظ الله الثورة
